﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك. وقد وقفنا في اللقاء الماضي، كنا تكلمنا عن التوكل، وكان آخر كلامنا في الحلقة الماضية عن التوكل، ولعلي أوضحت أن التوكل لا ينافي الأسباب. وبقي في هذه الحلقة إكمال لما تكلمنا به عن التوكل، ملخص ما تكلمنا به أن التوكل لا ينافي اتخاذ الأسباب، وفي ذلك يقول محمد مولود رحمه الله عليه: أما التوكل فأن تباشر الأسباب مع شهودك المدبر، أي علم أن ما يشاء يقع ولا يكون غير ما شاء وصنع. وذكرنا أن الأنبياء، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنهم اتخذوا الأسباب وقلوبهم متعلقة برب الأسباب.
بقي هناك حديث أحب أن أنبه عليه وأن أبين ما فيه؛ لأنه قد يلتبس على من سمع الكلام المتقدم أو على بعض الناس الذين يظنون أن اتخاذ الأسباب قد يقدح في التوكل. وهذا الحديث في الصحيحين مشهور، وهو حديث السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وحديث ابن عباس صلى الله عليه وسلم قال: «سبعون من أمتي يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب». فاختلف الناس بعدما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء وسألوه، فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون».
طبعاً هناك لفظ في بعض روايات الصحيح: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون»، ولفظة «لا يرقون» هذه مدرجة من بعض الرواة، والصحيح عدم وجودها، الصحيح هو أنهم: «لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون». والسبب أن هؤلاء طبعاً هذه أسباب، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أراد لهم أن يتركوا هذه الأسباب، لكن الفرق في عدم اتخاذ هذه الأسباب أو في أنها تقدح في التوكل هو ما يلي:
أولاً: أنهم لا يسترقون، الاسترقاء هو طلب الرقية، فالرقية سبب في الشفاء، والرقية ممكن أن تكون من الشخص المريض أو من غيره، فإذا طلب الاسترقاء، يعني طلب غيره يرقيه، فكأنه ينقدح في توكله شيء بسبب اعتماده على الرجل الراقي الآخر؛ لأن السبب الذي فيه الشفاء هو الرقية، والرقية يمكن أن يعملها بنفسه، فكونه طلبها من غيره هذا فيه شيء من التوكل على الغير، أو فيه شيء يقدح في ذلك التوكل، ولذلك كان السبعون من صفاتهم أنهم لا يسترقون.
الأمر الثاني قوله: «ولا يكتوون»، الكي لا شك أنه سبب من أسباب الشفاء، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشفاء في ثلاثة، ومنها في الكي، لكنه قال في حديث آخر: «أنهى أمتي عن الكي» أو «آخر الطب الكي»، فكان يكرهه صلى الله عليه وسلم، وبالتالي هو سبب مكروه، ومن الناس من يحرمه، وليس بحرام. فكونه سبباً مكروهاً الأفضل والأحسن للمتوكل أن يترك هذا السبب المكروه، وهكذا السبب الحرام. إذاً الأسباب عندنا إما أن تكون سبباً مباحاً، وإما أن تكون سبباً مكروهاً أو حراماً، فالذي يقدح في التوكل هو السبب المكروه والسبب الحرام. أحياناً تكون بعض الأسباب المحرمة يمكن أن يرى أن فيها شفاء ولكنها محرمة على المسلم، فبالتالي لو اعتمد كان ذلك قدحاً في توكله؛ لأنه إذا توكل على ربه وترك هذا السبب المحرم فلا بد أن ربه سبحانه وتعالى سيعينه ويشفيه، والأسباب أسباب الشفاء كثيرة، وفي المباح غنية عن الحرام. هذا تنبيه أحببت أن أعلق به على بقية الكلام عن التوكل.
ثم أعود إلى الكلام عن مجريات غزوة بدر؛ في هذه الغزوة النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أناس من المشركين. يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومته في المغازي: عن قتل آله نهى إذ خرجوا، وفي خروجهم عليه حرج. عن قتل آله نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس أو نهى المسلمين عن قتل آله، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من بني هاشم وغيرهم قد خرجوا كرهاً، فمن لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله». ونهى عن قتل العباس، وقال: «من لقي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنما خرج مستكرهاً». هو من بني هاشم، لكن النبي خصه بالنهي لمكانته؛ لأنه عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو خرج مستكرهاً. معلوم أن قريشاً لما خرجت كانت تتهم أي شخص أراد أن يتخلف بأنه مع محمد، وهذا من الإرهاب الفكري الذي يوجد منه الكثير في هذا الزمان، وبالتالي خرجوا وهم لا يريدون الخروج ولا يريدون القتال. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أناساً من بني هاشم لا يرغبون في قتالنا، وإنما خرجوا مستكرهين، فمن لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله». أبو البختري ليس من بني هاشم، لكن له قصة وسآتي بها إن شاء الله، عن قتل آله نهى إذ خرجوا وفي خروجهم عليه حرج، وعن أبي البختري إذ لم يؤذه، وصك نبذهم سعى في نبذه.
أبو البختري هو من بني أسد بن عبد العزى، وهو أيضاً ليس بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وهو قصي الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وقصي يسمى مجمعاً؛ هو الذي جمع قريش ورد عليهم سدانة البيت ومفاتيح البيت، فمن أولاد قصي عبد مناف، ومن أولاد قصي أيضاً عبد العزى، وعبد العزى من أبنائه أو من ذريته أبو البختري.
أبو البختري هذا لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه بالذات وخصه بالنهي عن القتل؟ لأنه كان يتعاطف مع المسلمين أو يتعاطف مع بني هاشم وبني المطلب حين كانوا في شعب أبي طالب، فكان يسمح بذهاب الميرة إليهم، لأنهم في شعب أبي طالب حوصروا. قريش حاصرت أبا طالب وبني هاشم لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يريدون تسليم النبي صلى الله عليه وسلم، فرفض أبو طالب ورفضت بنو هاشم، فانحازوا في شعب لأبي طالب. وقامت قريش ومن معها وكتبوا عهداً أن لا يبيعوهم ولا يكلموهم ولا يشتروا منهم ولا يزوجوهم، مقاطعة، حتى إنهم إذا سمعوا بتجارة قد قدمت مكة أو بطعام، يبتدرون ويذهبون إليه ويشترون قبل أن يصل، ويمنعونهم من بني هاشم وبني المطلب. طبعاً بني هاشم دخلوا الشعب ودخل معهم بنو المطلب من إخوتهم، وبقي بنو عبد شمس وبنو نوفل وهم إخوتهم أيضاً لكنهم انحازوا إلى قريش، ولذلك يقول أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل، بميزان قسط لا يخيس شعيرة، له شاهد من نفسه غير عائل.
فإنما دخل مع بني هاشم بنو المطلب من إخوتهم أو من أقاربهم، فقاطع قريش قاطعتهم قريش كلها، وكانوا لا يتركون شيئاً من الطعام يأتي إليهم، لكن كان هناك مجموعة من قريش يرسلون إليهم الطعام خفية. فمرة من المرات جاء حكيم بن حزام بن خويلد ببعير يريد أن يذهب به إلى بني هاشم في الشعب، لأنهم حتى قيل إنه مات منهم أناس وبقوا ثلاث سنين في هذا الشعب، حتى هلك جماعة من الناس بسبب الجوع وبسبب ما أصابهم من المنق والتضييق. فحكيم بن حزام وهو ذاهب ببعير لقيه أبو جهل بن هشام فقال: إلى أين أنت تذهب بالطعام إلى هؤلاء؟ ونحن والله لا أفعلن ولا أفعل، فجرى بينهما تخاصم. فكان أبو البختري موجوداً أو مر عليهم فقال: مالك؟ وأخذ يحاور أبا جهل ويقول: هذا طعام لعمته التي هي خديجة بنت خويلد، هو حكيم بن حزام بن خويلد وعمته خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا طعام لعمته كان عنده وأراد أن يوصله إليها، فسار بينه وبين أبي جهل بعض شيء، حتى إنه اشتبك معه في قتال حتى وطئه وطئاً شديداً. فثار أناس من قرابة أبي جهل فقال: هذا الذي يريد محمد منكم، يريد أن نقتتل. ثم أمرهم أن يتوقفوا عن المخاصمة لأبي البختري.
