﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وما زلنا فيها في مجريات فتح مكة. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن سبب الغزوة، وعن حلف عبد المطلب وبني خزاعة، وعن مجيء أبي سفيان ورجوعه إلى مكة خائبًا، وأنه عنت زوجته على أنك لم تغنِ عن قومك شيئًا. فلما أصبح ورأى أن قريشًا قد اتهمته، خشية أن تكون قريش قد اتهمته وظنت أنه صبأ، فذهب إلى صنمين نائل واساف وذبح عندهما ليبين لقريش أنه ما زال ملتزمًا بعبادته.
ثم ذكر لقريش ما وراءه من الخبر، فأخبرهم بأنه وجد أبا بكر ولم يشفع، وأن عمر كان أعدى عدو، وأقرب الناس كان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وأنه قال له: «لا أرى شيئًا يغني عنك إلا أن تقول إني أجرت بين الناس». فقالت قريش: فهل أجاز محمد ذلك عندما قلت للناس: «يا أيها الناس إني أجرت بين الناس»؟ هل أجاز محمد هذا الجوار؟ فقال: لا. فقالوا: فلم تغن عنا شيئًا، والله إن هذا الجوار الذي فعلته لأسهل شيء يغفرون به. فقال: لم أجد إلا ذلك.
فبقيت قريش تترقب وعلى وجل أن يكون النبي ﷺ يريد غزوة، والنبي ﷺ دعا ربه أن يعمي عنهم الأبصار والأخبار حتى يبغي قريش في دارها. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عن دعوة النبي ﷺ: وآخِرُ الخبرٍ عن مكةَ لم يُورِ... البَهرَ وحاطبُ ابنُ أبي بَلْتَعَةَ أرسلَ رُقعةً مع امرأةٍ شرعتْ إلى قريشٍ... فأودعتني بها فأرسلَ
يمثل البدوي رحمه الله أن النبي ﷺ دعا وأن أن يعمي عنهم الأبصار والأسماع حتى يبغي قريش، وبالتالي لم يورِ النبي ﷺ في هذه الغزوة، بل بين للناس أنه يريد مكة، فخرج النبي ﷺ في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار ومن مزينة وأسلم وبقية العرب ممن أسلموا. وهو في الطريق التقى العباس بن عبد المطلب بأهله مسلمًا، ثم أخبر النبي ﷺ بأمر، وهو أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل، قد أرسل رقعة مع امرأة.
هذه المرأة كانت مغنية لقريش، جاءت إلى المدينة وجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: «إنكم أهل المواساة وأهل كيت وكيت»، تريد مالًا. فقال النبي ﷺ: «ما فعل غناؤك؟» أي أين الغناء الذي كنت تغنين وتكتسبين به؟ قالت إن قريشًا بعد غزوة بدر قد هجر الغناء؛ لأن غزوة بدر كانت غزوة عظيمة عليهم وقد قتلت منهم مقاتل عظيمة، فما زالوا في حزن إلى تلك الساعة، فتقول إن قريشًا لم يعودوا يرغبون في الغناء ولذلك بضاعتها مجدّ. فعند ذلك أعطاها النبي ﷺ أثوابًا وأعطاها نفقة.
حاطب بن أبي بلتعة أدرك هذه المرأة وأعطاها مالًا وأعطاها كتابًا إلى قريش يخبرها بمسير رسول الله ﷺ، وكان في هذا الكتاب أن رسول الله ﷺ قد تجهز إما يريدكم أو يريد غيركم فعليكم الحذر، وهو قد جاء في جيش مثل الليل يسير كالسيل، والله لو قصدكم بنفسه لنصره الله. فالنبي ﷺ وهذا الخبر لم يدرِ به أحد، فقط حاطب بن أبي بلتعة أعطاه هذه المرأة وهو صحابي جليل، وله عذر في ذلك سيأتينا خبره.
نزل عليه جبريل وهو في الطريق وأخبره بخبر الرقعة وخبر المرأة وأنها الآن في روضة خاخ كما في الصحيحين، فالنبي ﷺ ندب لذلك بعض أصحابه وهم الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعلي بن أبي طالب، يقول علي: فخرجنا، قال لنا النبي ﷺ: «اذهبوا إلى روضة خاخ تجدون فيها ضعة فيها امرأة ومع المرأة كتاب، ائتونِي بالكتاب». فعند ذلك ذهب الصحابة تتعادى بهم خيلهم حتى جاؤوا إلى تلك الروضة فرأوا المرأة، فقالوا لعلي: أعطينا الكتاب، فقالت: ما عندي من كتاب. قالوا: والله ما كذبنا ولا كذبنا، إما أن تعطينا الكتاب وإما أن ننزع الثياب.
عندما رأت جديتهم في الأمر قالت: تنحوا عني، وصدت عنهم وغطت نفسها بغطاء، ثم أخرجته من قرنها من شعرها وأعطتهم الكتاب، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى من في مكة من قريش أن رسول الله قد خرج يقصد أو يقصد غيركم، في جيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو قصدكم لوحده لانتصر عليكم أو لنصره الله، فعليكم الحذر. فعند ذلك قال النبي ﷺ: «يا حاطب ما حملك على ذلك؟» فقال: يا رسول الله لا تعجل علي، والله ما ارتددت بعد إيمان ولا شككت في إيماني، ولكن أصحابك لهم أناس يحمونهم في مكة، يحمون عشيرتهم ويحمون أهلهم وأولادهم، وإني رجل ملصق في قريش فأردت أن يكون لي يد عندهم حتى يحمون بها أهلي وأهله ما زالوا على الكفر، نسأل الله العافية.
ولذلك نزلت الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].
عند ذلك قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنه منافق، أو لقد خان الله وخان رسوله ونافق، فدعني أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: «مهلاً يا عمر، فقد صدقكم، وإنه من أهل بدر، وإن الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم وقد غفرت لكم». فعند ذلك ذرفت عين عمر وقال: الله ورسوله أعلم. هذا الصحابي الجليل لا شك في إيمانه، وعذره مقبول قبله رسول الله ﷺ، وإنما حمله على ذلك خشية على أهله وأولاده في مكة.
مكة، فأراد كما قال أن تكون له يد عندهم، وإلا فقد حضر بدرًا وحضر أحدًا وحضر المشاهد، وكان من أهل الحديبية ومن أهل بيعة الرضوان. وكان النبي يعتمد عليه في أمور، فقد أرسله يخطب امرأة، وأرسله إلى المقوقس صاحب الإسكندرية.
ولما جاء إلى المقوقص صاحب الإسكندرية، قال له كلامًا؛ يعني قال: إنكم تزعمون أن محمدًا الرسول. قال: نعم. قال: لأن كان رسولًا لم ينصره الله حين طرده قومه وأخرجوه من داره، فقال: أليس عيسى رسولًا فلم تتركه الله؟ وأراد قومه أن يصلبوه كما تقولون، بل رفعه الله إليه. فقال: إنك حكيم أتيتنا من حكيم. ثم أعطاه ثلاث جواري وأعطاه هدايا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مارية وأختها التي كانت عند حسان. مارية هي للنبي صلى الله عليه وسلم، وأولدها النبي إبراهيم كما هو معلوم، وسيرين أعطاها النبي لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فولدت عبد الرحمن بن حسان بن ثابت.
الشاهد أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه من الصحابة الكبار، وهذه زلة، نسأل الله سبحانه وتعالى وقد غفر الله له فيها. ومن أموره أن عبدًا له مملوكًا له جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، وقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال: «كذبت»، يقوله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا تمس النار رجل حضر بدرًا والحديبية، وهذه شهادة عظيمة، والله سبحانه وتعالى شهد له بالإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]. رضي الله تعالى عن حاطب وصلى الله على نبينا صلى الله عليه وسلم.
ثم في الطريق عرض للنبي صلى الله عليه وسلم رجلان من أصحابه أسلموا بعد ذلك، وكانوا من أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم؛ أحدهم ابن عمته والآخر ابن عمه. ابن عمته هو عبد الله بن أبي أمية، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فهو ابن عمه النبي، والنبي ابن خاله عبد الله، فأبو النبي صلى الله عليه وسلم خال خال عبد الله. هذا ابن أبي أمية وأم سلمة هي أخته أم سلمة بنت أبي أمية، فهو صهر النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمته أيضًا، لكنه كان شديدًا عليه عندما كان النبي في مكة، وكذلك شديدًا عليه في قتاله للمشركين أو في القتال الذي دار بين النبي وبين قريش وهكذا. وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله وأخوه من الرضاعة، أرضعته حليمة السعدية.
هذان الرجلان التقيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنهما، فاستشعرت أم سلمة لأنها أخت عبد الله بن أبي أمية، فاستشفع بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهو الذي هتك عرضي»، يقصد أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، «وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال». فكان النبي قد غضب عليهم غضبًا شديدًا.
نقف هنا إن شاء الله ونكمل بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبًا بكم من جديد، كنا وقفنا عندما جاء والتقى بالنبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه وابن عمته؛ ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمتة عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. عبد الله بن أبي أمية عمه الوليد بن المغيرة المعروف، الذي هو أبو خالد بن الوليد، فخالد بن الوليد ابن عمه، وأخته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة. والمغيره له عشرة من الولد، وكان أمية هذا، أمية بن المغيره، يسمى زاد الراكب؛ سمي زاد الراكب لأنه كان إذا سافر ومعه أناس احتمل أزواجه وساروا يأكلون من زاده فسمي زاد الراكب.
عبد الله بن أبي أمية بن المغيره كان في مكة وهو ابن عمه النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت، ولما دعا النبي الناس، من المفترض أن يكون ابن عمته أقرب الناس إليه، ومع ذلك كان أشد الناس عليه. ومرة من المرات كان النبي صلى الله عليه وسلم في الحرم يطوف، وقريش، أشراف قريش قد اجتمعوا، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدونه، يريدون أن يتكلموا معه حتى يعذروا كما زعموا عند الناس. فلما جاء المرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرح لما قال له إن أشراف قومك يريدونك، فرح النبي صلى الله عليه وسلم فرحًا شديدًا وظن أنهم قد بدا لهم في أمره شيء، فجاء إليهم.
فلما جاء إليهم، فإذا فيهم أبو جهل بن هشام، وأبو البختري، وعتبة بن ربيعة، وأشراف قريش، ومعهم ابن عمته عبد الله بن أبي أمية وهو أقرب الناس إليه. فلما جاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد، والله إننا ما رأينا أحدًا من الناس قد أتى قومه بأقبح مما جئت به أو بمثل ما جئت به، سفهت أحلامنا، وشتمت آلهتنا، وسببت آباءنا، وفعلت وفعلت، وفرقت جماعتنا. فإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، إن كنت تريد شرفًا جعلناك أشرفنا، إن كنت تريد مالًا جمعنا لك من الأموال حتى تكون أغنى الناس، وإن كان الذي بك جن تابع من الجن، مرض، جمعنا لك الطب حتى تبرأ من هذا الذي معك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما تقولون ولا أريد ما تقولون، ولكني رسول الله جئت برسالة الله بشيرًا ونذيرًا، فإن تؤمنوا بالله وبرسوله فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإلا فاصبروا والله يفتح بيني وبينكم» أو نحو هذا الكلام. فقالوا: ما دمت لن تقبل بشيء من هذا، فخذ لنفسك؛ نحن ترى أننا في قرية تحيط بها الجبال وفي أضيق عيش، فاسأل ربك أن ينزع عنا هذه الجبال ويوسع علينا ويجري لنا الأنهار كما عند أهل الشام ويخرج لنا الزروع حتى نكون في رغد عيش ونؤمن بك.
قال: «والله ما جئت بهذا، ولكني جئت برسالة الله، أنا رسول الله، إن آمنتم بالله وآمنتم برسوله فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإلا فاصبروا حتى يفتح الله بيني وبينكم».
«قالوا ما دام أنك لن تقبل ذلك فاسأل ربك لنفسك ليس لنا، فليكن عندك بيت من زخرف، فليكن عندك حدائق، فليكن عندك كذا». فكرر عليهم الكلام، ثم تركهم النبي ﷺ لما أكثروا عليه. لما قالوا هذا، أكثروا من الكلام الذي لا زمام له ولا خطام، فصار منهم من يقول: «والله لا أؤمن بك إلا أن تأتي بملائكة»، والآخر يقول: «لا أؤمن بك إلا كذا وكذا».
فرجع النبي ﷺ حزيناً منهم، فأدركه ابن عمته عبد الله بن أبي أمية، وهذا هو الشاهد؛ فكان المفترض أن يكون ابن عمته أحنى الناس عليه وأرحم الناس به. فلما أدركه قال: «يا محمد، لقد قال قوم كما قالوا ورددت عليهم ما رددت، فإني أطلب منك شيئاً؛ أطلب أن ترقى سلماً إلى السماء وأنا أنظر إليك وأنت ترقى حتى تغيب في السماء، ثم تأتي بكتاب ومعك ملائكة يشهدون أن هذا الكتاب من الله، فوالله إن فعلت ذلك لا أظن أني سأصدقك». وزاد هذا النبي ﷺ حزناً وكآبة.
كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا * أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ * أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 90-93].
وكان السبب الذي يمنع النبي ﷺ من أن يأتي لهم بهذه الآيات، أن الآيات قد جاءت من كان قبلهم فعذبهم الله بها، ولذلك جاءه جبريل وقال: «إن أردت أن نعطيهم ما سألوا أعطيناهم، فإن كفروا عذبنا عذاباً لا نعذبه أحداً من العالمين، فإن شئت أن يفتح لهم باب التوبة والرحمة». فقال النبي ﷺ: «بل باب التوبة والرحمة». ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول في الآيات الأخرى التي قبلها: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
الذي منعنا أن نرسل هذه الآيات أن الأولين قد كذبوا بها؛ جاءتهم آيات عظام وكذبوا بها. ابن عمته هو الذي قال له الكلام، ولذلك كان النبي ﷺ قد وجد عليه في نفسه. وكذلك ابن عمه أبو سفيان بن الحارث؛ كان يهاجم رسول الله ﷺ، وكان أشد الناس عداوة عليه عشرين سنة، وهو يعاديه في كل موطن، ما تخلف عن مشهد شهده المشركون إلا وهو معهم ضد النبي ﷺ، وهو ابن عمه بل وأخوه من الرضاعة، وكان النبي ينتظر نصرته وكان خليلاً له وصاحباً له في الجاهلية؛ فلذلك كان وجد النبي عليه شديداً وقال: «لا حاجة لي بهما».
لكن أبا سفيان بن الحارث ذهب إلى ابن عمه علي بن أبي طالب وشكى إليه، فقال له علي بن أبي طالب: «ائتِ من قبل وجهه»، أي اذهب إلى النبي ﷺ من قبل وجهه ثم قل له: «تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين»، فإن النبي ﷺ لا يحب أن يكون أحداً أحسن قولاً منه. فجاء أبو سفيان ومعه عبد الله بن أبي أمية فقال للنبي ﷺ -ائتيه من قبل وجهه-: «تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين». فعند ذلك قال النبي ﷺ: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». وبهذا رضي النبي ﷺ عنهم وقبل منهم ﷺ.
وكان النبي ﷺ رحيماً يعفو ويغفر، كم من الناس عفا عنهم النبي ﷺ، وعفوه ﷺ من أعظم العفو، وهو الذي علمنا العفو، وربه هو الذي علمه. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. ولذلك كان النبي ﷺ هو المثل الأسمى في العفو عن الناس، وكان يرغب الناس في العفو، يقول ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وكان يقول ﷺ أيضاً في صحيح مسلم: «أعطِ من حرمك، وصل من قطعك، واعفُ عمن ظلمك». ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
ولذلك كان النبي ﷺ يعفو عن الناس، وعفا عن أناس، عفا عن هبار بن الأسود كما سيأتينا، وهو الذي ضرب ابنته حتى أسقطت جنينها، وعفا عن أناس من الصحابة قد ضربوه ﷺ وتكلموا عليه، وهو يرشدنا ﷺ على العفو. والعفو خير من الانتقام؛ لأن الانتقام قد تبقى معه الحسرة، ولذلك إذا من قدر وعفا يكون مطمئناً ومرتاحاً، ومن قصد الانتقام فلا يزال القلق يحرك ضميره ولا ينام ويود أنه لو عفا.
وفي العفو أمور؛ من السلف رضي الله تعالى عنهم قد اقتدوا بذلك بالنبي ﷺ. أبو بكر الصديق حلف أن لا يعطي مصطح بن أثاثة الذي اتهم عائشة رضي الله عنها، وكان ينفق عليه وهو قريب من قرابته، فنزلت الآيات: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر: «بلى والله، يحب أن يغفر الله لي»، ثم عاد النفقة عليه.
وهكذا الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه ضُرب في خلق القرآن؛ لما أشخص إلى المأمون ودعا الله أن لا يراه فمات المأمون. وأُرجع وهو في القيود وهو يصلي بالناس والقيد في رجليه، ثم صاروا يضربونه ويعذبونه، ويناظرون أحمد بن أبي دؤاد ويقول للمعتصم: «اقتله ودمه في رقبتي إنه مشرك كافر»، حتى نجاه الله سبحانه وتعالى. قال الطبيب الذي رآه بعد ضربه: «والله لقد رأيت من ضرب ألف شخص ومن كذا وكذا وما رأيت مثل هذا». ثم لما قال له ولده: «يا أبتِ، ما تجد على الناس؟» أو نحو هذا الكلام، فقال: «إني قد عفوت عن كل من ظلمني».
وما على أحد أن يلقى الله وليس ولا يعذب الله أحداً بسببه. هذا كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، وهكذا القصص كثيرة جداً.
أختم بقصة، وهي منصور بن عمار، كان من الوعاظ الكبار، يقول الذهبي: إليه المنتهى في الوعظ. كان هناك رجل شريب، وعنده مملوك، فأراد أن يتنادى هو وأناس من أصحابه، ثم أعطى مملوكه أربعة دنانير وقال له: ائتنا بفاكهة.
فذهب المملوك ومر على منصور بن عمار وهو يعظ الناس، فأعجب بوعظه فجلس معهم. ثم قال منصور بن عمار: «من يتصدق على هذا المسكين بدرهم دعوت له دعوة، ومن تصدق عليه بدرهم، ومن تصدق عليه بأربعة دراهم دعوت له أربع دعوات».
فقام هذا المملوك وأعطى الدراهم لهذا الفقير، فقال له: «ماذا تريد أن أدعو لك؟». فقال: «أولاً أن يخلصني الله من رق العبودية». فدعا: «اللهم خلصه من رق العبودية وأمن الناس». قال: «والثانية؟». قال: «أن يخلف الله علي الدراهم». فدعا وأمن الناس. قال: «الثالثة؟». قال: «أن يتوب الله على سيدي». فدعا وأمن الناس. قال: «الرابعة؟». قال: «أن يغفر الله لي ولسيدي ولك وللقوم وللحاضرين». فدعا وأمن الناس.
لما رجع إلى سيده قال: «ما وراك؟ ما الذي بطاك؟». فأخبره الخبر. قال: «وما هي الدعوات؟». قال: «الأولى أن يعتقني الله». قال: «اذهب فأنت حر». قال: «والثانية؟». قال: «أن يخلف الله علي الدراهم». قال: «هذه أربعة آلاف درهم». قال: «والثالثة؟». قال: «أن يتوب ربي عليك». فقال: «اللهم إني تائب إليك وراجع». قال: «والرابعة؟». قال: «أن يغفر الله لي ولك وللمنصور وللحاضرين». قال: «أما هذه فليست لي».
فرأى في المنام قائلاً يقول له: «فعلت ما عليك، ألا ترانا نفعل ما علينا؟ اذهب فقد غفر الله لك ولمملوكك ولمنصور بن عمار وللحاضرين».
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري