دخولتسجيل الدخول

الحلقة 4

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنكمل فيها بإذن الله ما بدأناه من مجريات غزوة بدر. كنا تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض المجريات، ووصلنا في آخر الحلقة إلى أن أبا سفيان قد نجا بالعير.

ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اقترب من الصفراء، أرسل بسبسة بن عمرو الجهني، وكذلك عدي بن أبي الزغباء إلى بئر بدر، أرسلهما يتحسسان خبر العير. فأقبلا على بئر بدر، وكان معهما شن فملا الشن من البئر، وكان على البئر جاريتان تتلازمان، إحداهما كانت تلازم الأخرى وتطلبها بدين، وكان على البئر أيضاً رجل يقال له مجدي بن عمرو الجهني. فقالت إحدى الجاريتين للأخرى: غداً تأتي العير، فأعمل لديهم فأقضي دينك. فقال مجدي بن عمرو: صدقت.

فعند ذلك ركب بسبسة بن عمرو الجهني وكذلك عدي بن أبي الزغباء بعيرهما، ورجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه بالخبر. بعد ذهابهما جاء أبو سفيان بن حرب، واستبق عيره، جاء في مقدمة العير وترك العير خلفه، وسبق إلى الماء لينظر هل هناك خبر، فوجد مجدي بن عمرو على البئر، فسأله: هل رأيت من شيء؟ فقال: أو شيئاً تنكره؟ فقال: لا، إلا أنه قد جاء رجلان فأنخا هنا، وأخذا شنهما فملاه ماء ثم ذهبا.

فذهب أبو سفيان إلى مناخ البعير، فأخذ بعر البعير ففته، ولما فته وجد فيه نوى التمر، والنوى إنما يكون لعلف يثرب. يقول أبو سفيان: فعلمت أن هذين الرجلين عين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعند ذلك رجع مسرعاً إلى عيره، وساحل بها، أي ذهب إلى جهة الساحل، وأسرع وصار يسير كل وقت الليل والنهار لعله ينجو بهذه العير.

وهذان الرجلان رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا النبي صلى الله عليه وسلم في وادٍ يقال له ذفران. فلما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه الخبر، وإذا الوحي قد جاء من السماء، وإذا جبريل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ستكون الوقعة، أي أن قريشاً خرجت، وأنه بدلاً من العير سيكون هناك قتال. فعند ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها الناس في قتال القوم، إن قريشاً خرجت لتنجد عيرها أو لتحرز أبا سفيان».

فقال القوم: يا رسول الله، إنما خرجنا للعير، ما كنا مستعدين لقتال، والدليل على ذلك أنهم أسرعوا في خروجهم، وكان كل ثلاثة على بعير وكل أربعة على بعير، وليس عندهم سيوف كثيرة، وليس عندهم من الخيل إلا فارسان. فأخذ النبي يستشيرهم وهم يأبونه ويقولون: اطلب العير ودع النفير. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: 5-6].

النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم وأن الله وعده إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، والعير قد ذهبت ونجت. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرهم: أشيروا علي أيها الناس، ما رأيكم في قتال القوم؟ فقام أبو بكر فأحسن القول، ثم قام عمر فأحسن القول، ثم قام المقداد بن الأسود (المقداد بن عمرو الكندي) رضي الله تعالى عنه، وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أول مشهد يشهده، وقد كان فر من قريش في هذه السنة، هو كان في مكة المكرمة وكان يخفي إسلامه وخرج مع قريش، فلما اقتربت من المدينة أو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى السرايا، فر المقداد بن الأسود ومعه عتبة بن غزوان إلى المسلمين والتحق بالمسلمين.

فعند ذلك كان المقداد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فارساً على فرس، ليس هناك إلا كما ذكرت فارسان؛ فرس عليها المقداد بن عمرو الكندي، وفرس عليها الزبير، ويقال عليها مرثد بن أبي مرثد الغنوي. الشاهد أن المقداد بن عمرو لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، فقال: يا رسول الله، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معك مقاتلون. نقاتل عن يمينك ونقاتل عن شمالك، ونقاتل من أمامك ومن خلفك. فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول المقداد واستنار وجهه.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها الناس». وكان رسول الله يريد بإلحاح في الاستشارة أن يسمع رأي الأنصار؛ لأن كل من تكلم إنما هم المهاجرون، والأنصار ساكتون. وكان بعضهم يقول كما يذكر أبو أيوب الأنصاري إنهم يريدون العير ولا يريدون القتال، كما ذكر سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7].

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها الناس». فعند ذلك قام سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس، سيد من سادات الأنصار. والأنصار قسمان: الأوس والخزرج. وقد حصلت الاستشارة من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عدة مرات، في البداية قبل الخروج من المدينة استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العير، فقام سعد بن عبادة الأنصاري وقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ ثم قال قولته كما في صحيح مسلم. وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بخروج قريش وأن الوقعة كائنة، استشار الصحابة في القتال، هناك استشار الأنصار وكان يريد رأي الأنصار في الخروج لطلب العير، ولا يريد أن يحملهم أو يرغمهم على شيء لا يريدونه. وهنا استشارهم صلى الله عليه وسلم في القتال.

وإنما استشار صلى الله عليه وسلم الأنصار؛ لأن الأنصار في بداية الأمر عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة بايعوه على أن يحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصل إلى ديارهم، وإذا وصل إلى ديارهم يحمونه مما يحمون منه نساءهم وأموالهم، وأما خارج المدينة فإنهم براء من ذمة صلى الله عليه وسلم، أي ليس عليهم أن يحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج المدينة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف رأيهم. ولكن القوم كما هو عادة كل من أسلم أو كل من دخل الإيمان، إذا دخل الإيمان قلبه وتغلغل في سويداء قلبه وفي فؤاده تتغير الموازين؛ يصبح الإسلام أحب إليه من أهله، يصبح الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه ومن أولاده ومن آبائه.

ولذلك لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، كأنك تريدنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: يا رسول الله، آمنا بك وصدقناك، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا يا رسول الله، والله لو أمرتنا أن نخيض بها البحر لأخضناه. يا رسول الله، في بعض الروايات قال: يا رسول الله، صل من شئت واقطع من شئت، وصل حبال من شئت وخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت. يا رسول الله، والله إنا لنكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصدق في الحرب، صبر عند اللقاء، فامضِ يا رسول الله لما أراد الله. فعند ذلك استبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «امضوا في سبيل الله وأبشروا، فوالله لكأني أرى مصارع القوم».

يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وعند ذلك ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ونزل قريباً من بدر. ثم ركب صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الجيش قريباً من بدر، ركب هو وأبو بكر الصديق وجالا حول بدر حتى أقبلا قريباً من الماء، فوجدا رجلاً يقال له سفيان الضمري، فسأله النبي -وكان شيخاً كبيراً-: هل سمعت بمحمد وأصحابه وقريش وخروجهم؟ فقال: نعم، من أنتما؟ فقال: أخبرنا ونخبرك. فقال هذا الرجل سفيان الضمري: ذاك بذاك. قال: نعم. قال: أخبرني مخبر أن محمداً وأصحابه خرجوا في يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وأخبرني مخبر أن قريشاً خرجت في يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم في مكان كذا وكذا. فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً في ذلك المكان.

عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى من إخباره لهم، قال الرجل: فمن أنتما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء». وذهب النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صادق؛ أخبره أنهم من ماء، طبعاً النبي يقصد من الماء الذي منه خلق الإنسان، فالرجل أخذ يقلب يديه ويقول: من ماء؟ من ماء العراق؟ يظن أنه يعني من بلد. فعند ذلك رجع النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما أمسى، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أيضاً يتحسسون الأخبار على الماء، منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وغير واحد من الصحابة، ومنهم بسبسة بن عمرو الجهني. لما وردوا على الماء وجدوا على الماء أناساً يستقون من قريش، فظنوا أنهم من أهل العير فأخذوهم، وفر منهم من فر، وجاؤوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يصلي. فأخذوا يضربون هذه الساقية -هم غلمان يعني مماليك يستقون لقريش- فأخذوا يسألونهم، فإذا قالوا: نحن من قريش من النفير (أي من الجيش) ضربوهم وقالوا: بل أنتم من أبي سفيان. فإذا أذلوهم بالضرب وأوجعوهم قالوا: نحن من أهل العير، نحن من أهل العير. فإذا قالوا ذلك سكتوا عنهم ولم يضربوهم، فإذا سكتوا عنهم قالوا: نحن من النفير، فضربوهم والنبي يصلي.

