يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك. كنا وقفنا في اللقاء الماضي عند أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر أبا بكر الصديق بأن الملائكة قد نزلت، وأن الله ناصره صلى الله عليه وسلم.
وذكرنا أن الملائكة قاتلت في بدر، وأنها لم تقاتل في معركة أخرى، وأنها نزلت في معارك على قول من العلماء؛ فمنهم من يقول إنها نزلت في بدر وفي غير بدر. لأن الله قال في غزوة الأحزاب: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]. وقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9].
وهذه الجنود هي الملائكة، ليس المقصود بها الريح؛ لأن الريح جند أيضاً، ولكن الله لما عطف ﴿وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ على ﴿رِيحًا﴾، فدل على أن هذه الجنود هي الملائكة. وكذلك في غزوة حنين: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يدل على أن الملائكة لم تكن ترى في هذه الغزوة، وهناك من رآها من الناس، يعني من الناس من وصف أنه رأى ملكاً وهكذا.
وإذا ذكرنا الرجلين اللذين كانا يراقبان الجمع، فإنهما سمعا صوت حمحمة الفرس. وأيضاً إبليس لما كان واقفاً مع قريش في صف قريش في صورة سراقة بن مالك، كانوا يرونه، وكان يقول: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 47-48].
كان يقف في صفوف المشركين في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان يقول: إن بني كنانة خلفي، ويحرض قريشاً على الثبات، وكانت يده في يد أحد المشركين ماسكاً بيده. فلما رأى الملائكة، رأى جبريل عليه الصلاة والسلام ورأى الملائكة تنزل من السماء، أراد أن يفر، فأمسك بيده الحارث بن هشام الذي كان ممسكاً بيده، فانتزع يده منه وضربه في صدره حتى سقط.
والحارث يظن أنه سراقة بن مالك، ويقول: يا سراقة، إنك جار لنا! فيقول: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48] كما ذكر سبحانه وتعالى، وولى مدبراً في صورة سراقة بن مالك.
أحد أصحابنا كنت أقص عليه هذه القصة، وكنا في رحلة في العمرة مررنا على المدينة ثم مررنا على بدر، وفي بدر كنت أتحدث مع أصحابي وأخبرهم بالأحداث. ومن المعلوم أن الحديث عن هذه الأحداث مع الواقع مع رؤية ساحة المعركة يعطيك تصوراً كاملاً. فحدثتهم، فلما جئت عند ذكري للشيطان أنه انتزع يده من الحارث بن هشام وفر، قال أحد الجالسين حفظه الله -وكنا نضحك من كلامه هذا-: ليتني كنت جبريل عليه السلام! فقلت: لِمَ؟ قال: كنت سألحق إبليس حتى أقطع نفسه.
قلت له: إنك تعلم أن إبليس لن يموت، الله سبحانه وتعالى أعطاه النظرة إلى يوم القيامة. فقال: أنا أعلم أنه لن يقتل، ولكن كنت أريد كما يقال أن "أنشف دمه"، قال: أريد أن أتبعه حتى يسقط في المحيط الأطلسي. فقلت: إن نهاية هذه القصة كذلك، فإن إبليس فر حتى ألقى نفسه في البحر، وكان صار يدعو: يا ربي نظرتك إياي! وكان يظن أنه سيموت.
الشاهد أن الملائكة نزلت في بدر، وأن الملائكة قاتلت في بدر، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12].
كان الله يقول -كما ذكر ابن عاشور رحمه الله عليه- الملائكة لم تكن تعرف القتال، فالله أراد أن يبين لها كيفية القتال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. ولذلك ثبت في الصحيح أن رجلاً من المسلمين كان يلحق برجل من المشركين، فإذا حمحمة الفرس فوقه، وإذا المشرك قد سقط على ظهره. قال: فرأيت في وجهه أثر ضربة بسوط، وإذا هذا المكان الذي ضرب بالسوط قد اخضر كله.
فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا مدد من السماء الثالثة». وهكذا ذكر غير واحد من السلف أن المسلم كان يتبع المشرك فيراه يسقط بين يديه ولم يمسه. ومنهم من أسر أناساً عظاماً، كمن أسر العباس بن عبد المطلب، وكان العباس عظيم الهامة، فأسره رجل صغير. فيقول العباس: لم يأسرني هو، كان معه رجل آخر! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أعانك عليه بملك كريم».
فالملائكة تقاتل الملائكة في غير هذه المعركة. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن الله سبحانه وتعالى أرسل 3000 من الملائكة كما قال تبارك وتعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. وفي سورة آل عمران: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124].
قال سبحانه وتعالى في آخر هذه الآيات: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10]. يعني هذه الملائكة وهذه الأعداد من الملائكة إنما هي لتطمئن هذه القلوب بها؛ لأن قلوبكم متعلقة بالأسباب، وأنا أرسلت لكم عدداً من الملائكة؛ عددكم قليل ولكن الآن أصبح عددكم كثيراً. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، ولكن النصر من عند من في الحقيقة؟ قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
هنا وقفة حقيقة، لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسل ملكاً واحداً لكفر، كما أن جبريل عليه الصلاة والسلام حمل قوم لوط بشريحة من جناحه حتى جعل عاليها سافلها. وهنا جاء في صورة إنسان، وهكذا الملائكة لآخرين، وإنما جاء جبريل وأرسله الله في صورة بشر لكي تطمئن هذه القلوب وترى الكثرة؛ ولأن قلوب الناس تتعلق بالأسباب. فأراد الله أن يعلم الأمة، أو أن تأخذ الأمة درساً من هذه الواقعة، أن هذه الأسباب -أنا أعطيتكم الأسباب- الأسباب معروفة، أنها أسباب أحياناً تكون دنيوية، وأحياناً تكون أسباباً أخروية. الدعاء سبب أخروي، الصلاة والتوجه إلى رب العالمين سبب أخروي، وهناك أسباب دنيوية. وكثير من الناس يتعلق بهذه الأسباب الدنيوية دون الأسباب الأخروية.
فالله سبحانه وتعالى يقول: مهما كان عدد الملائكة، لكن النصر في الحقيقة إنما هو من رب الملائكة. ولذلك جاء في الآيات الأخرى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]. يعني ليست الأسباب هي العمدة، وإنما العمدة التعلق بالله. نعم، السبب له أثره، ولا يمكن أن نقول إن الأسباب لا تفعل، الأسباب تفعل ولكن بأمر الله سبحانه وتعالى.
والناس فريقان وفرقان متناقضان: منهم من يلغي الأسباب اعتماداً على كثير من النصوص التي تلغي الأسباب أو تبين أن الأسباب لا تنفع ولا تضر، ومن الناس من يتعلق بهذه الأسباب ويركن إليها وينسى رب الأسباب. وهذا مخطئ، وهذا مخطئ. والآيات والأحاديث تأتي بالجمع بين الأمرين: التعلق برب الأسباب، امتثال أمر الله في الأسباب والعمل بها، والتعلق برب الأسباب. يعني نفعل السبب ولكننا لا نركن إليه، وإنما نعتمد على رب السبب، وهذا ما يعرف بالتوكل.
التوكل كما يقول محمد مولود رحمه الله عليه في منظومة "مطهِّرة القلوب": أما التوكل فإن تباشر الأسباب مع شهودك المدبِّره أي علم أن ما يشاء يقع ولا يكون غير ما شاء وصنع.
يعني التوكل على الله هو أن تباشر الأسباب، يعني أن تفعل السبب الذي أمرك الله به؛ رب العالمين يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، الذي تقدر عليه أعده، ولكن عليك أن تتوكل على رب الأسباب. أما التوكل فإن تباشر الأسباب مع شهودك المدبرة؛ يعني مع أن القلب متوجه إلى الرب سبحانه وتعالى. ﴿أي علم أن ما يشاء يقع﴾، ما أراده الله سيقع، ﴿ولا يكون غير ما شاء وصنع﴾. يعني في الداخل القلب متعلق بالرب، والعمل بالسبب مطلوب ومأمور به.
نقف هنا قليلاً، ونكمل إن شاء الله بعد قليل.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد.
كنا وقفنا عند فائدة وهي أن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، يعني وما جعل الله هذا الإنزال للملائكة إلا بشرى، ولكي تطمئن به هذه القلوب؛ لأن القلوب تتعلق بالأسباب. وهذا تعليم للصحابة وتعليم للأمة، أنه ينبغي أن تكون القلوب متعلقة برب الأسباب وإن اعتمدت الأسباب، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
وهذا مشاهد في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، الله سبحانه وتعالى أخبره بأنه سيعطيه إحدى الطائفتين، والله أخبره بالنصر، وأراه مصارع القوم، ومع ذلك النبي متوجه في الدعاء، ومتعلق قلبه بربه، يدعو ويتضرع وهو يعلم أنه سينصر صلى الله عليه وسلم. لكن هذا تعليم للأمة أنه مهما كان عندك من الأسباب فينبغي عليك أن تعتمد عليها وألا يكون قلبك راكناً إليها، وإنما ينبغي عليك أن تركن إلى رب الأسباب.
يعني مثلاً الدواء؛ الدواء سبب للشفاء، لكن لا ينبغي عليك أن يكون اعتمادك كله على الدواء، فرب إنسان يأكل الدواء ويموت، وآخر يأكل الدواء ويشفيه الله سبحانه وتعالى. وهذا يدل كما ذكرت أن السبب إنما ينفع بأمر الله. نحن نعلم أن الأسباب فيها نفع، لكن نفعها بأمر الله.
ربنا سبحانه وتعالى علم موسى عليه الصلاة والسلام، وعلم الأمة كلها في قضية العصا، لما سأل موسى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 17-18]. الآن هذه العصا كان موسى يقول هذه عصا نافعة، عندي فيها حاجة، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي. فالله أراد أن يبين لموسى وللناس أن هذا النافع لا ينفع إلا بأمر الله. ولذلك قال: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 19]. هذا النافع ألقه! فلما أصبح ضاراً وأصبحت حية تسعى، قال: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾ [طه: 21]. هذا الضار لا يضر إلا بأمر الله. أخذها موسى من عند رأسها، فانقلبت بعد ذلك عصا مرة أخرى.
وهكذا إبراهيم عليه الصلاه والسلام، ألقي في النار فأصبحت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. نار محرقة، لكنها على إبراهيم برد وسلام، والناس تعجبوا، وهذه حادثة عظيمة جداً. فالله سبحانه وتعالى سلب منها خاصية الإحراق. النار خلقها الله للإحراق، وكلنا نعرف أنها تحرق، ولو خلقها الله للري وأنها تذهب العطش، لعرفنا أنها تذهب العطش. فالله هو الذي جعل فيها خاصية الإحراق، كما جعل في الماء خاصية الري، كما جعل في كل سبب من الأسباب ما يخصه من النفع والضر.
ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى في هذه الغزوة أن يبين للصحابة أن النصر من عنده. لكن ليس معنى ذلك إذا قلنا أن الأسباب لا تنفع إلا بأمر الله ولا تضر إلا بأمر الله، ليس معنى ذلك أن نترك هذه الأسباب، بل الصواب أن نقوم بالأسباب ونعمل بها، ولكن من الخطأ أن نعتمد عليها كلياً. لا بد أن يكون القلب متعلقاً بربها، استخدام الأسباب مطلوب.
وهناك ربنا سبحانه وتعالى ذكر في قصة مريم عليها الصلاة والسلام في سورة مريم لما قال تبارك وتعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، هناك نخلة عظيمة، جذع النخلة مثل الأسطوانة، الأسطوانة العظيمة، جذع نخلة، كل الناس يعرفون جذع النخلة وهي ساق النخلة. وهذه امرأة نفساء قد أتت بولد لها وهو عيسى عليه الصلاة والسلام. فالله يقول لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، هذه النفساء ماذا ستفعل بجذع النخلة؟
لكن العلماء يقولون هذا من ربنا سبحانه وتعالى بيان للناس أنه لا بد من القيام بالسبب، هذا قيام بالسبب في نوع ما. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا﴾. ولذلك يقول أحد العلماء في منظومة أو في أبيات له: ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يسا قط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزة جنته ولكن كل شيء له سبب.
ولذلك الصواب في التوكل أن الإنسان يقوم بالسبب ولكن لا يعتمد على هذا السبب، وقلبه يتعلق برب السبب. وهكذا هو دأب الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم ظهر بين درعين، يعني لبس درعاً ودرعاً فوقه، وهذا اتخاذ للسبب، وهو نبي الله، الله حارسه والله حاميه، ولكنه يعلم الناس أنه لا بد من اتخاذ الأسباب. وحفر الخندق في غزوة الخندق، وهذا اتخاذ للسبب، ودخل لما جاء من الطائف...
مطروداً، وقد مات أبو طالب عمه الذي كان يحميه، فأراد أن يدخل مكة، فدخل في جوار المطعم بن عدي، وهذا اتخاذ للسبب. واستشار الطبيب، وهذا اتخاذ للسبب، وتداوى صلى الله عليه وسلم، وهذا اتخاذ للسبب. كل ذلك يدل على أن اتخاذ الأسباب من السنة، ومن الشيء المطلوب في الشرع، ولكن الركون إلى الأسباب وتعلق القلب بالأسباب كليةً ونسيان رب الأسباب وعدم الاعتماد عليه، هذا هو الخطأ. ولذلك جاءت هذه الآيات ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 10]. والأنبياء هكذا دأبهم، كما ذكرت النبي ظهر بين درعين لكن اعتماده على ربه سبحانه وتعالى.
وهكذا يعقوب عليه الصلاة والسلام في قصة يوسف، لما يوسف عليه الصلاة والسلام كان في مصر وجاءه إخوته، أرادوا أن يأتوا، فيدخلوا من باب واحد، أحد عشر رجلاً على رجل واحد، يعني أحد عشر رجلاً، هذا شيء يحرص عليه الناس أن يكون له من الأولاد الشيء الكثير، فأحد عشر رجلاً لو دخلوا من باب واحد لأصابتهم العين وهم جميلون كذلك، وفي غاية من الجمال. فيعقوب عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]. يعني هو اتخذ السبب، ولكن قلبه متعلق بربه سبحانه وتعالى.
كما ذكرت، من الناس من قد يعتمد على السبب ويظن أن السبب فيه النفع والضر، وإذا حصل ذلك اختلف الأمر؛ يعني جاءت الهزيمة. مثلاً الصحابة في غزوة بدر كانوا ثلاثمئة وبضعة عشر أو بضعة عشر رجلاً، ومع ذلك انتصروا على ألف مدججين بالسلاح، ولم يكن هناك مقارنة بين أسلحة قريش وأسلحة المسلمين، ومع ذلك انتصروا. في غزوة حنين كان عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، ولذلك قال بعض الصحابة: لن نغلب اليوم من قلة. فبعض الصحابة قال ذلك، فكأنهم اعتمدوا في قلوبهم أو التفتوا بقلوبهم إلى هذا السبب، وهو كثرة العدد، فعند ذلك جاءت الهزيمة بسبب التفات قلوب الصحابة إلى الأسباب. نعم الأسباب موجودة ولا بد من استخدامها، ولكن لا تلتفت إليها القلوب. ولذلك قال تبارك وتعالى في هذه الغزوة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]. ولوا مدبرين؛ اثنا عشر ألفاً لم يبقَ مع النبي إلا مئة رجل، وهؤلاء الذين جاءت النصرة معهم، وجاءت الملائكة ونصر الله سبحانه وتعالى نبيه، ثم ﴿أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 26].
الشاهد أيها الإخوة الكرام، والعجيب مما يحتاج أن أذكره، أن من الناس من قد يحتج ببعض الأحاديث، فمثلاً هناك حديث يقول إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما يحترف والآخر يجلس يتعلم عند رسول الله، وهذا توزيع للأدوار، فجاء المحترف وشكا أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي: «لعلك ترزق به». فبعض الناس يقول الرزق بسبب ترك السبب هو التوجه للدين والتعلم، ويكفينا هذا، والنبي يقول: «لعلك ترزق به». لكن هذا في حالة وهي أن هناك توزيعاً للدور؛ هذا يتعلم وهذا يسعى ويكدح وينفق على هذا، فلذلك واساه النبي صلى الله عليه وسلم، واسى المحترف، وقال: «لعلك ترزق به»، يعني لا بأس بذلك. أما أن يجلس ولا يعمل، فهو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنتم المتواكلون ولستم المتوكلون؛ الذي يجلس، وكان يمقت الرجل ليس في شيء من عمل الدنيا ولا في الآخرة. ولذلك بعض الناس قالوا: نحن المتوكلون، وحجوا بدون زاد، فنزل أنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]. وتزودوا، يعني الزاد الدنيوي، ثم لفت انتباههم إلى الزاد الأخروي وقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾.
وهذه عادة القرآن أنه إذا تكلم عن الدنيا لفت الانتباه إلى الآخرة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: 26]، يذكر منته باللباس الذي أنزله على بني آدم، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، لفتهم إلى لباس التقوى وقال ذلك خير. فهكذا بعض الناس كما ذكرت كانوا يحجون ويقولون: نحن المتوكلون، بدون زاد، فنزلت الآيات: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾. ولذلك جاء رجل إلى الإمام أحمد وقال: إني سأحج على التوكل، يعني بدون زاد، فقال الإمام أحمد: إذاً فاحج وحدك، يعني بدون رفقة، لا تذهب مع الرفقة، قال: لا بد من الرفقة، قال: إذاً أنت متوكل على أزوادهم. يعني هذا التوكل ليس صحيحاً، أنت صح تقول أنا متوكل ولا أريد، وهذا ليس من التوكل كما ذكرت، التوكل هو أن تعمل بالسبب ولا تعتمد على هذا السبب، وإنما تعتمد على رب السبب. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري