﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك، والذي سنتحدث فيه عن بقية المجريات، أو عن بعض المجريات بعد ما ذكرنا في اللقاء السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحسس أخبار أبي سفيان، وأنه جاءه بسبسة بن عمرو الجهني وأخبره بخبر العير، فخرج النبي لاعتراضها، وذكرنا أن النبي لم يحتفل لهذا الخروج ولم يستعد له أتم الاستعداد، ولذلك كان كل ثلاثة يعتقون البعير الواحد.
أما أبو سفيان فإنه وهو قادم من الشام كان يتحسس الأخبار، ويتخوف أيضًا من الطلب، لأنه لقيهم رجل من جذام فأخبرهم في الطريق أن النبي عرض لهم في بدأتِه، فقالوا: والله ما شعرنا بذلك، فقال: بلى عرض لكم وأنتم مختفون، وأنه يعد لكم الأيام عدًّا، ووالله لا أرى كراعًا ولا سلاحًا ولا عددًا؛ يقول لا أرى سلاحًا يعني ليس عندكم سلاح، ولا كراعًا يعني ولا خيل، ولا عددًا من الرجال يعني العدد قليل، لأنهم كانوا أربعين أو على أقصى تقدير سبعين رجلًا. فانظروا إلى رأيكم أو ارتووا رأيكم، فأجمع رأيهم أن يبعثوا رجلًا يقال له ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة؛ كي يستحث للخروج لنجدة العير. أمر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري، واستأجره وقال له: إذا أقبلت أو دخلت مكة فحول الرحل، وجدع البعير، وشق القميص من القبل والدبر، ثم اصرخ بأعلى صوتك: الغوث الغوث، اللطيمة! فجاء ضمضم بن عمرو حتى دخل مكة.
قبل أن يدخل ضمضم بن عمرو الغفاري مكة، كانت عاتكة بنت عبد المطلب وهي عمة النبي صلى الله عليه وسلم قد رأت رؤيا، وهذه الرؤيا عجيبة جدًّا، وهي أنها رأت في منامها أن راكبًا جاء على بعير ثم وقف على الأبطح، ثم صرخ: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث! ثم ذهب من الأبطح إلى البيت إلى الكعبة والناس خلفه، حتى مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث! ثم مثل به بعيره على أبي قبيس -على جبل أبي قبيس- وصرخ بمثلها: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث! ثم أخذ صخرة عظيمة وألقاها من الجبل حتى وصلت إلى أسفل الجبل، فارفضت يعني تشققت، حتى لم تبق دار من دور أهل مكة أو قريش إلا ودخلتها فلقة من هذه الصخرة.
فلما استيقظت ورأت هذه الرؤيا، أخبرت العباس أخاها العباس بن عبد المطلب وقالت له: إني رأيت رؤيا فاكتم علي، وأخبرته بالرؤيا، وقال هو: وأنتِ فكتمتها، لكن العباس جاء إلى الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان صديقًا له وأخبره بهذه الرؤيا، والوليد بن عتبة أخبر أباه عتبة بن ربيعة بالرؤيا، حتى فشا أمر الرؤيا في مكة كلها، وهكذا دائمًا السر إذا خرج من الواحد إلى الاثنين فهو أدعى للانتشار، وهكذا إذا زاد عن اثنين كان ذلك إشاعة له، ولذلك يقولون: إذا جاوز الاثنين سر فإنه بث، وتكثير الوشاة قمين.
ويقولون: العرب تقول صدرك أوسع لسرك، وكانوا يقولون: إذا أراد الرجل أو ارتاد الرجل لسره موضعًا فقد أشاعه، يعني إذا بحث عن شخص يضع عنده سره فإن هذا إشاعة له لهذا السر. ومع ذلك فهم يمدحون الذي يكتم الأسرار، يقولون: إذا أردت أن تعطي سرك لأحد فأعطه شخصًا صخرةً أو كتومًا، ولذلك كان يمتدح نفسه أبو محجن الثقفي وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، فيقول: وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض، وأكتم السر فيه ضربة العنق. لكن بعض الناس لا يمكن أن يبقى عنده سر، طبعًا الأسرار تختلف؛ هناك السر الذي لا يمكن أن يخرج من الإنسان لأنه لو خرج حتى لصديقه ربما أفشاه بعد ما يكون عدوًّا له، أو ربما أفشاه عن حسن نية فيضر بهذا الإفشاء، وهناك من الأسرار ما هو سهل إفشاؤه وأمر يسير، والناس أيضًا يختلفون، فمن الناس من لا يخرج عنه السر، ومن الناس من إذا أخبرته بالسر أخذ يفكر في من يضع السر عنده من الناس.
ولذلك يقول أحد الشعراء في شعر له طريف: يقول ولا أكتم الأسرار لكن أذيع، ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي، وإن قليل العقل من بات ليله تقلبه الأسرار جنبًا إلى جنب. طبعًا هذا من طرافة ما يقوله الشعراء، الشاهد من الكلام أن العباس أخبر الوليد بن عتبة بن ربيعة، والوليد أخبر أباه حتى فشا هذا الخبر في أندية مكة. يقول العباس: فبينما أنا أطوف وإذا أبو جهل في جماعة من قريش، فلما رآني أطوف قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت من الطواف أقبلت إليهم، فقال: ما هذه الرؤيا التي رأت عاتكة؟ فأنكرت ذلك وقلت: وما رأت؟ قال: أما يكفيكم يا بني عبد المطلب أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ ثم قال: سنتربص ثلاثة أيام؛ لأنها قالت إن الرجل الذي رأته في المنام قال: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث. قال أبو جهل: سنتربص بكم ثلاثة أيام، فإن كان ما قالت فسيكون، وإلا كتبنا عليكم كتابًا يا بني عبد المطلب أنكم أكذب العرب أو أكذب بيت في العرب. قال: فوالله ما كان مني إليه كبير شيء.
قال: فلما أمسيت يقول العباس يعني ما رددت عليه، وإنما أنكرت هذه الرؤيا وأنكرت الأمر، قال: فلما رجعت وأمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا جاءتني وتكلمت علي، وكانوا يقولون له يعني: أرضيت أن هذا الفاسق يقع في رجالكم، وها هو يقع في نسائكم ولا يكون منك إليه كبير شيء؟ قال: قد والله كان ما كان، إني لم يكن عني إليه كبير شيء يعني ما قلت شيئًا ضده، قال: ثم تأسفت أنه قد فاتني أن أنال منه شيئًا، قال: فقلت: والله لأعرضن له غدًا ثم لأفعلن. قال: فانطلقت في اليوم التالي من رؤيا عاتكة، وهو اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، قال: فلما انطلقت فإذا هو أبو جهل في المسجد، فأخذت أتعرض له، وكان رجلًا حديد النظر حديد يعني نحيفًا حديد الوجه، قال: وجدته في المسجد وإذا هو يعني لما رآني أخذ يشتد في المسير ويريد أن يخرج من باب المسجد، فقلت في نفسي: أكل هذا فرق من أن أشاتمه؟ لعنه الله!
قال: فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، فإذا أبو جهل قد سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري يصرخ ويقول: اللطيمة اللطيمة! قد جدع بعيره وشق قميصه من قبله ودبره، وحول رحله، ويصرخ بأعلى صوته: اللطيمة اللطيمة! الغوث الغوث! والله لا تدركون، قد عرض لها محمد في أصحابه. وبذلك يقول سليم في منظومته قرة العينين يقول: وضمضم بن عمرو الغفاري أجره صخر للاستنفار -صخر يعني أبو سفيان- وضمضم بن عمرو الغفاري أجره صخر للاستنفار، فعندما بلغ بطن الوادي أذاع أمر العير في النوادي، وحول الرحل وجدع البعير، وبصراخ واقفًا يدعو النفير.
قال: فلما سمع هذا الكلام شغله عني ما شغلني عنه؛ يعني أنا شغلت عنه وهو شغل عني أبا جهل، واشتغل الناس بضمضم بن عمرو، حتى إنه كان يقول بعض قريش: حكيم بن حزام وعمير بن وهب كانوا يقولون من شدة ما هالهما من هذا الرجل: والله ما صرخ على لسان ضمضم إلا شيطان، يعني ما هذا الذي صرخ علينا أو أخبرنا بهذا الخبر ما هو إنسان إنما هو شيطان، فإنه لم يملكنا من أمورنا شيئًا، يعني أخذت قريش تتجهز، ويعين بعضها بعضًا، ويصرخ بعضهم لبعض ويقولون: والله أترضون أن يعرض محمد لعيركم؟ ويظنون أنها كعير ابن الحضرمي، وعير ابن الحضرمي كان بعض أصحاب النبي قد أخذوها وأخذوا ما عندها من الأموال.
فقامت قريش وقامت قائمتها، وكل واحد منهم يحرض الآخر على الخروج لنجدة أبي سفيان، فتجهزوا في مدة وجيزة جدًّا، وأخذ قويهم يعين ضعيفهم، وجاء بعضهم يستقسم بالأزلام، فمنهم عمير بن وهب وغيره، فلما استقسم خرج القدح الناهي. الأزلام الاستقسام بالأزلام هي ثلاثة أسهم أو ثلاثة سهام، يكتب في واحد منها: افعل، والثاني: لا تفعل، والثالث يكون غفلًا هكذا ليس مكتوبًا عليه شيء، ثم يضعونها عند الصنم، ويدخل يده، فإذا خرج: لا تفعل، لم يفعل الفعل الذي يريده، فإن خرج: افعل، ذهب إليه، وإن خرج القدح الذي ليس فيه كتابة أعاد الاستقسام مرة ثانية.
طبعًا هذا الاستقسام قد يقع فيه، هو من فعل الجاهلية، هو من الشرك، وقد يقع فيه بعض المسلمين جهلًا، وصورته أن تجعل قرعة لشيء مستقبل، يعني مثلًا أنت تريد أن تفعل أمرًا مستقبليًّا كزواج أو دخول في مشروع أو نحو ذلك، ثم تجعل قرعة: أدخل فيه أو لا أدخل؟ أفعل أو لا أفعل؟ هذا هو الاستقسام بالأزلام، وأما إذا كانت القرعة في شيء موجود، ليس في شيء مستقبل، فهذا لا بأس به، وقد أقرته الشريعة. قريش استقسمت فخرج لكل واحد منهم القدح الناهي، فكانوا يقولون: والله ما وجدنا أكذب من هذه الأزلام، يعني يكذبون، وأرادوا الخروج، ومنهم من كره ذلك الخروج، حتى إن أمية بن خلف أراد أن يتخلف عن الناس، فجاءه عقبة بن أبي معيط بمجمرة ووضعها تحته وقال: تجمر فإنما أنت من النساء. أيها المشاهدون الكرام نقف هنا، ونكمل بعد قليل إن شاء الله.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام مرة أخرى، كنا تحدثنا قبل قليل عن خروج قريش واستعدادها وتجهزها لنجدة عيرها، والاستقسام بالأزلام، وذكرنا أن الاستقسام بالأزلام شيء من الشرك لا يجوز، وله صورة قد يفعلها بعض المسلمين، وهي عندما يفعلون القرعة لشيء مستقبل لزواج أو لدخول في أمر مستقبل، وقد عوضنا النبي صلى الله عليه وسلم والشرع بالاستخارة؛ هناك شيء يسمى الاستخارة، يصلي الإنسان ركعتين ويستخير الله سبحانه وتعالى في أمره الذي يعزم عليه أو يريد فعله، وهناك الاستشارة، يستشير الناس، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشير أصحابه في بعض ما يريد فعله.
وأما القرعة لأمر مستقبل لأمر يريد أن يفعله الإنسان فهذا لا يجوز في الشرع، وهو من الاستقسام بالأزلام، لكن القرعة لشيء موجود يعني مثلًا أولاد الإنسان يريد أن يبدأ بواحد منهم في لعبة أو يعطيه شيئًا ثم يعطي الآخر بعد، هذا لا بأس به؛ لأنه قسمة بين شخصين أو اثنين متساويين في الحق، والحق موجود، القرعة في الموجود لا بأس بها، وفي ذلك أدلة كثيرة منها: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 141]، ومنها: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44]، إلى غير ذلك من الآيات، وكذلك الأحاديث الكثيرة.
فقريش خرجت، ولكن جماعة منهم لما رأوا الأزلام قد خرج منها القدح الناهي كرهوا الخروج، وممن كره الخروج أبو لهب فلم يخرج أصلًا، لم يخرج لأمور كثيرة، للاستقسام بالأزلام وهو لم يستقسم أصلًا، ولكنه كره بسبب رؤيا عاتكة، وكان يقول: رؤيا عاتكة إنما هي أخذ باليد، يعني كأنه متيقن أنه سيحصل ما حدث في رؤيا عاتكة، وهو فار من الموت في القتال، وقد مات ميتة شنيعة أبو لهب كما هو معلوم وليس هذا مجال ذكره. من الناس من كره الخروج أيضًا من قريش منهم عامر بن الحارث، ومنهم حكيم بن حزام، منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، كانوا قد كرهوا الخروج في ذلك الوجه، ولكنهم خرجوا.
وفي أثناء خروجهم في الطريق تذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة من كنانة من بني كنانة، لأن قريشًا كان بينهم وبين بني بكر قتال قبل الإسلام، وكانت بينهم دماء، فلما جاء الإسلام حجز بينهم، وكان مما حصل بينهم أن عامر بن الملوح مر عليه ولد لحفص بن الأخيف القرشي، وعامر بن الملوح سيد من سادات كنانة، مر عليه لابسًا ذلك الثوب الجميل، فقال: من أنت أيها الغلام؟ فقال: أنا ابن لحفص بن الأخيف القرشي. فلما ولى الغلام قال عامر بن الملوح لبني كنانة الموجودين أو لبني بكر: أليس لأحد منكم دم في قريش؟ فقالوا: بلى، قال: من قتل هذا الغلام بالدم الذي له فقد ثار لدمه، فلحقه رجل وقتل ذلك الغلام، ثم ثارت قريش، فقال عامر بن الملوح: عندكم دماء ونحن نطلب بدماء، وأنتم تطلبون بدماء، فرجل برجل، أو تؤدوا ما لنا عليكم ونؤدي ما لكم علينا، فقالوا: نعم رجل برجل، وهان عليهم أمر هذا الغلام.
لكن أخو هذا الغلام مكرز بن حفص بن الأخيف، وهذا الرجل سيأتي ذكره عند ذكر الأسرى في أسرى بدر، هذا الرجل كان شديدًا، خرج ولم يقنع بما حصل من الكلام بين سيد بني كنانة وبين قريش، فرأى عامر بن الملوح في مكان فعلاه وقتله وأخذ سيفه وعلقه بالكعبة، فعرف الناس لما رأوا السيف معلقًا بالكعبة أنه سيف عامر بن الملوح، وأن الذي قتله مكرز بن حفص بثار أخيه أو بدم أخيه، فعند ذلك بنو بكر ثاروا وقالوا: والله لنقتلن بسيدنا رجلين أو...
ثم جاء الإسلام وحجز بين الناس، وشغلوا بالإسلام. فلما خرجت قريش لنجدة عيرها تذكرت هذه الدماء التي بينها وبين بني بكر، وخافت على الناس أو على الذراري الذين خلفهم والنساء والكبار والأموال، خافت أن بني بكر من كنانة يأتون ويخالفون في خروجهم ويسبون هذه الذراري والنساء. فعند ذلك بدلهم الشيطان كما ذكر الله سبحانه وتعالى في صورة سراقة بن مالك، جاء الشيطان في صورة سراقة بن مالك وهو من بني كنانة المدلجي سيد من ساداتهم، فقال لهم: إني جار لكم. يقوله الشيطان على لسانه كأنه في صورة سراقة بن مالك، وهذا الموقف ذكره الله سبحانه وتعالى. فعند ذلك طابت أنفسهم وخرجوا واستمروا في وجههم الذي يريدون.
الله سبحانه وتعالى ذكر هذا الكلام فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 47-48]. هنا قال إني جار لكم، لكن بعدما التقى الفريقان فر الشيطان ونكص على عقبيه كما ذكر سبحانه وتعالى.
هذه قريش خرجت وهي متكبرة متبخترة، كل يوم ينحرون عشراً من الإبل وتسعاً من الإبل، ومعهم القيان والدفوف، والدفوف تضرب والنساء المملوكات يرقصن ويغنين ويطعمون الناس في صورة عجيبة ذكرها الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 47].
حتى وصلوا إلى الجحفة، وفي الجحفة رأى جهيم بن الصلت وكان معهم رؤيا أيضاً، رأى أن بعيراً ضرب في لبته وخرج منه دمه، ولم يترك خباءً من أخبية العسكر إلا ودخل فيها شيء من دمه، فاستاء لهذه الرؤيا، وهو من بني المطلب بن عبد مناف بن قصي وهو من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم والمطلب هو عم عبد المطلب، فهو من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مع الكفار. الذي هو جهيم بن الصلت لما سمع هذه الرؤيا، أبو جهل قال مقالة أخرى، قال: هذا نبي آخر من بني المطلب، هناك قال تنبأت امرأة من بني عبد المطلب، وهنا قال هذا نبي آخر من بني المطلب؛ هكذا كان أبو جهل يستهزئ بما يسمعه من هذه العلامات التي تدل على أمر جلل.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد خرج من المدينة وهو وأصحابه يعتقبون كل ثلاثة على بعير كما ذكرت في حلقة ماضية، فلما بلغوا الصفراء أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عينين وهما بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني أيضاً، فنزلوا قدامهم وهو عند الصفراء فقدم يبحثون عن العير أو يتحسسون خبر العير. فجاء هذان الرجلان إلى بئر بدر فوجدا عليه جاريتين تتخاصمان، كل واحدة إحداهما تلتزم بالثانية تطلبها مالاً على الماء، مجدي بن عمرو الجهني وأحد الجاريتين تقول للأخرى، الملزوم تقول للآزمة: غداً تأتي العير أو بعد غد فأعمل لها وأقضي دينك الذي علي. فقال مجدي بن عمرو وكان على الماء: صدقت، غداً أو بعد غد تأتي العير. فهذان الرجلان اللذان بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم يتحسس خبر العير سمعا هذا الحوار بين الجاريتين، وسمعا تصديق مجدي بن عمرو لحوارهما، فركبا على بعيرهما ورجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
عند ذلك جاء أبو سفيان تقدم أصحابه إلى بئر بدر، فوجد مجدي بن عمرو فقال: هل رأيت من شيء تنكره؟ قال: لا، إلا أني رأيت راكبين قد أناخا وأخذا ماءً في شن لهما ثم رحلا. فذهب أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما ثم وجد بعراً، ففت فوجد فيه نوى التمر، فقال: هذه والله علائف يثرب. فعند ذلك رجع مسرعاً إلى العير وساحل بها، يعني غير الطريق بدلاً من أن يمر على بدر ويكون بدر محطة له، ساحل بالعير يعني ذهب إلى الساحل حتى نجا بهذه العير. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري