دخولتسجيل الدخول

الحلقة 18

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة.

كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن غزوة مؤته، وترجمنا لأحد أمراء هذه الغزوة المباركة وهو زيد بن حارثه، ترجمنا له ترجمة مختصرة. ومن مما يحسن أن نترجم لبقية الأمراء إن شاء الله، وهم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن رواحه.

أما جعفر بن أبي طالب فهو أخو علي بن أبي طالب، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم أخ آخر، هم ثلاثة: عقيل، وجعفر، وعلي؛ أكبرهم عقيل، ثم جعفر، ثم علي رضي الله عن الجميع. ولهم أخت وهي أم هانئ، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ».

وأمهم فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها، وهي التي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبرها، وكان يقول: «لم أجد أبر بي بعد أبي طالب من فاطمة بنت أسد»، أو «لم أجد أبر بي من هذه المرأة»، ونزل في قبرها صلى الله عليه وسلم مدهونةً في المدينة المنورة.

هذا الصحابي الجليل أسلم قديماً، ثم لما كثر تضييق قريش على المؤمنين، هاجر هو وجماعة من الصحابه إلى الحبشة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فانه قال: «إن بأرض الحبشة ملكاً لا يضام أحد عنده»، أو نحو هذا الكلام. فخرج جعفر ومعه جماعة من الصحابة، ومعه زوجته أسماء بنت عميس، وبقوا عند النجاشي يعبدون الله في خير جوارٍ، لا يضامون ولا يؤذون، ويععبدون الله كيف شاؤوا.

فعلمت قريش بحالهم وما فيه من الخير، فارسلت في طلبهم رجلين من دهاة العرب، وهما عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. وأرسلوا مع هذين الرجلين جوائز للنجاشي، هدايا من الجلود، لأنهم يعلمون أن النجاشي أحب ما يحب من ديار العرب أو من بلاد العرب هي الجلود.

فارسلوا مع هذين الرجلين شيئاً من الهدايا الكثيرة، وقالوا لهما: ابدأوا بالبطارقة، المقربين منه، أهدوا لهم الهدايا، وسهلوا أمركم حتى يكون رأيهم مؤثراً على النجاشي. فبدأوا بالبطارقة وأهدوا لكل واحد هدية، ثم قالوا لهم: إنا في بلادكم فتية قد صبوا، وتركوا دين آبائهم وأجدادهم، ولم يدخلوا في دينكم، وإن أقواماً أشراف وكبرائنا قد أرسلونا لكي نرد هؤلاء الفتية، أو هؤلاء الناس الذين جاؤوا إلى بلادكم، فأعينوني.

فأن أشرافهم وكبرائهم أعلَمُ بهم، فقولوا: نعم، صدقوا. ثم دخلوا على النجاشي وقدموا له الهدايا، وكان من الهدايا كما ذكرت الجلود، وكان يحب هذا النوع من الهدايا، ثم تكلموا معه، وقالوا له: بأن فتية من قريش أو من قومنا قد خرجوا من ديننا، ولم يدخلوا في دينك، وهم فتية سفهاء لا أحلام لهم، وقومهم أعلَمُ بهم، فنريد أن تردهم معنا.

فقال بطارقته والذين حوله من الوزراء والحاشية: نعم، صدقوا، قومهم أعلَمُ بهم فردهم إليهم. فقال: لا والله لا أردم حتى أكلمهم أو أكلمهم. وكان هذا من أكره الأمور لعمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة، لا يريدون النجاشي أن يكلمهم، والنجاشي رجل عادل، ملك عادل، وهو أسلم رضي الله تعالى عنه، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة صلاة الغائب، والصلاة عليه هي أصل صلاة الغائب رضي الله تعالى عنه.

ثم استدعى جعفر، وكان جعفر هو رئيس هؤلاء الصحابة الذين في الحبشة، فاستدعاه النجاشي، فاجتمعوا فيما بينهم وقالوا: ماذا نقول له؟ يعني سيسال عن ديننا. فقال قائلهم، وأظنه جعفر رضي الله تعالى عنه: نقول له كما أمرنا الله، وكما علمنا رسول الله، لا نلمع صورة ديننا، ولا نخبرهم بما أمرنا الله به كما هو، وهذا هو الحق على المسلمين أن يبينوا دينهم كما نزل به القرآن، وكما جاءت به السنة، ولا يحاولون أن يخفوا منه شيئاً، أو أن يلمعوا صورته عند الناس، وصورته لن تتلمع إلا كما جاء به الكتاب وككما جاءت به السنة.

وهذا يحصل في المؤتمرات، نجد بعض المسلمين يتحرج من بعض الأمور، والله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، مهما كان فلن يرضوا عن المسلمين إلا بتركهم للإسلام. فعلى المسلم أن يتمسك بإسلامه، وأن يبينه كما هو، فانه دين الله الذي ارسله مع نبيه صلى الله عليه وسلم وارتضاه للبشر.

فهؤلاء الصحابة اجتمعوا فيما بينهم وقالوا: نبين له كما أمرنا الله سبحانه وتعالى وكما علمنا رسوله صلى الله عليه وسلم. فدخلوا عليه فقال: ان هؤلاء يزعمون أنكم قد تركتم دين آبائكم، ولم تدخلوا في ديني، ولم تدخلوا في دين من هذه الاديان المعروفة، فما قولكم؟

فانتدب للكلام جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقال: أيها الملك، إنا كنا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، ونفعل ونفعل. وبين ما كانوا عليه من الشناعة، وحسن الجوار، وامرنا بالكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، ونهانا عن قذف المحصنات.

وأخذ يبين له شرائع الإسلام، وما أمره الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه. فعند ذلك قال النجاشي: وهل معك شيء مما أتاكم به رسولكم؟ قال: نعم. فقرا عليه أول سورة مريم، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 1-5]، إلى جملة من الآيات.

فعند ذلك بكى النجاشي، وبكى البطارقة وهم ينشرون ناشرين صحفهم، بكوا حتى أخضل لحاهم. فقال النجاشي: والذي نفسي بيده، إن هذا وما أتى به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. فعند ذلك فرح الصحابة، ثم قال: اذهبوا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا. وترك الصحابة يرجعون آمنين بدينهم.

فلما خرجوا قال عمرو بن العاص: والله لاخبرن بقولهم في عيسى، أو لاخبرن بقولهم العظيم في عيسى، ولأفعلن بهم كيت وكيت. وكان عبد الله بن أبي ربيعة أرحم الرجلين، وقال: لا تخبرهم، كان خائفاً أن النجاشي يسلمهم إليهم، أو خاف عليهم من النجاشي أن يقتلهم. فاخبر النجاشي بأنهم يقولون قولا عظيما في عيسى بن مريم.

فاستدعاه النجاشي مرة أخرى، فلما جاءوا قال لهم النجاشي: ما تقولون في عيسى؟ قال: نقول فيه ما قال الله ورسوله؛ إن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، وروح منه، إلى آخر ما قال. فقال النجاشي: والذي نفسي بيده، ما عدا عيسى، وأخذ عودا من الأرض.

مثل هذا، فنخرج القول لم يكن مقبولاً عند البطارقة، وكان مقبولاً عند النجاشي، فقال: وإن نخرتم! ثم قال: اذهبوا في أرضي، فانتم سيوم في أرضي. سيوم بمعنى آمنين؛ من سبكم غُرِم، ومن سبكم غُرِم، ومن سبكم غُرِم! والله لا آخذ فيكم الرشوة، فإن الله لم يأخذ في حين رد علي ملكي الرشوة، ولا أطيع الناس فيكم، كما أن الله لم يطع الناس في حين رد علي ملكي.

وكان يشير بهذه الكلمات إلى قصة حصلت له في صغره، وهو أن أباه كان عليه النجاشي، أبوه كان ملك الحبشة، وكان النجاشي هو ولده الوحيد، وكان له أخ؛ أبو النجاشي كان له أخ، هذا الأخ عنده عشرة من الولد. فقال الحبشي أو أهل ذلك البلد: إن النجاشي ليس عنده إلا ولد واحد، فلو قتلناه وأعطينا ملك أخاه، لأن أخاه عنده عشرة من الولد، وهذا يبقي هذا الملك باقياً في هذه البلدة ولا يتزعزع، لأن الرجل الواحد قد يتزعزع، ويتظاهر عليه الآخرون.

فعند ذلك قتلوا أبا النجاشي وسلموا الملك لأخيه. ومع الوقت دخل النجاشي على عمه وأصبح مقرباً إليه، وأصبح هو المقرب يسير شؤون البلاد بخلاف العشرة الأولاد، فكانوا ليسوا واعين لما يحصل، ولم يكن عندهم من الحنكة ما يخولهم أن يسيروا البلد.

فعند ذلك جاء الناس الذين قتلوا النجاشي، وهم الكبراء والحاشية، فقالوا لعم النجاشي: إنك تعلم أننا قد قتلنا أبا النجاشي، وأننا نراه له عندك حظوة كبيرة، ونخشى إن حكم بعدك أن يقتلنا لأنه يعلم أننا قتلنا أباه، فأنت مخير بين أمرام؛ إما أن تقتله، وإما أن تنفيه. فقال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وتريدون قتله اليوم؟ بل أنفيه. فسلمه لهم، وذهبوا به وباعوه في سوق، واشتراه تاجر، ثم ذهب به في البحر في سفينة.

ومع الوقت لم يستقر الملك، فكان أبو عم النجاشي يحكم، ولكن أولاده كانوا يسيئون إدارة البلد. فعند ذلك ندموا وقالوا: والله لا يصلح لحكم الحبشة إلا النجاشي ولد الحاكم الأول. فذهبوا إليه واستعطفوه من الرجل الذي اشتراه ولم يدفعوا له مال، وقد اشتراه بمال، اشتراه منهم بأموال.

فلما ردوه على الحكم جاء ذلك التاجر وقال: لاشتكينكم عنده. فقالوا: افعل ما شئت. فجاء إليه هذا التاجر إلى النجاشي، وكان هذا أول حكمه، وقال: إن هؤلاء الناس اشتروا مني غلاماً ثم أخذوه مني قهراً، ولم يردوا علي مالي، فما رأيك؟

فقال النجاشي: أما أن تردوا عليه ماله، أو تسلموه غلامه يأخذ بيده فيذهب حيث شاء. وكان هذا أعدل حكم له، أو كان بداية عدل منه، وهو يقصد نفسه. فعند ذلك غمهم على أعطاء هذا التاجر أمواله.

نقف هنا ونستأنف إن شاء الله بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحباً بكم من جديد.

كنا وقفنا أيها المشاهدون الكرام عند الكلام على النجاشي وما ذكره جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في مقابلته للنجاشي. ونكمل الكلام عن ترجمة جعفر رضي الله تعالى عنه؛ يقول أبو موسى الأشعري، كما في صحيح البخاري: خرجنا من اليمن خمسين راكباً أو زيادة على خمسين راكباً في البحر، فذهبت بنا السفينة حتى وصلنا إلى الحبشة، فوجدنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فقالوا -وكنا ذاهبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-: إن رسول الله قد بعثنا هنا وامرنا بالإقامة، فلو أقمتم معنا حتى نرجع سويا أو نحو ذلك.

فبقي أبو موسى وأصحابه مع جعفر بن أبي طالب، ثم رجعوا إلى المدينة ووافوا النبي صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر؛ يعني بعد الحديبية. نحن ذكرنا الحديبية، ثم بعد الحديبية جاءت خيبر، ثم بعد خيبر جاءت مؤته، التي هي الغزوة التي تكلمنا عنها في الحلقات الماضية.

في غزوة خيبر أو في فتح خيبر، جاء جعفر بن أبي طالب وأصحابه أصحاب السفينة، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قام والتزم جعفر وقبله بين عينيه وقال: «وال말 ما أدري بأيهما أفرح؛ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر». يعني أصبح قدوم جعفر بن أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم مثل فتح خيبر وفتح البلد، يعني هذا شيء عظيماً. ومع ذلك ساوى النبي صلى الله عليه وسلم بين فتح خيبر وقدوم جعفر رضي الله تعالى عنه.

وفي قصة تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر والتزامه له، هناك قصة حصلت بين الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وابن عيينة، وهما إمامان من أئمة الحجاز: مالك بن انس إمام المدينة، وسفيان بن عيينة إمام مكة رضي الله تعالى عنه الجميع، وكلاهما من طبقة واحدة، إلا أن مالكاً توفي قديماً، توفي سنة 179، وابن عيينة توفي سنة 188، يعني بعده بـ 19 سنة تقريبا.

الشاهد أن الإمام ابن عيينة استأذن على مالك، فاخبر مالك بأن ابن عيينة بالباب فقال: اذنوا له، اذنوا لأبي محمد. ومدحه فقام إليه الإمام مالك وصافحه وقال: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتك رضي الله تعالى عنه. قد عانق من هو خير مني، من هو خير منك يقصد النبي صلى الله عليه وسلم وجعفرا.

فقال الإمام مالك: النبي صلى الله عليه وسلم وجعفراً؟ قال: نعم. قال: ذاك خاص بجعفر. فقال ابن عيينة: ما يخص جعفر يخصنا وما يعمه يعمنا. ثم قال: تأذن لي أن أحدث؟ فحدث بحديث المعانقة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جعفر رضي الله تعالى عنه حين قدومه.

ثم أصبح جعفر في المدينة في مدة وجيزه، بين خيبر وبين ذهابه إلى مؤته، أصبح معروفاً بإعطاء المساكين والنفقة عليهم، حتى سمي أبا المساكين. وكان أبو هريرة يقول، كما في الصحيح: كنت ألزَم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، وكنت أسأل الرجل عن الآية وهي معي لينقلب بي. وكان جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ينقلب إلى بيته دائماً، قال: حتى إنه ينقلب بنا وليس في بيته شيء، فيعطينا العكة ليس فيها إلا شيء من الدهن، قال: فنشققها ونلعقها رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

ومن مفاخره رضي الله تعالى عنه جعفر، ومن فضائله أن

علي بن أبي طالب شاهد أسماء بنت عميس، وهي كانت زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فلما استشهد عنها تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلما مات عنها تزوجها علي بن أبي طالب. وكانت قد أنجبت لجعفر محمداً بن جعفر، وأنجبت لأبي بكر محمداً بن أبي بكر الصديق، فسار الولدان يتفاخران، هذا يقول أبي خير من أبيك، وهذا يقول أبي خير من أبيك، فاحتكموا إلى أمهم.

فقالت: «أبو بكر ما رأيت من الكهول خيراً منه، أو هو خير الكهول، وجعفر هو خير الشبان». فقال علي بن أبي طالب: «ما أراك تركت لنا شيئاً، ولو قلت غير ذلك لقتلتك». فقالت رضي الله عنها: «والله لثلاثة أنتم أخسهم، أو والله إنهم لخيار»، يعني إذا كنت أنت أدنى هؤلاء الثلاثة، فوالله إنهم لخيار، وهذا يدل على تفضيلها أيضاً لعلي وأنه من الفضلاء العظام.

من أخبار جعفر رضي الله تعالى عنه أنه في غزوة مؤتة استلم الراية بعد زيد بن حارثه؛ لأن زيداً قد قُتل رضي الله تعالى عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على الناس زيد بن حارثه، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة». لما أخذ الراية بعد زيد وشاط في رماح العدو، أخذها بعده جعفر بن أبي طالب وقاتل قتالاً عنيفاً، وكان يقول وهو يرتجز في قتاله: يا حبذ الجنة واقترابها .. وطيب بارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها .. كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لقيتها ضرابها

فقاتل، أمسك الراية بيمينه فقطعت، وأمسكها بشماله فقطعت، وأمسكها بعضديه، وعقر فرسه، نزل من فرسه وعقر حتى لا يستخدمها العدو، وكان أول من عقر فرساً في الإسلام وأمسك الراية بعضديه فقتل. ولذلك يقول كعب بن مالك في مرثيته التي رثى بها أهل مؤتة وهو يصف جعفراً: إذ يهتدون بجعفر و لوائح .. فنعم الأول حتى تفرجت الصفوف وجعفر حيث التقى وعث الصفوف .. مجدلاً

أي أنه قاتل، فلما انفصلت الصفوف بعضها عن بعض، إذا بجعفر مجدل بينهم. وابن عمر يقول كما في صحيح البخاري: «وجدنا جعفراً رضي الله تعالى عنه وبه بضع وتسعون ما بين ضربة وطعنة». رضي الله تعالى عنه، وعلى مثل جعفر ينطبق قول الشاعر: فاثبت في مستنقع الموت رجله .. وقال لها من تحت أخمدك الحشر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل .. إلا وهي من سندس خضر عليك سلام الله وقفاً .. فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر

هذا الصحابي الجليل جاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، والنبي ﷺ كما ذكرت في حلقة سابقة وهو على المنبر قال: «أخذ الراية زيد بن حارثه فقتل ودخل الجنة، أخذ الراية جعفر بن أبي طالب وقتل ودخل الجنة، وأخذ الراية عبد الله بن رواحة». لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقتل هؤلاء الصحابة واستشهادهم، ذهب إلى أهل جعفر كما ذهب إلى أهل زيد بن حارثه.

فلما دخل على أسماء بنت عميس، فقال: «أين أولاد أخي جعفر؟»، فأتت بالأولاد إليه، وأخذ النبي يشم أولاد جعفر رضي الله تعالى عنهم وتذرف عيون النبي صلى الله عليه وسلم دموعاً. فقالت أسماء بنت عميس: «يا رسول الله، أتاك من جعفر شيء؟»، قال: «نعم، إنه استشهد». فعند ذلك أخذت أسماء تبكي والأولاد يبكون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم».

استشهد جعفر رضي الله تعالى عنه وهو صغير السن، يقال إن عمره 33 سنة وقيل 40 سنة، ولم يمتع ناظريه من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقتاً قليلاً؛ فلما جاء بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى مؤتة في السنة الثامنة، أي جلس عنده أقل من سنة. ولذلك حزن النبي على جعفر حزناً عظيماً، وكما سيأتينا إن شاء الله في الحلقة القادمة، فإن الصحابة الذين رثوا أهل مؤتة كحسان بن ثابت وكعب بن مالك، خصوا جعفراً رضي الله تعالى عنه بأعظم الرثاء لما يعلمون من حزن النبي صلى الله عليه وسلم عليه.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].