ومرة أخرى النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت، هذا من المواقف لأبي البختري بن هشام، كان النبي يطوف بالبيت أو كان يصلي في الحقيقة، فأمر رجل منهم، قال أبو جهل وجماعة من الكبار: من يأتي بسلى جزور بني فلان ويضعه على رأس محمد وهو ساجد؟ فقام أشقاهم عقبة بن أبي معيط وأخذ سلى الجزور ووضعه على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها ونزعتها منه، فقام النبي عليهم وأغلظ لهم في الكلام، وخرج من المسجد وهو متغير وجهه صلى الله عليه وسلم. فلقيه أبو البختري بن هشام خارج المسجد فقال: ما لك يا محمد؟ فقال: لا شيء خلي عني. فقال: والله لا أخلي عنك حتى تخبرني ما بك، رأى في وجهه التغير وهو كافر لا يزال على كفره، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر، فرجع إليهم وضرب أبا جهل على رأسه حتى شجه، فثار الناس، فأسكتهم مرة أخرى أبو جهل وقال: هذا الذي يريد محمد منكم، يريد أن يشمتوا بكم ونحو ذلك. ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت المسألة. هذه من ضمن الأمور من ضمن المواقف لأبي البختري بن هشام، نقف هنا إن شاء الله ونكمل بعد قليل بإذن الله.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا نتحدث قبل قليل عن أبي البختري ومواقفه، طبعاً هو يقال له أبو البختري بفتح الباء والخاء، كنا نتحدث عن مواقف أبي البختري مع المسلمين، وأنه كان ليناً معهم وكان مشفقاً عليهم، ولذلك كان من الذين نقضوا الصحيفة، الصحيفة التي تعاقدت قريش، قريش لما تعاقدت على أن لا يبايعوا بني هاشم وأن يحاصروهم، كتبوا هذا التعاقد على الكفر، كما في الصحيحين النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سأنزل غداً في خيف بني كنانة حين تقاسمت قريش على الكفر»، يقصد ذلك التقاسم الذي فيه أو ذلك التعاهد الذي فيه مقاطعة بني هاشم، وهم يقاطعون بني هاشم لأجل أن يسلم بنو هاشم محمداً صلى الله عليه وسلم، وبنو هاشم رفضت ذلك، وكان أبو طالب على رأسهم، فكتبوا صحيفة وعلقوها في الكعبة في جوف الكعبة، هذه الصحيفة فيها عدم البيع، عدم الشراء، عدم النكاح مع بني هاشم والمقاطعة التامة لبني هاشم.
فكان أبو البختري من ضمن الناس الذين نقضوا تلك الصحيفة، وكان خبر نقض الصحيفة معروفاً مشهوراً، وهو أن هناك رجلاً اسمه هشام بن عمرو بن الحارث بن عامر بن لؤي العامري، وهو من قريش، هذا الرجل كان من أوصل الناس لبني هاشم وبني المطلب مع أنه كان بعيداً عنهم من حيث النسب، فكان يصلهم بالإبل في الليل عليها الطعام وعليها. ثم مرة من المرات جاء إلى رجل يقال له زهير بن أبي أمية المخزومي، هذا زهير بن أبي أمية المخزومي أمه عاتكة بنت عبد المطلب، يعني أخواله بنو عبد المطلب وبنو هاشم، فجاء إليه هذا الرجل هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث وقال له: يا زهير، والله لو دعوت أبا الحكم لمثل ما دعاك له وأخواله في شعب أبي طالب لما أجابك، يقصد أنك أخوالك في شعب بني هاشم، وأبو الحكم الذي هو أبو جهل لما دعاك للمقاطعة وافقت، وهو من بني مخزوم وأنت من بني مخزوم كلاهما أبناء عم، لكن لو كان لأبي الحكم الذي هو أبو جهل أخوال في بني هاشم ودعوته أنت للمقاطعة لما أجابك. قال: فماذا أفعل؟ قال: فلتَمْشِ في نقض الصحيفة. قال: إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت آخر. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغِ ثالثاً، نريد ثالثاً.
فذهبوا إلى أبي البختري بن هشام وأخبروه فقال: نعم ولكن اطلبوا رابعاً. فذهبوا إلى زمعة بن الأسود، فقال: ابغون خامساً. فهؤلاء الخمسة اتفقوا، وقال زهير: منهم أنا سأبدأ. فجاؤوا في بعدما طافوا واجتمعت قريش في الكعبة، قام زهير بن أبي أمية وقال: والله يا معشر قريش، إنه لمن الظلم والجور أن يموت بنو هاشم وبنو المطلب نساءنا ويموتون جوعاً وكذا وكذا ونحن نمرح، وأن هذه الصحيفة لظالمة، ووالله لا أشقنها. فقام أبو جهل وقال: كذبت، والله لا تشق الصحيفة أو لا تنقض. فقام أبو البختري وقال: أنت والله أكذب، لا نشقن الصحيفة. ثم قام زمعة وقام الآخر وكلهم تتابعوا على هذا الكلام على نقض الصحيفة خمسة، فعندما قام الخمسة وافق الناس. فقال أبو جهل: هذا أمر دبر بليل، وهذا يدل على ذكاء هذا الرجل الذي لقي.
مصرعه كافراً، نعوذ بالله من الخذلان. فقام هؤلاء وشقوا الصحيفة، فكان أبو البختري من ضمن من نقض الصحيفة، ولم يسلم. ومن ضمن من نقض الصحيفة كما ذكرت هشام بن عمر بن ربيعة بن الحارث وأسلم في الفتح، وهكذا زهير بن أبي أمية وأسلم، والبقية ماتوا على كفرهم.
لهذه الأحداث ولهذه الأفعال التي فعلها أبو البختري، منها نقض الصحيفة، ومنها أنه كان يصل بني هاشم، ومنها أنه كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤذيه؛ كل ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتله في غزوة بدر، فقال: «ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله». ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة المغازي:
وعن أبي البختري إذ لم يؤذه، وصك نبذهم سعى في نبذه. وجاءه المجذر بن زياد، وقال عنك قد نهى خير العباد.
العجيب أن المجذر بن زياد وهو صحابي من الأنصار لقي أبا البختري في المعركة فقال له المجذر: إن رسول الله أو إن نبي الله قد نهى عن قتلك فاستأسر. وكان شوكة القتال للمسلمين، فقال أبو البختري بن هشام: والزميل، يعني كان معه زميل تزامل وترافق من مكة إلى بدر، وكان يأكلان معاً ويشربان معاً ويجلسان معاً، فقال: والزميل؟ فقال: لم ينهَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الزميل. فعند ذلك قال أبو البختري: والله لا تتحدث نساء قريش أني تركت زميلي من أجل الحياة، ثم سل سيفه وقال:
لا يسلم ابن حرة زميله، حتى يموت أو يرى سبيله.
فعند ذلك قتله المجذر بن زياد، وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه:
وعن أبي البختري إذ لم يؤذه، وصك نبذهم سعى في نبذه. وجاءه المجذر بن زياد، وقال عنك قد نهى خير العباد. فقال والزميل، قال المصطفى، لم ينهَ عن قتل الزميل الحنفا. فقال والنخوة تأبى والإباء، عن قتله جبناً وحكم الظبا. لا يسلم ابن حرة زميله، حتى يموت أو يرى سبيله.
وكان المجذر بن زياد يقول في أبيات له وهو ينازل:
أما جهلت أو نسيت نسبي؟ أنا الذي يقال أصلي من بلي. الطاعنين برماح اليزن، والضارب الكبش حتى ينثني. بشر بيتاً من أبوه البختري، وبشراً بمثلها مني بني. أنا الذي يقال أصلي من بلي، أضرب بالصدة حتى تنثني. وأعب القرن بعضب مشرفي، أرزم للموت كأرزام المري.
فلا يرى مجذراً يا فري فري، وأعب القرن يعني أقتل القرن، بعضب مشرفي يعني سيف منسوب إلى المشارف، قرى في الشام. أرزم للموت كأرزام المري، وهذا معروف عند أهل البادية؛ المري الناقة التي مات ولدها فالناس يأتون ويمسحون ضرعها، فتدرب المسح وتظن أن ولدها قريب منها وتحن في ذلك الوقت حنيناً لولدها وهي تعلم أن ولدها ليس موجوداً، ولكن هذا كان فعله، فإذا جاءوا يمسحون حنت حنينها لولدها، فهو يقول أرزم، والحنين هذا يسمى الإرزام، فهو يقول أرزم للموت كأرزام المري، يعني أنا أحن للموت، يعني ليس خائفاً من الموت. فعند ذلك قتل المجذر بن زياد أبا البختري.
ومن الأمور التي حصلت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى كما ذكرت عن قتل أهله ونهى عن قتل العباس، ولما نهى عن قتل العباس كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة رضي الله تعالى عنه، وهو من الصحابة السابقين في الإسلام ومن أهل بدر ومن خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه غلبته العاطفة، عاطفة القرابة في هذا الموقف. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله»، فعند ذلك قال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهو رأى أباه يقتل وعمه وأخاه، فلما سمع كلمة النبي أو بلغته كلمة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟ والله لئن رأيته لألجمته بالسيف.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغته هذه الكلمة، فنادى عمر بن الخطاب وقال: «يا أبا حفص»، يقول عمر رضي الله تعالى عنه: والله إنها لأول مرة يكنيني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، «يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟». فقال عمر: يا رسول الله، لقد نافق أبو حذيفة فدعني فليضرب عنقه. فكان أبو حذيفة يقول: والله ما أنا بآمن من هذه الكلمة، وما زلت منها خائفاً إلا أن تكفرها الشهادة. واستشهد رضي الله عنه في غزوة اليمامة هو ومولاه سالم مولى أبي حذيفة، ووجد أحدهما عند رجل الآخر رضي الله تعالى عن الجميع.
فأبو حذيفة لا شك أنه قال هذه الكلمة التي تندم عليها، والذي دفعه إلى قولها هو العاطفة، ورأى أباه، يعني هو وإن كانت كلمة كبيرة لكن مما يعتذر له أنه رأى أباه وعمه وأخاه يقتلون بين يديه، وهي كبيرة، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عمه، النبي لا يريد قتل عمه، والنبي نبي الله، والله سبحانه وتعالى يحب عمه ويحب قوله، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. محبة النبي من محبة الله. وهناك أشياء كثيرة حول هذه القضية، لكني أرجئها إلى حلقة قادمة إن شاء الله. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري