دخولتسجيل الدخول

الحلقة 13

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها وفي بعض الحلقات الآتية عن صلح الحديبية؛ هذا الصلح أو الفتح المبارك الذي سماه الله سبحانه وتعالى فتحًا، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2]. هذا الفتح أو هذه الغزوة تسمى غزوة، وتسمى صلحًا، وتسمى فتحًا، فتح الحديبية.

كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما انتهى من غزوة الخندق، وبعض المجريات بعد ذلك، كان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا؛ رأى أنه يدخل الحرم أو مكة معتمرًا هو وأصحابه محلقين رؤوسهم ومقصرين، كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27].

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذه الرؤية المباركة عزم على العمرة، واستنفر أصحابه، واستنفر من حوله من الأعراب. لكن الأعراب الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم تباطؤوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا في أنفسهم إن قريشًا وأهل مكة هؤلاء الناس قد غزوا النبي صلى الله عليه وسلم في قعر داره في المدينة، وهو الآن يريدنا أن نخرج معه إليهم معتمرين. فظنوا ظن السوء كما قال الله تبارك وتعالى إن النبي صلى الله عليه وسلم سيقتل، وأنه لن يعود إلى المدينة أبدًا.

كما قال تبارك وتعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: 11-13].

كانوا يعتذرون ويقولون شغلتنا أموالنا وأهلنا فاستغفر لنا، لكن الله بين تكذيبهم في كتابه أنهم كانوا يضمرون في أنفسهم السوء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لن يعود هو ولا أصحابه. فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج بمن أطاعه من الصحابة، وكانوا 1400 رجل أو 1500 رجل كما قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين العددين، وخرج ومعه أم سلمة الصحابية الجليلة إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم مر على ذي الحليفة وأحرم من ذي الحليفة هو وأصحابه ولبوا: لبيك اللهم عمرة. وأرسل أحد أصحابه بسر بن سفيان الخزاعي، وكان قد أسلم قريبًا من هذا الموعد، أرسله ينظر ما تصنع قريش إذا علمت بخبر خروجه. ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لقيه عينه هذا بسر بن سفيان الخزاعي رضي الله تعالى عنه بعسفان، فقال: ما وراءك؟ قال: يا رسول الله، هذه قريش قد جمعت لك الجموع، وقد لبست جلود النمور، وتقسم ألا تدخلها عليهم عنوة، يعني يريدون قتلك، وأنهم سيصدونك عن البيت.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «يا ويح قريش، قد أهلكتهم أو أنهكتهم الحرب، ما لهم إلا يتركوني والناس؟ فإن ظهر علي الناس كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن أبوا ذلك قاتلوا وبهم قوة». يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو العقل أن يتركوني ويخلون بيني وبين الناس؛ إن ظهر الناس علي كان الذي أرادته قريش، وإن أظهره الله على الناس فهو ابنهم، وعزة لهم فيدخلون في الإسلام وافرين، وإن أبوا ذلك فيقاتلون وفيهم قوة لأنهم استعدوا وجلسوا ولم تتوالى الحروب عليهم.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لأجاهدن على هذا الأمر حتى يظهره الله، أو تنفرد سالفتي»، يعني ينقطع عنقي، يقوله النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أخبره بسر بأن قريشًا قد أرسلت خالد بن الوليد في فرسان من قريش على خيل قريش، وأنهم الآن بكراع الغميم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك حاد عن الطريق، وهذا من رحمته صلى الله عليه وسلم بقريش وبالناس، وقال للصحابة: من يعرف ثنية المرار أو مكان كذا وكذا؟ يريد أن يجوز إلى طريق آخر غير الطريق المعهود. فانتدب لذلك ناجية بن جندب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وسلك بالصحابة وبالنبي صلى الله عليه وسلم على هذه الطريق التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما رأوا ثنية المرار وهي مرتفعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاز هذه الثنية فإنه مغفور له». فتسارع الصحابة وتجاوزوا هذه الثنية، وكان المكان وعرًا وفيه صعوبة. ثم لما تجاوزوا هذه الثنية، فإذا هم بأرض سهلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إنها لحطة»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا: نستغفر الله»، فقالوا: نستغفر الله لما رأوا الوادي السهل وأنهم تيسر لهم أمرهم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها؛ لأنهم قيل لهم قولوا حطة، فقالوا حنطة، والحطة يعني حطة الذنوب». فالصحابة استغفروا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تجاوز هذه الثنية فهو مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر». فالصحابة ذهبوا إلى صاحب الجمل الأحمر وقالوا: ويحك تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي. وكان رجلًا ليس معهم وإنما صادفهم في الطريق.

فالنبي صلى الله عليه وسلم استمر بالجيش وهو على ناقته القصواء، ثم لما أقبل على الحديبية أخذت ناقته تتقهقر وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يسوقها وهي ترفض الإقدام حتى بركت. فلما بركت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحثها على القيام وكذلك الصحابة، ويقولون حل حل، ثم ما تجاوزت مكانها. فقال بعض الصحابة: خلات القصواء، يعني حرنت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «والله ما خلقت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، يعني أنها منعت من رب العالمين سبحانه وتعالى بأمر سماوي فيه حكمة الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين.

فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون الله فيها إلا أعطيتهم إياها»، يعني لا يسألوني خصلة من الخصال وفيها تعظيم لأوامر الله وللشريعة. لما قال هذه الكلمة، ثم أدار وجهه ثم ذهب بعيدًا أو إلى مكان في طرف الحديبية، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس أن ينزلوا.

وكان هناك ثمد أو بئر ليس فيها من الماء إلا الشيء القليل، فقالوا يا رسول الله: ننزل ولا ماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انزلوا»، فنزل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فلما نزلوا ذهبوا إلى ذلك الثمد، وكان فيه شيء قليل من الماء فما زالوا به حتى أنزفوه، أو أخذوا كل ما فيه من الماء. فعند ذلك عطش الناس وعطشت الإبل، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، استسق لنا، أو إن الماء قد نفد.

فأخذ النبي سهمًا من كنانته صلى الله عليه وسلم، وأعطاه ناجية بن جندب، هذا الذي سلك بهم الطريق وكان يسمى ذكوان، فلما سلك بهم على الطريق ودلهم عليه سماه النبي ناجية؛ لأنه نجا بهم من خيل قريش التي كانت في كراع الغميم. فعند ذلك أعطاه النبي سهمًا من كنانته، فقال: «اغرسه في البئر». فذهب ناجية بن جندب بالسهم وغرسه في البئر، وأخذ يعطي الناس من الماء ويقول: والله ما هو إلا أن غرسته، فاصبح الماء يفور حتى ما كدت أن أخرج. وفي بعض الروايات أن الصحابة أخذوا يأخذون الماء وهم على شفير البئر حتى سقي الناس كلهم، وارتوى الناس وارتوت ماشيتهم، وهذا ببركة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم.

وفي هذه الغزوة أو في هذا الصلح، إما في الرجوع أو في مكان آخر من هذه الأمكنة، جاء الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين يديه قدح أو عنده ركوة فيها ماء، فرآهم ينظرون إليه، فقال: «مالكم؟»، فقالوا يا رسول الله: والله ما عندنا من الماء إلا ما في ركوتك أو ما في قدحك هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذلك القدح ووضع يده فيه، ثم قال: «بسم الله، توضئوا واشربوا واستقوا».

يقول أنس بن مالك أو غيره من الصحابة، أنس بن مالك قد روى شيئًا من هذا في المدينة، وهذا قد رواه الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، غزوة الحديبية، يقول الراوي وهذا في الصحيح: فوالله إن الماء ليفور من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الناس يشربون ويأخذون في أوعيتهم. وعند ذلك جاء أحدهم وكان معهم أحد المنافقين أظنه الجد بن قيس، فقالوا: ويحك، أما ترى ما بعد هذا؟ ألا تؤمن ألا تجل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكان شيئًا عجيبًا؛ ماء يخرج من بين أصابع من بين اللحم والدم.

ولذلك يقولون إن هذه المعجزة صحيح أن موسى عليه الصلاه والسلام ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، لكن هذه العيون التي انفجرت من الحجارة أمرها معقول نوعًا ما؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 74]، ولكن الماء ينبع من بين الأصابع هذا الأمر الغريب والعجيب. ولذلك يقول الشاعر: إن كان موسى سقى الأسباط من حجر فإن في الكف معنى ليس في الحجر

نقف هنا ونستأنف الحديث إن شاء الله بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

السلام عليكم ورحمة الله. كنا قد وقفنا عند عندما سأله الصحابة أنه لا ماء لهم، فأرسل سهمه مع ناجية بن جندب إلى البئر ووضعه في البئر، ثم جاشت البئر بالماء حتى استقى الصحابة. هذه الحادثة ذكرت أنها قد وقع نظائر لها كثيرة جدًا؛ منها كما ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في إناء ففار، وتكررت هذه الحادثة في عدة مواطن، ولذلك يقول كثير من أهل العلم بأنها متواترة.

وهكذا تكثير الطعام، هذا حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع، ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في هذه الواقعة وفي غيرها يقول: ومِن ثنى بالجيش حيث قد عسرت .. ناقته عن مكة إذ حبست فاستنزلوا ماء لهم فاستنبطوا .. بطابعه وعلهم أيضًا بهذه الغزوة ما كان عن صبابة في ركوة .. وكم قليل غير ذاك كثرا وكم قليب بالمعين فجرا ويقول في غزوة الأحزاب: كم آية في حفرة كالشبح .. من حفنة للمجمع

كان يذكر في غزوة الخندق يقول: كم آية في حفرة كالشبح، من حفنة تمر، جاءت بنت بشير بن سعد رضي الله تعالى عنه أرسلتها أمها -أخت عبد الله بن رواحة- إلى أبيها وإلى خالها بحفنة من تمر، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما عندك يا بنية؟»، قالت: تمر، قال: «لمن هي؟»، قالت: لأبي ولخالي عبد الله بن رواحة، فقال: «أعطيني إياه»، فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم على بساط ثم دعا فيه بالبركة، وصرخ في أهل الخندق فجاؤوا وأخذوا يأخذون من هذا التمر الذي على البساط. يقول الراوي: فوالله لقد صدروا عنه وأنه ليتساقط من جوانب الثوب، زاد بدل ما كان قليلًا أصبح كثيرًا. وهكذا يقول البدوي أيضًا قال: من حفنة للمجمع.

وكل ذلك في الصحيح. السخلة جابر في صحيح البخاري، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى النبي مجهودًا في غزوة الخندق، رجع إلى امرأته وقال: هل عندك شيء؟ فأخرجت له شيئًا من شعير، وقالت: ليس عندنا إلا هذه الداجن (سخلة أو عنز)، فذبح جابر رضي الله تعالى عنه ووضعها في برمة وأشعل عليها النار، وأمر امرأته أن تعجن العجين، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وساره: يا رسول الله، إني فعلت كيت وكيت، فهلم أنت وبعض أصحابك. فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر مناديًا ينادي في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء في بيت جابر، فذهبوا كلهم إلى بيت جابر، فجاء جابر إلى امرأته وقال لها...

النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفتحوا البرمة ولا تعجنوا العجين». فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخذ هذا العجين وبارك فيه وتفل فيه صلى الله عليه وسلم، وهكذا في البرمة. ثم صار الناس يدخلون فوجاً فوجاً من أصحابه، والنبي يغرف لهم والعجين يعجن ويغرف من البرمة حتى صدر الناس وكانوا ألفاً، ولذلك يقول البصيري رحمه الله عليه:

فتغدو تروى بالصاع ألف ضماء.

يعني بصاع واحد تغدى ألف جياع، ألف من الناس كانوا جياعاً.

والأخبار في هذا كثيرة جداً، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة أيضاً. ومن أعظم هذه المعجزات كما هو معلوم هذه المعجزة الخالدة التي هي القرآن الكريم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من بلاغة هذه المعجزة ومن بلوغ الحجة غايتها على الناس؛ لأنه لو كان يقرأ أو يكتب لقالوا إنه أخذه من التوراة أخذه من الكتب السابقة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد صانه الله من القراءة والكتابة ليكون كتابه الذي أتى به حجة على الناس. ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].

وهذا القرآن كما ذكرت الحجة فيه واضحة باهرة لكل أحد من عصر النبي إلى عصرنا، وهو مصون محفوظ لا يمكن أن يزاد فيه حرف ولا أن ينقص منه حرف، وقد حفظه الناس آلاف مؤلفة. وقد تلقاه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، وتلقاه عن الصحابة التابعون، وتلقاه عن التابعين أتباعهم إلى يومنا هذا، فتجد الشيخ الواحد يقرأ عليه من الناس ألوف مؤلفة، وهذا من حفظ الله لهذا الكتاب ومن الإعجاز في هذا الكتاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

ومن العجائب الواضحة أيضاً في هذا الكتاب ما يحصل فيه من الإعجاز العلمي، وأقرب الأمور التي يمكن ذكرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً وجاء من عصر قريش إلى يومنا هذا بآيات فيها إعجاز عظيم، من ضمنها مراحل الجنين في بطن أمه. النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الحج وسورة المؤمنون وفيها ذكر لمراحل الجنين، كما قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] إلى آخر الآيات. وهكذا في سورة المؤمنون؛ هناك النطفة، وهناك العلقة، وهناك المضغة، وهناك العظام، وهناك كسو العظام بالجلد واللحم. هذه المراحل كيف يعرفها شخص لا يقرأ ولا يكتب؟ حتى في عصرنا هذا لو قيل لشخص أمي كيف يكون الجنين في بطن أمه؟ قال: لا أعلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يأتي بها من ذلك العصر، ثم تكتشف في القرن التاسع عشر الميلادي؛ لأن العلماء كانوا يظنون أن الجنين في بطن أمه متشكل من بداية دخول النطفة في رحم المرأة، وأنه متشكل من ذاك وإنما يكبر هذا الشكل حتى يصبح على صورته التي هو عليها، حتى اكتشفها شخص من علماء الغرب في القرن التاسع عشر الميلادي وبرهن للناس أن الجنين في بطن أمه ينتقل من مرحلة إلى مرحلة. ثم جاءت التكنولوجيا وجاء التطور ورأى الناس ذلك بالأشعة وبالتلي وغير ذلك من الوسائل التي تبين ذلك بشكل واضح، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أتى به من ذلك العصر.

كذلك أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمم السابقة التي لا يعلمها أحد، إخباره عن أهل الكهف، إخباره عن موسى عليه الصلاة والسلام وأحواله وما حصل له، وإخباره عن إبراهيم ويونس بن متى والأمم السابقة وذي القرنين. كيف سيعلم شخص أمي لا يقرأ ولا يكتب وهو في قرية أو في مدينة لا علم لهم بشيء من ذلك، ثم يأتي لهم بهذا مسطراً في كتاب مفصلاً موضحاً؟ هذا من الإعجاز الباهر الذي لا ينبغي أن يمترِي فيه اثنان. ثم القرآن فيه من الأخبار المستقبلية الشيء الكثير أيضاً، وفيه من العجائب: العسل فيه الشفاء، ذكر القرآن فيه الشفاء وقد شفى الناس، وإن فيه شفاء كثيراً.

الحديث في هذا يطول، الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية قد بهر أصحابه، وتعجبوا حين رأوا الماء ينبع من بين أصابعه. ولذلك لما جاء عروة بن مسعود -كما سيأتينا في الوفود- ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، ما يكاد النبي يتوضأ إلا ويقتتلون على وضوئه؛ لأنهم علموا أن في النبي بركة، وفي وضوئه بركة، وفي كل ما يحتويه صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان الصحابة يقتتلون على وضوئه وكانوا يجلونه أعظم الإجلال، حتى لما عاد إلى قريش قال: والله لقد وفدت على كسرى في ملكه، ووفدت على قيصر في ملكه، ووفدت على النجاشي في ملكه، فوالله ما رأيت أصحاب ملك يعظمونه كما يعظم أصحاب محمد محمداً. وليس ذلك بعجب لأنهم رأوا المعجزات الباهرات، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مطهر طاهر، ويعلمون رحمته بهم وبالناس كلهم.

ولذلك لما سمع أن خالد بن الوليد على مئة فرس من قريش في كراع الغميم، حاد عن ذلك الطريق، وهو في جيش ألف وأربعمائة رجل، ليس هناك تكافؤ بينهم وبين خالد، ولكنه أراد أن يتجنب المواجهة؛ لأنه إنما جاء معتمراً صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الحادثة صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، وقيل إنها نزلت في هذه الحادثة؛ لأن خالد بن الوليد لما رأى كثرة الجيش راعه ذلك، ثم جاء وإذا النبي وأصحابه يصلون الظهر، فبقي ينظر إليهم، فلما رآهم انتهوا من الصلاة قال: قد فاتتني من القوم غرة، ولكن عندهم صلاة أخرى سننتظر لعلنا نصيب منهم إذا صلوا هذه الصلاة شيئاً. فعلم النبي بذلك وأخبره جبريل ونزلت صلاة الخوف، فأقام النبي الصحابة صفين، وصلى بالصف المقدم، وصلى بهم جميعاً وركع وركعوا، فلما رفع رفعوا معه، فلما سجد سجد الصف المقدم، وبقي الصف الخلفي ينظر إلى العدو أو إلى خالد بن الوليد وأصحابه، ثم لما قام النبي صلى الله عليه وسلم أدركه هذا الصف الخلفي وسجد سجدتين، ثم قام مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركع بهم النبي صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعاً، فلما رفع رفعوا جميعاً، فلما سجد سجد الصف المؤخر وبقي الصف المقدم، وقيل إن الصف المؤخر تقدم والصف المقدم جاء خلفه وبقي حارساً. فلما رأى هذه الحادثة خالد بن الوليد وهذه الطريقة من الصلاة، علم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، ولذلك قال: إن الرجل ممنوع، فرجع إلى قريش، ولذلك دخل الإسلام من ذلك الوقت قلب خالد بن الوليد فأسلم بعد الحديبية بقليل.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].