﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن نهاية هذه الغزوة، غزوة بدر الكبرى، وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم للمبشرين، وما حدث لقريش من الحزن على قتلاهم، وشيء من هذه المجريات. ونكمل في هذه الحلقة إن شاء الله بقية المجريات، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في الأسرى؛ لأنه بعد نهاية المعركة أخذ الصحابة يأسرون الأسرى ويجمعون الغنائم، فأُسر سبعون من قريش من صناديد قريش، فعند ذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الأسرى: ما يفعل بهم؟
فقال له عمر: يا رسول الله، هؤلاء كذبوك وعادوك وأخرجوك، اقتلهم. أو قال في مقام آخر: مكن كل رجل منا من قريبه ليقتله. ولم يعجب النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر، فسار يستشير الصحابة. فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، أهلك وقومك وعشيرتك، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يهديهم، اطلب منهم الفداء؛ أي فلتُبْقَ أرواحهم، ويطلب -يفدون أرواحهم- بفداء يستعين به المسلمون. وقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، أنت في وادٍ كثير الحطب، فلنجمع حطباً، ونشعل ناراً، ولنلقهم في هذه النار في هذا الوادي. فقال العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الأسرى: قطع الله رحمك، يدعو على عبد الله بن رواحة.
فعند ذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة: ياخذ برأي بعضهم، قال: يأخذ برأي عمر، وبعضهم قال: يأخذ برأي أبي بكر، وبعضهم قال: يأخذ برأي عبد الله بن رواحة. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وما مثلك يا أبا بكر إلا كمثل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه الصلاة والسلام إذ يقول: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]. وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة. ثم قال: وإن مثلك يا عمر كمثل موسى عليه الصلاة والسلام، فموسى يقول الله عنه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88]. ثم قال: وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26]».
ثم قبل النبي صلى الله عليه وسلم الفداء، وقال: «لأنكم عالة» أو أصحاب عيلة -يقصد أصحابه محتاجين- فلا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق. قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، إلا سهل بن بيضاء؛ يعني هذا الرجل نستثني، إلا سهل بن بيضاء؛ فإني سمعت أنه -أو فإني سمعته- يذكر الإسلام بمكة. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، قال ابن مسعود: فخشيت من هذه الكلمة وخفت، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا سهل بن بيضاء». سهل بن بيضاء كان يكتم إيمانه، وكان مسلماً رضي الله تعالى عنه، وخرج مع الناس بسبب ما حصل من قريش من شدة إرهابهم الفكري على أقوامهم، وأخرجوا كثيراً من الناس الذين كانوا كارهين للخروج، ومنهم العباس بن عبد المطلب كما تقدم معنا.
ثم نزل جبريل وخيّر الصحابة، وقبل هذا التخيير، خير الصحابة بين الفداء وبين القتل، والمسلمون خيّروا بين الفداء، وقدرهم في قابل يستشهد، وبين قتلهم، فمالوا للفداء؛ لأنه على القتال عضداً. يعني خُيّر المسلمون بين أمرين: إما أن يقتلوا هؤلاء الأسرى، وإما أن يقبلوا الفداء لهم، وفي العام القادم يقتل من المسلمين بقدرهم سبعون رجلاً، فالصحابة مالوا للفداء؛ لأنه على القتال عضد وأعان الدولة الإسلامية، ولأنه أدى إلى الشهادة، لأن هؤلاء الذين سيقتلون في العام المقبل سينالون الشهادة وهي أقصى المنى عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طبعاً لما استشار النبي الصحابة وأشار بعضهم بالقتل كعمر، وأشار بعضهم بقبول الفداء كأبي بكر، نزل القرآن يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم ويعاتب الصحابة على ذلك، يعاتبهم على قبول الفدية. وكان في بداية الإسلام أراد الله سبحانه وتعالى أن يعز دينه، ويقوي شوكته، ويضعف شوكة المشركين بقتل أسراهم، فقال تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 67]. كانت هذه حكمة من الله سبحانه وتعالى؛ أن الله يريد أن يضعف شوكة المشركين ويقوي شوكة المؤمنين؛ لأن هذا الحدث سيغير مجرى الجزيرة، وسيغير أحوال الناس؛ يعني الناس الذين كانوا يشاهدون ما حصل للمشركين وما حصل من نصر المؤمنين، هنا تزعزع الناس وصاروا يريدون الميل مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فعندما قبل النبي صلى الله عليه وسلم الفداء، أنزل الله آياته يعاتب رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-69]. فعند ذلك كان النبي قد جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، وأبو بكر كذلك يبكون بسبب هذه الآيات، وبسبب أن العذاب كاد أن ينزل على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لقبولهم الفدية في هؤلاء الأسرى.
ولذلك اختلف العلماء في الأسرى: ما الحكم فيه؟ هل يقبل منهم فداء أم يقتلون؟ وكان في البداية من الناس من قال: القتل أولى، ومن الناس من قال: قبول الفداء أولى، ومن الناس من قالوا: ليس بعد هذه الحادثة، استقرت الأحكام، وليس هناك إلا المن أو الفداء؛ أما الفدية للأسرى واما المن عليهم بدون فدية، كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]. فلم يذكر إلا شيئاً، فإما مَنّاً بعد وإما فداء، وبذلك قال جماعة من السلف، لكن الذي عليه الجمهور أنه يجوز للإمام قتل بعض الأسرى للمصلحة، خصوصاً إذا كان الأسرى -كما يقال في هذا العصر- مجرمي حرب، يعني لو أعتق أو أطلق لجاء وكسر شوكة المسلمين أو أفناهم، فالمسألة عائدة إلى المصلحة، المقدم المَنُّ والفداء، وكذلك القتل عند الضرورة وعند الحاجة.
ولذلك كثير من الناس الذين أطلقوا في بدر من أسرى بدر، كخالد بن الأعلم، لا أعلم أُطلق في فداء في غزوة بدر، كان في الأسرى. يقول البدوي وهو يعدد الأسرى: ومن مشاهير الأسارى عمرو نجل أبي سفيان، ثم النضر، والعم وابن أخويه، وهما عقيل ونوفل، وبعد أسلم، إلى أن قال: وخالد بن الأعلم الذي افتخر. فكان قبل كل هوة عجر. خالد بن الأعلم هذا افتخر، فكان يقول في غزوة بدر: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدماء. ولسنا على الأعقاب -الأعقاب عقب الرجل- يعني الدماء لا تسيل على الأعقاب بمعنى لا نولي مدبرين فتسيل دماؤنا على الأعقاب، وإنما نأتي ونقصد القتال فتسيل الدماء على أقدامنا. ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدماء. هذا قالها في بدر، ثم كان أول من فر، ولذلك يقول الشاعر البدوي: وخالد بن الأعلم الذي افتخر، فكان قبل كل هوة عجر؛ هوة يعني جبان، عجر بمعنى فر. هذا الرجل كان في الأسرى، فر ثم أُمسك وكان في الأسرى وأطلق بفداء، ثم جاء في غزوة بدر وقاتل المسلمين وقتل كافراً، نسأل الله العافية والسلامة.
ولذلك قال بعض أهل العلم إن للحاكم أو للإمام أن يقتل بعض الأسرى إذا كان ذلك فيه مصلحة، ويستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الحارث أو النضر بن الحارث، وهو أحد الأسرى، قتله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أشد الناس على المسلمين، ونزل فيه ثماني آيات، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو من الناس الذين يقولون: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 31]. وكان يحاكي النبي ويقول: أنا أقول أشياء أفضل مما قال، وكلامه فيه كثير وفي مضادّة لله ولرسوله، فهو من شياطين قريش؛ ولذلك قتله النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر بقتله.
وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وعلمت بذلك أخته قالت فيه أبياتاً تقول فيها -وقد أسلمت بعد ذلك، قيل إنها أخته وقيل بنته-: يا راكباً إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق. والأثيل هو المكان الذي قتل فيه النضر بن الحارث. تقول هذه المرأة: يا راكباً إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق. أبلغ به ميتاً بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق. مني إليك وعبرة مسفوح جادت بوارفها وأخرى تخنق. هل يسمعني النضر إن ناديته؟ أم كيف يسمع ميت لا ينطق؟ أمحمد يا خير ضنء كريمة من قومها والفحل فحل معرق. ما كان ضرك لو مننت وربما مَنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق. فالنضر أقرب من أسرت قرابة، وقهم إن كان عتق يعتق. ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق. يقول صاحب سبل الهدى والرشاد: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغته هذه الأبيات بكى حتى اخضل لحيته، وقال: لو علمت بشعرها قبل أن أقتله ما قتلته. الشاهد منها أن الأمر عائد إلى الإمام بحسب المصلحة؛ إن كانت المصلحة في الفداء فالفداء، وإلا فما يراه الإمام. إلى هنا نقف، ونعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا وقفنا عند الحديث عن شيء من كلام الأسرى، أو الحديث عن الأسرى. ومن الأسرى أيضاً أبو عزيز بن عمير، أخو مصعب بن عمير، وهذه من الأحداث العجيبة، مر مصعب بن عمير بأخيه وهو يأسر رجل اسمه أبو اليسر الأنصاري، فقال مصعب بن عمير للأنصاري: اشدد يديك به، فإن له أماً غنية لعلها تفديه منك بمال. فقال أبو عزيز: أهذه وصاتك بأخيك؟ فقال مصعب بن عمير: هو أخي دونك. وفي مصعب بن عمير وأمثاله نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] إلى آخر الآية.
وكان أبو عزيز يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهم خيراً، النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالأسرى خيراً، فكان يقول أبو عزيز: كان الصحابة إذا -بسبب وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم- يخصوننا بالخبز، فإن كانت الخبزة لا تقع في يد لأحدهم فيدفع مني بها، قال: فأرد عليه أستحي، فيردها علي. وهذه من وصاة النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الصحابة، ولذلك أسلم كثير من هؤلاء الأسرى، رضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الأسرى أيضاً أبو العاص بن الربيع، لما أُسر، أرسلت بنت رسول الله -وهي زوجته- زينب بنت رسول الله، كانت زوجة أبي العاص بن الربيع، وأبو العاص بن الربيع ابن خالتها؛ لأنه ابن هالة بنت خويلد، وزينب بنت خديجة بنت خويلد، فهم أبناء خالة. لما أُسر أبو العاص بن الربيع وكانت زينب في مكة، أرسلت في فداء زوجها عقداً، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم رقَّ له رقة شديدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها عقدها فافعلوا». فقالوا: نعم يا رسول الله، حباً وكرامة.
يقول فيه البدوي: وابن الربيع صهر هذه الأمة إذ في فداه زينب أرسلتِ بعقدها الذي به أهدتها له خديجة، وزُفَّ بها صرحة بعقدها، وعهد إليه أن يردها له غداً، فردها وبعد ذاك تجرى لنفسه وساكني أم القرى، فانتهى الأصحاب للقلب، فجاء واستجار بابنة النبي، فصرحت ولم تجمجم البتول بأن أجارت، وإمضاء الرسول. يقول إن أبا العاص بن الربيع لما أرسلت زينب عقدها لتفديه به، أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليها العقد، ولكنه أخذ عليه العهد أن يرسلها إليه، فأرسلها إليه ووفى بعهده، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي»، يمدح هذا الرجل رضي الله تعالى عنه، وقد أسلم بعد ذلك، لكنه أسلم بعد صلح الحديبية، وكان إسلامه عجيباً، وهو أنه بعدما رد بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وقصتها طويلة لكني أختصرها، جاء وتاجر بأموال لقريش في الشام في وقت صلح الحديبية؛ كانت صلح الحديبية تصالح النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة بحيث إنهم لا يكون بينهم نزاع.
هناك مجموعة من الذين أسلموا وهم مستضعفون في قريش أرادوا أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الاتفاقية مع قريش في صلح الحديبية. فهؤلاء المستضعفون الذين أسلموا ذهبوا وصاروا مجموعة لوحدهم على ساحل طريق قريش حتى أصبحوا قرابة 300 رجل؛ كأبي بصير وأبي جندل وغيرهم من الصحابة. فمر عليهم أبو العاص بن الربيع وهو في تجارة لقريش وعنده أموال لهم، فأخذوا قافلته وتجارته.
عند ذلك انفلت منهم أبو العاص بن الربيع وجاء واستجار ببنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليها أو أرسل إليها حتى دخل واستجار بها. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الصبح، صرخت رضي الله تعالى عنها وقالت: ألا إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «والله ما علمت به إلا أني سمعت كما سمعتم، وإن المسلمين يجير أدناهم على أعلاهم»، يعني أن هذا الجوار قد مضى ومقبول.
ثم قال: «أرسلوا لأبي جندل وأصحابه أن هذا الرجل منا كما قد علمتم»، يعني أنه صهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، «وإن هذا المال الذي أخذتموه إن عففتم عنه فهذا الذي نحبه، وإلا فهو فيء أفاءه الله عليكم أو أعطاكم الله إياه». فقالوا: بل نرجعه إليه. فردوا هذه الأموال كلها إلى أبي العاص بن الربيع، حتى إنهم صاروا يردون الشظاظ والأشياء الحقيرة. فجمع المال فقالوا: هل فقدت من مالك شيئًا؟ فقال: لا. فقال له بعض المسلمين: يا أبا العاص، ألا تسلم وتحوز هذا المال لك؟ فقال: بئس ما أمرتم به أن أبدأ إيماني بالخيانة! فأخذ هذه الأموال ورجع إلى مكة وسلمها لهم وقال: هل تفقدون من أموالكم شيئًا؟ قالوا: لا. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورد النبي عليه زوجته زينب بالعقد الأول بدون عقد جديد. طبعًا هذا حصل فيه خلاف بين أهل العلم، والكلام عليه يسير، وهو لأن الله سبحانه وتعالى حرم أن المؤمنات ينكحن الكفار في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. فلما جاءت المهاجرات في صلح الحديبية نزلت هذه الآيات، والخبر فيها معروف ومشهور، فحرمت المؤمنات على الكافرين كما حرمت الكافرات على المؤمنين.
كان من ضمن هؤلاء أن أبا العاص كان كافرًا ونزلت الآيات، وزينب أصبحت مؤمنة وهي مؤمنة من البداية، فردها النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالعقد الأول، فتعجب العلماء لأنه هي مؤمنة وهو كافر، وبينهم ست سنين من حين ردها النبي عليه؛ فكيف يردها عليه بالعقد الأول؟ والذي بين ذلك الإمام البيهقي رحمه الله عليه، وهو أنه قال: إن التحريم نزل بعد صلح الحديبية، فلما نزل ابتدأت عدة زينب من ذلك الوقت، لكنه أسلم وهي ما زالت في العدة لأنه أسلم بعد الحديبية أو قبل فتح مكة بمدة، فكانت ما زالت زينب في عدتها فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه المعركة التي هي معركة بدر هي من المعارك العظيمة وتجلى فيها كثير من المعاني السامية، منها ما حدث لأبي العاص بن الربيع أنه قال: بئس أن أبدأ إيماني بالخيانة. ولذلك لما يقول البدوي رحمه الله عليه: وسأل الإيمان كي يحوز مال قريش وبه يفوزا، فهاب أن يبدأ بالخيانة إيمانه ويدع الأذى. وأبو العاص بن الربيع كما ذكرت هو ابن خالة زينب، ولذلك أمه هالة أسلمت رضي الله تعالى عنها. فكانت تستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف استئذانها ويرتاح له، تقول عائشة في الصحيح: إن هالة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت، فالنبي صلى الله عليه وسلم عرف استئذان خديجة، كان يحب خديجة رضي الله تعالى عنها، فقال: «اللهم هالة». فإذا هي هالة، فقالت عائشة -وغارت عائشة-: ما تريد من عجوز من ذكر عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرًا منها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ فإنها آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبوني، وواستني بمالها إذ حرموني، ورزقني الله منها الولد».
أيضًا هذا الرجل أبو العاص بن الربيع رضي الله تعالى عنه ابنته أمامة التي كان النبي يحملها وهي ابنة زينب رضي الله تعالى عنها، كان النبي يحملها في الصلاة كما في الصحيحين وهي ابنة أشهر. وهناك قصة جميلة جدًا، وهي أن طبعًا هذه القصة من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه لكنه من أهل العلم، ورويت بروايات أخرى، من هذه الروايات تقول عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ونساءه قد اجتمعن في بيت واحد ومعه قلادة فيها من الذهب، فقال: «ما رأيكم في هذه؟» فقالوا: والله ما رأينا أحسن منها يا رسول الله. قال: «فإني سأعطي هذه القلادة أحب أهل هذا البيت إلي». تقول عائشة: فأظلمت الأرض بيني وبينهم خشية أن يضع القلادة في إحدى نسوته غيري، ولا أراهن إلا قد أصابه ما أصابني. تقول: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ووضع هذه القلادة في عنق أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وكانت جارية تلعب على التراب في طرف البيت، قالت: فسُرّي عند ذلك عنا.
الشاهد من الكلام أن هذه المعركة العظيمة التي هي معركة بدر فيها من المعاني الشيء العظيم، وفيها نصر للمسلمين وهي فارقة بين الإسلام والكفر، ولذلك الله سبحانه وتعالى سماها الفرقان، قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]. وسماه الله بأسماء كثيرة، وجعل الذين حضروا بدرًا ممن يحرمون على النار، وقال: «افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وما ذاك إلا لأهمية هذه الغزوة المباركة.
وفيها كما ذكرت معاني جليلة، ولكن الكلام حولها يطول ويتسع لو أردنا أن نعطيها حقها، وقد ذكرنا أشياء من هذه المعاني؛ منها كما ذكرت في آخر هذه الحلقة أن أبا العاص بن الربيع قال: لا أبدأ إيماني بخيانة. ومنها أن أبا حذيفة بن عتبة رضي الله تعالى عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى بدر قال: يا رسول الله، قد أمسكتني قريش ولم تطلقني حتى عاهدتها بأن لا أغزو معك، فقال: «أوف بعهدك»، يقول النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما برز من محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن محبتهم للدين، بحيث إن مصعب بن عمير يقول لأبي اليسر عن أخيه أبي عزيز: إن هذا أخي دونك، ويقول: اشدد يديك به، فإن له أمًّا مليّة. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: وابن عمير مصعب مر على شقيقه مستأسدًا للفضلاء فحثهم أن شددوا، إن له أمًّا مليّة تفديه.
هناك كثير من الصور العجيبة والمعاني الإيمانية في هذه الغزوة، وهناك آيات نزلت فيها عظيمة، سورة كاملة سورة الأنفال؛ فالتأمل في هذه الغزوة لا شك أنه يزيد الإيمان، وأنه يعلمنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلمنا كثيرًا من المعاني الجليلة لهذه السيرة العطرة. إلى هنا نأتي إلى نهاية الكلام عن هذه الغزوة المباركة، وإن كان الكلام فيها يتسع كما ذكرت، ولكن نكتفي إن شاء الله بهذا القدر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري