دخولتسجيل الدخول

الحلقة 20

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي سنخصصها للحديث عن الشعر وحكمه، وربما تأخذ منا حلقة أو حلقتين. ومناسبة ذلك أننا كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وأشعارهم التي تكلموا بها عند رسول الله أو رثوا بها أهل مؤتة؛ كما رثى حسان أهل مؤتة، وكذلك كعب بن مالك.

بالنسبة للشعر في الإسلام، كما قال الفقهاء وهذا عليه إجماعهم، يقولون بأن الشعر نوع من الكلام؛ حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام. فما كان منه قبيحًا فهو قبيح، وما كان منه حسنًا فهو حسن؛ كما أن الكلام فيه القبيح وفيه الحسن، وهكذا الشعر. فالأصل في الشعر كالأصل في الكلام، الأصل فيه الإباحة والجواز، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا.

ومن الأدلة على جوازه أشياء كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 224-227]. ووجه الدلالة من هذه الآية على إباحة الشعر أن الله استثنى الذين آمنوا، والذين ذكروا الله كثيرًا، والذين انتصروا من بعد ما ظلموا؛ يعني إذا قال الشعر من يذكر الله كثيرًا ومن ينتصر إذا ظُلِم فهذا لا بأس به.

أما الشعراء في الغالب أنه يتبعهم الغاوون؛ لأنهم كما قال تبارك وتعالى في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. والعجيب أن الله ذكر ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فجعل اتباع الشعراء كاتِّباع الشياطين، نسأل الله العافية والسلامة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول في آية أخرى عن إبليس: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. وهنا يقول والشعراء يتبعهم الغاوون، لكن الله سبحانه وتعالى استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

بعض أهل العلم يذكر في هذه الآية مما يدل على أن الشعراء يهيمون ويكذبون كثيرًا، يذكرون في ذلك أن رجلًا من الشعراء مدح أميرًا من الأمراء يطلب منه العطاء، وهذا غالب الشعراء، فلما مدحه لم يعطه الأمير شيئًا، فقال بيتين ينقض بها قصيدته التي مدح بها الأمير، قال فيها: يقولون ما لا يفعلون. مذمة من الله مذموم بها الشعراء، هو اقتبس هذه الجملة ﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ هي التي في القرآن: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، قال: يقولون ما لا يفعلون، مذمة من الله مذموم بها الشعراء، وما ذاك فيهم وحده بل زيادة يقولون ما لا تفعل الأمراء. يقصد نفسه أنه قال ما لا يفعله الأمير أيضًا، يعني أنه كذب فهو يكذب نفسه.

وهذه الآية كما ذكرت هي دليل على الإباحة، ومن الدلائل على الإباحة أشياء كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث أبي بن كعب: «إن من الشعر لحكمة». وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في لبيد بن ربيعة قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». وهذا الحديث في الصحيحين.

ومما يدل على الإباحة أيضًا أن عمر بن الخطاب مر على حسان بن ثابت وهو في المسجد ينشد الشعر، فلحظ إليه بعينه، وعمر كان يكره الإكثار من الشعر أو يكره أن ينشده الناس ويشتغلون به، فلحظ إليه بعينه، فقال حسان: قد كنت أقول الشعر فيه وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة وقال: يا أبا هريرة، أسألك بالله، وأنشدك بالله، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا حسان، أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: اللهم نعم. يقوله أبو هريرة، وهذا في الصحيحين.

ومما يدل على إباحة الشعر أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا الشعر بين يديه وقالوه ولم ينههم، بل واستنشد. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الشريد عن أبيه أنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «أعندك شيء من شعر أمية بن أبي الصلت؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «هيه»، يعني قل، فأنشد بيتًا، فما زال يقول ذلك حتى أنشده مئة بيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «لقد كاد أن يُسْلِمَ أمية»، لقد كاد أن يسلم في شعره أو نحو هذه العبارة، وهذا الحديث في صحيح مسلم.

ومن الأدلة أيضًا أن الصحابة ذكروا وتمثلوا بالشعر والنبي يسمع، بل وتَرَحَّم عليه، من ذلك عامر بن الأكوع وهو عم سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه في غزوة خيبر، قال له بعض الصحابة: يا عامر، أسمعنا من هنيهات، يعني أنشدنا أو غَنِّ أو أنشد، وهذا يسمى رفع العقيرة والحداء، فتمثل بأبيات ابن رواحة: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا. فقال النبي عند ذلك: «من السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحمه الله». وكان هذا الدعاء سببًا لشهادته رضي الله تعالى عنه، استشهد في ذلك الوجه.

وكذلك حسان بن ثابت، كما في صحيح مسلم، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لي في أبي سفيان بن الحارث، يعني أن أهجو، وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في ذلك الوقت كان كافرًا، وكان من أشد الناس إيذاءً لرسول الله وهجاءً له، وكان شاعرًا مطبوعًا، الذي هو أبو سفيان بن الحارث، فقال له حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان. فقال: «نعم، ولكن أين، ماذا ستفعل بقرابة منه؟»، يعني أنه قريب جدًا، هو ابن عمي، فكيف ستهجو؟ فقال: يا رسول الله، سأَسُلُّه منه أو منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. فقال: «لا تعجل، واذهب إلى أبي بكر بن أبي قحافة فيخلص لك أو يبين لك نسبي منهم».

فذهب حسان بن ثابت فأخبره أبو بكر الصديق، وفصل أبو سفيان بن الحارث بأمه وأم أبيه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أبوه عبد الله، وأبو طالب، وأحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم أمهم من بني مخزوم، فاطمة بنت عمرو بن مخزوم المخزومية رضي الله تعالى عنها، وأم حمزة وصفية من بني زهرة. وأما أبو سفيان بن الحارث فأم أبيه اسمها صفية أو سمية وهي من قبيلة أخرى.

فعند ذلك قال حسان بن ثابت: ألا أبلغ أبا سفيان أن محمدا، هو الغصن ذو الأفنان إلى الواحد الفرد. وأن سنام المجد من آل هاشم، بنو بنت مخزوم، ووالدك العبد. ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام، ولم يقرب عجائزك المجد. وأن امرأ كانت سمية أمه، وسمراء مغلوب إذا بلغ الجهد. فلما بلغت هذه الأبيات أبا سفيان بن الحارث، قال: هذه أبيات لم يغب عنها ابن أبي قحافة. يقصد أبا بكر الصديق، يعني هذا لا يمكن أن يطلع على هذه التفاصيل إلا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لمعرفته بالنسب.

ومرة قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة لعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك: «اهجوا قريشًا»، فهجاه عبد الله بن رواحة فلم يقنع النبي بذلك، فقال لكعب فلم يكتفِ النبي بذلك، فقال لحسان، وهذا في صحيح مسلم، فجاء حسان وقال: قد آن لكم أن تبعثوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، وأخرج لسانه واندفع ينشد رضي الله تعالى عنه همزيته المشهورة والتي مطلعها: عفت ذات الأصابع فالجواء، إلى عذراء منزلها خلاء. ديار من بني الحسحاس قفر، تعفيها الروامس والسماء. إلى أن قال رضي الله تعالى عنه: عدمنا خيلنا إن لم تروها، تثير النقع موعدها كداء. يبارين الأسنة مصعدات، على أكتافها الأسل الظماء. الأسل والرماح، والظماء يعني العطاش، الخيل يبارين الأسنة يعني يسبقن الأسنة وهي الرماح، يبارين الأسنة مصعدات، على أكتافها الأسل الظماء. فإما تعرضوا عنا اعتمرنا، وكان الفتح وانكشف الغطاء. وإلا فاصبروا لجلاد يوم، يعز الله فيه من يشاء. وجبريل أمين الله فينا، وروح القدس ليس له كفاء. إلى أن قال: لنا في كل يوم من معد، سباب أو قتال أو هجاء. فنفصل بالقوافي من هجانا، ونضرب حين تختلط الدماء. ألا أبلغ أبا سفيان عني، مغلغلة فقد برح الخفاء. بأن سيوفنا تركتك عبدًا، وعبد الدار سادتها الإماء. هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء. أتهجوه ولست له بكفئ، فشركما لخيركما الفداء. هجوت مباركًا حنيفًا، أمين الله شيمته الوفاء. أمن يهجو رسول الله منكم، وينصره ويمدحه سواء. وإن أبي ووالده وعرضي، لعرض محمد منكم وقاء. لساني صارم لا عيب فيه، وبحري لا تكدره الدلاء.

رضي الله تعالى عن حسان. لما قال حسان: «هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «جزاؤك عند الله الجنة يا حسان». ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: والله إني لأرجو لحسان الجنة من أبيات قالها في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ثلاثة أبيات: هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء. أتهجوه ولست له بكفئ، فشركما لخيركما الفداء. وإن أبي ووالده وعرضي، لعرض محمد منكم وقاء. فهذا من الأدلة العظيمة على جواز الشعر، وأنه بل إنه مستحب وقد يكون واجبًا، كما سيأتينا إن شاء الله. نقف هنا ونستأنف بعد قليل بإذن الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام من جديد. كنا وقفنا عند قصيدة حسان بن ثابت الهمزية التي هجا بها قريشًا وهجا بها بالخصوص أبا سفيان بن الحارث، وأبدع فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في نهايتها: «فهجا حسان فشفى واشتفى»، كما في صحيح مسلم. وهذا كله يدل على جواز الشعر، بل وعلى استحبابه في مثل هذا المجال. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث كعب بن مالك، وهو الشاعر الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، شعراء النبي كما ذكرت ثلاثة: عبد الله بن رواحة وقد استشهد رضي الله عنه في مؤتة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما قال له: «فثبت الله ما آتاك من حسن، تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت، فثبت الله يا عبد الله بن رواحة». والثاني حسان بن ثابت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم له عندما قال: «هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء»، قال النبي صلى الله عليه وسلم له: «جزاؤك الجنة يا حسان». وثالث الشعراء كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو ممن شهد العقبة رضي الله تعالى عنه، وشهد بقية المشاهد إلا تبوك، ويأتينا خبره في تخلفه عن تبوك إن شاء الله.

كعب بن مالك صح عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إنك قد علمت ما أنزل الله في الشعراء والشعر، فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بنفسه ولسانه». فدل ذلك على أن الشعر مجال للمجاهد، وأنه مما يستحب في بعض المواطن، كما أنه يكره ويحرم في مواطن.

وهذا الرجل الذي هو الشاعر كعب بن مالك، شاعر رسول الله الثالث، بسبب قصيدة له أسلمت قبيلة كاملة، وهي أبيات يقول فيها: قضينا من تهامة كل ريب، وخيبر ثم أجمنا السيوف نخيّر. ولو نطقت لقالت قواطع، دوسًا أو ثقيفًا. يعني أرحنا السيوف ثم قال نخير السيوف، ولو نطقت لقالت قواطع يعني المجال الآخر الذي تقطع فيه، دوسًا أو ثقيفًا. يعني بعد هذه المعركة التي قضيناها سنذهب إلى دوس أو إلى ثقيف. نخير، ولو نطقت لقالت قواطع دوسًا أو ثقيفًا. فلستُ لِحاظ إن لم تروها، بساحة داركم منا الوفا. فلست لامرأة حرة إن لم تروها بساحة داركم منا الوفا. فبسبب قوله قواطع دوسًا أو ثقيفًا أسلم دوس، هكذا قال بعض أهل العلم.

وله قصيدة أيضًا يرد فيها على ابن الزبعرى، فيها للمسلمين، وهجا النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه حسان بن ثابت ورد عليه كعب بن مالك. ومن قصيدة كعب بن مالك في رده أنه يقول: ومواعظ من ربنا نهدى بها، بلسان أزهر طيب الأثواب. عرضت علينا فاجتهدي ذكرها، من بعد ما عرضت على الأحزاب. حكمًا يراها المجرمون بزعمهم حرجًا، ويفهمها ذوو الألباب. جاءت سخينة كي تغالب ربها، فليغلبن مغالب.

سخينة هذا البيت جاءت سخينة كي تغالب ربها، فلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ. سخينة هي قريش، يقول جاءت سخينة التي هي قريش، سُمِّيت سخينة لأنها كانت تأكل الطعام ساخناً، فسميت سخينة. قال جاءت سخينة كي تغالب ربها، فلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ. قال النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا البيت: «لقد شكر الله لك يا كعب بن مالك بيتاً قلته»، وفي رواية: «ما نسي الله لك بيتاً قلته»، وما كان ربك نسياً. فقال كعب بن مالك: وما هو يا رسول الله؟ فقال: «أنشده يا أبا بكر»، فقال: قولك: جاءت سخينة كي تغالب ربها، فلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ.

والأخبار في هذا كثيرة، من ذلك النابغة الجعدي رضي الله تعالى عنه، وهو غير النابغة الذبياني، لكنه أدركه ولقيه، فالنابغة الذبياني من أهل المعلقات، والنابغة الجعدي من الشعراء المطبوعين أيضاً، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً، ثم قال في قصيدة له: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى، ويتلو كتاباً كالمجيد منيراً. إلى أن قال: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا. بلغنا السماء مجدنا وجدودنا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا، يعني فوق السماء مظهرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى أين يا أبا ليلى؟» فقال: إلى الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم إن شاء الله». فلما قال إلى الجنة، فقال له النبي: نعم إن شاء الله. وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم له، وتبشير له بالجنة لأجل هذه الكلمة التي قالها، وسببه الشعر.

وعندما قال: ولا خير في حلم إذا لم يكن له، بوادر تحمي صفوه أن يكدرا. ولا خير في جهل إذا لم يكن له، حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا. هذه في الأبيات يقولها في آخرها: ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا، يعني الحلم لا بد أن يكون هناك جهل معه تحمي صفوه من التكدير، وهو الغضب. عند هذين البيتين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك» أو «لا فض الله فاك». قال المسلمون: فكان هذا الرجل من أحسن المسلمين ثغراً، ما سقطت له سن ولا تلفت إلى أن مات رضي الله تعالى عنه ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك أيضاً قصة كعب بن زهير الذي أبوه زهير بن أبي سلمى صاحب المعلقة المشهورة. كعب بن زهير كان مشركاً، وأسلم أخوه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبياتاً يذم فيها أخاه، وأنه اتبع ديناً لا أب عليه ولا أم، وهجا النبي أو قال في النبي كلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب وأمر بقتله أو أهدر دمه. فعندما فُتِحَت مكة خرج وهرب مع من فر من الناس، فأرسل له أخوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل من جاءه مسلماً مستأمناً، وحرضه على المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فجاء كعب بن زهير ودخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن النبي يعرفه، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصافحه، وذكر هذه المصافحة في قصيدته الشهيرة. فلما صافح النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن كعب بن زهير أرسلني يستأمن لنفسه، أتريد أن كعب بن زهير يريد الأمان لنفسه، ويريد أن يأتي مسلماً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أمنته». فقال: فأنا كعب بن زهير، ثم قال قصيدته الشهيرة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم "بانت سعاد" ومطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم إثرها لم يُفْدَ مكبول. إلى أن قال: نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي، وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ. مَهْلاً هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ. لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ، أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ. إلى أن قال: إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ، مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ.

فعند ذلك التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهو يشير إليهم، ويعجبهم من هذا القول من جزالة هذا الشعر وقوته. وذكر غير واحد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين انتهى من هذه القصيدة خلع بُردته عليه، وقيل إنه عندما سمع هذا البيت: إن الرسول لنور يستضاء به، مهند من سيوف الله مسلول، خلع النبي بردته عليه وجعلها على كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه. ويقول العلماء إن هذه البردة بقيت مع كعب بن زهير إلى أن مات، وحاول معاوية رضي الله تعالى عنه أن يشتريها بعشرة آلاف مثقال فأبى، وقال: والله ما أوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً. فلما مات اشتراها معاوية رضي الله تعالى عنه من ورثة كعب بن زهير بعشرين ألف مثقال، وبقيت مع معاوية ومع الخلفاء بعده يخطبون بها، إلى أن فُقِدَت في زمن التتار كما قال غير واحد من أهل العلم.

هذا كله يبين لنا أهمية هذا الشعر، وأنه مباح في الأصل، وأنه قد يكون مستحباً، بل قد يكون واجباً كما سيأتي. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، وأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].