دخولتسجيل الدخول

الحلقة 6

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام. ما زلنا نتحدث عن مجريات غزوة بدر الكبرى، وقد كنا تحدثنا في الحلقات الماضية عن أشياء كثيرة، منها خروج النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العير، وخروج جيش قريش لنجدة عيرهم، حتى وصلنا إلى التقاء الجيشين. ذكرنا بعض الأشياء، ولعلنا نعيد ذكرها أو نذكر بها، ثم نستمر في ذكر المجريات.

لما التقى الفريقان وصوبت قريش من العقنقل، الذي هو الكثيب العظيم كما ذكرت سابقاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وكبريائها، اللهم أحنهم الغداة». ثم لما أخذت قريش تبحث عن مكان كي تعسكر فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً على جمل أحمر، وهذا الرجل كان عتبة بن ربيعة، وكان ينهى الناس عن القتال. وسبب نهيه للناس عن القتال أن قريشاً لما اطمأنت في العدوة القصوى، أرسلت عمير بن وهب لكي يحزر جيش المسلمين، فجال بفرسه ثم رجع وأخبر قريشاً بأنهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً. ولكنه قال: ولكني رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، وأنه لن تنتهي هذه المعركة حتى يقتل كل واحد منهم واحداً منا، ولو قتل كل واحد منهم واحداً منا فإنه ليس في العيش بعد ذلك خير، فارتعوا رأيكم أو انظروا إلى ما تصلون إليه من الرأي.

فعند ذلك قام حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة وقال: إنك سيد قريش، لمَ لا تكون سيداً أبد الدهر؟ قال: وما ذاك؟ قال: ترد الناس عن القتال أو تكف الناس. قال: فعليَّ بحليفك عامر بن الحضرمي، الذي ذكرنا أنه قتل أخاه عمرو بن الحضرمي في سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، فقال: أنا أكفيك، ولكني أخشى أن يشجر الناس أبو الحكم أو عمرو بن هشام، الذي هو أبو جهل. فذهب إلى أبي جهل، وعتبة بن ربيعة كان واقفاً على بعيره ويقول: يا معشر قريش، اعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة، وأنكم تعلمون أني لست بجبان. والنبي صلى الله عليه وسلم كان واقفاً ويشهد هذا المنظر، ورجل على هذا الجمل الأحمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر». ثم نادى عليٌّ ونادى حمزة، وكان حمزة أقرب الناس إلى قريش من صاحب الجمل الأحمر، فقال حمزة: هو عتبة بن ربيعة، وهو ذا ينهى الناس عن القتال.

وعتبة بن ربيعة هو من أبناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قريب له جداً؛ يجمعهم عبد مناف. النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فعبد مناف هو جد جد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جد أبي عتبة بن ربيعة؛ لأن عتبة بن ربيعة اسمه عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. فعبد مناف جد أبي عتبة وهو جد جد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قريب منه صلى الله عليه وسلم ومن بني عمومته، وهو سيد من سادات قريش المشهورين. وهذا الموقف الذي كان منه في هذه الغزوة، في غزوة بدر، قد كان منه موقف شبيه به قبل ذلك بسنين في حرب الفجار، يعني قبل البعثة. النبي صلى الله عليه وسلم كان صغيراً وكان حضر شيئاً من هذه المعارك؛ معارك الفجار، وهي معارك حصلت بين بني كنانة -قريش وكنانة كلهم يرجعون إلى كنانة- وبني هوازن.

فكانت الحروب بينهم يقال لها حروب الفجار، وكانت أياماً عظيمة جداً وفيها مقاتل وأهوال. فكانت نهاية هذه الحروب على يد عتبة بن ربيعة؛ لأنه كان سيد قريش في ذلك الوقت في آخر حرب الفجار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يناهز الاحتلام أو قد احتلم. كان حرب بن أمية بن عبد شمس رئيس قريش في ذلك الوقت، لأن هاشماً قد توفي وكذلك عبد المطلب، فكان هو الرئيس لقريش ولبني كنانة كافة في تلك الحروب، وكان عتبة بن ربيعة في حجره غلاماً صغيراً. فكان حرب بن أمية، الذي هو أبو أبي سفيان بن حرب المشهور وهو جد بني أمية الذين كانوا خلفاء المسلمين في عهدهم، كان في حجره عتبة بن ربيعة كما ذكرت، فكان يخاف عليه من هذه الحرب، فكان يمنعه من الخروج معه، إلا أن عتبة بن ربيعة خرج دون أن يعلم به حرب بن أمية.

فلما التقى الفريقان، كنانة وقريش في صف وبنو هوازن في صف آخر، ما راعهم إلا عتبة بن ربيعة على جمل بين الصفين وهو يقول: يا آل مضر -لأن هوازن وكنانة يجمعهم مضر- على ما تقتتلون؟ ما هذا الاقتتال؟ فقالوا: وإلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الصلح، ونحن ندي قتلاكم ونعفو عن قتلانا، وكانت القتلى في بني هوازن أكثر منه في بني كنانة أو في قريش ومن معهم. فقال: ندفع دية قتلاكم ونعفو عن قتلانا. قالوا: من لنا بذلك؟ قال: أنا. قالوا: ومن أنت؟ قال: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. فقالوا: رضينا. وما هو الضامن؟ قال: نعطيكم رهناً، فأعطوه أربعين رجلاً من قريش وكنانة، فيهم حكيم بن حزام، سلموه إليهم مقيدين، إن هذا رهن حتى نعطيكم دية قتلاكم. فلما رأى بنو هوازن أو بنو عامر بن صعصعة هذا الرهن مقيداً وقد أعطوهم إياه، تجاوزوا عن دية قتلاهم وعفوا عن الدماء، وعند ذلك اصطلح الفريقان.

فكان عتبة بن ربيعة سبباً لصلح قريش وكنانة مع بني هوازن، وكان هو سبباً لانتهاء هذه الحروب، والتي هي آخرها حرب من حروب الفجار، كان هو سبباً في نهايتها. طبعاً هي تسمى حروب الفجار بكسر الفاء، والصواب أنها حروب الفجار من الفُجور كالفجور في القتل والمقاتلة. فهذا الرجل، عتبة بن ربيعة، كان سيداً من سادات قريش، حتى قيل بعد هذه الحادثة إنه لم يسد مملق من قريش إلا رجلان: عتبة بن ربيعة وأبو طالب. مملق يعني شخص ليس عنده أموال؛ في العادة أن الذين يسودون هم الأغنياء، لكن هؤلاء سادوا وهم مملق ليس عندهم أموال.

ثم عرفت قريش مكانة عتبة بن ربيعة، فكان عتبة بن ربيعة في قتال بدر ينهى الناس عن القتال، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر». لكن أبا جهل بن هشام -لعنه الله- لم يدع عتبة يرد الناس ويمنع القتال، فقال لابن الحضرمي: قم وأنشد خفرتك، فقد رأيت ثأرك بعينك، وهذا عتبة ينهى الناس ويريد أن يرجع بالناس ويزعمون أنك تقبل الدية في أخيك. فعند ذلك ثار الرجل وقال: واعمراه، واعمراه. فحنق الناس وشحنت النفوس واستعدوا للقتال.

وكان قد قال كلمة كنت ذكرتها في أحد اللقاءات الماضية؛ قال هو، يعني أبا جهل، لأبي عامر بن الحضرمي أن ينشد خفرته، وقال في حق عتبة بن ربيعة: انتفخ والله سحره، يعني أنه جبن. يقولها أبو جهل يريد أن يحفز عتبة بن ربيعة على القتال، وقال لعامر بن الحضرمي: قد رأيت ثأرك بعينك، فأنشد خفرتك. عامر بن الحضرمي كما هو معروف هو أخو العلاء بن الحضرمي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشتان بين الرجلين؛ هذا مات كافراً وهذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم العظام، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين كما هو معلوم، وقصصه كثيرة وكراماته أيضاً كثيرة، وهي مذكورة في كتب السيرة.

فعند ذلك، لما قال أبو جهل بن هشام: انتفخ والله سحره، قال عتبة بن ربيعة: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره منا. عند ذلك غضب عتبة وتهيأ للقتال واستعد، ثم راح يبحث عن بيضة يجعلها على رأسه؛ البيضة هي الخوذة، في مصطلحاتهم يسمون الخوذة البيضة. راح يبحث عن بيضة يضعها على هامته، على رأسه، فإذا هامته عظيمة، لم يجد في الجيش خوذة تسع هامته، فاعتقد بثوب عنده ثم برز للقتال، ونادى. برز هو عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة أخوه، والوليد بن عتبة ولده، فدعوا الناس للمبارزة؛ يعني برزوا أمام صف المشركين وقالوا: أبرزوا لنا أكفاءنا من بني عمومتنا. ثم برز لهم أناس من الأنصار.

ولعلنا إن شاء الله نستريح قليلاً، ثم نعود إليكم بإذن الله. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد أيها المشاهدون الكرام. كنا وقفنا في حديثنا عند خروج عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة للمبارزة. لكن قبل المبارزة، عندما قام عامر بن الحضرمي وسار يقول: واعمراه، واعمراه، وحنق الناس وثارت النفوس وأرادوا بدء القتال، خرج رجل من المشركين، اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي، من بني مخزوم، أخوه أبو سلمة بن عبد الأسد في صفوف النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه من العجائب؛ نجد أخاً هنا، هذا الأسود بن عبد الأسد في صفوف المشركين، وأبو سلمة بن عبد الأسد في صفوف المؤمنين. أبو عزيز بن عمير في صفوف المشركين ومصعب بن عمير في صفوف المؤمنين. علي بن أبي طالب في صفوف المسلمين وعقيل بن أبي طالب في صفوف المشركين، حمزة بن عبد المطلب في صفوف المؤمنين والعباس بن عبد المطلب في صفوف... وهكذا؛ هذا يقاتل هذا، وهذا يقاتل هذا، وهكذا أب وابنه؛ أبو بكر الصديق في صفوف المؤمنين وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر في صفوف المشركين. عامر بن الجراح، أبو عبيدة بن عامر بن الجراح في صفوف المؤمنين وأبوه في صفوف المشركين. وهكذا، هناك قرابات لكن هؤلاء يقاتلون لله وهؤلاء يقاتلون حميةً، نسأل الله العافية والسلامة.

جاء هذا الرجل وكان رجلاً شرساً، الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه؛ لأنني كما ذكرت في الحلقات الماضية أن المسلمين غوروا جميع القُلُب -الآبار- التي في جهة المشركين قبل مجيئهم، من أول الليل من البارحة، وأبقوا قليبًا واحداً، وهو القليب أقرب قليب إلى المشركين الذي خيم عليه المؤمنون، وجعلوا هناك حوضاً، وفي الحوض آنية، فيشربون والمشركون لا يشربون. فمما زاد غيظ المشركين أنهم ليس عندهم ماء والمسلمون عندهم ماء.

فعند ذلك قام هذا الرجل، الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. ثم جاء مندفعاً إلى حوض المسلمين، فتلقاه حمزة، وكان حمزة مقداماً كما هو معلوم، وكان من أقرب الناس إلى المشركين، فتلقاه حمزة، فضربه حمزة، فضرب ساقه وسقط على ظهره ووجهه إلى المشركين، لكنه كان قريباً من الحوض فصار يزحف حتى هدم الحوض بيده يريد أن يبر قسمه. هذا الرجل يقال إنه نزلت فيه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: 10-11]، بخلاف أخيه؛ هذا رجل يقول الله فيه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 10-13].

وأما أخوه أبو سلمة فقد نزل فيه قول الله تبارك وتعالى قبل ذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9]. قال العلماء: نزل فيه هذه الآية لأنه أول من هاجر من المدينة أو من مكة إلى المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته مشهورة؛ خرج وكانت معه زوجته أم سلمة التي أصبحت زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي سلمة رضي الله تعالى عنه. فلما خرجت معه، أمسكها قومها وقالوا: لا نترك ابنتنا تذهب معك، وعند ذلك أمسك قوم بني مخزوم بولده الرضيع الذي كان مع أمه وقالوا: لا نترك ولدنا مع هذه المرأة. فهؤلاء أخذوا زوجته، وهؤلاء أخذوا ابنه، وأبو سلمة ذهب إلى المدينة المنورة مهاجراً بدينه ومتبعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9]، لأنه أول من ترك أهله فهو سينقلب بإذن الله إلى أهله مسروراً، وقد نزلت فيه وفي غيره، يعني اللفظ نازل فيه ولكن اللفظ عام فهو له ولغيره من المؤمنين.

ثم لما ذكرت أن عتبة بن ربيعة...

خرج للمبارزة، ومعه خرج شيبة بن ربيعة. وكان خروجهم حمية وغضباً؛ لأن أبا جهل قال: انتفخ سحره، فهو يريد أن يثبت للناس أنه ليس بجبان، وهو في الحقيقة معروف أنه ليس بجبان. وكان ابنه أبو حذيفة في صفوف المؤمنين ينظر إلى أبيه، وينظر إلى عمه شيبة بن عتبة بن ربيعة. أبوه عتبة بن ربيعة، وعمه شيبة بن ربيعة، وأخوه الوليد بن عتبة، وأختهم كما هو معلوم هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان رضي الله تعالى عن الجميع، عن عتبة، وعن أبي سفيان، وعن هند بنت عتبة، وعن أبي حذيفة رضي الله عنهم.

لما خرج عتبة بن ربيعة، خرج من صفوف المؤمنين ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة، ومعاذ ومعوذ ابنا عفراء. فلما خرجوا للقتال، جاء في نفس النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يكون أول من يقاتل الناس أو أول من يقاتل قريش أناس من الأنصار، كان بوده أن يكون من المهاجرين أو من قومه، لكنه لم يتكلم صلى الله عليه وسلم.

لكن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، سأل عتبة بن ربيعة: من القوم؟ فسموا أنفسهم عبد الله بن رواحة وفلان وفلان من الأنصار، فقالوا: كرام أكفاء، ولكننا نريد أكفاءنا من بني عمومتنا. فعند ذلك سُر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا عبيدة بن الحارث قم، يا حمزة بن عبد المطلب قم، يا علي بن أبي طالب قم». فقام الثلاثة.

عبيدة بن الحارث في مقابلة عتبة بن ربيعة، وكان عبيدة أكبر الجيش، كان أسن الجيش، كان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وكان عمره آنذاك 63 سنة، وهو مقابل لعتبة بن ربيعة، هم في السن سواء. يقول الراوي: كأنهما أسطوانتان من عظامهما. فكان عبيدة بن الحارث بن المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة عتبة بن ربيعه، وهو ابن عم عتبة بن ربيعة أيضاً، وحمزة بن عبد المطلب في مقابلة شيبة بن ربيعة، وعلي بن أبي طالب في مقابلة الوليد بن عتبة.

أما علي بن أبي طالب وحمزة فلم يمهل صاحبيه؛ حمزة قتل صاحبه مباشرة، وهكذا علي بن أبي طالب كأنه أمسه. وأما عتبة بن ربيعة وعبيدة بن الحارث بن المطلب فاختلفا ضربتين، أما عبيدة فضرب عتبة على عاتقه فأسقط عاتقه، وأما عتبة بن ربيعة فضرب عبيدة بن الحارث على رجله فطار ساقه، فعند ذلك قام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وأجهزا على عتبة بن ربيعة، وسحبا صاحبهما إلى صف المسلمين.

هنا تحاجج الناس، وهؤلاء واقفون وهؤلاء واقفون، وهذه مبارزة، وكانت المبارزة في صالح المسلمين، وأبو جهل بن هشام يرى المنظر ويقول: لا يغرنكم هذا فإن عتبة تعجل، ثم يقول: لا تقتلوا أحداً وإنما أمسكوا، كأنه يرى أنهم قادرون عليهم، وأنهم قلة ذلة، وهكذا ويحرض قومه.

النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وهم يحملان عبيدة بن الحارث بن المطلب، جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم على رجله، فقال عبيدة بن الحارث بن المطلب: يا رسول الله، لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق به من قوله:

ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل كذبتم وبيت الله نبزى محمداً ولما نقاتل دونه ونناضل

يقول: لو رآني أبو طالب الذي قال هذه القصيدة، وهي بيتان من قصيدة طويلة جداً وقد مدحها العلماء، يقول ابن كثير رحمه الله عليه: إن هذه القصيدة أعظم من المعلقات السبع، وأن فيها من البلاغة الشيء العظيم. وهي مطلعها يقول فيها أبو طالب:

أخليلي ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطلي أخليلي إن الرأي ليس بشركة ولا نهنه عند الأمور البلابل

هذه بداية القصيدة، يقول خليلي؛ لما هي قصة طويلة أنهم حاصروا بني هاشم في شعب أبي طالب، ولعلنا نتحدث عن هذا الحصار. فهو يقول: ما أذني لأول عاذل بصغواء، يعني أذني لا يمكن أن تصغي لأول عاذل، أول من يذمنا سواء كان ذلك في حق أو كان في باطل؛ لأننا تقاطعنا نحن وقريش؛ لأن قريشاً حاصرت بني هاشم في الشعب، وسيأتي إن شاء الله لعله يأتي ذكر ذلك.

وقال في هذه القصيدة مدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كذبتم، يقصد قريشاً؛ لأنهم أرادوا أن يسلم أبو طالب محمداً لهم ليقتلوه، فهو يقول: كذبتم وبيت الله نبزى محمداً، يعني لا يمكن أن نسلم النبي صلى الله عليه وسلم، نبزى يعني نسلب. فعبيدة بن الحارث بن المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء عمومته يقول: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بهذا القول منه. ثم قال: يا رسول الله أنا شهيد؟ قال: «نعم وأنا عليك شهيد». ومات رضي الله تعالى عنه في الطريق في طريق رجعتهم ودفن في الصفراء رضي الله تعالى عنه.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].