فلما انتهى النبي من صلاته، قال: «إذا صدقوا ضربتموهم، وإذا كذبوكم تركتموهم». ثم سألهم: «أين الجيش؟» قالوا: هم وراء هذا الكثيب العقنقل. هناك كثيب في بدر، لمن ذهب هناك، هناك وادٍ في بدر في مدينة بدر، وهناك جنوب من هذا الوادي في جهة الجنوب كثيب عظيم اسمه العقنقل، وهو من أكبر الكثبان التي رأيتها يعني مستقلة، والنبي صلى الله عليه وسلم في الجهة المقابلة، في شمالاً من العدوة الدنيا، وقريش في العدوة القصوى خلف الكثيب. فقال هؤلاء المماليك الذين أمسكوا: هم وراء هذا الكثيب.

أيها المشاهدون الكرام، نقف قليلاً ثم نرجع إليكم بإذن الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تحدثنا عن أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذهبوا إلى البئر فوجدوا ساقية من قريش، ثم أتوا بهم، وكان النبي يصلي وأنهم كانوا يضربونهم. فلما انفتل النبي من الصلاة سألهم: «أين قريش؟» فقالوا: خلف هذا الكثيب. وأشاروا إلى كثيب عظيم يقال له العقنقل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كم القوم؟» فقالوا: لا ندري، ولكنهم كثير. قال: «كم ينحرون في اليوم؟» قالوا: مرة تسعاً ومرة عشراً. أي مرة ينحرون تسع جزور ومرة ينحرون عشرة من الجزور. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمئة إلى الألف». وكانوا تسعمئة وخمسين رجلاً.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فيهم من أشراف قريش؟» فأخذ الذي يحدثه -وهو غلام بمعنى مملوك- أخذ يحدث النبي ويقول: فيهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام (أبا جهل)، وأبو البختري، وفلان، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وأخذوا يعددون أشراف قريش، وأمية بن خلف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». أي هؤلاء هم الملأ، هم الأشراف.

ثم لما أمسى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني خيم قرب الليل، ارتحل من ذلك المكان وأراد أن ينزل قريباً من بدر، ثم نزل في أدنى المياه من الجهة الشمالية. فلما أراد أن ينزل، قال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الحرب والمكيدة». قال: فليس هذا بمنزل يا رسول الله، ولكني أرى أن تنزل أدنى المياه من جهة العدو، يعني تجعل المياه كلها خلف ظهرك، وتنزل إلى أقصى ماء من جهة العدو. ومياه بدر كلها في الجهة الشمالية من جهة العدوة القصوى، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على بئر بدر. ثم قال: «وأرى أن تغور جميع القُلُب الأخرى»، يعني التي هي خلف ذلك القليب القريب من الأعداء. فغور جميع القُلُب، أي دفنوها وطمسوها، وبقوا على ذلك القليب الذي نزلوا عنده. ثم قال: «وأرى أن تجعل حوضاً».

تبني حوضاً ثم تصب الماء فيه، وتجعل فيه الأواني كي نشرب ولا يشربون بسهولة. فعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشرت بالرأي». فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى قليب من جهة العدو، ثم غور جميع القليب الأخرى التي خلفه، ثم بنوا حوضاً وجعلوا فيه الآنية، وبات النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: واستبقوا صخراً لبدر وانتحى وأخذوا وارده وزحزح عنها النبي الضرب إذ قال هما وارده النفير واستفتاح

ثم قال: فنزلوا أدنى المياه للعدا، وغور جميعهن ما عدا قليب، وجعلوا الأواني في جدول فهي لهم دواني. ثم إن أبا سفيان قبل ذلك عندما نجت العير، أرسل إلى قريش ويقول لهم بأن الله قد نجاها، فارجعوا، ليس لكم حاجة بقتال محمد وأصحابه. فعند ذلك رجع الأخنس بن شريق، وهو حليف لبني زهرة وسيد من ساداتها، فقال: يا بني زهرة، إن الله سبحانه وتعالى قد نجا مخرمة بن نوفل صاحبكم، وقد نجت أموالكم، فما لكم في قتال محمد من حاجة. لا يقول هذا يقصد أبا جهل، فإنه مهلك قومه. فرجع الأخنس بن شريق ببني زهرة وأصبح سيداً فيهم كما قال الناظم: ورد الأخنس المسود على حلف بني زهرة وازداد علا

أما أبو جهل فقال فيه ابن هشام: لا أو نرد بدراً فننحر ونرهب العدا. قال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فننحر عليها ثلاثة أيام، وكانت بدراً مجتمعاً لسوق العرب، قال: فنجلس فيها أو نخيم فيها ثلاثة أيام، نشرب الخمر وتعزف علينا القيان حتى تهابنا العرب. فعند ذلك طاوع أبا جهل حتى أوردهم موردهم. النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت بات تلك الليلة على ماء بدر، فلما أصبح فإذا هو جاهز في جهته، وأما قريش فكانت خلف العقنقل، فلما أصبحت أقبلت وتجاوزت العقنقل، ورآها النبي وهي تنحط من ذلك الكثيب العظيم.

والله سبحانه وتعالى في تلك الليلة أرسل الماء، أو أرسل السماء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]. أنزل الله المطر، وكان المطر خفيفاً على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وشديداً على قريش، فثبطهم وأمسوا في شدة وعسر، والنبي صلى الله عليه وسلم أصبح في أرض ثابتة. كما ذكر البدوي رحمه الله عليه حيث قال، لما ذكر أن أبا جهل قال: لا أو نرد بدراً فننحر ونرهب العدا، فطاعوا ومضوا: وباتوا بشر ما بات به بغاة عن كذب وأصبحوا بوحل ثبطهم وبات خير مرسلي بخير ليلة وأصبح على أثبت أرض للخطا

وارتحل النبي صلى الله عليه وسلم، أصبح وهو على بدر، وجاء فلما أصبح أخذ يصفف الصفوف ويعد صفوف القتال. وقريش جاءت تصوب من العقنقل، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إن هذه قريش قد أتت بكبريائها وخلائها تحاد رسولك، اللهم أحنهم الغداة». وقد ذكر الله سبحانه وتعالى صفة مجيئهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: 47].

وكان الشيطان معهم في كل مسيرهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وهو سيد بني كنانة، فكان يقول كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 48]. ويقول: بني كنانة كلهم خلفي سيأتون، فلما تراءى الفريقان نكص على عقبيه، كما ذكر سبحانه وتعالى. أقبلت قريش وأخذت تهيئ موضعاً لها، كانت في بدايتها عمير بن وهب يبحث عن منزل لقريش، فلما نزلوا والنبي صلى الله عليه وسلم يصف صفوفه، استقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة والصحابة من الجهة الشمالية، والنبي يصف الصفوف ويعدل هذه الصفوف بقدح كان معه، بحديدة أو بقضيب كان معه. فكان يقول لهذا: تقدم، ولهذا: تأخر، حتى إنه نخس أحد الصحابة وهو سواد بن غزية بالقضيب، كان سواد بن غزية مستناً من الصف بارزاً صدره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استو يا سواد»، ونخس في كشحه، فقال سواد: يا رسول الله، أوجعتني فأعطني القود، يعني أريد أن آخذ ضربتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتص يا سواد قبل أن يكون يوم ليس فيه درهم ولا دينار»، فقال: يا رسول الله قد ضربتني، وقد كان بطني مكشوفاً، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه، فلما كشف عن بطنه التزمه سواد رضي الله عنه يقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ذلك يا سواد؟»، فقال: يا رسول الله حضر ما ترى، الآن الموت قريب وأنا أرى الأعداء ونحن نصف الصف، حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير.

وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة المغازي التي أشير إليها، يقول: وابن غزية سواد استنلى من صفه ورام أن يعتدل نبينا فمَسّه إذ ألم مَس قدحه أوجعتني نخس فأعطني القود وجد في أن كان باشر الجسد

ثم أقبلت قريش وخيمت في مكان أو نزلت في المكان التي رأته، وأرسلت عمير بن وهب الجمحي يحزر جيش محمد وأصحابه جيش النبي صلى الله عليه وسلم، فركب الفرس وجال بها في ناحية حول العسكر، ثم رجع وقال: القوم ما بين ثلاثمائة، القوم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، بمجرد أن رأى عرف أعداد هؤلاء القوم، وهذا يدل على الخبرة في الحرب والمعرفة بالخرص. ثم قال: لكني لا أدري لعل لهم كميناً أو لهم مدد، ثم جال بفرسه وذهب في الوادي، ثم رجع وقال: والله ليس لهؤلاء القوم كمين ولا مدد، إنما يعتمدون على أنفسهم، ولا أرى إلا نواضح، يعني الإبل التي معهم نواضح، وهي التي يستقى بها الماء ليست إبلاً معدة للحرب. ثم يقول: ولكني أيها القوم إني أرى في القوم السم الناقع، أو الموت الناقع، والله ما أرى أن يقتل واحد منهم إلا إذا قتل واحداً منكم، فإن قتل بعددهم منكم مثلهم، فوالله ما في العيش خير، فارتعوا رأيكم. فعند ذلك تغير وضع هذا القوم، وقام حكيم بن حزام، ولكننا وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة ونكملها في الحلقة القادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].