دخولتسجيل الدخول

الحلقة 10

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا اللقاء المبارك. كنا تكلمنا في اللقاء الماضي وانتهينا إلى الحديث عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل بعض الناس في غزوة بدر، فكان قد نهى عن قتل عمه العباس وعن قتل أبي البختري وغيرهم.

لما نهى عن قتل العباس قال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وقد رأى أباه وعمه وأخاه يقتلون بين يديه في صفوف المشركين: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس؟ والله لئن رأيته لألحمنه بالسيف. فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟». فقال عمر: والله إنها لأول مرة يُكني فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص. فقال: يا رسول الله، دعني فلا أضرب عنقه فلقد نافق. فعند ذلك قال أبو حذيفة رضي الله تعالى عنه -وهو ليس بمنافق، لأن الله برأ أهل بدر من النفاق-: والله ما أنا بآمن من هذه الكلمة إلا أن يرزقني الله أو تكفرها الشهادة.

وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: واذ نهى عن قتل عمه هفا ... أبو حذيفة وقال سخفا وكفرت هفوته الشهادة ... يوم اليمامة لها إرادة

فهو استشهد يوم اليمامة، وكان يوماً في عهد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. طبعاً هذا الموقف من أبي حذيفة كان فيه هفوة، ولكن الحامل عليها كان عاطفة البنوة وعاطفة القرابة، ولذلك سامحه النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضاً هناك موقف لآبي حذيفة آخر، وهو أنه رأى أباه يجر مع من يجرون إلى القليب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتصر في هذه المعركة قتل من قريش سبعين قتيلاً وأسر منهم سبعين، فعند ذلك خيّم النبي على بدر بعد انتهاء المعركة، وأمر بجثث القتلى أن تلقى في قليب بدر. فسحبت هذه الجثث وألقيت في ذلك القليب، وكان ممن سحب عتبة بن ربيعة، فرآه ولده أبو حذيفة وهو يسحب فتغير وجهه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بك يا حذيفة؟ أراك متغيراً، أفي نفسك من أبيك؟». فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه -يعني أنه مات على الكفر-، ولكني كنت أعرف من أبي فضلاً ورأياً وحزماً، وكنت أرجو له الإسلام، وكنت أرجو أن يدله عقله على الإسلام، فلما رأيت مصرعه أحزنني ذلك يا رسول الله لفوت ما كنت أرجو من إسلامه. فدعا له عند ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بخير.

من الأمور التي حدثت في تلك الغزوة مقتل حارثة رضي الله تعالى عنه من الأنصار، وكان يشرب من الماء فجاءه سهم غرب فقتله، لم يكن في وجه العدو ولم يكن في قتال، وكان من أول من قتل، وقيل إنه مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. فجاءت أمه بعد ذلك تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل ابني في الجنة؟ فيكون هذا عزاء لي وإلا بكيت عليه ورأيت يا رسول الله ما أصنع. فقال: «يا أم حارثة، إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى». هذا الرجل الذي قتل وليس هو في نحر العدو في الفردوس الأعلى؛ لأنه من أهل بدر، لأنه في هذه المعركة الفاصلة. ولذلك فضل أهل بدر معروف، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الصحيح: «لن يلج النار رجل شهد بدراً».

ومن الأحاديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم، إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وكان سبب هذا الحديث أن حاطب بن أبي بلتعة في غزوة الفتح كاتب قريشاً، طبعاً حاطب بن أبي بلتعة هو من أهل بدر، لكنه لم يحضر الوقعة؛ لأن النبي في الطريق وهم ذاهبون إلى بدر رده من الروحاء لأمر في المدينة أراد أن يقضيه له صلى الله عليه وسلم فوقعت الوقعة وحاطب بن أبي بلتعة في المدينة، فلما انتهت المعركة سهم له النبي صلى الله عليه وسلم وقسم له من الغنائم وأثبت له أجره رضي الله تعالى عنه، فكان من أهل بدر.

لما كانت غزوة الفتح كان حاطب بن أبي بلتعة قد كتب كتاباً لقريش، لأن أهله وعائلته في مكة، فكان خائفاً عليها أن تصاب بأذى، فكاتب يعلمهم بأن النبي يقصدهم. طبعاً النبي لو قصد مكة ولو علم أهل مكة بجيش النبي لم يكن في وسعهم أن يتصدوا له؛ لأنه كان جيشاً عظيماً عشرة آلاف مقاتل، فأراد حاطب بن أبي بلتعة أن تكون له يد في قريش. فالنبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل وأخبره بأن حاطباً كتب كتاباً وهو مع امرأة في وادي كذا وكذا، في روضة خاخ، فأرسل لها المقداد بن عمرو والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب، جماعة من أصحابه، وقال: «ائتوني بالكتاب الذي معها».

فذهبوا إليها وقالوا لها: أخرجي لنا الكتاب. فقالت: ما عندي كتاب. قالوا: أخرجي لنا الكتاب أو لننزعن الثياب. فعند ذلك -حتى قيل إنها غانية- لما قالوا لها ذلك أخرجت الكتاب من شعرها، يعني هذه المرأة المشركة خافت أن ينزعوا ثيابها فمكنتهم من الكتاب. فعندما أخرجت لهم الكتاب من رأسها أخذوه وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا في الكتاب مكتوب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما هذا يا حاطب؟». فقال: يا رسول الله، والله ما ارتددت على عقبي، وإنما أردت أن يكون لي يد عند قريش. فعند ذلك قال عمر بن الخطاب كقوله في العادة: يا رسول الله، لقد نافق حاطب، فدعني فلا أضرب عنقه. فقال: «مهلاً يا عمر، إن الله اطلع على أهل بدر وقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فعند ذلك بكى عمر وقال: الله ورسوله أعلم. طبعاً هذا الحديث ليس معناه يا أهل بدر أنتم معصومون من الخطايا، أو مهما أخطأتم فليس عليكم ذنب، وإنما المقصود أن هؤلاء من أهل الجنة، وأن الذنوب التي تقع منهم سيتوب منها، أو تكفر عنهم بسبب الحد، وهذا وقع لبعض الصحابة أنه وقع منه بعض الذنوب كحاطب بن أبي بلتعة هنا، وكمثل مسطح بن أثاثة الذي تكلم في عائشة وجلد الحد وكان هو من أهل بدر.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، ليس معناه أنهم لا يحاسبون على ما يفعلون من الذنوب، هم يحاسبون ولكن الله سبحانه وتعالى سيدخلهم الجنة ويعفو عنهم. الشاهد من الكلام أن أبا حذيفة ليس منافقاً كما ذكر عمر أو كما أراد عمر أن يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من أهل بدر الذين حضروا بدراً، وقتل أبوه أمامه وأبلى بلاءً حسناً.

ومن المشاهد التي حصلت في غزوة بدر مقتل أبي جهل بن هشام، فإن عبد الرحمن بن عوف كان واقفاً في الصف، وكان عن يمينه غلام وعن يساره غلام، وهما ابنا عفراء، أحدهما اسمه معاذ والآخر اسمه معوذ، وهناك عوف ابن عفراء أيضاً، ثلاثة فكان عن يمينه وعن شماله رجلان من أبناء عفراء. فاستفسر أحدهما لعبد الرحمن بن عوف: يا عم، أتعرف أبا جهل؟ قال: نعم. قال: إذا رأيته فأخبرني عنه. قال: لما؟ قال: علمت أنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استفسر له الآخر وقال له مثل ما قال، وقال لهما: ماذا تريدان أن تفعلا به؟ فقال كل واحد منهما له: والله لئن رأيته لا يخطي سوادي سواده حتى يموت الأجل منا.

فرآه عبد الرحمن فقال: ذاك صاحبكما، فكرا عليه كالصقر وضربه وقتلاه. طبعاً مقتل أبي جهل بن هشام اشترك فيه أناس كثيرون، منهم ابنا عفراء، ومنهم معاذ بن عمرو بن الجموح، فإنه ضرب ساقه أيضاً وضرب عكرمة، وكان أبو جهل يدافع عنه ناس من قريش في مثل الحرجة، يعني في مثل الشجرة المطوقة.

لكنهم من كثرة من هجموا على أبي جهل حتى إن الملائكة ضربت أبا جهل بالسياط، وذلك يقوله عبد الله بن مسعود، فسقط أبو جهل وتركه ابنه لأنه أيس من حياته. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة بعد انتهاء المعركة: «هل منكم أحد رأى أبا جهل؟» يعني هل هو مقتول في القتلى؟ فذهب ابن مسعود فوجده، فوضع رجله على رقبته فقال: «لمن الدبرة؟». قال: لله ولرسوله. وقال له ابن مسعود: ألم يخزك الله؟ فقال أبو جهل: أعمد من قوم قتلتموه؟ وكان شديداً أيضاً. ثم قال له لما رآه يضع رجله على رقبته: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. في هذا الموقف يقول أنت هذا الموقف كبير بالنسبة لك ولا تستحقه، لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. فقتله عبد الله بن مسعود، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال: «الله إنه هو؟» قال: نعم والله إنه له، أو كما قال رضي الله تعالى عنه.

وكان النبي قد قال للصحابة: «إن خفي عليكم أبو جهل فإن في ركبته جحشاً، بسبب أني تدافعت أنا وهو عند مائدة ابن جدعان»، وابن جدعان كان من كرماء قريش، فسقط فصار في رجله أو في ركبته جحش أثر فيه وبقي، وعرفه ابن مسعود بذلك.

أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم سماه فرعون الأمة؛ لأنه فرعون، فرعون بني إسرائيل لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]. وهذا الرجل بقي على شركه، وكان يقول: لمن الدبرة؟ ويقول: ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أو ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن فرعون هذه الأمة أشد من فرعون بني إسرائيل.

في ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: فرعون هذه الأمة النبي ... عرف بجحش ركبته إذ اختفى بين الهوالك وكلم النبي ... جثثهم موبخاً للخشب

أقف هنا وأكمل إن شاء الله بعد هنيهة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا وقفنا عند قول البدوي رحمه الله عليه: فرعون هذه الأمة النبي ... عرف بجحش ركبته إذ اختفى بين الهوالك وكلم النبي ... جثثهم موبخاً للخشب

النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الغزوة بعد ثلاثة أيام وأراد أن يرجع إلى المدينة، ركب دابته صلى الله عليه وسلم، ثم وقف على القليب الذي فيه جثث القتلى، وأخذ يكلمهم واحداً واحداً بأسمائهم: يا عتبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، ويا فلان.. حتى عدد جماعة من صناديد قريش. ثم قال: «لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟». فقال عمر: يا رسول الله، أتكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا»، أو نحو ذلك أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

عند ذلك الناس بعد في هذه المعركة رأوا المواقع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مصارع القوم، فكل شخص قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مصرع فلان» قبل الغزوة، «هذا مصرع فلان»، «وهذا مصرع فلان». يقول عمر: والله ما عدا أحد منهم مصرعه الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم أو أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: وعاين الناس المصارع التي ... أخبرهم بها مقيم الملة لهم من الله كتاب سابق ... لذا كما شهدها منافق

يعني لأهل بدر من الله كتاب سابق، لذا كما شهدها منافق.. وهذا من فضل أهل بدر أنه لم يشهدها منافق. وقد ذكرنا شيئاً من فضلهم، من ذلك أن حارثة أصاب الفردوس الأعلى مع أنه لم يكن في نحر العدو، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». هنا نكتة أدبية كما يقول أهل العلم، أن رجلاً اقتبس هذا الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

فقد غفرت لكم. هناك أديب يتكلم عن محبوب له فيقول: يا بدر، سماه بدرًا، يا بدر أهلك جاروا، وعلموك التجني، وزينوا لك، وقبحوا لك، ووصلوا وزينوا لك هجري، فليفعل ما أراد فإنهم أهل بدر. يعني أنه لا عقوبة عليه.

فعاين الناس المصارع التي أخبرهم بها مقيم الملة لهم من الله كتاب سابق، لذاك ما شهدها منافق يوم له ما بعده في الكفر، وقد أتى منوهًا في الذكر. يعني يوم له ما بعده في الكفر، هذا اليوم الذي هو يوم بدر، سار يومًا فاصلًا بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، ولذلك شوكة قريش كانت تظن أو كان الناس يعرفون هيبة قريش، وكانوا يظنون أن المسلمين قليلون ولا يستطيعون لقريش، لكن في هذه المعركة تبين أن دولة الإسلام قد قامت، وأن محمدًا غلب قريشًا، وأن قريشًا أصبحوا في ضعف وخور، فهذا اليوم له ما بعده، ولذلك هذا النصر كان نصرًا عظيمًا للمسلمين، وكان هزيمة كبيرة للمشركين.

نسأل الله العافية والسلامة. البدوي رحمه الله عليه يقول: يوم له ما بعده في الكفر، وقد أتى منوهًا في الذكر، بأنه العذاب واللزام، وأنه البطش والانتقام. هذه أسماء سماها الله، سمى الله هذا اليوم بها، أنه العذاب، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: 21]. يقول بعض العلماء إن العذاب الأدنى هو يوم بدر. واللزام في قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77]. قالوا هذا اللزام الذي سوف يكون هو يوم بدر. وبأنه العذاب واللزام وأنه البطش والانتقام، وهذا إشارة إلى الآية التي تقول: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16]. قال بعض العلماء إن البطشة الكبرى التي فيها الانتقام هو يوم بدر.

وكذلك الله سماه الفرقان في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 41-42]. هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، يعني الركب الذي هو العير كان قريبًا منهم ليس بعيدًا، ولكن التقى الفريقان على غير ميعاد، أراد الله سبحانه وتعالى أن يكسر شوكة الكفر وشوكة الشرك ويرفع راية الإسلام، ولذلك كان هذا النصر له ما بعده، سواء في الكفر أو في الإسلام، وأسلم أناس لم يكونوا قد أسلموا في المدينة وفي غير المدينة، فالله سبحانه وتعالى نوه بهذا النصر في كتابه، وفرح به المسلمون.

والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل المبشرين إلى المدينة، فأرسل عبد الله بن رواحة، وأرسل زيد بن حارثة رضي الله عن الجميع، كل واحد منهم يبشر جهة من أهل المدينة. وكان هناك أسرى، يعني قتل سبعون وأسر سبعون، والأسرى كثيرون جدًا، ومنهم من أسلم، أسلم منهم أناس كثير. فمن الأسرى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعباس لما أسر، أسره رجل نحيف الجسد، حتى إنهم تعجبوا، قالوا: والله لو شاء العباس لوضعك في كمه، فكيف أسرته؟ فذكر النبي أنه أعانه الله عليه بملك كريم.

فكان العباس من ضمن الأسرى، وكان عند الأنصار، فكان الأنصار يتوعدون العباس بالقتل، والنبي ساءه ذلك، وقال لعمر كلامًا: «إني لم أستطع أن أنام خوفًا على العباس من الأنصار»، أو نحو هذا الكلام. فذهب عمر إلى الأنصار وقال: سلموا العباس، فأبوا إلا بالفداء، فقال: أرأيتم إن كان رضا لرسول الله؟ فقالوا: إن كان رضا لرسول الله فهو دونك فخذه، فأخذه عمر وذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا عباس أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، يعني أبوه؛ لما رأيت من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسلامه. فقيل إن العباس أسلم في الأسر، وقيل إنه أسلم بعد ذلك، والدليل على أن العباس تأخر إسلامه أنه فدى نفسه وفدى عقيل بن أبي طالب.

فإنه بعد إسلامه، وبعد فتح مكة، النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أموال من البحرين أرسلها العلاء بن الحضرمي، وكان على البحرين مالًا كثيرًا، ثمانية آلاف أو نحو ذلك، فجعله النبي في بساط، وجمع الناس، وصار يعطي الناس ويحثي لهم حثيًا بدون عد. فجاء العباس وأخذ حثيًا في بساط معه، ولما أراد أن يحمله ما استطاع، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: احمل علي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: خذ ما تطيق. فقال: يا رسول الله، إني قد فديت نفسي وفديت عقيل، وأن عقيلاً ليس له مال أو معه مال، فأعطني، فأراد أن يأخذ أكثر، فقال له النبي: خذ ما تطيق، فأخذ ما يطيق، وهو أكثر مما فدى به نفسه وأكثر مما فدى به عقيل.

فقال العباس: إن الله قد وعدنا اثنتين، وقد أعطاني إحداهما، وبقيت الأخرى، ما أدري ما الله صانع فيها، وهو يشير إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 70]. فهو يقول: الله آتاني خيرًا مما أخذ مني الذي فديت به نفسي وفديت به عقيل، هذا الذي أخذه الآن أكثر من ذلك، وبقيت المغفرة وما أدري ما الله صانع فيها، والله سبحانه وتعالى يغفر له رضي الله تعالى عنه.

هذا من الأمور التي حصلت، ومن الأمور التي حصلت أن رجلاً من ضمن الأسرى أيضًا السائب بن عبيد من بني هاشم، وهذا السائب بن عبيد جد للإمام الشافعي رحمه الله عليه، جده من أمه، فالشافعي رحمه الله عليه جده من أمه السائب من بني هاشم، فهو هاشمي من جهة الأم، وجده من جهة أبيه المطلب بن عبد المناف، فهو مطلبي، ولذلك يقال له الشافعي المطلبي. هذا السائب بن عبيد الذي هو جد الشافعي من أمه كان في الأسرى، وأسر، إسلامه أراد أن يسلم وهو أسير، ولو أسلم لترك بلا فداء، لكنه أخر هذا الإسلام حتى يفتدى؛ لأنه أراد أن لا يحرم الصحابة من الفداء، فلما فدي بفداء أعلن بعد ذلك إسلامه، فكلمه بعض الصحابة في ذلك، فقال: أردت أن لا تحرموا الفداء، هذه من الأمور التي حصلت.

ومن الصور الجميلة التي حصلت في هذا الأسر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهم خيرًا بالأسرى، فكان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يقول: كان الصحابة أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يؤثروننا بالخبز ويأكلون غير ذلك، فكنت أستحي إذا أعطوني الخبزة أن آكلها وهم لا يأكلون، فأردها على أحدهم فيعطيها الآخر، ثم يردها علي وتترجع إليه. فكان هناك وصية بهؤلاء الأسرى من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك أسلم كثير منهم، ومنهم من فدى نفسه بتعليم القراءة والكتابة. ولعلنا نكمل أحوال هؤلاء الأسرى في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].