﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وسنتكلم فيها بإذن الله عن فتح مكة، أو فتح الفتوح، أو الفتح الأعظم. هذا الفتح الذي هو أعظم الفتوح في الإسلام؛ وذلك لأنه بعد هذا الفتح أسلم الناس جميعا، أو أسلمت جزيرة العرب. والسبب في ذلك أن العرب كانوا ينتظرون ما يحصل لمكة، لأنهم يعلمون قيمة مكة عند ربها سبحانه وتعالى، بيت الله الذي حماه الله من الفيل ومن أبرهة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1-5].
فكان العرب يقولون: إن مُكِّن محمد صلى الله عليه وسلم من مكة ودخلها وفتحها، فهذه علامة ليس بعدها علامة أنه رسول الله وأنه نبي الله، فكانوا ينتظرون ما يحصل لمكة ولأهلها قريش. فعندما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، أسلم الناس ودخل الناس كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [الناصر: 2]. وأصبحت السنة التي تليها، النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة في السنة الثامنة، والسنة التي تليها وهي السنة التاسعة سميت سنة الوفود، يعني جاءت وفود العرب من كل حدب وصوب يعلنون إسلامهم ويبايعون النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الفتح الأعظم أو فتح مكة كان له سبب؛ النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم قد تعاهد أو تعاقد مع قريش وتصالح معهم في صلح الحديبية على أن يكفوا عن القتال عشر سنين. وصلح الحديبية كان في السنة السادسة، ثم تفرغ النبي صلى الله عليه وسلم لخيبر كما ذكرت، وتفرغ لمكاتبة الملوك في هذه المدة، لكن قريشا نقضت العهد أو هذا الصلح الذي تعاهدوا به، فكان سببا لفتح مكة.
وكان نقضهم للعهد قد جاء بطريقة معينة، وهي أنه كان في صلح الحديبية من ضمن الشروط التي دونت: أن من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل فيه من العرب، ومن أراد من العربي أن يدخل في حلف قريش دخل فيه. فدخلت بنو بكر في حلف قريش، ودخلت بنو خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو خزاعة -كما قال غير واحد من أهل العلم- عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشاهد أن بني بكر وبني خزاعة كان بينهم قبل الإسلام مثارات وقتال وحروب، فلما جاء الإسلام انشغل الناس بالإسلام وتحجزوا حتى وقع صلح الحديبية وهم يشاهدون ما حصل بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وفي غزوة أحد وفي الخندق، وهناك مداولات وهناك معارك، فكان الناس ينتظرون ما يحصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش. فلما دخلت بنو بكر في حلف قريش ودخلت بنو خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، عند ذلك انتهز بنو بكر -أو جماعة من بني بكر وهم بنو نفاثة- الفرصة، فقالوا: إن لم ندرك ثأرنا في هذا الوقت لا ندركه.
فغارت بنو نفاثة وسيدهم نوفل الديلي على أناس من بني خزاعة وهم على ماء يقال له الوتير، فقتلوا منهم وكان قريبا من الحرم، فتقاتل الفريقان حتى دخلت بنو خزاعة الحرم. فقال بعض بني بكر لقائدهم: هذا نوفل! قالوا له: الحرم الحرم! قال كلمة عظيمة: «لا إله اليوم»، أو «لا إله اليوم أدركوا ثأركم». فعند ذلك ساعدتهم قريش، قاتل مع بني بكر أناس خفية منهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وجماعة من قريش، وأمدوا بني بكر بالسلاح، وهذا كله خفية.
عندما انتهت المعركة، خرج عمرو بن سالم الخزاعي -سيد من سادات بني خزاعة- وكذلك بديل بن ورقة وغير واحد من بني خزاعة في أربعين رجلا وقصدوا المدينة. فلما جاؤوا المدينة، قام عمرو بن سالم وقال أبياتا يقول فيها:
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الاتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثم متى أسلمنا ولم ننزع يدا إن قريش أخلفوا كالموعدا ... ونقض ميثاقك المؤكدا وباتوا بالوتير هجدا ... وقت تلون ركعا وسجدا وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا فانصر هداك الله نصرا أيدا ... وادعوا عباد الله يأتوا مددا في فيلق كالبحر يجري بدا ... فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل السيف يسمو صعدا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع هذه الأبيات: «نصرت يا عمرو بن سالم، لا نصرني الله إن لم أنصرك بما أنصر به نفسي». ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم سحابة، وقال: «إن هذه السحابة لتتهلل بنصر بني كعب» يعني خزاعة. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله: «ثم إلى الفتح الخزاعي، ذكر الخزاعي الذي هو عمرو بن سالم الخزاعي، ثم إلى الفتح الخزاعي ذكر عشرة آلاف فعز وانتصر، وهو الذي تهللت لنصره سحابة، ومن بليغ شعره: يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الاتلدا».
طبعا الخزاعي الذي هو عمرو بن سالم يشير بحلف أبيه الاتلدا إلى حلف كان بين بني خزاعة وبين عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان هذا الحلف سببه أن عبد المطلب كما هو معلوم ابن هاشم، وأخواله من بني النجار، أمه سلمى بنت عمرو النجارية، تزوجها هاشم أبوه وهي من الأنصار أو من بني النجار، وهو ذاهب إلى الشام، فشرط عليه والدها ألا تضع إلا عند أهلها، إذا حملت وثقلت تأتي بها إلى أهلها. فتزوجها هاشم، ثم لما حملت بعبد المطلب جاء بها وتركها عند أهلها وذهب إلى الشام وتوفي في غزة، وولد الولد الذي هو عبد المطلب وكان يسمى شيبة لشيبة كان في رأسه.
وبعد أن بلغ سبع سنين، كان ينتظر ويترا مع أناس من بني النجار ويقول: أنا ابن هاشم إذا رأى السهم يخز الرم، فراه رجل من بني الحارث بن عبد مناة وهو مجتاز فعرفه، فلما جاء إلى مكة جاء إلى المطلب الذي هو أخو هاشم وقال: يا مطلب إني رأيت ابن أخيك في يثرب.
يقول كيت وكيت، ووالله ليس له مترك، فقال المطلب: «والله لا أرجع إلى بيتي حتى آتي به». فأعطاه الحارثي راحلته فذهب إلى المدينة فوجده، وقال له: «إني عمك»، وتعارفا، ثم قال: «أريد أن أذهب بك إلى مكة». فقال أناس حول عبد المطلب: «إن استأذنت أمه قد تكلمنا، فنحن حجز بينك وبينه، فإن أردت ابن أخيك فاذهب به الساعة»، فحثه على الذهاب مع فارد، فذهب به إلى مكة.
وكان يسمى شيبة، فلما دخل مكة قال الناس: «من هذا الذي معك؟»، فيقول لهم: «عبد لي، عبد لي»، فسمي عبد المطلب. الشاهد أن عبد المطلب عاش في مكة، وأعطاه المطلب عمه أراضي من أراضي والده هشام، ثم مات المطلب، فلما مات عادى نوفل وهو عمه الآخر، لأن أعمامه ثلاثة: نوفل، والمطلب، وعبد شمس، وأبوه هاشم. ولما مات المطلب وهو الحامي له، عادى نوفل على بعض أركاح له أو أراضي وأخذها، فحاول أن يردها عليه فأبى.
فكلم قريشا، فقالت: «لا ندخل بين الرجل وبين عمه، أو لا ندخل بين الرجل وابن أخيه»، فقال: «لا، إن لم تدخلوا الآن فلا تدخلوا بعد حين»، قالوا: «نعم»، فأرسل إلى أخواله بني النجار قصيدة يقول فيها:
يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي .. هل من رسول إلى النجار أخوالي؟ ينبي عديا ودينارا .. وما زنها ومالكا عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم وما أخشى ظلام ذي ظلم عزيزا منيعا ناعم البالي حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني لذاك مطلب عمي بترح حالي
إلى أن قال: «فغاب مطلب في قعر مظلمة، ثم انبرى نوفل يعدو على مالي، فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم، لا تخذلوهم فما أنتم بخاذلي، أنتم ليان لمن لانت عريكته، وسمام الإبل..» إلخ. يعني لينون لمن لانت عريكته، وسمام يعني سم، جمع سم، وسمام الإبل يعني المتكبر الغالي في تكبرها أو العالي المتكبر.
عند ذلك جاء ما يقرب من ثمانين راكبا من بني النجار، وأناخوا بفناء الكعبة، ثم جاؤوا إلى نوفل، وسل أحدهم سيفه وقال: «رد على ابن أخي أو رد على ابن أختنا أركاحا، وإلا ألجمت السيف هذا فيك أو ضربتك بهذا السيف»، فردها عليه. عند ذلك فثم مدحهم بأبيات المطلب.
عبد المطلب بنو خزاعة كانوا مجاورين للحرم، وعبد مناف الذي هو جد عبد المطلب أمه من بني خزاعة، فقالوا: «والله نحن أولى بنصر عبد المطلب أو بنصرته من أهل يثرب، ونحن مجاورون للحرم، وهذا الرجل ما رأينا أجمل منه منظرا ولا أطيب منه خلقا، وإن تحالفنا معه ونصرتنا له لكسب لنا»، أو نحو هذا الكلام. فجاؤوا إليه وقالوا: «نحن مجاورو الحرم وجدك ابن بنتنا»، وذكروا له شيئا من هذا الكلام، «ونحن نريد حلفك، ننصر وتنصر»، فرحب بهم؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت إلا ولد واحد، ولم تكن عشيرته كثيرة، فتعاقد حلفا وكتبوا كتابا بينهم، يترون بنو خزاعة وعبد المطلب ومن تبعه من أولاده وعشيرته كتبوا حلفا بينهم حلفا لطول الأمد إلى الأبد؛ يزداد إشراق الشمس شدة، ويزيد ظلام الليل مدا، الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب، يترون دون سائر بني كنانة. يعني عقدا كتبوه بينهم وتثق عليه، وصار عبد المطلب يوصي أولاده بهذا الحلف.
فهذا الحلف هو الذي يذكر به عمرو بن سالم رسول الله: «يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه، ألا تلد قد كنتم ولدا وكنا والدا، يقصد أن عبد مناف أمه من خزاعة، قد كنتم ولدا وكنا والدا، فانصر ذاك الله نصرا أيدا، وادعو عباد الله يأتوا مددا».
نتوقف هنا إن شاء الله، ثم نستأنف بعد قليل. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبا بكم من جديد، كنا وقفنا عند تذكير عمرو بن سالم رسول الله بحلفه وحلف أبيه، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم»، ثم قال له: «من تهمت؟» يعني هل كل قريش؟ هل كل بني بكر؟ فقال: «بنو نفثة»، وأعانهم أناس من قريش. فالنبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أرسل أحد أصحابه ضمرة إلى قريش وخيرهم في ثلاث، يعني أراد أن يبلغ فيهم العذر، وقال: «إني مخير بين ثلاث: إما أن تتبروا من حلف في بني نفثة بمعنى أن يسلموه ويعدو عليهم المسلمون فيأخذون حقهم منهم، وإما أن تردوا القتلى، وإما أن ينبذ النبي أو ننبذ على سواء»، يعني يستعدون للقتال.
فلما جاء ضمرة إلى قريش وأخبرهم بهذا، فقالوا: «لا ندي ولا نبرا، ولكن ننبذ على سواء»، يقوله أحدهم، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. بنو خزاعة لما جاؤوا الأربعين رجلا، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى أهليكم وتفرقوا»، يعني لا تكونون معا حتى لا تعلم قريش بخبركم. فبعد ذلك ندمت قريش بعد أن أرسلوا وجاءهم ضمرة وقالوا: «بل ننبذ على سواء»، ندموا، فأرسلوا أبا سفيان، كما قال البدوي رحمه الله:
وخاب صخر إذا أتى يراب ما.. أثه غدر قومه فانفصلا
هو أبو سفيان بن حرب، أرسلته قريش وقالت له حاول محمدا على أن يجدد العهد والعقد وأن يزيد في المدة، أرادوا أن يستوثقوا من المعاهدة التي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وخافوا؛ سبحان الله، في السابق كانوا لا يرون النبي شيئا ويحتقرونه، وقالوا سنقتل ونفعل ويغزون، والآن يستجدون ويستعطفون أن يمد في المدة ولا يريدون القتال.
فجاء أبو سفيان ودخل على ابنته أم حبيبة، وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه أم المؤمنين الطاهرة المطهرة. لما جاء أبوها وأراد أن يجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، طوت الفراش عنه، فقال: «يا بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش؟ أم رغبت بالفراش عني؟»، فقالت: «بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك». فقال: «يا بنية، والله لقد أصابك بعدي شر»، فقالت: «يا أبتِ، أين أنت من الإسلام؟ ما مثلك يجهل الإسلام».
وسارت تراغن أم المؤمنين، تزوجها النبي وكانت في الحبشة، هي كانت مع زوجها عبيد الله بن جحش وتنصر في الحبشة، ثم مات فبقيت بلا زوج، فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل إليها في الحبشة جماعة من أصحابه، منهم عثمان بن عفان وغيره، فخطبوها من النجاشي فزوجه النجاشي إياها، ثم بعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قريش لما علمت بخبر أم حبيبة قالوا لأبي سفيان: «محمد تزوج ابنتك».
رغمًا عنك، فقال أبو سفيان، وهذا يدل على أنهم يعلمون مكانة النبي ﷺ عند الناس، وأنهم يفخرون بمثله. فقال أبو سفيان: «ذاك الفحل الذي لا يقدع أنفه، هذا يزيدني شرفًا لا ينقصني». ثم هم أبناء عمومة؛ فأبو سفيان من بني عبد شمس بن عبد مناف، والنبي من بني هاشم بن عبد مناف، يلتقون في الجد الخامس أو الخامس.
قريش أرسلت أبا سفيان، فجاء أبو سفيان كما ذكرت ودخل على ابنته أم حبيبة، ثم ذهب إلى النبي ﷺ وكلمه في زيادة المدة وفي تجديد العهد، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئًا. كلم أبو بكر فلم يرد عليه، ثم ذهب إلى عمر وأراد أن يكلم النبي ﷺ، فقال: «أنا أشفع لكم عند رسول الله، والله لو لم أجد إلا الذر -يعني النمل- لجاهدتهم به».
ثم ذهب إلى علي، وعلي أقرب له من أبي بكر وعمر، فهو يجتمع معه كما ذكرت في عبد مناف، فدخل على علي بن أبي طالب وسأله أن يستشفع أو يشفع له عند رسول الله، فأبى، قال: «والله إن رسول الله قد عزم على أمر ما نرى أحدًا يستطيع أن يكلمه فيه». فسأل فاطمة: «يا فاطمة، اشفعي لنا عند أبيك»، فقالت: «ما أنا بالتي أتكلم مع أبي»، ونحو هذا الكلام.
ثم رأى حسنًا يدب، غلام حسن، ابن الحسن بن علي كان يحبو، فقال: «يا فاطمة، أتريدين أن هذا الغلام يكون سيد العرب؟ فاجعليه يجير بين الناس»، قالت: «والله ما بلغ أن يجير بين الناس، ولا يجير على رسول الله أحد». فعند ذلك قال: «يا علي، لقد ضاقت علي السبل، فماذا أصنع؟»، فقال علي رضي الله تعالى عنه: «والله ما أرى لك من مخرج، ولكنك سيد كنانة، فقم بين إمام الناس وقل: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس».
فقال: «أترى هذا ينفعني؟»، قال: «لا، إلا أنه ليس لك غيرهم». فقام أبو سفيان أمام الناس وقال: «أيها الناس إني أجرت بين الناس»، ثم ركب دابته ورجع إلى مكة، وكان قد أبطأ على مكة، فلما جاء ودخل على زوجته قالت: «ما أبطأك؟»، يعني الناس اتهموك. فلما اقترب منها سألت عما صنع هناك في المدينة أو في يثرب، فأخبرها بما كلم؛ كأنه كلم أبا بكر فقال: «ما أنا بالذي أشفع عند رسول الله»، وكلم عمر فقال: «كلمت عمر فوجدته أدنى عدو أو أعدى عدو»، وكلم عليًا وهو أقرب الناس فقال له كيت وكيت وصنع كيت وكيت.
فعند ذلك غضبت هند عليه ورفعت برجلها، وهو زوجها، وهي امرأة عظيمة من النساء، لها مواقف مشهورة، وهي امرأة تندر مثلها في النساء؛ ولذلك لما بايعها النبي ﷺ في فتح مكة، وبايعته وقال النبي ﷺ على أن لا تزنوا، قالت: «يا رسول الله، أو تزني الحرة؟»، كانت تستغرب من هذا، ولها موقف قديم قبل أبي سفيان.
كان زوجها اسمه الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو عم خالد بن الوليد، الفاكه بن المغيرة أخو الوليد بن المغيرة وابن عمي، وأخو وعم لأبي جهل بن هشام. الفاكه هذا تزوج هند بنت عتبة رضي الله تعالى عنها قبل أبي سفيان، وكان رجلًا مضيافًا، كان عنده بيت يضيف فيه الناس والناس يأتون ويأكلون عنده، وكان شابًا محبوبًا في قريش.
ومرة من المرات خلا هذا البيت من الناس، فاضطجع فيه ظهرًا هو وزوجته هند بنت عتبة، ثم خرج، قام منها وخرج من البيت، والبيت هو الغرفة، فجاء رجل ممن كان يدخل هذا البيت أو يأتي إليه، فدخل فرأى المرأة مضطجعة فارتاع لذلك، ثم ولا هارباً، فرآه الفاكه خارجًا من البيت، فلما دخل فإذا امرأته مرتجعة، فأقام فقال: «من هذا الرجل الذي كان عندك؟»، فقالت: «ما كان عندي أحد»، فسبها وتكلم عليها، ثم أشاع في أهل مكة بأن هند امرأته لم تسلم من رجل جاءها، وأنه وجد عندها رجلًا، وسار الكلام في الناس.
فغضبت هند وكلمت أباها، وقال أبوها: «يا بنية، إن كنتِ آثمة بشيء فأخبريني أقتل الرجل وينتهي الأمر، وإن كنتِ بريئة طلبناه أن نتحاكم نحن وإياه عند كاهن»، فقالت: «بل إني بريئة»، فذهب عتبة بن ربيعة، وكان سيد قريش في ذلك الوقت، وذهب إلى الفاكه وقال له: «يا هذا، اقصر عن ابنتنا أو نتحاكم معك عند كاهن في اليمن»، فقال: «نعم نتحاكم إلى الكاهن».
فخرج عتبة بن ربيعة وابنته هند ومعهم أناس من قومهم ومعهم نساء والفاكه، فلما اقتربوا من اليمن من الكاهن، قال الناس: «غدًا نأتي الكاهن فيتبين الأمر»، فعند ذلك تغير وجه هند بنت عتبة، فلما رآها أبوها قال: «يا بنية، إن تغير حالك هذا لأمر سوء، هل كان قبل أن يعلم الناس بمسيرك؟»، فقالت: «يا أبتي، والله إني لبريئة، ولكن إني أعلم أن الكهان بشر يصيبون ويخطئون، فأخشى أن يسمني ويسمن بوسم يبقى عليّ إلى أبد الدهر».
فقال أبوها: «إني سأختبره»، فأخذ فرسه وأبعد عن الناس وتوارى عنهم، ثم وضع في الفرس حبة من بر، فلما أقبلوا على الكاهن قال: «أيها الكاهن، إني قد خبأت لك خبيئًا، فما هو؟»، فقال: «ثمره في كمّره»، قال: «بل أعطني أبين من ذلك»، قال: «حبة من بر في مِهر»، فقال: «نعم»، ثم قال: «هؤلاء النسوة، فاحكم بيننا وبين الفاكه».
فقام الكاهن، وكلما مر على امرأة ضربها وقال: «انهضي»، حتى مر على هند بنت عتبة فضربها وقال: «انهضي، انهضي، غير قبيحة ولا زانية، وإنه ليكون في بطنك ولد يسود العرب أو يملك العرب». فعند ذلك قام الفاكه وأمسك بيدها يريد أن يرجع إليها، فنالت يدها ونترت يدها منه وقالت: «والله لا يكون هذا الولد الذي يسود العرب منك»، ثم طلقت نفسها منه. وتزوجها بعد ذلك أبو سفيان.
ولها مواقف، من مواقفها أن زينب رضي الله تعالى عنها بنت رسول الله ﷺ، لما النبي ﷺ طلب من أبي العاص زوجها أن يرسلها إليه بعد غزوة بدر، وكانت في مكة لحقها هبار الأسود وجماعة، وأسقوها من دابتها، وقام كنانة بن الربيع -وهو أخو زوجها- يظلهم بالسهام حتى ردهم، استقبلتهم هند بنت عتبة وقالت لهم: «لهؤلاء الذين قاموا على زينب بالأمس في المعركة هاربين في بدر، والآن تقومون على بنت ابنة محمد؟ في السلم أعيار غلاظًا وشدة، وفي الحرب أمثال النساء العوارك؟»، ونعت عليهم القول، ثم جاءت إلى زينب وقالت: «يا...»
بنت محمد، إنما يكون بين الرجال، لا يكون بين النساء، فإن كنتِ أزمعتِ على الخروج فأخبريني، إن كنتِ تريدين شيئًا أعطيكِ إياه. فقالت زينب: وما أراها إلا صادقة، ولكني خشيتها، ولم تخبرها. وهذا كان قبل خروجها، فهذه من مواقف هذه المرأة التي بعد ذلك أسلمت وأصبحت صحابية وتوفيت في عهد أبي بكر الصديق.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري