﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد، فالسلام عليكم أيها المشاهدون ورحمة الله وبركاته. في هذه الحلقة الجديدة سنتكلم بإذن الله عن غزوة مؤتة؛ هذه الغزوة المباركة، وهي سرية في الحقيقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في هذه الغزوة، وإنما سميت غزوة لعظم شأنها.
هذه الغزوة وقعت في أثناء الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش؛ هذه الهدنة التي تكلمنا عنها في الحلقات الماضية وهي صلح الحديبية. صار هناك مجال للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث البعوث إلى الروم، ويبعث بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. فبعث كتاباً إلى ملك بصرى يدعوه إلى الإسلام مع أحد أصحابه الكبار المشهورين، وهو الحارث بن عمير الأزدي. هذا الصحابي الكريم من بني لهب من الأزد، وبنو لهب معروفون في الجاهلية بشيء يسمى الطيرة، والطيرة لم تعد في الإسلام؛ ولذلك يقول بعض أهل الشعر فيهم: «خبير بنو لهب فلا تكن ملغياً مقالة لهبي إذا الطير مرت». كانوا يتطيرون، يعني إذا رأى أحد منهم شيئاً تطير به ويقع كما يتطيرون، وهذا من الفتنة لهم، لكن لما جاء الإسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة في الإسلام».
هذا الصحابي خرج بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك بصرى، ولكنه عدا عليه شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو أيضاً أحد المتولين في بلاد الروم أو في الشام، وهم تابعون لقيصر في هذه الولايات، فعدا على هذا الصحابي لما علم أنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله، وهو الرسول الوحيد الذي قتل للنبي صلى الله عليه وسلم. عند ذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه الخبر، وجهز جيش مؤتة.
وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في تجهيز هذا الجيش في منظومته المشهورة في المغازي: «ثم إلى الروم النبي استنفر، بمؤتة جيشاً عليه أمر، زيد بن حارثة ثم جعفرا، فابن رواحة ولامن برا». أمر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الجيش زيد بن حارثة، فقال: «على الناس زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فعليهم جعفر بن أبي طالب». رضي الله تعالى عنه، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.
والعجيب أن جعفر بن أبي طالب جاء في أثناء هذه الهدنة التي ذكرتها، هدنة النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وبين قريش، رجع من الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة، وقدم في وقت فتح النبي صلى الله عليه وسلم لخيبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه مقبلاً مع أصحابه قام واستقبله وقبله بين عينيه والتزمه، وقال: «والله ما أدري بأيهما أفرح؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر». جعفر بن أبي طالب ابن عمه، وهو أخو علي رضي الله تعالى عنه وأخو عقيل.
فالنبي التزم جعفر بن أبي طالب، ومع ذلك أخرجه بعد ذلك بقليل في هذا الجيش الكريم وفي هذا الجيش العظيم جيش مؤتة. وهذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يحب أصحابه إلا أن الدين أحب إليه من كل شيء، وهكذا يدل هذا الأمر أن الصحابة يحبون الدين ويقدمونه على كل غال ونفيس. فهو لم تمتلئ عيناه بعد، ولم يشبع من جلوسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان سنين طويلة وهو في الحبشة، فلما جاء في السنة السابعة أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش إلى مؤتة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في إرساله لهذا الجيش يدل على الحنكة والقيادة العظيمة، لأن هذا المرسول كيف يقتل وهو رسول؟ وكان المتعارف عليه بين أهل الملك وأهل الدول أنه لا يقتل الرسول كما أنه لا يقتل السفير. فالنبي لما قتل رسوله غضب صلى الله عليه وسلم، وجهز هذا الجيش العظيم، وهو من أعظم الجيوش التي جهزها النبي صلى الله عليه وسلم، وعدته ثلاثون ألفاً، فأرسلهم إلى الشام عليهم أولاً كما ذكرت زيد بن حارثة، فإن قتل زيد أو أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.
وصلت المعلومات إلى الروم مع أن الروم بعيدة عن المسلمين، ولكن هناك من سيوصل هذه الأخبار؛ المسافرون والمنافقون ونحو ذلك. فوصلت الأخبار إلى الروم، فجهز قيصر -وهذا الذي قتل الرسول وهو شرحبيل بن عمرو الغساني ذهب إلى قيصر واستنجد- فجهز قيصر مئة ألف مقاتل من الروم، وجمع معهم مئة ألف مقاتل من العرب النصارى أو عرب الشام في ذلك الوقت، فأصبح عدد جيشهم مئتي ألف.
طبعاً هذا التجهيز من الروم ما حدث بهذه الضخامة إلا وأنهم قد سمعوا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا أخبار المسلمين، وأنهم ما قابلوا أحداً إلا وانتصروا عليه، فكان هذا التجهيز لأنهم يعلمون أن هناك جيشاً ودولة قادمة، وقيصر لم يترك عماله من الغساسنة وغيرهم وحدهم بل جاء ينصرهم بمئة ألف مقاتل.
النبي صلى الله عليه وسلم جهز هذا الجيش وخرجوا، وخيموا في الجرف قريب من المدينة، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يشيع بنفسه، حتى إن عبد الله بن رواحة قال في أبيات: «والله إني تفرست فيك الخير أعرفه، والله يعلم أنما خانني البصر، أنت النبي فمن يحرم شفاعته، يوم الحساب فقد أزرى به القدر، فثبت الله ما آتاك من حسن، تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا».
وعندما أبعدوا قليلاً، قال عبد الله بن رواحة: «خلف السلام على امرئ ودعته، في النخل خير مشيع وخليل». فالصحابة ذهبوا، وعبد الله بن رواحة أراد أن يصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فتخلف، فلما انفتل النبي من الصلاة فإذا عبد الله بن رواحة جالس مع الناس، فقال: «ما خلفك يا عبد الله؟» قال: «يا رسول الله، أردت أن أجمع معك». فقال: «والله -أو والذي نفسي بيده- لقد سبقوك بأبعد مما بين المشرق والمغرب لغدوة».
فقالوا: «ما يبكيك يا عبد الله؟» فقال: «أبكي من آية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم». قالوا: «وما هي؟» قال: «قوله صلى الله عليه وسلم من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، فوالله لا أدري أأصدر بعد الورود أم لا». فالله سبحانه وتعالى أقسم أن الناس ما منا من أحد إلا سيرد النار، فوالله لا أدري أأصدر بعد الورود أم لا.
فقالوا: «بل سالمين وغانمين»، يعني إن شاء الله سنسلم ونغنم ونرجع. فقال: «لكنني أسأل الرحمن مغفرة، وضربة ذات فرغ تقذف الزبد، وطعنة بيدي حران مجهزة، بحربة تنفذ الأحشاء والكبد، حتى يقال إذا مروا على جدثي، أرشد الله من غاز وقد رشدا».
هذه الآية بكى منها في موضع آخر عبد الله بن رواحة، فقد روي عنه أنه كان نائماً على فخذ زوجته فبكى، فرأته يبكي فبكت، وهذا يدلنا على ما تحظى به تلك البيوت من الروحانيات ومن الإيمانيات. قالت له فبكى، فقال لها: «ما يبكيك؟» قالت: «رأيتك بكيت فبكيت»، قال: «إني أبكي من آية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾، الورود متيقن منه إلى النار، والورود هو الدخول».
وفي هذه الآية ناقش ابن الأزرق -وهو رئيس من رؤساء الخوارج- ابن عباس في معناها، وكان شديد المنازعة والمخاصمة لابن عباس، لما قرأها ابن عباس قال: «ما منا من أحد إلا سيرد النار أي يدخلها»، فقال: «ويحك يا ابن عباس! إن الله يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 102]»، فقال: «ويحك أنت أو نحو هذا الكلام، ما رأيك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]»، وأتى بآيات في هذا المعنى «أنتم لها واردون» يعني أنتم لها داخلون.
ولكن هذا الرجل لم يفهم معنى الآية، لأن الورود هنا متيقن منه، وفي الأحاديث الصحيحة أن الناس سيردون النار ويدخلونها، لكن منهم المؤمن الذي سيذهب لهيب النار وينطفئ، ومنهم المكرس فيها، نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له حفصة: أرجو من الله أن لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً والحديبية النار، فقالت حفصة: «يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟» قال: «ألم يقل الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]».
نعم، الناس سيردون لكن الله سينجي أهل التقوى، سيردون وروداً وهو المرور، والصالح منهم ستنطفئ عنه، ومنهم من سيمر مر البرق، ومنهم من سيمر مر الريح كما في الحديث المشهور. ولذلك عبد الله بن رواحة قال: «أنا أعلم أني واردها، ولكن لا أدري أأصدر بعد الورود».
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحباً بكم من جديد أيها المشاهدون الكرام، كنا قد وقفنا عند كلامنا عن عبد الله بن رواحة وما تذكره من الآية العظيمة، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، والأبيات التي ذكرها في ذلك الوجه الذي توجه فيه.
ثم إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم نزلوا في معان، في بلدة قريبة من الشام، وبلغهم أن الروم بالبلقاء في مئة ألف مقاتل. فعند ذلك انتظروا في معان ليلتين يتشاورون في أمرهم، لأن هناك عدداً كبيراً مقابل عدد قليل، وهذا أمر لا يطاق وليس هناك مقارنة. والله سبحانه وتعالى قد أجاز الفرار إذا كان الواحد يقابل الثلاثة من المسلمين، يقابل ثلاثة من الكفار.
في بداية الأمر نهى الله سبحانه وتعالى عن الفرار يوم الزحف في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلهم من السبع الموبقات كما في الصحيح، منها الفرار يوم الزحف، فالفرار كبيرة.
لكن من فقه مسألة الفرار أو المقابلة أو الصمود في مقابلة العدو، أنه في البداية نزلت آيات أنه إذا كان واحد إلى عشرة لا يجوز الفرار، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65]. ثم جاء في الآية التي بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]. فصارت المقابلة المقبولة أن يكون العدد هو الضعف، فإن زاد على الضعف فقد أجاز عامة العلماء أو أكثرهم الفرار، وإن كان الصمود والثبات أولى.
ولذلك الصحابة لما رأوا العدد، فهذا عدد كبير جداً، فتشاوروا فيما بينهم وقالوا: نرسل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً نخبره بعدد عدونا، وننظر أمره، فإن أمرنا بالقتال قاتلنا، وإن أرسل إلينا مدداً قاتلنا أيضاً وانتظرنا المدد.
فعند ذلك قام عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه ووعظ أصحابه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا أيها المسلمون، والله ما كنا نقاتل بعدد ولا عدد، إنما نقاتل بهذا الدين الذي نصرنا الله به، وإن هي إلا إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة». يعني ولا فرار، وأنتم تطلبون الجنة، وفي الشهادة الجنة. فقال الصحابة: «صدق عبد الله، صدق عبد الله».
فبعثوا وتوجهوا إلى وجهتهم تلك، والتقوا مع الروم في مؤتة، وبدأ القتال حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم صار يحكي للصحابة القتال وهو على المنبر، كما ذكرت قبل قليل من قول البدوي: ورفعت للهاشمي المعركة فعين الذي أتوا وأدركه. صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن رواحة قال أبياتاً في مسيره قبل لقاء العدو، وأظنه بعد توجههم من معان، قال: وكان رديفاً له زيد بن أرقم. هذا زيد بن أرقم هو الذي كان قد بلغ النبي بكلام عبد الله بن أبي بن سلول، لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فنزل القرآن بتصديق زيد بن أرقم، وقال: «وعت أذنك يا غلام». هذا كان يتيماً في حجر عبد الله بن رواحة، وكان رديفاً له، فسمع عبد الله بن رواحة يقول أبياتاً في دابته التي عليها، يقول فيها: إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأن أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وقادرون ... بأرض الشام مشهود الثواء وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أساف لها روائي
يعني وردك أيتها البغلة أو أيتها الدابة إلى أهل منقطع، أو ردك إلى الناس أو إلى ديار منقطع الإخاء، يعني ليس معه عبد الله بن رواحة. فهذا الغلام فهم الأبيات فبكى، فلكزه بالدرة وقال: ما لك يا لكع؟ وما عساك وما تنقم؟ أن يرزقني الله الشهادة؟ أو نحو هذا الكلام.
ثم لما التقى الفريقان، حمل راية النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وهو أميرهم الأول، ويبدو أنه في بداية تأميره أن بعض الناس طعنوا في إمارته وكانوا يريدون أن يقدم عليه بعض الصحابة الآخرين، فقال: «إنه لخليق بالإمارة»، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وقالها في ولده: «إنه لخليق بالإمارة كما أن أباه خليق بالإمارة». فحمل الراية زيد بن حارثة وقاتل حتى قتل.
ثم حملها جعفر وهو يرتجز ويقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها
يقال إنه حمل الراية بيمينه وقاتل فقطعت، ثم حملها بشماله فقطعت، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث: «إن الله أبدله من يديه بجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء». في صحيح البخاري أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر ولده، ولد جعفر بن أبي طالب، يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. هذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أبدله بجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء».
ثم بعد جعفر بن أبي طالب أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فكانت نفسه تتردد نوعاً ما، فسار يقول: أقسمت يا نفس لتنزلن ... لتنزلن أو لتكرهنه مالي أراك تكرهين الجنة ... قد طالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة؟
ويشجع نفسه ويقول في أبيات أخرى: يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
يعني فعل زيد بن حارثة وفعل جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. هؤلاء الصحابة، ثم قاتل عبد الله بن رواحة حتى قتل، فسقطت الراية.
فأخذها أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بن أقرم العجلاني، حليف للأنصار وهو من أهل بدر، كما أن الأمراء زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة أيضاً من أهل بدر، وجعفر لم يخض بدراً إلا أنه كان في الحبشة. زيد بن حارثة من أهل بدر وعبد الله بن رواحة من أهل بدر، وهما المبشران بنصر بدر كما ذكرنا، أرسل النبي عليه الصلاة والسلام لما انتصر في بدر، أرسل عبد الله بن رواحة وأرسل زيد بن حارثة يبشرون المسلمين.
فلما سقطت الراية من عبد الله بن رواحة بعد قتله واستشهاده رضي الله تعالى عنه، أخذ الراية ثابت بن أقرم الصحابي الجليل العجلاني، فقال: يا أيها المسلمون أمروا أحدكم، فقالوا: أنت أميرنا، فقال: ما أنا بذاك، ولكن أمروا أحدكم. ثم اقترب من خالد بن الوليد وأعطاه الراية وقال: قاتل؛ فإنك أعلم بالقتال مني أو بالقيادة مني. فعند ذلك اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان على المنبر ويقول: «حمل الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل ودخل الجنة، ثم حمل الراية جعفر بن أبي طالب وقاتل حتى قتل ودخل الجنة، ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة وقاتل حتى قتل ودخل الجنة، ثم حمل الراية سيف من سيوف الله يفتح الله على يديه». أو فتح الله على يديه، لما حملها خالد بن الوليد وقاد الناس، وقاتل قتالاً عظيماً حتى إنه يقول: انقطعت في يدي تسعة أسياف، أو انكسرت في يدي تسعة أسياف في ذلك أو في يوم مؤتة، ولم يثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
وهذا يدل على أن هناك مقتلة عظيمة من الروم، بينما المسلمون لم يقتل منهم إلا اثنا عشر صحابياً هم الشهداء، وأما الروم فقد قتل منهم مقتلة عظيمة. لما تولى القيادة خالد بن الوليد غير عندما أمسى الناس، غير تشكيلة الجيش؛ فجعل الميمنة على الميسرة، وجعل المقدمة في المؤخرة، وقدم المؤخرة إلى المقدمة. فلما التقوا من اليوم الثاني ارتاعت الروم وظنت أن هؤلاء مدد وليسوا الأولين، فسار القتل ذريعاً في الروم حتى ولو هاربين، وحاز بعض الصحابة الغنائم.
وخالد لم يتتبعهم؛ لأنه يعلم قدرة جيشه وأنه قليل، وأنه لا طائلة تحت هذا اليوم، فانحاز بالمسلمين. ولذلك بعض أهل السيرة -وهذا من الأمور التي ينبغي التنبه إليها- يظنون أن المسلمين لم ينتصروا، يعني هناك أقوال، منهم من قال: انهزم المشركون، وهذا هو الثابت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح البخاري: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه»، أو «فهزم الله المشركين».
وهناك شواهد كثيرة، منها أن هناك سلب، عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه صحابي من الصحابة، يذكر أنه كان معه مدد في هذه الغزوة، وأن هذا المددي رأى رجلاً من الروم كان قد أثخن في المسلمين فكمن له تحت صخرة، فلما مر عليه عرقب فرسه وقتله وأخذ سلبه، وكان سلب الرومي كثيراً جداً، وكان فارساً من الذهب، فأخذه خالد منه ولم يعطه إلا بعضه. فعاتبه عوف بن مالك وقال: ألم تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل قتيلاً فله سلبه»؟ أعطه سلبه، فقال: إني استكثرت عليه.
فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر عوف بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل بين خالد والمددي وأنه أخذ سلبه، فقال: «لم فعلت ذلك يا خالد؟ رد إليه سلبه». فعندما ولى، قال ومر خالد على عوف بن مالك، قال: ألم أقل لك؟ ألم أفِ لك ما وعدتك؟ فسمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة فقال: «ما هذا؟». فأخبره أنه قال لي وكيت وكيت، يعني كأنها أصبحت منازعة وشيئاً من التحدي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تفعل يا خالد، لا ترد عليه سلب، ما لكم وما ورائي؟ هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوهم وعليهم كدرهم»، أو كدر فعلهم. وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم.
نصل إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري