﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك، والذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به، وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كنا تكلمنا في اللقاء الماضي عن بعض مجريات غزوة بدر، ووقفنا عندما تراءى الفريقان، وعندما جال عمير بن وهب بفرسه، ونظر كم عدد المسلمين، ثم جاء وأخبر قريشاً بأنهم ثلاثمئة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، لكنه قال في آخر كلامه: لكنني رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع.
عند ذلك قام حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة وقال له: والله لئن رجعت بالناس ليكونن لك هذا، والله ما في قتال محمد وأصحابه من حاجة. فقال عتبة بن ربيعة: نعم، ثم قال له: ولكن أخشى أن يشجر الناس أبو الحكم بن هشام، يعني أبا جهل، فهو لا يخاف إلا من أبي جهل لأنه قد يفسد عليه الأمر.
فقام عتبة بن ربيعة وكان على جمل أحمر يخطب الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يراه ويرى هذا الفريق، وكان أقرب الناس إليهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فسأل النبي أحد الصحابة أن يسأل حمزة: من هو صاحب الجمل الأحمر؟ وكان النبي يقول: «إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر»، يعني عتبة بن ربيعة. فقال حمزة: هذا عتبة بن ربيعة، وهو يحض الناس على الرجوع وترك القتال.
فكان عتبة يخطب الناس ويقول: يا قوم، اجعلوها برأسي، اجعلوا جبنها برقبتي، وارجعوا، والله ما في قتال محمد وأصحابه من خير لكم إذا قاتلتم وهم؛ لا يزال الرجل ينظر إلى من قتل أخاه وأباه وابن عمه ويكون في نفسه ما فيها. إذا قريش قتلت من أصحاب محمد أناساً فهي ستقتل أناساً لهم إخوة في قريش.
وهذا من أعجب الأمور؛ لأن هذه المعركة كانت معركة عظيمة ومعركة فاصلة، والعجيب أن في الفريقين نسب وقرابة قريبة جداً. في صفوف المشركين العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعقيل بن أبي طالب ابن عمه، وفي صفوف المشركين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهم أيضاً أبناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع معهم في عبد مناف؛ هم أبناء عبد شمس بن عبد مناف، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم الرابع.
وهكذا في صفوف النبي صلى الله عليه وسلم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وفي صفوف المشركين أبوه عتبة، وفي صفوف المشركين أخوه الوليد بن عتبة وعمه شيبة بن ربيعة. وكذلك في صفوف المسلمين أبو بكر الصديق، وفي صفوف المشركين ولده عبد الرحمن بن أبي بكر، وفي صفوف المسلمين أبو عبيدة بن الجراح، وفي صفوف المشركين أبوه الجراح. كانت هناك صلات وقرابة، فإذا صار قتال فلا بد أن يرى من كان في صفوف قريش من قتل أباه أو أخاه أو قريبه فيكون في النفوس شيء، ولذلك قام عتبة وصار يحض الناس على الرجوع.
ثم قال لحكيم بن حزام: اذهب إلى أبي الحكم بن هشام فإني أخشى أن يشجر القوم. يقول حكيم بن حزام: فذهبت إلى أبي الحكم الذي هو أبو جهل، فوجدته ينث درعاً له، أي أخرجها من جرابها يريد أن يلبسها ويستعد للقتال، فقلت له وأخبرته الخبر، وأن عتبة يخطب الناس ويريد أن يرجع بالناس، فقال: انتفخ والله سحره، يعني أنه جبن أو خاف من محمد وأصحابه.
طبعاً أبو جهل مخزومي وهو بعيد النسب قليلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في صفوف المسلمين من هو قريب له بخلاف عتبة بن ربيعة وغيره، ولذلك كان أبو جهل حريصاً على القتال. ثم التفت أبو جهل وكان رجلاً ذكياً أو داهية أو ماكراً، فقال لعامر بن الحضرمي: قم فأنشد خفرت، فإن عتبة يريد أن يرجع بالناس وقد أدركت ثأر أخيك.
عامر بن الحضرمي كان أخوه قد قتل في سرية، فقد أخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش في بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاهم كتاباً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفتحه إلا بعد يومين وسر على بركة الله»، وهذا الحديث في صحيح البخاري. فسار على بركة الله ومعه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد يومين فتح عبد الله بن جحش كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فيه: سر إلى بطن نخلة، مكان بين مكة والطائف، وائتنا بخبر قريش.
وهذا المكان بعيد جداً من المدينة، ما يقرب من 400 كم تقريباً، ولا ترغم أحداً من أصحابك، يعني خيرهم إما أن يرجعوا وإما أن يذهبوا معك. فذكر ذلك عبد الله بن جحش لأصحابه وقال: إني سائر على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أراد الشهادة فليسر معي، فلم يتخلف منهم أحد، وكان منهم عكاشة بن محصن وغيره من الصحابة.
لما جاؤوا إلى بطن نخلة وجدوا عيراً لابن الحضرمي وفيها عدد قليل من الناس، فرآهم ابن الحضرمي وخاف وهابهم لأنه ليس معه إلا اثنان أو ثلاثة وهؤلاء أكثر منهم عدداً، فنظر إليهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فقالوا: عمار، ظنوا أنهم جاؤوا للعمرة، وعند ذلك اطمأنوا وبقوا في مكانهم. ثم إن الصحابة عبد الله بن جحش وأصحابه تشاوروا فيما بينهم هل يهجمون عليهم أو يبقون، فخلص رأيهم إلى أن يهجموا عليهم، وكان ذلك في آخر يوم من أيام رجب، وكانوا اختلفوا هل دخل شعبان أم لم يدخل، المهم أنهم أغاروا على هذه العير وقتلوا عمرو بن الحضرمي وأخذوا عيره وأخذوا أسيرين من أصحابه، وهم من بني مخزوم، وذهبوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم ورأى أنهم قد أغاروا على هذه العير في آخر يوم من رجب، ورجب كما هو معلوم شهر محرم، والشهور الحرم ممنوع القتال فيها، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
فلما جاؤوا امتنع النبي من أن يأخذ هذه العير أو يأخذ هذه المغانم، فكبر ذلك على هذه السرية، سرية عبد الله بن جحش. ثم بعد ذلك نزل القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
فالله أراد أن يواسي الصحابة، أنهم وإن وقع منكم هذا القتال في الشهر المحرم إلا أن ما فعلته قريش من إخراج أهل البيت منه، ومن الفتنة على الكفر، وأنهم يريدون تعذيب الصحابة حتى يكفروا بالله سبحانه وتعالى، هذا أكبر من هذا القتل الذي وقع منكم. عند ذلك سري عن الصحابة أهل هذه السرية، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغنيمة، ثم فدى الأسيرين أو قبل فداءهم من أهل مكة.
فابن الحضرمي كان في جيش المشركين، فقال له أبو جهل: إنك قد رأيت ثأرك، يعني الذين قتلوا أخاك عمرو بن الحضرمي ها هم بين يديك، وهذا يريد أن يرجع بالناس ويزعم أنك ستقبل الدية، فأنشد: خفرت! فقام عامر بن الحضرمي وكشف عن سوأته وقال: واعمراه! وصار يصرخ. فعند ذلك أفسد أبو جهل الأمر على عتبة بن ربيعة، واحتقن الناس واستعدوا للقتال.
وكذلك قال أبو جهل لبعض القينات: قوموا، أمرهن أن يقمن ويقلن: واعمراه واعمراه. فعند ذلك احتقن الناس واستعدوا للقتال، وفسد الأمر على عتبة بن ربيعة. نقف هنا قليلاً ثم نعود لكم إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. السلام عليكم ورحمة الله، مرحباً بكم من جديد.
كنا تحدثنا في آخر حديثنا عن أن أبا جهل أفسد الأمر على عتبة بن ربيعة، ولذلك يقول البدوي في منظومته: لو طاوع عتبة أو حكيماً أو ابن وهب ما رأوا أليماً لكونهم إلى القفول أرشدوا من بعد ما أشرفوا على ما وردوا
ثم ذكر الناظم ما قاله أبو جهل بن هشام بقوله: وقال عمر وبانفراد بدراً فننحر ونرهب العدا وهنا قال: وقال عمر وبانفراد، يعني أنه انتفخ بطنه أو صعد صدره من الرعب، أنه ارتاع من مواجهة ومقابلة أصحاب محمد. فلما بلغت عتبة بن ربيعة هذه الكلمة قال: سيعلم غداً من انتفخ سحره منا، وهذه كلمة في غاية القبح، وإنما قالها من غضب وإلا فهي قبيحة جداً. وعند ذلك استنشق ثأره كما قال الناظم، واستنشق ابن الحضرمي الثأر، فأحمش حرباً بينهم وشراً، عند ذلك احتقن الناس.
وقام عمير بن وهب يناوش المسلمين في مجموعة معه على خيول، وكانت خيل المشركين مئة فرس، والمسلمون ليس عندهم إلا فرسان كما ذكرت، فناوشهم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «انضحوهم بالنبل ولا تقاتلوا حتى آمركم». والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش الذي بني له؛ لأن الصحابة بنوا للنبي صلى الله عليه وسلم عريشاً، كما قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، نبني لك عريشاً تكون فيه، ونجعل عندك ركائبك، فإذا كان النصر فهذا الذي نحب، وإلا فوالله إن خلفنا أناساً يفدونك بآبائهم وأمهاتهم، ولست بأحب عندنا منهم، ولكنهم لم يعلموا أن ستلقى حرباً.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وافق ودعا له بخير، فكان هناك عريش يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي في هذا العريش يدعو في كل وقت، يدعو الله سبحانه وتعالى، دعا حتى سقط رداؤه وأبو بكر يحمل رداءه عليه. النبي صلى الله عليه وسلم الله وعده إحدى الحسنيين، وعده إحدى الطائفتين، ومع ذلك يدعو ويصر بالدعاء على ربه ويلح: «اللهم إن شئت أن تُعبد في الأرض، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض»، وكان يلح بالدعاء، وأبو بكر يقول: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
وهذا يستفيد منه المؤمن، أن المؤمن لا بد أن يتعلق بربه وأن يدعوه ولو كان ضامناً لحصول المراد. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: لا تبدؤوا القتال حتى أخبركم. فجاء عمير بن وهب وناوشهم قليلاً ثم رجع. ثم جاء رجل شديد من بني مخزوم واسمه الأسود بن عبد الأسد، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد، وأبو سلمة هو زوج أم سلمة الذي قتل أو مات بعد ذلك رضي الله تعالى عنه. وكان في صفوف المؤمنين أبو سلمة وفي صفوف المشركين أخوه الأسود.
الأسود لما رأى أن المسلمين عندهم ماء وليس عند قريش ماء، أقسم ليشربن من حوض المسلمين، ثم جاء في حنق وغضب، فتلقاه حمزة بن عبد المطلب فضرب رجله فوقع الرجل على ظهره ووجهه إلى المشركين، وأخذ يزحف حتى هدم جزءاً من الحوض وشرب منه يريد أن يبر بقسمه، فقتله حمزة عند الحوض، رضي الله تعالى عن حمزة.
وعند ذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم والنبي كان في العريش خفق قليلاً، يعني نامت عينه قليلاً، ثم استيقظ صلى الله عليه وسلم، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل النعاس في الحرب أمنة من الله، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]. فالنبي خفق في العريش ثم استيقظ صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، ويقول لأبي بكر الصديق: أبشر، سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة.
موعدهم والساعة أدهى وأمر، هذا جبريل على ثناياه النقع. فالله سبحانه وتعالى أمد المسلمين بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة آلاف من الملائكة، كما ذكر سبحانه وتعالى إذ يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]، بألف مردفين بألفين آخرين كما ذكر ذلك سبحانه وتعالى في سورة آل عمران.
وكان هناك رجلان من بني غفار جلسا على جبل قريب من القوم، يريدان أن ينظرا لمن الأدبر، من سينتصر ومن سينهزم، والمهزوم سينزلون ويأخذون من أمتعتهم ومن غنائمهم. فكانا يتفرجان، وبينما هما يتفرجان على الجبل، إذا سحابة من فوقهم، وإذا صهيل الخيل فيها، وإذا شخص يقول لهذه الخيل التي في السحابة: أقدم حيزوم، فانشق قلبه ومات، وأما الآخر فأغمي عليه ثم أفاق وأخبر بما حصل من هذه القصة وأسلم. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: وراقب الجمعين شخصان لكي ينتهب من مدبر الجمعين شيء، فرأى الملك وهو منطلق، فانصدع واحد والآخر صعق.
ويقول في قصة النبي صلى الله عليه وسلم لما خفق أو نام، قال البدوي رحمه الله عليه: وخفق النبي حين المعركة، وفي عريشه رأى الملائكة، على ثنايا جبرائيل النقع، ولم تقاتل في سواها الجمع.
النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر أبا بكر بالنصر، قال لأصحابه: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض. فقال عمير بن الحمام -وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وكان يأكل تمرات: بخ بخ يا رسول الله. فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها، يعني جنة عرضها السماوات والأرض أنا أرجو أن أكون من أهلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها. وكانت في يده تمرات، فألقى هذه التمرات التي في يده وقال: والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم ذهب إلى العدو يقاتل، ويقول: ركضاً إلى الله بغير زاد، إلا التقى وعمل المعاد، إلى آخر ما قال رضي الله تعالى عنه.
النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اللقاء نهى عن قتل أناس من المشركين، وبعضهم قد اختلف هل كان مسلماً أم لا، وهؤلاء الذين نهى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم منهم عمه العباس بن عبد المطلب، ومنهم من بني هاشم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله، فإنهم أخرجوا مستكرهين». وهذا الفرق بين جيش المسلمين وبين جيش المشركين؛ لأن المشركين عندما تأهبوا للخروج وتجهزوا، كانوا يتكلمون بكبر واعتلاء وظلم، وكانوا يقولون: والله لا نترك العير، وكانوا يتهمون كل من أراد التخلف عنهم بأنه مع محمد وأصحابه. ولذلك خرج كثير من الناس ولو كانوا كارهين، فكان جماعة من جيش المشركين كارهين لذلك الخروج، وإنما خرجوا حتى لا يتهموا بأنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أو أنهم يوالون محمداً صلى الله عليه وسلم، حتى خرج عمه العباس وخرج ابن عمه عقيل بن أبي طالب وطالب بن أبي طالب وغيرهم.
أما المسلمون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ندبهم للخروج ولم يحض عليهم، بل قال: من لم يكن ظهره حاضراً فلا يخرج، يستأذنه في ظهورهم فيقول: لا، إلا من كان ظهره حاضراً. ولذلك كان الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم شوقين للخروج معه، بخلاف الذين خرجوا من المشركين. والدليل على ذلك أن بعض أصحاب النبي استهموا واقترعوا يريدون الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت ذلك قبل هذه الحلقة، وهو سعد بن خيثمة بن الحارث أراد أن يخرج، فقال له أبوه: يا بني لابد لأحد من المكث مع النساء والأطفال، فقال: يا أبتِ -وأصر سعد على الخروج- فاستهم، جعل قرعة بينهما، فخرج السهم على سعد بن خيثمة بن الحارث وهو من أهل العقبة رضي الله تعالى عنه، فقال أبوه: يا سعد آثرني بها، فقال: يا أبتِ لو كانت غير الجنة لآثرتك بها، وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا يدلنا على أن الصحابة الذين خرجوا مع النبي خرجوا راغبين، بخلاف الذين خرجوا مع قريش، فإن كثيراً منهم خرجوا وهم كارهون. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل بني هاشم، وفي ذلك يقول البدوي: عن قتل آله نهى إذ خرجوا، وفي خروجهم عليه حرج.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي معكم في حلقة جديدة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري