دخولتسجيل الدخول

الحلقة 14

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وما زلنا في أحداث صلح الحديبية أو غزوة الحديبية. كنا ذكرنا في الحلقة الماضية أن النبي صلى الله عليه وسلم بركت به راحلته، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون الله فيها أو شعائر الله إلا أعطيتهم إياها»، ثم انصرف إلى ناحية من الحديبية. وذكرنا أنه قد فار الماء من بين أصابعه، وتوضأ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا شيئًا من معجزاته صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك المكان مر عليه بديل بن ورقاء الخزاعي، وهو سيد من سادات خزاعة، وبنو خزاعة كانوا عيبة نصح النبي صلى الله عليه وسلم. بديل بن ورقاء الخزاعي هو حليف أو هو وجماعة من القبائل يسمون الأحابيش متحالفين، وقد تحالفوا أيضًا مع قريش، ولكنه يميل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى بني عبد المطلب. فهو مر على النبي صلى الله عليه وسلم بعدما علم أن النبي جاء يريد قريشًا، وكأنه بديل يريد الاستخبار عن شأن محمد صلى الله عليه وسلم وشأن قريش، أو يريد أن يرى ما هو الحال؛ لأنه يهمه وضعهم وحالهم.

فلما مر على النبي صلى الله عليه وسلم هو وجماعة من سادات خزاعة، منهم عمرو بن سالم وغيره، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وكلموه عما جاء به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نأتِ لحرب، وإنما جئنا معتمرين معظمين لبيت الله، ولا نريد حربًا ولا نريد قتالًا». فعند ذلك ذهب بديل بن ورقاء إلى قريش، فلما رأته قريش قالوا: لا تكلموه ولا تسألوه عن شيء، فوقف عندهم ثم قال: ألا تسألونني؟ فقال سفهاؤهم: لا، لا نريد ما عندك من الأخبار، أو نحو هذا الكلام. وقال العقلاء منهم: بل ما عندك؟ فقال: إنكم تعجلتم على محمد؛ إن محمدًا لا يريد قتالًا، وإنما جاء معتمرًا معظمًا لهذا البيت. فقالوا: والله لا يدخلها علينا عنوة، وأقسموا أقسامًا.

ثم قام لهم عروة بن مسعود الثقفي رضي الله تعالى عنه -لأنه أسلم بعد ذلك- وقال: يا معشر قريش، ما تروني؟ ألست لكم بالولد وأنتم الوالد؟ فقالوا: نعم، لأن أمه اسمها سبيعة بنت عبد شمس بن أمية، يعني من قريش، فكانوا لا يتهمونه لقرابته منهم؛ لأنهم أخواله. فقال: ألست قد حاولت في ثقيف أو في أهل الطائف أن يأتوا ينصرونكم، فلما أبوا علي جئتكم بمن أطاعني من قومي؟ قالوا: بلى، وقالوا له: لا نتهمك. قال: فإن هذا الرجل جاءكم بخطة رشد لا يردها أحد، وإن شئتم فاتركوني حتى آتيه. فقالوا: نعم.

فذهب عروة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النبي أيضًا قد أرسل أحد أصحابه، وهو خراش بن أمية الخزاعي، على جمل اسمه الثعلب. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة المغازي: وعقر جمله الثعلب إذ أرسله تحت الخزاعي. النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الجمل وأرسله إلى قريش يبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يريد حربًا، فلما جاء هذا الرجل الخزاعي استهانوا به لأنه ليس من قريش، فنحروا جمله من الغيظ الذي فيهم، ثم أرادوا أن يقتلوا خراش بن أمية فمنعته الأحابيش، والأحابيش مجموعة من القبائل منهم أناس من خزاعة، وسيدهم الحليس وهو من الأحابيش.

الشاهد أن عروة بن مسعود ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلمه وصار يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، والله ما علمنا مثلك أحد، أو نحو هذا الكلام، أتأتِ إلى بيضتك تفضها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني ما جئت لقتال، وإنما جئت معتمرًا». قال: أترى أن هؤلاء الذين جمعتهم أو أوباش الناس أنهم يقاتلون معك؟ والله لخليق أن يفروا عنك إن قاتلت، أو نحو هذا الكلام.

فكان أبو بكر جالسًا، فغضب عندما قال ذلك وقال: إنهم لخليق أن يفروا عنك، فقال أبو بكر من شدة الغضب: «امصص بظر اللات»، وهذه كلمة في غاية القبح، ولكن أبا بكر حمله على قولها شناعة ما قاله عروة بن مسعود؛ يقول: أنت جمعت أوباش الناس، وأنهم سيفرون عنك غدًا إذا لقيت قريشًا. فأبو بكر يقول: نحن نفر عن رسول الله؟ افعل كذا وكذا، امصص بظر اللات. فعروة بن مسعود كان من العقلاء، قال: من هذا الذي أفحش في القول؟ أو نحو ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أبو بكر». يبدو أن الصحابة كانوا مقنعين في الحديد، أو أنه سمع الكلمة وهو بعيد عنه، المهم أنه قال: من هذا؟ فقال: هذا أبو بكر الصديق. قال: والله لولا يد لك عندي لرددت عليك، ولكن هذه بتلك؛ لأن أبا بكر أعانه في الجاهلية على بعض الديات تحملها عروة بن مسعود، فكان لا يزال يحسبها له.

ثم أخذ عروة بن مسعود يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويمد يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجل واقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف، فضربه بنعل السيف، ضرب يد عروة بن مسعود، فكلما مد يده وهو يكلمه ضربه بنعل السيف، حتى في المرة الثالثة أو نحو ذلك قال: لئن مددتها لا ترجع إليك. فقال عروة بن مسعود: من هذا؟ ما أفظه وأغلظه! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة»، وهذا عروة بن مسعود عمه، وكان يضربه بنعل السيف، وقيل إنه عم أبيه.

فقال: أي غدر، يا غادر، ما زلت أسعى في خفرتك إلى اليوم! لأن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه كان قد قتل ثلاثة عشر من بني مالك، ووداه عروة بن مسعود لأنه عمه؛ لأنهم ثاروا الحيان، بنو مالك والآخرون، فكادوا يقتتلون، فأصلح بينهم عروة بن مسعود وتحمل الديات وسددها لبني مالك عن ثلاثة عشر رجلًا، وكان سبب ذلك المغيرة بن شعبة. الشاهد أن عروة بن مسعود أخذ المغيرة بن شعبة يضرب يده بنعل السيف كلما مدها، ثم قال له: لئن مددتها أخرى لا ترجع إليك. يعني هذا عمه ويقول: سأقطع يدك إذا مددتها على لحية رسول الله! إلى أي مدى كانت محبة النبي في قلوب أصحابه صلى الله عليه وسلم رضي الله عن الصحابة.

فلما رجع إلى قريش قال: والله لقد وفدت على كسرى في ملكه، ووفدت على قيصر في ملكه، ووفدت على النجاشي في ملكه، ما رأيت أصحاب هؤلاء يعظمون أصحابهم أو ملوكهم كما يعظم أصحاب محمد محمدًا؛ والله لا يسلمونه لكم وفيهم عين تطرف، فروا رأيكم. وقال أيضًا في ضمن قوله: والله ما توضأ إلا وكادوا يقتتلون على وضوئه، ولا سقط منه شيء إلا وكانوا يقتتلون عليه، ولا يحدون إليه النظر ولا يرفعون أبصارهم إليه هيبة له. فكان عروة بن مسعود متعجبًا من هذا المنظر، ولذلك أسلم رضي الله تعالى عنه بعد ذلك.

لما فتح مكه وصارت غزوة هوازن ثم جاء ليفتح الطائف، كان عروة بن مسعود مع قومه في الطائف، فاصرهم النبي مدة ثم تركهم، فلحقه عروة بن مسعود وكان سيد ثقيف وأسلم عند النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال للنبي: يا رسول الله، ابعثني إلى قومي لأدعوهم إلى الإسلام، فقال: «إني أخشى أن يقتلوك». قال: يا رسول الله، والله إني أحب إليهم من أبنائهم ونسائهم. فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دعاهم سبوه، وكانوا سيدهم، فلما أمسى وطلع الفجر أو جاء السحر رقى على بيت من بيوتهم وأذن بالصلاة، فرماه رجل منهم فقتله، ثم دفن مع شهداء الصحابه الذين حاصروا الطائف في ذلك الوقت.

الشاهد أن عروة بن مسعود رجع إلى قريش وقال: إني أرى أن تروا رأيكم، وأن محمدًا لن يسلمه أصحابه. فقام الحليس، هذا الحارثي من بني حارث بن عبد مناة، وهو أيضًا من الأحابيش، سيد الأحابيش وقال: أرسلوني إليه، فقالوا: نعم. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي من بعيد قال: «هذا رجل متأله»، متأله يعني يحب العبادة ويحب التدين. وكان النبي معه بدن، أي إبل هدايا للحرم لتنحر بعد عمرتهم، فقال: ابعثوا له البدن. فلما رأوه بعثوا البدن وفكوا عقلها، فسارت البدن تخلج وتصوت وقد أكلت أوبارها من شدة ما حبست، حبست أيامًا. فلما رآها رجع من فوره ولم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معشر قريش، والله إنه لظلم، أتصدون محمدًا وقد جاء معتمرًا؟ ورايت البدن كيت وكيت، وأنتم تتركون أهل اليمن وغيرهم يحجون ويعتمرون وتمنعون ابن أختكم؟ فقالوا: إنك لا تعرف شيئًا، إنما أنت أعرابي، وهذه مكيدة من محمد. فأقسم والله لئن منعتم محمدًا لأنفرن الرجل الواحد ولنقاتلنكم، ما على هذا عهدناكم ولا على هذا واثقكم. فقالوا: أيها الرجل، أقلل من كلامك أو من حدتك ودعنا نأخذ لأنفسنا، يعني لا تفسد علينا الأمر، دعنا نأخذ لأنفسنا ونسوق. فعند ذلك أخذ من معهم من قبيلته أو من جماعته وترك قريشًا ورجع إلى أهله. نقف هنا، ثم نعود بعد قليل إن شاء الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

السلام عليكم ورحمة الله، مرحبا بكم من جديد. كنا وقفنا عند ذكر الرسل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وكان آخرهم الحليس الحارثي من بني عبد مناة، وأنه ترك قريشًا ورجع إلى أهله. ثم قال مكرز بن حفص لقريش: دعوني آتي محمدًا، فقالوا: نعم. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا رجل فاجر»، ثم جاء وكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال لبديل بن ورقاء وما قال لعروة بن مسعود: إنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا معتمرين معظمين للبيت.

ثم جاء بعد ذلك سهيل، وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان أرسل بعد خراش بن أمية -كما ذكرت في السابق- على جمل النبي صلى الله عليه وسلم الثعلب، وعقر الجمل. وعند ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل رجلًا من قريش لكي يهابه الناس، فدعا عمر بن الخطاب أراد أن يرسله، فقال عمر: يا رسول الله، إنك تعلم غلظتي على قريش، وأن قريشًا إني أخافه، أخاف أن يقتلوني وليس هناك من بني عدي من يمنعني، ولكني أدلك على من هو أعز مني فيها؛ عثمان بن عفان. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وأعطاه كتابًا وأرسله إلى قريش، فلما قدم عثمان على قريش راه أبان بن سعيد بن العاص وأردفه على دابته، وأجار عثمان بن عفان وقال له في بيت يقول له: أقبل وأدبر ولا تخشَ أحدًا، بنو سعيد أعزة الحرم. فأجار أبان بن سعيد، ودخل وصار يمر على قريش، على رؤسائهم وعظمائهم يبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما جاء معتمرًا، وأنه يدعوهم إلى الإسلام. وكلهم يردون عليه رسالته أو دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه إلى ذلك من شدة كفرهم. ثم قالوا له بعد أن بلغ الرسالة: إن شئت يا أبا عبد الله -أو يا أبا عمرو- إن شئت أن تطوف بالبيت فطُف، فقال عثمان بن عفان: ما أنا بالذي أطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل النبي عثمان بن عفان قالوا: ألا يطوف عثمان بن عفان هنيئًا له! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان...

ليطوف ولو مكث كذا وكذا سنة قبل أن يطوف بالبيت، وكان هذا ظن النبي صلى الله عليه وسلم به. في هذه الأثناء جاء سهيل بن عمر، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سهل الله عليكم أمركم»، وتفاءل باسمه، وسهيل سيد من سادات قريش، وهو سهيل العامري سيد بني عامر بن لؤي.

فلما جاء سهيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعاً هذه المراسلات أخذت مدة من الزمن، والنبي صلى الله عليه وسلم بقي في الحديبية ما يزيد على 15 يوماً أو نحو ذلك. بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله تعالى عنه قد قُتل، وكان عثمان قد بقي في مكة ثلاثة أيام، وكان هناك أناس من قريش أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وسار هناك شيء من الشجار بين عسكر النبي صلى الله عليه وسلم وبعض القرشيين أو بعض أهل مكة.

فلما جاء الخبر أن عثمان قُتل، دعا النبي صلى الله عليه وسلم للبيعة عند بني مازن بن النجار، وكان عندهم تحت شجرة من الشجر، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة للبيعة فتوافد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر بن الخطاب رأى الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل ولده عبد الله بن عمر وقال: «انظر ما خطب الناس»، فلما جاء فإذا الناس يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على الموت.

من الصحابة من قال إنهم يبايعون على الموت، ومنهم من قال إنهم يبايعون على عدم الفرار، وكلاهما بمعنى؛ فالذي يبايع على الموت لن يفر، والذي يبايع على عدم الفرار سيبقى إلى أن يموت. فبايع عبد الله بن عمر ورجع إلى أبيه وأخبره، وكان وجاء أبوه وبايع أيضاً. وكان ممن أول الناس ممن بايع أبو سنان الأسدي رضي الله تعالى عنه، فجاء وقال: «ابسط يدك أبايعك يا رسول الله»، قال: «على ماذا؟»، قال: «على ما في نفسك»، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وبايع الصحابة.

ونزل القرآن وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه عن هذه الحادثة: «وبايعوه بيعة الرضوان إذ قيل قد عُدوا على عثمان»، والله سبحانه وتعالى أنزل القرآن في أهل هذه البيعة فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10]. وقال في آخر الآيات: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

أنزل الله سبحانه وتعالى الطمأنينة على قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأثابهم فتحاً قريباً، وهو فتح الحديبية أو صلح الحديبية. لأن سهيل بن عمر الذي جاء وافداً من قريش -وكانت قريش عندما أرسلته قالت له ليكن همك أن يرجع صالحه، وأهم شرط أن تصالحه عليه أن يرجع هذا العام- فلما جاء سهيل وكان يريد أن يشدد ورأى البيعة، ذعر ثم طلب الصلح، وجاء الخبر أن عثمان سلمه الله، وفي هذه البيعة بايع النبي نيابة عن عثمان.

فلما بايع الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك»، اللهم هذه لعثمان، ووضع إحدى يديه على الأخرى. ولذلك يقول البصير رحمه الله عليه في همزته: «وأبى أن يطوف بالبيت إذ لم يدن منه إلى النبي فناء»، أي أبى عثمان أن يطوف بالبيت إذ لم يدنوا منه من البيت إلى النبي فناءه، أي لم يقترب البيت من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فجزى عنها ببيعة رضوان يد من نبيه بيضاء»، فجزى عنها، يعني عن هذا الأدب الجم، بيعة رضوان يد من نبيه بيضاء، يعني أن النبي بايع بدل من عثمان وأقام نفسه مقام عثمان رضي الله تعالى عنه.

عندما رأى ذلك سهيل بن عمر دعا النبي للصلح، والنبي كان قد قال عندما بركت ناقته: «لَدَعُونِي إِلَى خُطَّةٍ يُعَظِّمُونَ فِيهَا شَعَائِرَ اللَّهِ»، أجبت إليها، ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم سهيلاً إلى الصلح فكتب الصلح. وكان في كتاب الصلح من الشروط أن يرجع من عام هذا ويأتي من العام القابل ومعه السيوف في القرب، يعني ليس معه شيء من السلاح ولا شيء كبير، وإنما هو مجرد السيوف في القرب، ويعتمر ويخرج أهل مكة منها ثلاثة أيام إلى أن ينتهي النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان من ضمن شروط الصلح أنهم قالوا: «من جاءنا منكم من النبي وأصحابه صلى الله عليه وسلم رغبة في دينه فلا يردونه، ومن جاء من قريش إلى محمد وأصحابه يردونه»، وكان هذا شرطاً قوياً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل به وقال: «أما من ذهب منا إليهم فابعده الله» أو نحو هذا الكلام، «وأما من ذهب من قريش إلينا فرددناه»، فنسأل الله أن يكون له فرجاً ومخرجاً.

ثم كان في بداية كتاب الصلح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل بن عمر: «والله ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب من قبل باسمك اللهم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب باسمك اللهم». ثم قال: «اكتب هذا ما صالح محمد رسول الله سهيل بن عمرو»، فقال: «والله لئن كنا نعلم أنك رسول الله ما صددنا ولا رددنا ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله»، فقال: «امحُ محمد رسول الله»، يقوله لعلي بن أبي طالب، فقال علي: «والله لا أمحوه».

وهذا في صحيح البخاري أيضاً، حاول فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمحو محمد رسول الله، ولكن علي رضي الله تعالى عنه أبى أن يمحو هذه الكلمة من محبته لها ومن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أمر تكلم فيه العلماء، وهو تقديم الأدب على الأمر إذا اختلف الأدب والأمر؛ إذا كان أمراً من النبي صلى الله عليه وسلم وخلافه الأدب، فلو قدم الأدب لم يكن من قدم الأدب مخالفاً للأمر، واستشهدوا واستدلوا بهذه الواقعة، وبواقع أبي بكر الصديق لما أمَّ الناس وجاء النبي من بني عمرو بن سالم من بني عمر بن عوف متأخراً، فلما رآه أبو بكر رجع القهقرى، لعل النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يمكث فأبى أبو بكر ورجع حتى تقدم النبي.

صلى الله عليه وسلم، فقال له «ما حملك على أن لم تطعني» أو نحو هذا الكلام، قال ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ. فكان الصحابة يقدمون الأدب على الأمر، وليس في ذلك شيء.

فالنبي ﷺ قال لعلي «أرني هذه الكلمة»، فأراه إياها، فمحاها النبي ﷺ بنفسه بريقه ﷺ. وهذا يدلنا على أن النبي ﷺ لم يكن يكتب، لكنه جاء بشيء علم به أهل الكتاب.

ولذلك يقول بعضهم في الكتابة: وفي قريش اشتهار الكتب من بعد من علمه للعرب، فجاءهم ذاك من لم يكتب، بخير ما خط بماء الذهب علمه، وسائر الأقوام أفضل ما يكتب بالأقلام.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، ونكمل بقية القضية في الحلقة القادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].