﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك. كنا وقفنا في اللقاء الماضي عند ذكر المبارزة بين المسلمين وبين المشركين، ووقفنا عند ذكر عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأنه شهد النبي له بالشهادة، فقال: «أشهد أنك شهيد». وكان يقول: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق به من قوله: كذبتم وبيت الله نبزي محمداً، ولما نقاتل دونه ونناضل، ونسلمه حتى نصرع حوله، ونذهل عن أبنائنا والحلائل، في القصيدة المشهورة.
عبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب كما يقول ناظم المغازي البدوي -رحمه الله عليه- ويقول: وهو إذا أخذت في نعم النسب عبيدة بن الحارث بن المطلب. عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف؛ عبد مناف الذي هو جد النبي صلى الله عليه وسلم، أو جد جد النبي صلى الله عليه وسلم، له أربعة أبناء: هاشم وهو جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. عتبة بن ربيعة الذي كان في المبارزة هو من بني عبد شمس، فهو ابن عم لعبيدة بن الحارث.
لكن الناظم إذ يقول: وهو إذا أخذت في نعم النسب عبيدة بن الحارث بن المطلب، يريد أن ينوه بأن نسبه أعلى من نسب أولئك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بنو هاشم وبنو المطلب لا يفترقون في جاهلية ولا في إسلام، أو شيء واحد». لأن قريشاً لما حاصرت بني هاشم، دخل مع بني هاشم في الشعب بنو المطلب أبناء عمومتهم، بينما بنو عبد شمس وبنو نوفل انحازوا مع قريش. ولذلك يقول أبو طالب في قصيدته اللامية هذه التي أشرت إليها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل، إلى آخر ما قال.
المهم أن عبيدة بن الحارث هو من بني المطلب، وهم من أقرب الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم في الخمس أعطى بني المطلب وبني هاشم، ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل مع أنهم في القرابة للنبي صلى الله عليه وسلم سواء. ولذلك كثير من الفقهاء يقولون: إن الزكاة لا تحل لبني المطلب كما أنها لا تحل لبني هاشم بخلاف بني عبد شمس وبني نوفل.
ولذلك لما جاء ابن جبير بن مطعم وكذلك عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، النبي صلى الله عليه وسلم قسم الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئاً. فجاء عثمان بن عفان -وكان من بني عبد شمس، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس- وجاء جبير بن نفير بن عدي بن مطعم -وهو عدي بن مطعم بن نوفل بن عبد المناف، هذا من بني نوفل وهذا من بني عبد شمس- جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح، وقالوا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من الخمس ولم تعطنا، ونحن وهم سواء في القرابة إليك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، لم يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام». والنبي يشير إلى أنهم عندما كانوا بعضهم مشركين، دخلوا معهم في الشعب الذي حوصر فيه بنو هاشم وناصروهم، بخلاف بني عبد شمس وبني نوفل.
حضر هذه المعركة مع عبيدة بن الحارث بن المطلب إخوان له: الحسين والطفيل. وهذه من المناقب أن يحضر ثلاثة إخوة لمعركة في معركة واحدة من المسلمين؛ فهم كلهم من أهل بدر، وأهل بدر لهم المنزلة العليا عند رب العالمين. فعبي حضر معه أخوه الطفيل وأخوه الحسين. وهكذا هناك جمع من الصحابة قد حضر منهم ثلاثة إخوة، وبل وأربعة؛ كذلك حضر ثلاثة من الإخوة من المهاجرين أيضاً بنو مظعون: عثمان بن مظعون، وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، ومعهم السائب بن عثمان بن مظعون ابن أحدهم، أربعة كلهم من عائلة واحدة.
وكذلك ممن حضر من الإخوة من الأنصار بنو عفراء: معاذ ومعوذ وعوف، بنو عفراء، وقد استشهد اثنان منهم رضي الله تعالى عنهم. وحضر من الأنصار أيضاً أربعة وهم بنو عمرو بن الجموح، وهم خلاد وعبد الله ومعاذ ومعوذ، كلهم أبناء عمرو بن الجموح وهؤلاء من الأنصار. وكذلك هناك أربعة من المهاجرين أبناء البكير: إياس وعامر وعاقل وخالد. والعجيب أن من المهاجرين ومن الأنصار ثلاثة إخوة بنو عفراء وهم بنو الحارث، وأربعة إخوة بنو بكير من المهاجرين؛ هؤلاء الثلاثة وهؤلاء الأربعة إخوة من الأم لهم أم واحدة وهي عفراء، وهي من المبايعات السابقات اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم. هذه المرأة حضر لبدر من أولادها سبعة، حتى إنه لما استشهد أحدهم قالت: ليس في فلان خير، تقصد الذي لم يستشهد، فقال النبي: «بل فيه الخير»، ونحو ذلك مما قال صلى الله عليه وسلم. فهذه منقبة لهذه المرأة؛ سبعة من أولادها حضروا هذه الغزوة المباركة، فهم من أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما انتهت المبارزة، أخذ النبي يعدل الصفوف. وكان من ضمن ما حصل أنه كان يعدلهم بقدح كان معه، فضرب أحد الصحابة وكان مستتراً بصدره وهو سواد بن غزية، كان بادياً صدره، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم بالقدح وقال: «استوِ يا سواد». فقال: يا رسول الله، أوجعتني فأعطني القود. فكشف النبي عن بطنه وقال: «اقتد يا سواد». فالتزمه سواد وأخذ يقبل النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي: «ما حملك على ذلك يا سواد؟». قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير. وهذا يدل على محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقبل يريد أن يكون آخر العهد من الدنيا أن يمس جلد النبي صلى الله عليه وسلم.
والأخبار في محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، حتى مما يشبه سواد بن غزية طلحة بن البراء، وكان غلاماً في المدينة، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يقبل النبي حتى قيل إنه قبل قدمي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان غلاماً صغيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحبني يا طلحة؟». قال: نعم يا رسول الله. قال: «أتطيعني؟». قال: نعم يا رسول الله. قال: «اذهب فاقتل أباك». فولى الغلام كأنه يريد أن يقتل أباه، فقال النبي: «أدركوه»، ثم رده وقال: «ما كنت فاعلاً؟». قال: كنت سأقتل أبي. قال: «إني لم أؤمر بقطيعة رحم». وكان النبي أراد أن يختبر طلحة بن البراء. وهذا غلام، هذا يدلنا على أن البيئة التي كانت عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تحض وتحثهم على محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا كل يوم يزدادون حباً للنبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الغلام طلحة بن البراء مرض مرة من المرات، وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأهله: «إني أرى طلحة قد حدث فيه الموت، فإن مات فآذنوني». ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال هذا الغلام لأهله: إذا مت فلا تخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أخشى عليه من اليهود، أخشى أن اليهود يصيبونه بسببي؛ لأنهم كانوا في بني عوف والنبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة. فلما مات طلحة بن البراء دفنوه وعجلوا دفنه، ولم يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم إلا في الصباح، فسأل النبي عنه، فأخبروه بأنه مات وأنه دفن. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ووقف على قبر طلحة بن البراء والصحابة معه، ثم رفع يديه ودعا له وقال: «اللهم القَ طلحة وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك». دعا لهذا الغلام لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من محبته لله ورسوله. هذه من الصور العجيبة، هناك صور كثيرة جداً تدل على محبة أصحاب النبي للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشاهد أن سواد بن غزية قبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «لما فعلت ذلك؟». فقال: رأيت ما حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك. وبذلك يقول البدوي -رحمه الله عليه- في منظومة المغازي: وابن غزية سواد استوى من صفه، ورام أن يعتدل نبينا فمسه، فمد قدحه، أوجعتني نقداً فأعطني القود، وجد في أن كان باشر الجسد.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد أن سوى الصفوف، رجع إلى العريش وأخذ يدعو صلى الله عليه وسلم. وهذا العريش كما ذكرت سابقاً بني للنبي صلى الله عليه وسلم، بناه أصحابه حتى يكون النبي فيه، يدعو فيه ولو حدث حادث يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر سوء، لركب عنده ويرجع إلى المدينة، وفي المدينة من الصحابة من يحبون رسول الله ولكنهم لم يعلموا بأنه سيلقى قتالا. النبي أخذ يدعو في العريش.
هل شارك النبي في القتال؟ نعم شارك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي كان رحيماً، وكان رحمة مهداة، فكانت مشاركته بقدر عندما يحمي الوطيس. كان في المسند يقول علي بن أبي طالب: كنا يوم بدر نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقترب منه. كأنهم يستانسون بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا حمي الوطيس. وشجاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى تنويه، فيكفي فيها أنه في غزوة حنين الناس يفرون، والنبي صلى الله عليه وسلم يقدم بغلته ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». الناس في فرار ولم يبق معه إلا قليل، وهو يصرخ بأعلى صوته كأنه يريد أن الناس يعلموا، أو من يريد طلبه أو من يريد قتله، ها أنا ذا، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وهذه غاية الشجاعة. أيها الإخوة الكرام، نقف هنا ونواصل حديثنا بعد قليل إن شاء الله.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تحدثنا قبل قليل ووقفنا عند القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى العريش يدعو الله سبحانه وتعالى. وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشارك في هذه الغزوة إلا أحياناً، وذكرنا حديثاً في المسند من طريق علي رضي الله عنه كان هو الراوي يقول: كنا يوم بدر نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني هذا في بعض الأحيان. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشارك في القتال بنفسه؛ بمعنى أنه لا يريد قتل الناس، لأنه رحمة مهداة صلى الله عليه وسلم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
لكنه إذا حمي الوطيس واحتاج إلى تشجيع الناس، يخوض المعركة صلى الله عليه وسلم، ويأخذ شيئاً من حصى أو من الرمال ثم يضرب بها العدو ويقول: «شاهت الوجوه». فعل ذلك في بدر وفعل ذلك في حنين. وفي حنين ذكرنا أن في حنين غاية الشجاعة ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه لما فر الصحابة في حنين لأنهم جاؤوا إلى بني هوازن، وعملوا بني هوازن لهم كميناً، فلما توغل بعض الصحابة ما راعهم إلا كثرة السهام والنبل عليهم، ففر كثير منهم مع أنهم كانوا 12 ألفاً، وبقي مع النبي قلة قليلة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سلمه بن الأكوع وهو من الصحابة الشجعان المشهورين، وسلمة يروي هذا الحديث كما في الصحيح يقول: مررت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلي رداء وإزار، وكنت أمسك ردائي أو إزاري خشية أن تظهر عورتي وهو يركض رضي الله تعالى عنه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد رأى ابن الأكوع فزعاً».
ولما قيل للبراء بن عازب كما في الصحيح أيضاً: لقد وليتم يوم حنين، قال: لكني أشهد أن رسول الله ما ولى صلى الله عليه وسلم. ورسول الله في هذا اليوم في يوم حنين لما الناس فروا، أخذ يضرب بغلته ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». والقائد لما يذكر اسمه وينبئ به بصوت عالٍ، هذا يدل على الشجاعة المفرطة. وشجاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتاج في الحقيقة إلى تدليل، والناس يريدون قتله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». ولذلك يقول علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة: كنا إذا حمي الوطيس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم. لكن لما النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد قتال الناس بنفسه ومباشرة القتال بنفسه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن من قتله النبي صلى الله عليه وسلم فهو أشقى الناس كما صح ذلك في صحيح البخاري من...
روى ابن عباس موقوفاً عليه قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي. وفي المسند يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبي». فالنبي لم يكن يريد أن يقتل الناس بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعلم أن ذلك فيه شدة عذاب على الناس، ولذلك لم يقتل صلى الله عليه وسلم بيده أحداً من الناس. وهذا يدلنا على أن مقدار الشجاعة ليس بقتل الناس، ولكن معيار الشجاعة هو بالثبات في المواقف التي تحتاج إلى ثبات.
النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت لم يقتل أحداً إلا رجلاً واحداً، وهو أبي بن خلف، قتله في معركة أحد. والسبب أن أبياً كان يريد قتل النبي، وكان جرى بين النبي وبين أبي بن خلف كلام؛ فأبي بن خلف كان من أسرى بدر، كما سيأتينا في الأسرى، ففُدِيَ فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عندي مهراً أو فرساً أعلف كل يوم فرقاً من ذرة، أريد أن أقتلك عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أقتلك عليها». وقيل إنه قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة؛ فكان أبي يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي قال: «أنا أقتلك عليها».
وكان أيضاً شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمرة من المرات جاء أبي بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عظم رميم، فقال: يا محمد، وفتّ هذا العظم وجعله والرياح تذروه، وقال: أتزعم أن الله يحيي هذا بعد أن كان رميماً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، ويميت الله ويبعثك ويحشرك إلى نار جهنم». ولذلك قال العلماء من السلف من المفسرين مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وغيرهم وقتادة بن دعامة السدوسي كلهم يقولون: إن أبي بن خلف جاء إلى النبي بعظم رميم وقال له ما قال، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله في سورة يس يقول تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 77-81]. هذه الآيات كلها نزلت في قول هذا الرجل: من يحيي العظام وهي رميم.
هو خلق من نطفة، والله سبحانه وتعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ هل نسي خلقه الأول؟ الذي خلقكم في بداية الخلق، والذي خلق السماوات والذي خلق الأرض قادر على أن يبعثك. هذا الرجل لما جاءت غزوة بدر أو غزوة أحد جاء والناس قد فر من المسلمين من فر، وكادت المعركة أن تنتهي، فجاء على فرسه التي كان يقول إنه يعلفها، فكان معه درع سابغة حتى إنه لا يرى من بدنه شيء من سوى هذه الدرع إلا جزءاً قليلاً عند رقبته من الجلد. فجاء على فرسه وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، لا نجوت إن نجا. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان جماعة من الصحابه حوله أرادوا أن يعترضوا له فقال: «دعوه». يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ الرمح من أحد الصحابة وانتفض صلى الله عليه وسلم، وكان بعض الصحابة قد أمسكوا به لأنه كان جريحاً صلى الله عليه وسلم، فلما انتفض تساقط الصحابة عن يمينه وعن شماله، وهز الرمح ثم دفعه إلى أبي بن خلف، فضرب هذا الجزء الذي بان من الدرع السابغة، فسقط يخور كخوار الثور، ثم أخذه أصحابه وذهبوا به.
وهم في الطريق وهو يصيح وهم يقولون: ويحك، أنخلع قلبك أو خفت؟ إنما هذا جرح بسيط. قال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لأوجعهم، وإن محمداً قال: إنه سيقتلني، وما أراني إلا سأموت. فهو صدق النبي، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أقتلك عليها» إن شاء الله، فهو الآن يقول: محمد يقتلني وأنا سأموت، وفعلاً مات في الطريق من هذا الجرح البسيط. ولذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وهو يذم هذا الرجل: لقد ورثت الضلالة عن أبيه ... أبي حين بارزه الرسول أتيت إليه تحمل رمّ عظمٍ ... وتوعده وأنت به جهول وذكر له ما حصل في مكة لما جاءه بالعظم الرميم. وهذا نسأل الله العافية والسلامة من الشؤم ومن سوء الخاتمة ومن عدم توفيق الله تبارك وتعالى للمرء؛ يأتي يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قتله النبي وهو الوحيد الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نرجع إلى ما كنا نتحدث عنه من غزوة بدر، النبي كان في العريش وكان يدعو ويتضرع ويلح في الدعاء، وأبو بكر يأخذ رداءه كلما سقط منه ويقول: يا رسول الله إن الله منجز لك ما وعدك. ثم غفى النبي صلى الله عليه وسلم أو خفق، يعني نام قليلاً، وهذا أمنة من رب العالمين كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: 11]. فالنبي أخذته سنة ونام قليلاً، فلما أفاق صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: «أبشر يا أبا بكر، إن الله نصرنا بألف من الملائكة مردفين، هذا جبريل على ثناياه النقع»، أي على ثناياه الغبار. جبريل جاء ومعه الملائكة، والبدوي يقول في هذه الحادثة: وخفق النبي حين المعركة ... وفي عريشه رأى الملائكة على ثنايا جبرائيل النقع ... ولم يقاتل في سواها الجمع
هناك حادثة عجيبة وهي أن رجلين، والله لا أدري ذكرتها في حلقات ماضية أولاً، أن هناك رجلين من غفار كانا على جبل فسمع أحدهما صوت حمحمة الفرس فوقه، وهم كانوا ينتظرون لمن أدبره، من الذي ينتصر ومن الذي يهزم حتى يأخذوا من غنائم المهزومين وكانوا في جبل. فما راعهم إلا صوت حمحمة الفرس في السحاب، وإذا بفارس يقول: أقدم حيزوم، فقال أحدهما، فإما صاحبي فانشق قلبه ومات، وأما أنا فكنت أجلد، وأغمي عليه، فلما أفاق بعد ذلك جاء وأسلم. في ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: وراقب الجمعين شخصان لكي ... ينتهب من مدبر الجمعين شيء فرأى الملك وهو منطلق ... فاندق واحد والآخر صعق
ثم نزلت الملائكة في هذه المعركة، ولم تنزل قيل إنها لم تنزل في معركة قبل ذلك أو بعد ذلك، وقيل إنها نزلت في معارك أخرى ولكنها لم تقاتل. ولذلك يقول البدوي: على ثنايا جبرائيل النقع ولم يقاتل في سواها الجمع، يعني لم يقاتل في غير بدر الجمع يعني الملائكة، يعني نزلت الملائكة في غزوة الخندق ونزلت في غزوة حنين، كما قال تبارك وتعالى في غزوة الخندق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]. وقال الله سبحانه وتعالى في غزوة حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 25-26]. إذاً الملائكة نزلت في عدد من الغزوات ولكنها لم تقاتل إلا في غزوة بدر.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، ونكمل إن شاء الله في حلقات قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري