﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام. ما زلنا في غزوة بدر وأحداثها، كنا تكلمنا فيما مضى من اللقاءات عن كثير من المجريات، ونكمل بقية الأحداث.
ومن هذه الأحداث بعد الانتصار وانهزام المشركين، اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الغنائم. لما انتهت المعركة، انقسم الصحابة إلى ثلاثة أقسام: قسم أحدق بالنبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من أن ينثني عليه العدو أو يصيبه بمكروه، وقسم أخذ يطارد العدو في انهزامه، وقسم آخر أخذ يجمع الغنائم ويحوزها.
بعدما انتهى تجميع الغنائم، قال الذين حازوها: نحن الذين جمعناها وحزناها. وقال الذين ذهبوا خلف العدو: نحن الذين طردنا وهزمنا. وقال الذين أحدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم: نحن الذين حمينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدقنا به. فنزلت عند ذلك الآيات للفصل بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، يقول تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
هنا في هذه الغزوة نزل الفصل والحكم في الغنائم. وفي وسط سورة الأنفال يقول تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41].
فخمس الغنائم لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. الأربعة الأخماس البقية من الغنائم هي لمن حضر القتال من المقاتلين، ولذلك قد ورد في ملح النظم: ويملك الغنم بالاستيلاء للحاضرين من ذوي الهيجاء. ثم بين بعد ذلك كيفية القسمة والنفل؛ فإن هناك في فقه الجهاد، أن الإمام إذا أرسل سرية من السرايا، فإن هذه السرية ما غنمت تنفل منه الربع إذا كانوا في الذهاب، فإن كانوا راجعين وحازوا شيئاً من الغنائم أيضاً ينفّلون ما غنموا.
ثم بقية الجيش يقتسمون بقية هذه الغنيمة التي غنمتها السرية. وهكذا غنائم الجيش، هناك شيء للجيش الذي غنمه الجيش ككل، وهناك غنائم تغنمها السرايا. فالسرايا يعطون منها الربع عند الذهاب والثلث عند الرجعة. وإنما زيد لهم الثلث عند الرجعة؛ لأن الناس في الرجوع ذاهبون إلى أوطانهم، وبعث السرية عند ذلك أمر شاق على النفوس. ولكل إنسان حضر المعركة سهم، وللفارس سهم ولفرسه سهمان، على خلاف بين الفقهاء. الشاهد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد ما جمعوا الغنائم نزلت الآيات، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ما لهم وما عليهم، ثم قسمت الغنائم في الصفراء.
هذا النصر وهذا الفوز لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان شيئاً عجيباً وأمراً مهولاً؛ ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً انتصروا على ألف مدججين بالسلاح، ليس هناك مقارنة بين العدد، ومع ذلك انتصر القليل على الكثير. من هذه الفرحة يلاحظ من مسير الصحابة ما في نفوسهم من الفرح بالنصر؛ ولذلك عدي بن أبي الزغباء كان حادي القوم، وكان بسبسة بن عمرو الجهني يقود الإبل، فكان يقول عدي بن أبي الزغباء: أقم لها صدورها يا بسبسُ ... ليس بذي الطلح لها مُعرَّسُ ولا بصحراء عميرٍ مَحْبَسُ ... إن مطايا القوم لا تُحَبَّسُ وحملها على الطريق أكيسُ ... قد نصر الله وفَرَّ الأخنسُ
أقم لها صدورها يا بسبس، يعني اجعلها مستقيمة تذهب إلى الأهل والأحباب. ليس بذي الطلح لها معرس، وهو المبيت، أي لا نريد أن نمكث. إن مطايا القوم لا تحبس، وحملها على الطريق أكيس، قد نصر الله وفَرَّ الأخنس.
النبي صلى الله عليه وسلم أرسل كذلك المبشرين إلى المدينة؛ أرسل عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة إلى الآخرين. عندما جاء هؤلاء المبشرون إلى المدينة يبشرون بأن الله قد سلم رسوله ونصر المؤمنين، وقتل صناديد قريش كعتبة وشيبة وأبي جهل، وأسر من أسر، كان الناس في المدينة غير مصدقين للخبر.
كان هناك إرجاف في المدينة؛ عندما خرج النبي وعلموا أن هناك وقعة بينهم وبين المشركين، كان اليهود والمنافقون يقولون: الآن يقتل محمد ويتفرق عنه أصحابه. فلما جاء الأمر بالنصر والبشارة، جاء عكسياً فكان بعض المنافقين لا يصدقون ذلك، حتى قالوا لأسامة بن زيد وهو ابن زيد بن حارثة لما جاء أبوه يبشرهم: إن أباك جاء ولا يدري ما يقول. فتشكك أسامة، فذهب إلى أبيه وقال: يا أبتِ، أحق ما تقول؟ قال: أي نعم والله، وهذا رسول الله يقدم غداً ومعه الأسرى. فرجع أسامة إلى ذلك المنافق الذي كلمه وقال: غداً يأتي رسول الله ويضرب عنقك. فقال المنافق: إنما سمعت كلاماً قاله الناس. الشاهد أن الصحابة كانوا فرحين بهذا النصر.
على عكس قريش؛ فقريش كانت هذه الهزيمة لساداتهم أمراً لا يصدق. صناديد مكة الذين كانوا يعذبون الصحابة ويقتلون ويأسرون، هؤلاء السادة ينتصر عليهم هؤلاء العبيد والضعفاء! هذا أمر غير معقول. ولذلك أول من جاء بالخبر إلى قريش الحيسُمان بن عبد الله الخزاعي، لما جاء وقال: قتل فلان وقتل فلان، قتل أبو جهل، وقتل عتبة وشيبة، وقتل فلان، وسار يعدد.
كان صفوان بن أمية بن خلف جالساً في الحجر، فقال: والله ما يدري هذا ما يقول، فاسألوه عني؛ لأنه كان هارباً ولا يدري، فقد طار عقله. فسألوه عن صفوان بن أمية، فقالوا له: ما فعل صفوان بن أمية؟ لأنهم كانوا يسألونه في السابق ما فعل فلان وفلان، وكان يقول: قتل، قتل. كلما سألوه عن شخص قال: قتل أو أسر. فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ فقال: ها هو جالس في الحجر، ووالله لقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا. فعند ذلك ارتاع الناس وعلموا أن الرجل يعرف ما يقول.
ثم جاء بعده أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال أبو لهب: عندك والله الخبر اليقين، فما الخبر؟ فقال: والله ما هو إلا أن لقينا محمداً وأصحابه حتى أعطيناهم أكتافنا، يعني ولينا مدبرين، يأسرون ويقتلون. ووالله لا ألوم الناس، فلقد لقينا أناساً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، يعني الملائكة. فكانت هذه وقعة عظيمة على قريش، حتى إن النساء جززن رؤوسهن من الحزن.
وقال أبو سفيان: والله لا أمس طيباً ولا أمس امرأة حتى أنتقم من محمد وأصحابه. ومنعت قريش البكاء وقالوا: لا تفدوا أسراكم، لا تعجلوا في فداء الأسرى، يعيب محمد عليكم وأصحابه. وكذلك لا تحزنوا ولا تبكوا، منعوا البكاء على قتلاهم خشية من الشماتة. وممن منع من البكاء أيضاً الحارث بن الأسود أبو زمعة، وقد قتل ولده زمعة بن الأسود وقتل ولده عقيل وقتل حفيده الحارث بن زمعة بن الأسود، وقال أبياتاً أكملها إن شاء الله بعد قليل.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحباً بكم من جديد. كنا وقفنا عند الحديث عن الحارث بن الأسود، هذا الذي مات ولده زمعة، ومات ولده عقيل، ومات ولد ولده الحارث بن زمعة. وكانت قريش كما ذكرت قد منعت البكاء حتى لا يشمت محمد وأصحابه بقريش، لأن الأمر كان عليهم مهولاً، انتصار هذه الفرقة الذليلة القليلة على سادات قريش وهؤلاء الجبابرة كان أمراً غير معقول. ولذلك منعت قريش البكاء، لا تبكوا على قتلاكم.
وكان الحارث بن الأسود يريد البكاء وكان أعمى، قد أعمى الله بصره وبصيرته، وكان من المستهزئين بالدين وبرسول رب العالمين. فلما جاءه الخبر عن قتل ولديه عقيل وزمعة، وكذلك الحارث ولد ولده الحارث بن زمعة بن الأسود، انفطر قلبه وكان يريد البكاء، فكان يتمنى ذلك لكنه ساكت اتباعاً لرأي قريش. ثم سمع في ليلة من الليالي نائحة تنوح، فقال لغلام عنده: اذهب وانظر، لعل قريشاً قد أجازت النياحة، فإن الحزن على أبي حكيمة قد فطر كبدي. يقصد زمعة بن الأسود، الذي هو ولده أبو حكيمة.
فذهب الغلام ورجع وقال: إنما هي امرأة تبكي على بكر لها قد ضاع، يعني جملاً صغيراً ضاع، فهي تبحث عنه وتبكي وتنوح عليه. فقال له أبياتاً جميلة يقول فيها: أتبكي أن يضل لها بعيرُ ... ويمنعها من النوم السهودُ فلا تبكي على بكرٍ ولكن ... على بدرٍ تقاصرت الجدودُ على بدرٍ سراة بني هصيصٍ ... ومخزومٍ ورهط أبي الوليدِ وابكي إن بكيتِ على عقيلٍ ... وابكي حارثاً أسد الأسودِ وابكيه ولا تسأمي جميعاً ... وما لأبي حكيمة من نديدِ ألا قد ساد بعدهم رجالٌ ... ولولا يوم بدرٍ لم يسودوا
كأنه يعرض بأبي سفيان أن أبا سفيان ساد، وأن هؤلاء هم السادة، وإنما ساد أبو سفيان وأمثاله بعد ذهاب هؤلاء العظماء. هذه القصيدة صار فيها شيء يقال في الأدب أو في علم العروض عيب من عيوب القوافي أو القصائد، وهو الإقواء؛ لأنه قال في مطلع القصيدة: أتبكي أن يضل لها بعيرُ ... ويمنعها من النوم السهودُ بالرفع، فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدودُ، وبكي إن بكيت على عقيل، وبكي حارثاً أسد الأسودِ.
يعني بعضه مرفوع وبعضه مجرور، وهذا يسمى في علم الشعر أو الأدب الإقواء، وهو من عيوب القوافي أن تكون القافية تختلف، يعني بعضها يكون بالرفع أو بالنصب أو بالجر وبعضها الآخر يخالفه. وهذا وقع فيه أناس من فحول الشعراء الكبار، منهم النابغة الذبياني صاحب المعلقة المشهورة الدالية التي يقول فيها: يا دار مَيَّة بالعلياء فالسندِ ... أقوت وطال عليها سالفُ الأمدِ وقفت فيها أصيلاً كي أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحدِ
وقع في الإقواء في قصيدة له أيضاً دالية يقول فيها: أمن آل مية رائحٌ مُغتدي ... عجلان ذا زادٍ وغيرِ مُزوَّدي زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغراب الأسودِ
هناك الدال مجرورة أو مكسورة عليها كسرة، وهنا عليها ضمة (الأسودُ). وهكذا كانت عادة كثير من شعراء العرب أنهم لا يميزون، كثير منهم لا يميز بين الرفع والنصب، وأنه يخالف القافية. ولما كلموه في المدينة أو في يثرب، كلموه في هذا فلم يفهم لهم أن فيها إقواء، فجاؤوا بجارية وجعلوها تغني وتمد الحرف (الأسود مغتدي)، فعند ذلك تفطن وغير هذا البيت وقال فيه: كذاك تنعاب الغراب الأسودِ.
ويقول زعم البوارح، البوارح هي الظباء التي تمر من جهة اليمين، كان العرب يتشاءمون بالبوارح ويتفاءلون بالسوانح، إذا مرت الظباء من اليمين وأعطتك مياسر أو شمائلها تشاءموا بذلك، وإذا مرت الظباء من جهة الشمال وأعطتك ميامنها تفاؤلوا بذلك، ويسمون هذه السوانح.
الشاهد من الكلام أن في قصيدة الحارث بن الأسود إقواء، وهو يبكي على قتلى بدر على أولاده. وهذا يصور لنا ما بلغته قريش من الحزن على قتلاها حتى إنهم قالوا: لا تفدوا أسراكم، يعني اتركوهم في أيدي محمد، حتى إن رجلاً يقال...
أبو وداعة كان من أسرى بدر، وابنه ابن أبي وداعة رجل بار بوالده وتاجر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كأني بابن أبي وداعة قد جاءكم رجل تاجر ذا مال يأتيكم، أول من يأتي فيفدي، لا يربح عليكم محمدًا». أي اتركوهم في أيديكم، انتظروا قليلًا حتى لا يفرحوا ولا يشمتوا. قال ابن أبي وداعة: نعم صدقتم، لا تعجلوا، ثم انسلّ من الليل، وكان أول من جاء وفدى أباه بأربعة آلاف درهم، وكان هذا أعظم فداء فُدي به الأسرى.
بالنسبة للأسرى لما جيء بهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة بعث المبشرين، فأخذ الناس يتلقون النبي صلى الله عليه وسلم بالتهاني والتبريك، فيأتون ويهنئون النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر. فالتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في الروحاء جماعة من الناس، فمن ضمنهم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له سلمة بن سلامة بن وقش، لما سمع الناس يهنئونه بالنصر قال: على ما تهنئون؟ لقد وجدنا أنما هم عجائز صلعاء معلقة فنحرها. فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا سلمة، أولئك الملأ»، أي هؤلاء الذين أعانك الله عليهم إنما هم ملأ قريش، هم السادة، هم الرجال؛ وإلا فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي نصر المسلمين عليهم، وإلا فهم كانوا قادة في ذلك الزمن.
وسلمة هذا صحابي جليل من أهل بدر، وكان من السابقين الأولين، وكان لإسلامه سبب معروف؛ وهو أنه يقول: كان يهودي بين أظهرنا في المدينة، وكنت أنا في براحة منزلنا، وكنت غلامًا، وكان يحدث الناس بأن هناك جنة ونارًا، ويأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الأوثان. وعندما قالوا له: ما علامة ذلك؟ قال لليهودي: ما علامة صدق ما تقول؟ قال: نبي يخرج من ها هنا، وأشار إلى جهة اليمن أو جهة مكة، وهي في جهة واحدة. قالوا: متى يظهر؟ فالتفت إليّ وكنت غلامًا أمام بيتنا فقال: إن استنفد هذا الغلام عمره يدركه، أي إذا كبر استنفد العمر يدرك هذا النبي. يقول سلمة بن سلامة بن وقش: فوقع هذا الكلام في قلبي، فلما سمعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كان هو من أول من بايعه بيعة العقبة. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان هذا اليهودي ما زال بين أظهرنا، فكلمناه فيه فقال: لا، ما هو به، وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم، نصر الله سلمة من الخذلان والسلامة من الضلال.
جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الأسرى بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيوم. فكانت سودة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، سودة بنت زمعة، كانت عند آل عفراء؛ وآل عفراء كانوا ينوحون أو كانوا يبكون على ابني عفراء الذين استُشهدا في بدر، عوف ومعوذ. فكانت عندهم فسمعت أن الأسرى قد أتي بهم، فخرجت تنظر في الأسرى، فإذا سهيل بن عمرو، وسهيل بن عمرو من سادات بني عامر ومن سادات قريش. وكانت سودة عند أخيه السكران، السكران بن عمرو كان مسلماً هاجر بسودة إلى الحبشة ومات رضي الله تعالى عنه، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بعد ذلك، فهي تعرف مقام سهيل بن عمرو في قومها، وهي من نفس القوم، ابنة عمه أو قريبة منه جدًا. فلما رأت سهيلًا مغلولة يداه إلى عنقه قالت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم! أفلا متم كرامًا؟ أي تحرضه: لماذا سلمت نفسك؟ لماذا لم تمت كريمًا؟ فتقول: ما راعني إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سودة، أتحرضين على الله ورسوله؟». فقالت: يا رسول الله، والله ما هو إلا أن رأيت سهيلًا فما ملكت نفسي أن قلت ما قلت، واستغفرت رب العالمين.
نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري