دخولتسجيل الدخول

الحلقة 19

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وسنتكلم فيها عن عبد الله بن رواحة؛ لأننا تكلمنا في الحلقات الماضية عن غزوة مؤتة وعن الأمراء الثلاثة: أولهم زيد بن حارثة، وثانيهم جعفر بن أبي طالب، والثالث عبد الله بن رواحة.

هذا الصحابي الجليل هو من الصحابة السابقين في الإسلام، وهو من الأنصار، من بني الحارث بن الخزرج. هذا الرجل كان من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الأتقياء الصالحين، وكان من الشعراء، وكان من عبادته ما قد ذُكر في الصحيحين؛ أنه ربما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في اليوم الشديد الحر، بحيث كان الرجل يضع يده على رأسه من شدة الحر، وليس فيهم صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة.

وكان يحب مجالس الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يأتي إلى الصحابة ويقول: تعالوا نؤمن بربنا ساعة، نجلس نتذاكر. فمرة ذكر ذلك لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب وذهب إلى رسول الله وقال: يا رسول الله، أرايت ابن رواحة فإنه يرغب عن إيمانك بإيمان ساعة؟ فقال: «رحم الله عبد الله بن رواحة، فإنه كان يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة».

ومن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يأتمر بأمره مهما كان، وبحيث يقطع علاقته بكل قريب. فمرة من المرات دخل المسجد فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول للناس: «اجلسوا»، وكان هو عند عتبة الباب، فجلس في مكانه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحمك الله، لما جلست؟» أو قال: «سمعتك قلت اجلس فجلست»، فقال: «زادك الله حرصاً»، أو نحو هذا الكلام.

ومرة من المرات، وهذا في صحيح البخاري، كان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: لو أتيت عبد الله بن أبي بن سلول -وهو من الخزرج من قوم عبد الله بن رواحة، كان رئيساً في الخزرج- لو أتيته حتى يكون له مكانته. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم على حمار ومعه أصحابه، فلما اقتربوا من عبد الله بن أبي بن سلول قال: إليك عني؛ فقد آذاني نتن حمارك! فتصدى له عبد الله بن رواحة وهو من جماعته من قبيلته، وقال: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك.

ومن أخباره أنه مرة كان نائماً عند زوجته أو على فخذ زوجته، فبكى رضي الله تعالى عنه، فشعرت ببكائه فبكت. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت. فقال: إني أبكي من آية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. فوالله ما أدري أصدر بعد الورود أم لا. هذا الذي أبكاه، وهذه الآية أبكته حين خرج إلى مؤتة كما ذكرنا في الحلقات الماضية.

ومن أخباره العجيبة وهي مما يدل على صلاح بيته، أنه لما بكى وبكت امرأته، فهذا سيؤثر في امرأته وفي أهله؛ أن أباهم أو زوجهم يبكي للآيات إذا قرأها وإذا تفكر فيها وإذا تدبرها. لا شك أن هذا ينعكس على هذا البيت وعلى هؤلاء الأهل. ولذلك مرة من المرات قام من امرأته ووقع على جارية له، والجارية هي المملوكة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5-6]. فملك اليمين كالزواج، إلا أن الزواج له قسم؛ الرجل يقسم لزوجته إذا كان عنده عدد من الأزواج يقسم لهن ويساوي بينهن، بينما المملوكة ملك اليمين -وهذا كان في بداية الإسلام، وجاء الإسلام لتحرير المملوكين إلا أنه بقي حكماً نافذاً في الجهاد في سبيل الله-. المهم أن عبد الله بن رواحة وقع على زوجته ثم قام منها ووقع على جاريته، فخرجت فرأته فرجعت مسرعة وأخذت سكيناً وجاءت إليه تريد أن تجأه في ظهره، فقابلها في الطريق فقال: ما هه؟ قالت: ما هه؟ والله لو رأيتك على ما رأيتك عليه لوجأتك بهذه بين كتفيك. فقال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية. قال: ما رأيتني، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ القرآن ونحن جنب. قالت: فاقرأ إذاً؛ إذا لم تكن جنباً فاقرأ القرآن. فقال أبياتاً من الشعر، وهي كانت في بداية إسلامها لا تميز بين القرآن وبين الشعر، فقال رضي الله تعالى عنه:

أتانا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

فقالت رضي الله تعالى عنها: آمنت بالله وكذبت بصري. وهذا يدل على انعكاس هذا الصلاح الذي في البيت؛ أنها كذبت هذا البصر مع أنها كانت ترى بعينها وتظن أنه لن يقرأ القرآن وهو جنب، وقد قرأ القرآن، فلذلك قالت: آمنت بالله وكذبت البصر.

هذا الصحابي الجليل كان من المبارزين في غزوة بدر الذين خرجوا للمبارزة في بداية الأمر؛ لأننا كما ذكرنا لما قال عتبة بن ربيعة في غزوة بدر: أخرجوا إلينا من نبارز أو أكفاننا، خرج عبد الله بن رواحة وابنا عفراء. فلما سألهم عتبة بن ربيعة: من القوم؟ فأسمعوا لهم أنفسهم، عبد الله بن رواحة ومعاذ بن عفراء، فقال: قوم كرام أكفاء، ولكن أخرجوا لنا أكفاننا من بني عمومتنا. هذا الصحابي الجليل كان ممن حضر بدر، بل ممن حضر جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن استشهد في مؤتة، وكان من أهل العقبة، وأهل العقبة الذين تمكن الإسلام في المدينة بسببه ونُشر الدين، وبذلك انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

وهذا الصحابي الجليل مع هذه المناقب الكثيرة في صلاحه، كان أيضاً من الشعراء المطبوعين، كان أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة، وهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. وأفضلهم عبد الله بن رواحة، وأشهرهم حسان، وكعب بينهما في الفضل رضي الله تعالى عنه. روي أنه لما نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224-226]، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكون: يا رسول الله، قد علم الله أن شعراء وقد أنزل في القرآن ما أنزل، فما رأيك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تروا أن الله يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: 227] أنتم، ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أنتم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾». انتصروا من بعد ما ظلموا؛ وذلك في هجائهم لقريش انتصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من شعر عبد الله؛ كان شعر عبد الله بن رواحة في الإيمانيات، ولذلك كان هجاؤه لقريش وللكفر يهجو ويعير بالكفر، بينما كان حسان يعيرهم بعيوبهم وبالأيام والحروب، وكان كعب بن مالك يهددهم بأنه أنهم سيفعلون ويفعلون، ولذلك أسلم دوس بسبب بيت من شعر كعب بن مالك خوفاً منه، وسيأتي إن شاء الله ذكره.

الشاهد من الكلام أن عبد الله بن رواحة كان النبي يحب شعره، وكان شعره في الفضائل عامته في المواعظ والخير، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أخاً لكم لا يقول الرفث»، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، أتانا ويذكر:

أتانا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت من المشركين المضاجع

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل كثيراً بشعر عبد الله؛ ففي غزوة الأحزاب كما في الصحيحين، كان النبي ينقل معهم التراب وهم يحفرون الخندق ويردد أبيات عبد الله بن رواحة:

والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لقينا

ومرة من المرات قال عبد الله: مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه جالسون، فإذا الصحابة يضجون: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة! فعلمت أن رسول الله يدعوني، فجئت فقال -يتعجب من شعري، كيف تقول الشعر؟ أريدك أن تتمثل بشعر تقرضه الآن أو تقوله الآن-. فانطلق عبد الله بن رواحة كما قال الزبير بن العوام: يقول والله ما رأيت أشعر من عبد الله بن رواحة، لما طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول شعراً، تباشر بقوله مباشرة في لحظة واحدة؛ حيث قال رضي الله تعالى عنه:

إني تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ما خانني البصر أنت الرسول فمن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا

فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت، فثبت الله». ولذلك يقول هشام بن عروة راوي هذا الحديث: يقول فثبته الله واستشهد ودخل الجنة أو فتحت له الجنة رضي الله تعالى عنه.

وكان من شعره أيضاً الذي قاله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين دخول النبي صلى الله عليه وسلم لمكة في عمرة القضية بعد الحديبية، لما تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش وأراد أن يعتمر، كان عبد الله بن رواحة يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله

فسمعه عمر بن الخطاب فقال: مه! أشعر بين يدي رسول الله وفي حرم الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خلِّ عنه يا عمر، فوالله لقوله أشد عليهم من وقع النبل».

ومن بديع شعر هذا الصحابي الجليل في النبي صلى الله عليه وسلم قوله:

نفسي الفداء لمن أخلاقه شهدت ... بأنه خير مخلوق من البشر عمت فضائله كل الأنام كما ... عم البرية ضوء الشمس والقمر لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك بالخبر

يقول: لو لم يكن في النبي آيات ومعجزات، لكان شكله فقط منظره ينبيك بالخبر بأنه صادق غير كاذب، صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن عبد الله بن رواحة. نقف هنا ونستأنف إن شاء الله بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام من جديد، كنا ذكرنا في آخر كلامنا أبياتاً لعبد الله بن رواحة يقول في آخرها:

لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك بالخبر

وهذا من أبدع ما قيل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم من المدح، وليكن هكذا الشعر، وليكن هكذا المدح، وهذا نابع من محبته للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذه هي العادة؛ من أحب شيئاً أبدع في مدحه أو أبدع في الثناء عليه. ولذلك من أمثال هذه الأبيات قول الآخر في النبي صلى الله عليه وسلم:

وأجمل منك لم تر قط عيني ... وأحسن منك لم تلد النساء خُلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خُلقت كما تشاء

وكما ذكرت، هكذا فليكن الشعر، هكذا فليكن المدح، هكذا فليكن القصيد الممزوج بمحبة الله ومحبة رسوله؛ لأن الناس يبدعون في الغزل ويبدعون في ذكر الأطلال، ويبدعون في أشياء أخرى من محبتهم لها، وإذا تكلموا في الدين أو في النبي صلى الله عليه وسلم فتجد الكثير منهم شعره ركيك وليس مقبولاً، بينما إذا تكلم في محبوبه يبدع في ذلك، وهذا سببه المحبة. فإذا أحب الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدع في وصفه وأبدع في مدحه صلى الله عليه وسلم.

الشاهد من الكلام أن عبد الله بن رواحة كان قد ذكر هذه الأبيات وأبدع فيها، ثم إنه غزا مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مؤتة، كما ذكرت في حلقة ماضية، أنه لما ودع النبي صلى الله عليه وسلم بكى. فقال الصحابة: ما يبكيك يا عبد الله بن رواحة؟ قال: يبكيني آية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الآية التي ذكرها عند زوجته: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. فقالوا: بل سالمين وغانمين؛ يعني هو كان يقول أبكي من هذه الآية لأني سأموت في هذا الطريق ولا أدري هل أكون من أهل الجنة أم أكون من أهل النار، نسأل الله العافية والسلامة. فقال الصحابة: بل سالمين وغانمين، يعني لن نموت إن شاء الله، سنرجع بالسلامة والغنيمة. فقال رضي الله تعالى عنه:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبد

الزبدة وطعنه بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبد، حتى يقال إذا مروا على جدثي: أرشده الله من غازٍ وقد رَشَد.

ومما قاله أيضاً في هذا الوجه أنه قال أبياتاً؛ كأنه يخاطب بغلته التي هو عليها أو دابته، يقول: إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي يعني إذا وصلتني إلى المكان المقصود، فنقول لك: لكِ نعمةٌ بكِ فشأنكِ أنعمي وخلاكِ ذم، ولا أرجع إلى أهلٍ ورائي.

وجاء المسلمون وغادري بأرض الشام مشهود الثواء، وردّك كل ذي نسبٍ قريبٍ إلى الرحمن منقطع الإخاء، هنالك لا أبالي طَلع بَعلٍ ولا نخلٍ أسافل روائي. وعند ذلك بكى زيد بن أرقم، وكان رديفه يتيماً على الراحلة أو على الرحل، بكى فضربه بالدُّرّة وقال: ما لك يا لكع؟ أن يرزقني الله الشهادة في وجهي هذا.

ثم وهو كما ذكرت سابقاً، لما نزلوا معان، ومعان وهي بلدة في الشام والروم، نزلوا البلقاء، وتنامى إلى الصحابة أو وصل إليهم الخبر أن الروم في مئتي ألف، فعند ذلك جلسوا في معان يتشاورون ليلتين، فأخذ عبد الله بن رواحة يُغبّ الصحابة ويقول: والله إن خرجتم إلا لهذا الوجه الذي تريدون، نحن لم نكن نقاتل الناس لا بعددٍ ولا بعُدَد، وإنما نقاتلهم بهذا الإيمان الذي أعطانا الله إياه، فإما نصر وإما شهادة، والله ما خرجنا إلا نريد الشهادة. فقالوا: صدق عبد الله بن رواحة، وعند ذلك تشجع الناس وقاتلوا الروم أو قاتلوا المشركين.

في هذا الوجه من القتال كان يقول ويشجع نفسه، طبعاً كما ذكرت في السابق أن زيداً هو الأول ثم عبد الله ثم جعفر بن أبي طالب. وبعد جعفر بن أبي طالب لما سقطت الراية، أخذها عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه؛ لأنه ثالث الأمراء، وهو يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرهنّه مالي أراك تكرهين الجنة ... هل أنت إلا نطفة في شَنّة

ويقول أيضاً: يا نفس ألا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليتي وما تمنيت فقد أعطيتي ... إن تفعلي فعلهما هديتي يقصد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. فثم استشهد رضي الله تعالى عنه وفارق الدنيا غير أسفٍ عليها، خلفه أزواجه، عنده أكثر من زوجة، فتركها في سبيل الله وخرج قاصداً وجه الله سبحانه وتعالى. ترك الدنيا كما ذكرت غير أسفٍ عليها، قد نال الشهادة وهي أعظم طابع يمكن أن يناله الإنسان، أو شهادة ينالها الإنسان الشهادة في سبيل الله، بل وكان من الحاضرين في جميع المشاهد في بدرٍ وأحد والخندق والحديبية.

وصل الخبر بعد عبد الله بن رواحة كما ذكرت، أخذ الراية خالد بن الوليد، والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقول للناس: فأخذ الراية سيفٌ من سيوف الله، يفتح الله على يديه، أو ففتح الله على يديه. والنبي كان يبكي وهو على المنبر ودموعه تسيل، والصحابة يبكون رضي الله تعالى عنه. فلما وصل الخبر إلى الصحابة وإلى المدينة، وأن أهل جيش مؤتة أو الأمراء الثلاثة قد قتلوا رضي الله تعالى عنهم؛ قُتل زيد، وقُتل جعفر، وقُتل عبد الله بن رواحة، وهو شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، أحد الشعراء الثلاثة.

فانتدب لرثاء هؤلاء الأبطال شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما كعب بن مالك وحسان بن ثابت، ومن قول حسان فيهم يقول رضي الله تعالى عنه ويبدي حزنه لأنه يرى حزن النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، بل وهو حزين عليهم رضي الله تعالى عنه، فيقول في مرثيته الشهيرة: تأوّبني ليلٌ بيثرب أعسرُ ... وهمٌّ إذا ما نوم الناس مُسهَرُ لذكرى حبيبٍ هيّجت لي عبرةً ... سفوحاً وأسباب البكاء التذكّرُ بلا أن فقدان الحبيب بليةٌ ... وكم من كريمٍ يُبتلى ثم يصبرُ رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوباً وخلفاً بعدهم يتأخّرُ فلا يبعدنّ الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفرُ وزيدٌ وعبد الله حين تتابعوا ... جميعاً وأسباب المنية تُخطَرُ غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهرُ أغرّ كضوء البدر من آل هاشمٍ ... أبيٌّ إذا سيم الظلام مُجسّرُ يقصد جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

فطُعن حتى مال غير مُوسّدٍ ... بمعتركٍ فيه قناً مُتكسّرُ فصار مع المستشهدين ثوابه ... جِنانٌ والتفّت الحدائق أخضرُ وكنا نرى في جعفرٍ من محمدٍ ... وفاءً وأمراً حازماً حين يأمرُ فما زال في الإسلام من آل هاشمٍ ... دعائم عزّ لا يزلن ومفخرة وابن أمه عليٌ وفيهم أحمد المتخيّرُ. رضي الله عن حسان في هذه القصيدة.

وأما ما قال كعب بن مالك في رثاء أهل مؤتة فقوله: نامت العيون ودمع عينك تهملُ ... سحّاً كما وكفَ الطبابُ المُخضَلُ في ليلةٍ وردت عليّ همومها ... طوراً أخِنّ وتارة أتململُ هو يقول في البيت الأول: نامت العيون ودمع عينك تهمل سحاً كما وكف الطباب المخضل، الطباب هو السيور التي تربط بها القربة التي فيها الماء، ففي العادة أن هذه السيور ينزل منها الماء كقطرات، فهو يصف بكاءه بهذه القطرات التي تنزل من هذا الطباب، ويقول: طوراً أخنّ، الخنين هو البكاء من الأنف، وطوراً أتململ.

يقول رضي الله تعالى عنه: نامت العيون ودمع عينك تهملُ ... سحّاً كما وكفَ الطبابُ المُخضَلُ في ليلةٍ وردت عليّ همومها ... طوراً أخِنّ وتارةً أتململُ واعتادني حزنٌ فبتّ كأنني ... ببنات نعشٍ والسماك مُوكّلُ كأنه بالنجوم موكل، يرعاها يعني يسهر مراعاة للنجوم من الحزن الذي فيه. واعتادني حزنٌ فبتّ كأنني ... ببنات نعشٍ والسماك مُوكّلُ وجداً على النفر الذين تتابعوا ... يوماً ولم ينقلوا صلّى الإله عليهم من فتيةٍ ... وسقى عظامهم الغمام المُسبلُ صبروا بمؤتة للردى ومخافةٍ ... أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فُنقٌ عليهم الحديد المرفلُ فُنق يعني كأنهم فحول، رضي الله تعالى عنه. إذ يهتدون بجعفرٍ ولوائه ... فنعم الوليّ حتى تفرجت الصفوف وجعفرٌ حيث التقى وعث الصفوف مُجدّلُ ... فتغيّر القمر المنير لفقده والشمس قد كسفت وكادت تأفلُ قرمٌ على بنيان هاشم فرعاً ... أشمّ وسؤدداً لا يُنقلُ قومٌ بهم عصم الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزلُ.

هذه القصيدة والقصيدة التي قبلها كلها تبين لنا هذا الحزن الذي وجده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مؤتة، فعبر هؤلاء الشعراء عن هذا الحزن بهذه القصائد الرائعة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].