﴿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام.
ما زلنا نتحدث عن أحداث غزوة الحديبية، أو صلح الحديبية، وكنا وقفنا في الحلقة الماضية عند إبرام الصلح، وكان الذي جاء من طرف قريش سهيل بن عمرو العامري رضي الله تعالى عنه، وأسلم بعد ذلك. كتب الصلح، وكان سهيل لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم أو قال لعلي بن أبي طالب: "اكتب باسم الله الرحمن الرحيم"، رفض سهيل ذلك وقال: "بل اكتب باسمك اللهم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم".
فلما قال: "محمد رسول الله"، قال: "لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله"، فرفض علي أن يمحاه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده وكتب، وأمره أن يكتب: "محمد بن عبد الله".
وكان من إبرام الصلح، أو من الشروط التي ذكرت في الصلح، أن يكون العهد بينهم عشر سنين، لا يحارب أحد منهم الآخر، أو لا يكون بينهم حرب لمدة عشر سنين، أو يضعون الحرب بينهم عشر سنين. وكان من الشروط أيضًا أن من جاء من قريش إلى محمد يرده محمد إلى أهله إذا لم يأذن له وليه، ومن جاء من محمد إلى قريش لا يردونه عليه، ووافق النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان من ضمن ما ذكر في الصلح أنه كتب فيه: «بيننا عيبة مكفوفة»، والعيبة هي وعاء من جلد يوضع فيه الثياب، مكفوفة بمعنى مغلقة، وهذا كناية عما في الصدور، يعني مهما كان في هذه الصدور فلا يخرج، يعني كل واحد منا يكف عن الآخر؛ لا أسلال ولا أغلال، يعني لا سرقة ولا خيانة، يعني نلتزم بهذا العهد. ومن أراد أن يدخل أو أحب أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل أو أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه. ومن ضمن شروط الصلح ألا تدخلوا مكة عامكم هذا، وإنما تدخلونها من العام المقبل، ونخرج نحن منها ثلاثة أيام، فكتب الصلح على ذلك.
في أثناء كتابة هذا الصلح جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلما جاء وهو في الحديد والقيود وألقى بنفسه على المسلمين، رآه سهيل فأخذ بتلابيبه وقال: "هذا أول ما أقاضيكم"، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينتهِ من الكتاب بعد، قال: "إن رددته إليّ وإلا فلا صلح". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يجعل له مخرجًا».
فأخذ أبو جندل بن سهيل بن عمرو يقول: «يا معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد رأيتم ما بلغ بي من العذاب، يا معشر المسلمين!». فإن المسلمين كبر ذلك عليهم، فقام عمر بن الخطاب يسير بجانب أبي جندل ومعه كعب السيف يدنيه منه ويقول: "إن الله سيجعل لك مخرجًا"، ويقول له: "إنما المشركون دم أحدهم دم الكل"، وكان أبوه يجره وكان عمر يشير له بكعب السيف كأنه يقول له: "خذ هذا السيف واقتل أباك"، لكن الرجل ظن بأبيه أو بخل بأبيه، ولذلك يقول عمر: "وكنت أريد منه أن يأخذ السيف، ولكن الرجل ظن بأبيه". فرد أبو جندل، وكان أول من رد من المسلمين إلى قريش بسبب هذا العهد وهذا الصلح، والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أنا لا نقدر إذا عاهدنا، ولكن لعل الله أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا».
سهيل هذا الذي كان يمتنع من كتابة "محمد رسول الله" ومن كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم"، كان أبو بكر الصديق يقول بعدما أسلم سهيل: "أسلم سهيل". وسهيل من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكبار قريش الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وهو من الذين حضروا غزوة بدر وأُسر في بدر وأُطلق، وجاء مكرز بن حفص ووضع رجله مكانه، فرجع إلى أهله إلى آخر القصة المشهورة.
سهيل هذا يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: "أعجب من سهيل بن عمرو" لأنه أسلم بعد ذلك. وفي حجة الوداع كان يقرب بدن النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فلما حلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه أخذ من شعر النبي وكان يضعه على عينيه، بالأمس في غزوة الحديبية أو في صلح الحديبية كان يمتنع من أن يقول "محمد رسول الله"، واليوم يضع شعر النبي على عينيه يتبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدلنا على حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح. الناس يظنون أن الصلح ليس في صالح النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أمر نبيه، والنبي صلى الله عليه وسلم فهم من أمر الله له أن الله يريد الصلح بينه وبين قريش؛ لأن الناقة بركت، فلما قال: "والله لا يعطوني أو لا يسألوني خطة يعظمون شعائر الله فيها إلا أعطيتهم إياها"، فلما حث ناقته بعد ذلك قامت، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يريد منه مصالحة قريش.
وهذه حكمة الله، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول في القرآن: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22]، ويقول تعالى: ﴿لَّا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُم مِّن دِيَارِكُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ مِّنِّي ۚ وَإِن تَسْتَغِيثُوا فَقَدْ جِئْنَاكُمْ قَوِيِّينَ عِنْدَ الْقِتَالِ ۚ وَلَقَدْ نَصَرْنَاكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَذِلَّةً وَضِعَفَاءَ وَمَدَدْنَاكُم بِأَمْثَالِهِ وَأَغْنَيْنَاكُم بِمِنٍّ مِّمَّنْ لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ مُلَاقِينَ * وَأَوْرَثْنَاكُمُ الْأَرْضَ وَالدِّيَارَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَدْرَارَ وَشَيْئًا مِّمَّا لَا تَعْلَمُونَ * تَشْكُرُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9].
ويقول تعالى: ﴿لَّوْ تَزِيَلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 97]. يعني كان من حكمة هذا الصلح أن هناك في مكة أناس مسلمون لو دخل المسلمون وقاتلوا ربما قتلوا هؤلاء الناس المسلمين، ثم تندموا وأصابكم إثم على قتلهم، معرة بغير علم، بدون أن يعلموا. وكذلك ليدخل الله في رحمته من يشاء، ليدخل في الإسلام ممن لم يدخل في الإسلام من شاء الله.
ولذلك الناس يقولون والعلماء يقولون هذا هو الفتح، ولذلك الله سبحانه وتعالى أنزل في هذه الحادثة سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]. والصحابة يقولون: "يا رسول الله، أو أنه لفتح؟" قال: «نعم، إنه لفتح». بل هو من أعظم الفتوح، لأن بهذه المدة وبهذه المصالحة التي حدثت بعدها تفرغ النبي لغزو خيبر، اليهود الذين أعانوا قريشًا في غزوة الأحزاب. كان النبي يريد أن يصيب منهم بني النضير الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب غدرهم من ديارهم في المدينة إلى خيبر، وهم في خيبر لبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الناس وكان النبي في غزوة الأحزاب.
بعدما هزم الله المشركين أراد أن يصيب من خيبر، ولكن الله أراه هذه الرؤيا، فذهب يريد العمرة. فلما رجع، رجع بعد الصلح، وكان ذلك يعني سبباً للتفرغ لخيبر وللكف أيدي المشركين عنه؛ لأنه صار بينه وبين المشركين صلح، فبقي اليهود في خيبر ليس لهم ناصر من المشركين. فعند ذلك ذهب النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلوا على الصلح، وغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم. وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: 18-19]. فعجل لكم هذه، يعني خيبر، عجلها الله سبحانه وتعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانت لأهل الحديبيه فقط ومن كان معه من أهل الحديبيه. ولذلك الأعراب الذين حثهم النبي على الخروج معه في الحديبيه ولم يخرجوا وتعللوا بأنهم مشغولون بأموالهم، كذبهم الله في كتابه عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11] إلى آخر الآية.
لما خرج النبي إلى خيبر أرادوا أن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: 15]. الشاهد أن هذا الصلح كان فتحاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فتحاً للمسلمين، بينما هو في ظاهره كان فيه إغلاض على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وأنه ليس في صالحه.
ولكن في باطنه في الحقيقة هو نصر للمؤمنين وفتح للمؤمنين، مع أنهم يرون أبا جندل يأخذه أبوه وقد جاء مسلما ويذهب به، وسيعبر يعملون أعمالا، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله، واني لا أعصيه، والله ناصري». قال: يا رسول الله، الم تقل لنا أننا سنطوف بالبيت، يعني رايت الرؤيا؟ فقال: «نعم. أقلت لك العام، يعني هذا العام؟» قال: لا. قال: «فإنك مطوف به».
فذهب عمر إلى أبي بكر الصديق وقال له نفس الكلام، ورد عليه أبو بكر ما رد به النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ألسنا على الحق وهم على الباطل فلم نعطي الدنية في ديننا، قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: إنه رسول الله، والزم غرزه، إن الله ناصره وإن الله لن يضيعه. ولما قال: ألم يقل لنا أننا سنطوف بالبيت؟ قال: هل قال لك إنك تطوف به العام؟ قال: لا. قال: فإنك مطوف به. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27]. هذا الفتح القريب هو فتح الحديبيه الذي قبل طوافهم بالبيت، وهم طافوا بالبيت من العام المقبل.
فكان في هذا الصلح في ظاهره فيما يرى الرائي أنه ليس في صالح المسلمين، ولكن من حكمة الله أنه جعله في صالح المسلمين. والدليل على ذلك أن النبي هذا الصلح كان في السنة السادسة من الهجرة، وكان الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم 1500 رجل أو 1400 رجل، ثم النبي غزى مكة في السنة الثامنة في فتح مكة بعد أن غدرت قريش بعهدها، غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف مقاتل. ولذلك يقول العلماء إنه أسلم في هذه المدة الوجيزة بين الحديبيه وبين فتح مكة من الناس أكثر ممن أسلم قبل ذلك قبل صلح الحديبيه من البعثه، يعني الذين أسلموا من البعثه إلى صلح الحديبيه أقل ممن أسلموا من الحديبيه إلى فتح مكة. نقف هنا ونستانف بعد قليل إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
السلام عليكم ورحمة الله، مرحبا بكم من جديد. كنا ذكرنا أن هذا الصلح في ظاهره ليس في صالح المسلمين، ولكنه في الحقيقه في صالح المسلمين، والدليل على ذلك أنه أسلم من الناس أكثر ممن أسلم قبل ذلك. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: أسلم بعد عودة بالعظماء أكثر مما كان قبل أسلما. وفسروا بذلك الفتح المبين، وفيه إبقاء على المستضعفين، يعني كذلك في هذا الصلح إبقاء على المستضعفين؛ لأنهم عندما تصالحوا صار المستضعفون باقون في مكة من غير أن يكون هناك جور عليهم كبير.
وعندما أبرم الصلح، أراد النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يحلوا من إحرامهم؛ لأنهم كانوا محرمين. يعني لا أدري هل كلهم محرمون أم هناك بعضهم ليس بمحرم؛ لأنه ذكر أن أبا قتادة لم يكن محرما، وأنه يعني رمى حمارا وحشيا وله قصة مشهورة، لكن لا أدري هل هو عندما وصل الحديبيه أو قبل ذلك. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المحرمين من أصحابه أن يحلوا إحرامهم فلم يتحرك منهم أحد، وأن ينحروا بدنهم فلم يفعلوا.
فكبر ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم وخشي عليهم الهلاك، ودخل على أم سلمة وكانت معه زوجته أم سلمة وهو حزين صلى الله عليه وسلم فقالت: مالك يا رسول الله؟ قال: كيت وكيت. فقالت: أتريد أن يفعلوا أو تحب أن يفعلوا ذلك أو ينحروا بدنهم أو يحلوا إحرامهم؟ قال: نعم. قالت له: اخرج ثم انحر بدنك بنفسك، وادعو حالقا، فإنهم سيفعلون.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكلم أحدا منهم، ونحر بدنه صلى الله عليه وسلم، ثم دعا حالقه وهو خراش بن أمية الخزاعي الذي بعثه على جمله الثعلب إلى قريش وأمره بحلقه. فقام الصحابه عند ذلك يسارعون إلى نحر بدنهم وإلى حلق رؤوسهم، فحلق بعضهم بعضا، حتى إن بعضهم قد جرح بعضا من شدة الحنق والحزن الذي فيهم على أن يذهبوا أو أن يطوفوا بالبيت الحرام. فعند ذلك امتثل الصحابه، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وفي الطريق نزلت هذه السورة العظيمة وهي سورة الفتح، وهي بدايتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ من ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِم نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 1-3].
بهذا الفتح كان النصر، كان نصره في فتح مكة وكان نصر بعد ذلك، وبهذا الصلح وبهذا الفتح غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «آية أنزلت علي الليلة أحب إلي من كل شيء» أو نحو هذا الكلام. ولذلك كان الصحابه يقولون: أهو فتح يا رسول الله؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، والذي نفسي بيده، إنه لفتح». وكانوا يعدونه فتحا عظيما.
لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكما ذكرت، تفرغ لصهيودي خيبر وغزو الروم، وجرى بينهم هذا الصلح العظيم وهذه الهدنه، وفيها ذهب أبو سفيان إلى قيصر وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: بيننا وبينه مدة، ونحو هذا الكلام. النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم من المستضعفين من قريش أبو بصير في أثناء هذه المدة يرسف في قيوده وفار من قريش، فلما وصل إليه، فاذا باثره رجلان من قريش من بني زهرة أو حلفاء لبني زهرة أرسل أحدهم الأخنس بن شريق.
فلما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: العهد الذي بيننا وبينك. فأسلمه النبي صلى الله عليه وسلم لهم وقال: «إنا لا نغدر، ولعل الله أن يجعل لك فرجا». فقال: يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يجعل لك فرجا». وقام معه عمر بن الخطاب وقال له كلاما نحو ما قاله لأبي جندل، وقال: إن هؤلاء مشركون، وأنك رجل معك جلد معك السيف. فذهب به صاحباه، وفي الطريق استأنس به وسار يحادثه.
فلما أنسوا منه قال لأحدهم: ما أحسن سيفك! فقال: نعم، والله إنه لكذا وكذا، ولو فعلت به كذا وكذا. فقال: أرني، أتسمح أن أراه؟ فقال: نعم. فسله أبو بصير، ثم ضرب به صاحبه، وفر الآخر إلى المدينة. وجاء أبو بصير يتبعه، فلما دخل الرجل المدينة إلى المسجد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا قد رأى فزعا أو رأى ذعرا». وإذا أبو بصير خلفه والسيف معه، فقال أبو بصير للنبي صلى الله عليه وسلم، والرجل قال للنبي: إن صاحبكم قد قتل صاحبي وإنه قاتلي.
فلما دخل أبو بصير قال: يا رسول الله، قد وفى الله ذمتك ولم تخفر عهدك الذي بينك وبينهم، وقد نجاني الله سبحانه وتعالى وجعل لي فرجا ومخرجا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويله مسعر حرب لو كان معه رجال». فهذه الكلمة: لو كان معه رجال، بلغت المستضعفين في مكه، ففهموا منها أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو كان مع أبي بصير رجال لكان ذلك أشد له وأحسن له.
وأبو بصير سار إلى الساحل وبقي فيه، فسار المستضعفون الذين في مكة يهربون من أهلهم وذويهم ويلتحقون بأبي بصير على الساحل، حتى بلغ عددهم نحو ثلاثمائة رجل، وساروا يكمنون لعير قريش وياخذون ويأسرون من فيها من الناس. حتى جاءهم أيضا وانضم إليهم أبو جندل الذي رد في وقت الصلح، وهذا الفرج والمخرج الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يجعل لك فرجا ومخرجا». بقي هؤلاء من الصحابه على الساحل يعترضون قريش، وعند ذلك تبين أن هذا الشرط الذي كان غليظا على المسلمين: من جاء قريش من المسلمين أو من محمد لا يردونه ومن جاء محمد من قريش يرده إليهم، تبين أن هذا الشرط لم يكن في صالح قريش.
فعند ذلك أرسلت قريش أناسا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدون أن يضم إليه هؤلاء، إن صح التعبير، لو قلنا: المتمردون، أن يضم إليه هؤلاء الناس. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كتابا، فوصل الكتاب إلى أبي بصير وهو يجود بنفسه، يعني مرض، فصار في سكرات الموت. فوصل الكتاب فأخذ أبو بصر الكتاب ووضعه على صدره ومات والكتاب على صدره. فدفنه أصحابه رضي الله تعالى عنه هناك، ثم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانضموا إلى المسلمين، وكان في ذلك فتحا عظيما للمسلمين.
وبعد ذلك فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وغزى تبوك، ثم جاءت السنة المقبلة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل مكة. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا في ذي القعدة من السنة القادمة في نفس التاريخ من السنة المقبله، وجاء إلى قريش ودخل مكة، وخرجت قريش من مكة، وبقي فيها ثلاثة أيام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وتسمى عمرة القضاء، القضاء معناها الصلح، أو عمرة القصاص يعني المقاصة، فدخل النبي مكة وقال لأصحابه: «رحم الله امرا أرى منهم جلدا».
هم الآن خرجوا من مكة وهم ينظرون إلى الصحابه ويظنون أنهم قد أنهكتهم حمى المدينة أو حمى يثرب كما يقولون، وأنهم ضعاف. ومن هنا أطبع النبي بردائه وأخرج كتفه الأيمن، وهذه بداية سنة الاضطباع في الطواف. وأخذ النبي يهرول في الأشواط الثلاثة الأولى والصحابه معه، فأخذت قريش تقول: أهؤلاء الذين تقولون إنهم أنهكتهم حمى يثرب، أنهم ينفرون نفر الظباء، وأنهم يعني بهم جلد وقوة؟
والنبي صلى الله عليه وسلم طاف بهم ثلاثة أشواط وهو يهرول بهم، ثم بقية الأشواط صار يمشي صلى الله عليه وسلم وأصبحت سنة. ولذلك كان الناس في حجة الوداع يظنون أن النبي لن يرمل في الطواف، فلما جاء الطواف رمل كما رمل في السابق. الناس كانوا يظنون أن هذه خاصة بقريش لكي يريهم الجلَد والقوة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أصبحت سنة، وأصبحت الناس كل من طاف بالبيت في بداية طوافه وهو محرم يخرج كتفه الأيمن ويرمل.
وهذه كانت من فوائد هذا الصلح المبارك الذي حصل بين النبي وبين قريش، وهو في ظاهره ليس في صالح المسلمين، ثم أصبح في صالح المسلمين، واسلم اناس كثيرون، ثم كان فتح مكة؛ لأن قريشا غدرت بهذا الصلح أو بهذه المعاهدة؛ لأن كان في شروط المعاهدة أن من أحب أن يدخل في عهد محمد فليدخل في عهده، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل في عهده. فدخلت بنو بكر في عهد قريش ودخل بنو خزاعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فصار بين قبائل من هؤلاء وهؤلاء بعض الخلاف.
فأخذت قريش تنصر بني بكر على بني خزاعه بالسلاح وبالعدد خفية، هم لا يريدون أن يعلنوا ذلك، كما يحصل في هذا العصر لما يحصل هناك مشاجرات بين الدول تأتي دولة وتنصر دولة خفية، يعني لا تريد أن تقول إننا محاربون لهذه الدولة. هكذا كانت قريش تنصر بني بكر خفية، وقام الشهود عليهم أنهم قد غدروا بعهدهم، وجاء الخزاعي عمرو بن سالم رضي الله تعالى عنه.
الذي أسلم واستنصر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا، هم بيتونا بالوتير هجدا، وقتلونا ركعا وسجدا، إلى آخر أبياته التي ستأتي إن شاء الله في حلقة قادمة.
فلما سمع هذا القول منه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت يا عمرو بن سالم ولا نصرني الله إن لم أنصرك». ثم كان هذا مبدأ فتح مكة المكرمة، وهو الفتح الأعظم، وكان سببه صلح الحديبية.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، وبها نكون قد انتهينا من الكلام عن صلح الحديبية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري