دخولتسجيل الدخول

الحلقة 21

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فما زلنا في هذه الحلقة سنتكلم أو نكمل كلامنا حول الشعر وحكمه. كنا ذكرنا في الحلقة الماضية بعض الأدلة على جواز الشعر وأنه في الأصل مباح، وذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له شعراء ثلاثة، وأنه مدح شعرهم؛ فقال لحسان: «جزاؤك الجنة»، وقال لكعب: «شكر الله لك بيتا قلته»، وقال لعبد الله بن رواحة: «فثبت اللهم فثبت عبد الله بن رواحة»، ومدح شعر النابغة الجعدي.

وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة»، وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن الشعر مباح، لكنه قد يكون حراماً وقد يكون مكروهاً. كما أن الإكثار من الشعر مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وروي من عدة طرق: «لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً يريه خيراً له من أن يمتلئ شعراً». طبعاً هذا الحديث ظاهره كأنه تحريم للشعر أو كراهة له كراهة شديدة، لكن كان المقصود من هذا الحديث امتلاؤه قيحاً، و«يريه» بمعنى يصيب رئته، خير له من أن يمتلئ شعراً.

العلماء حملوا هذا الحديث على أنه محمول على الإكثار من الشعر، والإكثار من الشعر الباطل والكذب أو المجون ونحو ذلك. ولذلك بوب عليه البخاري رحمه الله عليه: "باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله وعن العلم والقرآن". فكان البخاري يقول إن هذا الحديث محمول على إذا كان الغالب على الإنسان الشعر الذي يصده عن ذكر الله ويصده عن العلم ويصده عن القرآن.

أما قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]، هذه الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي له، وهي شبيهة بالآية الأخرى التي يقول الله تبارك وتعالى فيها: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]. فالنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن الكتابة كما أنه منزه عن الشعر، مع أنه صلى الله عليه وسلم يحض على الكتابة، والقرآن يحض على الكتابة والقراءة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]، وقال تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4].

وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقال في حقه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾، نزهه الله عن هذين الأمرين لئلا يختلط على الناس، ولتكون الحجة دامغة على المشركين أن هذا الرجل لم يكن يعرف الشعر وما هو بشاعر، ولم يكن يعرف الكتابة؛ فلم يقرأ كتباً منزلة في السابق ولم يتعلم من أحد، ومع ذلك جاء بهذا القرآن المعجز. ولذلك كان الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة يقولون: والله نحن أعلم بالشعر منكم وما هو بشاعر، وكان يقول عن القرآن: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أوله لمثمر، وإن آخره لمغدق، وأنه ليعلو ولا يعلى عليه، وأنه ليس من الشعر. فرب العالمين نزه نبيه عن الشعر ليكون الحجة والإعجاز القرآني أبلغ على المشركين وعلى الناس أجمعين.

هذا معنى هذه الآية، ولا تقتضي أن الشعر حرام؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد استثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: 227]. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح الشعر في مواطن، كما أن الشعر يعتبر هو الإعلام في ذلك العصر وفي هذا العصر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إن قولكم عليهم أشد من رشق بالنبل». ومع ذلك الإكثار من الشعر مكروه؛ لا ينبغي للمسلم أن يكون ديدنه الشعر.

ولذلك نجد بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الشعراء، أي من فحول الشعراء، كلبيد بن ربيعة قد اعتزل الشعر بعد إسلامه ولم يقل في الإسلام شيئاً من الشعر، وقيل إنه قال بيتاً واحداً. لبيد بن ربيعة كان من فحول الشعراء الكبار، لما قال له عمر بن الخطاب: أنشدنا يا لبيد من شعرك، فقال: يا أمير المؤمنين قد أبدلني الله خيراً من ذلك؛ البقرة وآل عمران. فعند ذلك فرض له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خمسمائة زيادة على فرضه السابق، كان عطاؤه الألف فزاده خمسمائة، رضي الله تعالى عن عمر بن الخطاب وعن لبيد بن ربيعة.

ولذلك ذكر غير واحد من أهل العلم أن لبيد بن ربيعة عنده نذر كان نذره في الجاهلية؛ إذا هبت ريح الصبا أن ينحر الجزور الذي عنده أو أن ينحر جزوراً للناس، فهبت ريح الصبا وهو كان في الكوفة، وكان مفلساً فقيراً ليس عنده شيء. فخطب الوليد بن عقبة بن أبي معيط -وكان على الكوفة لعثمان بن عفان، والوليد بن عقبة هو أخو عثمان لأمه أروى رضي الله تعالى عن الجميع- وقال: أيها الناس، لقد علمتم نذر أبي عقيل، فأعينوا أخاكم على مروءته. يعني هبت ريح الصبا وهو يحتاج من يعينه على مروءته وهو أن ينحر الجزور، ثم نزل وبعث إليه بمئة ناقة، وبعث الناس إليه، فعندما وصلت إليه نحر.

وكان قد أرسل الوليد بن عقبة بن أبي معيط أبياتاً إلى لبيد بن ربيعة مع هذه النوق التي أرسلها يقول فيها: أرى الجزار يشحذ شفرته إذا هبت رياح أبي عقيل أشم الأنف في أُصيد عامري طويل الباع كالصيف الصقيل وفى ابن الجعفري بما نواه على العلات والمال القليل

فعند ذلك قال لبيد بن ربيعة لابنته: يا بنية، إنك تعلمين أني لم أكن أعيا بجواب شاعر ولكني قد تركت الشعر، فأجيبي الوليد بن عقبة بن أبي معيط. فأجابته ابنته بقولها: إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليدا أشم أُصيد عبشمي أعان على مروءته وليدا بأمثال الهضاب كأن ركباً عليها من بني حام قعوداً أبا وهب جزاك الله خيراً نحرنا وأطعمنا الوفودا فعد إن الكريم له معاد وظني ابن أروى أن تعودا

ثم عرضت هذه الأبيات على أبيها فقال: أحسنت وأجودت، لولا أنك استزدت! فقالت: إنما استزدته لأنه أمير، ولو كان سوقة ما طلبته. فهكذا الشعر لا بد من التوسط فيه؛ هو كلام حسن، حسنه حسن وقبيحه قبيح، كما قال الشافعي رحمه الله: الشعر حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام إلا أنه كلام سائر؛ يعني هو سائر بمعنى أنه يحفظ بخلاف الكلام العادي، ولذلك المنثور من الأدب الجميل يقال إنه لم يحفظ منه إلا عشره، بينما الأدب المنظوم وهو الشعر حفظ كله إلا عشره. ولذلك كان المنظوم أعلق بالذهن.

الشعر قد يكون واجباً فرضاً؛ متى يكون فرضاً؟ كما قال جمهور أهل العلم، يجب تعلم شعر المخضرمين والجاهليين والإسلاميين رواية ودراية؛ لأنه يتوقف على معرفة القرآن وتفسيره وكثير من معاني السنة، ويتوقف على قواعد اللغة العربية. لولا معرفة الناس بالشعر والأدب لما ضبطت قواعد اللغة العربية. فهذا كله يدل على أن الشعر قد يكون واجباً فرض كفاية، إذا قام به جزء من المسلمين سقط عن بقيتهم. قد يكون مستحباً إذا كان في منافحة عن المسلمين وكان فيه الوعظ والتبشير وكان فيه الترغيب في الآخرة. وقد يكون مباحاً وهذا هو الأصل. وقد يكون مكروهاً إذا كان مكثراً منه بلا حاجة أو كان في بعض الوصف السيئ. وقد يكون حراماً إذا كان فيه ما يشتمل على الحرام، كمدح الخمر والكلام الفاحش البذيء والتشبيه بالنساء غير الحلائل أو التشبيه بالحلال؛ لا يجوز إظهار ما أمر الله بإخفائه منهن. وغير ذلك، كل ذلك يدلنا على أن الشعر يجب التوسط فيه، لا نقول إنه حرام إلا إذا اشتمل على حرام، ومكروه إذا اشتمل على المكروه، ومباح وهذا الأصل، وقد يكون مستحباً إذا اشتمل على مستحب، وقد يكون واجباً إذا كان به حفظ الكتاب والسنة وقواعد اللغة العربية.

نتوقف هنا ثم نعود بعد قليل إن شاء الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

مرحباً بكم من جديد أيها المشاهدون الكرام. كنا قد وقفنا عند خلاصة الأمر في الحكم في الشعر، وأنه مباح في الأصل، وأنه قد يكون حراماً وقد يكون حلالاً، وقد يكون واجباً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مستحباً. ومثلنا على الواجب أو فرض الكفاية بأنه ما يتعلم به تفسير كتاب الله وتفسير سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلم به قواعد اللغة العربية. هذا يكون فرض كفاية على المسلمين، وقد كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه -وصح عنه ذلك- يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: رأيت ابن عباس يسأل في القرآن فينشد الشعر لذلك، يسأل عن عربية القرآن، يعني عن الغريب، فيذكر أبياتاً من الشعر يستشهد بها على ذلك الغريب.

ومن الطرائف التي وقعت لابن عباس مسائل ابن الأزرق؛ ابن الأزرق كان رئيس الخوارج في زمنه، بعد ذلك كان يتعلم عند ابن عباس ثم أصبح رئيس فرقة من تسمى الأزارقة. وكان حاد الطبع، كان يأتي ابن عباس ويسأله ويكثر الأسئلة من متشابه القرآن، ويأتي بآية ويأتي بما يعارضها في القرآن ويسأل ابن عباس وكان ذكياً. ثم إن ابن عباس يوماً من الأيام تبرم به وضجر وأظهر الضجر وأعرض عنهم، ورأى غلاماً من قريش وهو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة -أبوه الذي كان ذكرنا أنه كان مع عمرو بن العاص لما ذهبوا إلى النجاشي- هذا عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة شاعر من شعراء قريش وكان غلاماً. فلما رآه ابن عباس قال: يا عمر بن أبي ربيعة، ألا تنشدنا من شعرك؟ فقال: نعم، ثم اندفع يقول قصيدته الرائية التي مطلعها: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر

إلى أن قال: لأن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد، والإنسان قد يتغير رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخسر

إلى أن أتم القصيدة وهي قرابة الثمانين بيتاً. فبعد ذلك قال ابن الأزرق: ويحل لك يا ابن عباس نأتيك، نضرب إليك أكباد الإبل، نسألك عن كلام الله وكلام رسوله وعن الدين، وتعرض عنا وتقبل وتسمع سفهاً في حرم الله؟! فقال: والله ما سمعت سفهاً! يقول ابن عباس: قال ما سمعته يقول: "رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخسر"، هو سمعها فيخا وسمعها فيخسر، قال ما قال ذلك. قال: وماذا قال؟ قال: يقول: "رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخسر"، يعني بالصاد، يبرد. وقال: أتحفظ؟ قال: والله ما سمعتها إلا الساعة، وإن شئت أن أردها عليك لرددتها. فقال: نعم، ردها أو قلها. فعادها ابن عباس رضي الله عنه كاملة، فتعجب الناس من حفظه رضي الله تعالى عنهم.

ثم بعد فترة من الزمن جاءه ابن الأزرق يسأله عن أشياء في كتاب الله، فمما سأله عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾ [طه: 118-119]، ما معنى ولا تضحى؟ لأن الجنة ليس فيها شمس حتى يذهب إلى ضحاها الإنسان. فقال: أي لا تعرق. طبعاً العرق المقصود العرق الذي من حر الشمس، وليس العرق الذي هو كالمسك؛ فإن هذا ليس عرقاً، وإنما ما أكله الإنسان يخرج كريح المسك ويخرج مسكاً ليس على هيئة العرق، وأما العرق المعتاد في الدنيا فإن المسلم في الجنة أو أهل الجنة لا يعرقون، ولذلك قال ابن عباس: معناها لا تعرق من شدة حر الشمس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول عمر بن أبي ربيعة؟ يقصد الذي أنشده بالأمس: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخسر

ثم سأله عن أشياء كثيرة جداً، يعني من ضمنها أنه سأله عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13] ما معناه؟ فقال له ابن عباس: يعني رحمة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول طرفة بن العبد: «أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض»؟ ثم سأله: أفلم ييأس عن قول الله تبارك وتعالى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]؟ ما معناها؟ فقال ابن عباس: معناها أفلم يعلم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول مالك بن عوف: "لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه، وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً"؟ يعني: لقد علم الأقوام أني أنا ابنه.

ثم سأله عن أشياء من ضمنها أنه قال: ما معنى لشوباً من حميم؟ ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾، ثم بعد ذلك لهم شوب من حميم؟ فقال ابن عباس: معناه الخلط، يخلط هذا ما يأكلونه بالحميم. فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت: "تلك المكارم لا قعبان من لبن، شيبا بماء فعاد بعد أبوالاً"؟

ثم سأله عن شيء آخر وهو قول الله تبارك وتعالى ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، ما معنى جماً؟ فقال: أي حباً كثيراً. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت: "إن تغفر اللهم تغفر جماً، وأي عبد لك لا ألماً"، يعني غفراناً كثيراً. هكذا كان ابن عباس يستشهد بالشعر على معاني كتاب الله سبحانه وتعالى، وكان يحفظ من الشعر الشيء الكثير، وكانت عائشة تحفظ من الشعر شيئاً كثيراً، حتى قيل إنها تحفظ للبيد بن أبي ربيعة اثني عشر ألف بيت رضي الله تعالى عن الجميع.

مع ذلك، ومع أننا قلنا إن الشعر قد يكون منه واجب، وقد يكون منه ما هو مستحب، وقد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً؛ الحرام مثلنا عليه بوصف الخمور ووصف المجون والفحش. ومع ذلك، فالعلماء مطبقون على أن من شبب بامرأة ليست حليلة له أن ذلك لا يجوز له، ولا يجوز ذكر الخمر والفرح بها وإظهار السرور بشربها. ومع ذلك قد وقع بعض الصحابة في مثل هذا، وقد يحتج به بعض الناس على جوازه، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين ذكروا ذلك في أشعارهم هناك أعذار لهم؛ منهم من كان ما زال قريباً من الكفر من الجاهلية، ومنهم من ذكرها في الجاهلية وبقيت في شعره.

فممن ذكر الخمر النعمان بن عدي بن نضلة العدوي من قبيلة عمر بن الخطاب؛ هذا الرجل أبوه عدي بن نضلة هاجر هو وابنه النعمان إلى الحبشة ومات أبوه في الحبشة، وكان أبوه أول موروث في الإسلام. لما رجع النعمان وتولى عمر بن الخطاب الخلافة، ولى النعمان بن عدي على ميسان من أرض البصرة، فأراد النعمان بن عدي من امرأته أن تذهب معه وتصاحبه فأبت عليه، فقال أبياتاً يستحث ويثير فيها الغيرة، يقول فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان يسقى من زجاج وحنتم وهذا هو الخمر؛ هذه الأوعية أوعية الخمر، ثم قال في نهايتها: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين قال: والله إنه ليسوءني، ثم كتب إليه كتاباً ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 1-3]، لقد بلغني ما فعلت وإنه ليسوءني وإني قد عزلتك. فلما جاء النعمان قال له: يا أمير المؤمنين والله ما شربتها قط، وإنما ذلك شيء طفح على لسانه. فقال: نعم، هذا الظن بك، ولكن والله لا تلي لي عملاً بعد قولك ما قلت. وهذا يدل على أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنكر عليه ما قاله وعزله من الولاية.

وهكذا عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، لم يكن له شأن إلا عمر بن أبي ربيعة الذي قال القصيدة أمام ابن عباس، لأنه بعد ذلك أصبح يقول شعراً ماجناً وفيه شيء من القبح في المشاعر، وهذا الذي انتقده عليه عمر بن عبد العزيز: فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليالي الحج أهلتنا ذا هوى وكم مالئ عينيه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدماء فقال له عمر بن عبد العزيز لما أمسك به: والله لو انشغلت بحج ما نظرت عينك إلى شيء غيره. ثم أراد أن ينفيه فقال: يا أمير المؤمنين أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أعلن توبتي لله سبحانه وتعالى. قال: نعم. فعاهد الله وتاب. وهذا يدل على أن الخلفاء والصحابة والفقهاء الأربعة وغيرهم من أئمة الإسلام كانوا يقولون إن الشعر الغزل الذي فيه مجون، أو فيه تشبيب بامرأة معينة، أو فيه ذكر للخمر والفحش، أن كل ذلك لا يجوز وأنه حرام؛ هذا متفقون عليه مع بعض التفاصيل الدقيقة.

هذا هو ملخص الكلام في الشعر، ونختم هذه الحلقة بأبيات لابن الونان في منظومة عجيبة في مائتين وسبعين بيتاً، يقول في مطلعها: مهلاً على رسلك حادٍ ينقي ولا تكلفها بما لم تطق فطالما كلفتها وسقتها سوقة من حالها لم يشفق إلى أن قال -وهو ما يخصنا في هذه الحلقة- يتكلم عن الشعر يقول: واعن بقول الشعر فالشعر كمال للفتى إن به لم يرتزق والشعر للمجد نجاد سيفه وللعلى كالعقد فوق العنق فقلّه غير مكثر منه ولا تعب بقول جاهل أو أحمق وإن تكن منه عقيم فكرة فعن بجمع شمله المفترق ما عابه إلا عييّ مفحم لعرفه الذكي لم يستنشق كم حاجة يسرها وكم قضى بفك عان وأسير موثق وكم حديث جاءنا بفضله عن الذي عن الهوى لم ينطق فقد حبى كعباً غداة مدحه ببردة ومئة من إبل نقي وقد حبى الجعدي وابن ثابت بجنة جزاء شعر عن قي لو لم يكن للشعر عند من مضى فضل على الكعبة لم يعلق لو لم يكن فيه بيان آية ما فسرت مسائل ابن الأزرق ما الشعر إلا كالكتابة وما فضلهما إلا كشمس الأفق وإنما نزه عنه النبي ليدرك الإعجاز بالتحقق

هذا الذي قاله في هذه المنظومة قد ذكرنا غالبه وأكثر منه. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].