﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وما زلنا فيها مع مجريات فتح مكة. كنا توقفنا في الحلقة الماضية عن ذكر ابن عمه النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمه ابن عمته عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأنهما كانا شديدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك لما استقبل النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق قبل أن يأتي إلى مكة مسلمين، أعرض عنهما النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشفع بأم سلمة، فقال: «لا حاجة لي فيهما»، إلى أن أدله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه على أن يقول أبو سفيان: «تالله لقد أثرك الله علينا وإن كنت لخاطئين». فقال ذلك، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين».
كان أبو سفيان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك لا يرفع عينه في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه، لأنه يعلم أنه كان شديداً عليه، وكان حقه أن يكون ناصراً له ولكنه تأخر في ذلك جداً. ثم قال أبياتاً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، يقول فيها: لعمرك إني يوم أحمل رايتي ... لتغلبن خيل اللاتي خيل محمدِ لك كالمدرج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدي فاهتدي هداني هادٍ غير نفسي ودلني ... على الله من طردته كل مطر
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا البيت: «أنت من طردتني كل مطر». فكان أبو سفيان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك مع رسول الله، وكان لا يرفع نظره في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه، وكان في غزوة حنين يمسك بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رضي الله تعالى عنه قد اجتهد في تلك الغزوة وأبلى بلاءً حسناً حتى رضي عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم إني رضيت عن أبي سفيان بن الحارث». وكان يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «لعل الله أو أسأل الله أن يجعل فيه خلفاً من حمزة». وقد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة أيضاً، وقال إنه سيد كهول أهل الجنة، أو سيد فتيان أهل الجنة، أو نحو هذا الكلام.
إلى أن توفي رضي الله تعالى عنه وهو يحج، وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله: وللنبي عرض ابن عمته ... ونجل عمه عزيز فئته وللنبي عرض ابن عمته ... وعنهما أعرض جر ما ثم فاستشعر
وحين حل بأزاء الحرم، أمر أن يوقد كل مسلم ناراً، فأبصر أبو سفيان وكان يرتقب نيراناً فارتع، فانسل إذا عم النبي فالتقيا فجا به عن كثب. يقول البدوي رحمه الله في هذه الأبيات: "وحين حل بأزاء الحرم" يعني اقترب وحل النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من الحرم، أمر صلى الله عليه وسلم أن يوقد كل مسلم ناراً، أمر كل مسلم من المسلمين أن يوقد ناراً وهم عشرة آلاف مقاتل، فأوقدوا النيران.
عند ذلك لما رآها أبو سفيان، وكان يرتقب مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خرج هو وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام ينظرون الأخبار، فما روعهم إلا النيران تشتعل حول مكة، يعني آلاف النيران. فقال أبو سفيان: «ما هذه النيران؟ فوالله لكأنها نيران عرفة!» فقال بديل بن ورقاء: «هذه خزاعة قد حمتها الحرب»، فقال: «والله لخزاعة أذل وأقل من ذلك».
فسمع صوته عم النبي صلى الله عليه وسلم، كان عم النبي العباس قد ركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج، لما خيم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان خرج عم النبي صلى الله عليه وسلم على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: «أجد من حطابة قريش أو من الرعيان الرعاة من أجدهم فأخبرهم بخبري بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستأمنوا لأنفسهم». فهو ذاهب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رعه أو ما سمع إلا صوت أبي سفيان، فعرف صوته.
فقال أبو سفيان: «أبا حنظلة؟»، فقال: «نعم أبا الفضل». فعرف صوته أبو سفيان، وعرف العباس صوته، وكان أصدقاء، فقال: «نعم في ذاك أبي وأمي». يقوله أبو سفيان، فقال: «من هذا؟»، قال: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءكم بما لا قبل لكم به». فقال: «فما الحيلة يا أبا الفضل؟»، قال: «ويحك، اركب على عجز البغلة، فوالله لأن قدر عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضربن عنقك، ولكن اركب معي أستأمن لك عند رسول الله».
فركب معه وصار يمر على نيران الناس، كلما مر على نار قوم قالوا: «من؟»، فإذا رأوا عم النبي صلى الله عليه وسلم وبغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: «عم رسول الله وبغلة رسول الله». فتركه إلى أن مر بعمر بن الخطاب بنار عمر بن الخطاب، فلما رآه قال: «عدو الله أبو سفيان!»، وعرفه، "الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد".
ثم ذهب يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يستأذنه في ضرب عنقه، وأخذ العباس يركض البغلة. قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمر عنده، يقول: «يا رسول الله، إني لي في أبي سفيان»، وأنا أقول: «يا رسول الله، قد أجرتُه». فعند ذلك قلت: «والله لا يكلم رسول الله الليلة إلا أنا»، فأخذت أكلمه، وعمر يتكلم ويغلظ القول في أبي سفيان.
فقلت: «مهلاً يا عمر، والله لو كان من بني عدي لما قلت ما قلت، إن كان من أبناء عمومتي»، لأن أبا سفيان كما ذكرت هو والعباس يجتمعون في عبد مناف، بينما عمر بن الخطاب أبعد منهم قليلاً. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «مهلاً يا عباس، والله لأسلمك أحب إلي من إسلام الخطاب، لو أسلم لما رأيت من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسلامه». فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «اذهب بأبي سفيان إلى رحله».
فإذا جاء في الصباح فأت به، وأتى به في الصباح، فلما جاء به قال: «يا أبا سفيان، أما إن لك أن تسلم، أما إن لك أن تقول لا إله إلا الله». قال: والله لو علمت أن هناك إلهًا غير الله لأغنى عني. تيقن الآن أن ليس هناك إله آخر، وإلا لأغنى عني عما أنا فيه. قال: «أما إن لك أن تشهد أني رسول الله»، قال: أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال له العباس: «ويحك يا أبا سفيان، اسلم واشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك»، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
عند ذلك قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا»، فقال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن أغلق على نفسه بابه فهو آمن». عند ذلك ذهب به العباس، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «احبسه عند مضيق الوادي حتى يرى جيوش المسلمين»، فحَبَسه عند المضيق، أو وقف هو وإياه عند المضيق.
فرأى أبو سفيان الجيوش والكتائب تمر عليه، مرت كتيبة فقال: «من هذه؟»، قالوا: «هذه كتيبة سليم»، قال: «مالي ولَسليم؟»، ثم مرت مزينة، قال: «مالي ولَمزينة؟»، وكلما مرت قبيلة يقول: «مالي ولهؤلاء؟»، حتى مرت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: «ما هذه الكتيبة؟»، فقالوا: «هذا محمد رسول الله»، قال: «والله ما لأحد بهؤلاء قبل».
ثم ذهب أبو سفيان حتى اقترب من المسجد وعند البيت، ثم صرخ: «يا معشر قريش، هذا محمد قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن». عند ذلك قامت إليه هند بنت عتبة كما عودت الناس على مواقفها، وأمسكت بشاربها وقالت: «لا عليكم، اقتلوا هذا الأحمق السمين الدسم الذي لا خير فيه». ثم قال لهم: «يا معشر قريش، لا تغرنكم هذه، فوالله إن محمدًا قد جاءكم بما لا قبل لكم به»، فعند ذلك ارتاع الناس، ومنهم من دخل بيته.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو والكتائب، وعلى ميمنته الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة الزبير بن العوام، وأبو عبيدة على الحسر، وهم الناس الذين يمشون على أقدامهم، ولم يحصل قتال إلا مناوشات قليلة بين خالد وبين بعض قريش. وكان هناك رجل اسمه حماس بن قيس من بني بكر، كان قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم يعد سلاحًا، فتقول له امرأته: «ما هذا السلاح الذي أراك تعده؟»، فيقول: «هذا لمحمد وأصحابه»، فتقول المرأة: «والله ما أرى لمحمد وأصحابه ما لأحد بهم قبل»، فيقول: «إني أرجو أن أخدم منهم».
ثم ذهب يقاتل وقال أبياتًا يقول فيها: إن يقبل اليوم فما لي علة ... هذا سلاح كامل وآلة وذو غرار سريع السلة ... ذو حدين في الضرب مائلة
فلما دخل النبي مكة، ودخل خالد على الخيل، والتقى هو وخالد، وكان هو مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، ما رأته إلا قد أتاها، ويقول: «أغلق الباب علي، أغلق الباب علي»، فقالت له: «أينما كنت تقول، أين كلامك بالأمس؟»، فقال لها أبياتًا أخرى يقول فيها: إنك لو شهدت يوم الخندق ... واستقبلت بالسيوف المسلمة يضربن كل ساعد وجمجمة ... لهم نهيت خلفنا وغم لم تنطقي باللوم أدنى كلمة
ذلك يقول البدوي رحمه الله، وزعم ابن قيس أن رجالهم خلته، وأنشد: إن يقبل اليوم فما لي علة ... هذا سلاح كامل وآلة. وجاء فأغلق بابه، فقالت له: «أينما كنت تقول؟»، فقال والفزع يزعزع دمه: «إنك لو شهدت يوم الخندق إذ فر صفوان وفر عكرمة واستقبلت بالسيوف المسلمة».
نقف هنا إن شاء الله ونواصل بعد قليل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام مرة أخرى، كنا وقفنا عند ذكر حماس بن قيس الذي قال لامرأته بعد ذلك: «أغلقي علي بابي»، فقالت له: «أينما كنت تقول؟»، فقال: «إنك لو شهدت يوم الخندق واستقبلت بالسيوف المسلمة لم تنطقي باللوم أدنى كلمة».
ثم إنه لم يستشهد من المسلمين إلا القليل، ربما رجلين، وهم كرز بن جابر الفهري وحبيش بن الأشعث، كان في خيل خالد بن الوليد وشذى من تلك الخيل، فلقيهم بعض المشركين فقتلوهم. أول من قتلوا حبيش بن الأشعث، ثم أخذ يدافع عنه كرز بن جابر، وكرز بن جابر صحابي مشهور، وهو الذي أنقذ لقاح النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا ذلك في السابق. فأخذ كرز بن جابر يقف على حبيش هذا -واسمه أو يكنى أبا صخر- وهو يرتجز ويقول: فلتعلم صفراء من بني فهر ... نقية الوجه نقية الصدر لاضربن اليوم عن أبي صخر
طبعًا هذه الأبيات المرمرت، كان الأولى به أن يقول: فلتعلم صفراء من بني فهري، لكنه لضرورة الوزن، وهو ما يسمونه في النحو "الوقف بنقل الحركة"، وهو إذا كان الحرف الأخير متحركًا وما قبله ساكنًا، يجوز لهم عند الوقف أن ينقلوا المتحرك الأخير إلى الساكن، وقد قرئ في بعض القراءات: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]، فهي لغة معروفة. فهو يقول: فلتعلم صفراء من بني فهر، أو فهر، نقية الوجه نقية الصدر، لاضربن اليوم عن أبي صخر.
ثم قتل كرز بن جابر رضي الله تعالى عنه، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلًا، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم منتصرًا ظافرًا، وجاء إلى البيت وطاف بالبيت. وقبل ذلك مر سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار والراية معه، فلما رآه أبو سفيان قال له سعد بن عبادة: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا». فعندما مر النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبو سفيان بما قال سعد بن عبادة، فقال: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشًا»، ثم بعث إلى سعد بن عبادة وأخذ الراية منه وسلمها لوالده قيس، فكان هذا الصنيع من النبي صلى الله عليه وسلم.
فيه سياسة وحنكة وحكمة؛ أخذ الراية منه بسبب ما قال، وأنه قال اليوم يوم الملحمة، وأعطاها ولده قيسًا؛ لكي لا يرى سعد -وهو سيد من سادات الأنصار- أن الراية قد انتزعت منه كليًا، فما دام أنها عند ولده فلم تذهب منه.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وطاف بالبيت على ناقته، ثم صلى الله عليه وسلم، وأخذ بعد ذلك يشير إلى الأصنام، والأصنام كانت كثيرة، كانت حول البيت 360 صنمًا، وكان معه قضيب في يده أو عصا، وكان كلما أشار إلى صنم سقط الصنم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
تعجب الناس من ذلك، ثم طلب النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح، مفتاح الكعبة، من عثمان بن طلحة العبدري، وهم حجبة البيت وهم من بني عبد الدار، وهم يلتقون مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب، فطلب المفتاح منه ففتح الباب.
دخل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه بلال وبعض الصحابة، واستقبل الجدار الذي في مقابلة الباب، وجعل بينه وبينه ثلاثة أذرع، ثم صلى صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم دار في نواحي البيت وسبح وكبر صلى الله عليه وسلم، ثم خرج ورد المفتاح على عثمان بن طلحة وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها عنكم إلا ظالم».
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة أراد أن يدخل البيت، وكان البيت يفتحونه في كل اثنين وخميس، فصار بينه وبين عثمان بن طلحة بعض الكلام الشديد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك يا عثمان ترى المفتاح في يدي أعطيه من شئت؟»، فقال عثمان: «إذا ذلت قريش وهانت»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل عزت وكرمت».
فلما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورد المفتاح عليه وقال: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها عنكم إلا ظالم»، وتذكر عثمان بن طلحة كلمة النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل البيت قبل الهجرة، وتعجب وشهد وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله».
النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خرج من البيت وأمسك بعض البيت ثم قال: «يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم الجاهلية والتفاخر بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب»، ثم قرأ هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ثم قال: «ما ترون أني فاعل بكم يا معشر قريش؟»، فقالوا: «أخ كريم وابن أخ كريم»، ويقال إن الذي قال ذلك سهيل بن عمر رضي الله عنه وأسلم بعد ذلك، قال سهيل بن عمر: «أخ كريم وابن أخ كريم، إن أخذتنا أو عذبتنا فبجر عظيم، يعني نحن معترفون، وإن عفوت عنا فبحلول لكم، كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء».
فكانت هذه من السمات العظيمة التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، بعد أن قدر ويستطيع أن يأخذ بثأره وينتقم، ولكنه عفا عن كل قريش وسهل لهم الحماية والعفو. وعند ذلك لما رأى الأنصار هذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا في أنفسهم: لقد أدركته الشفقة بقومه، وظنوا أنه سيبقى في قريته في مكة، ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه: وأخبر النبي بارئ نسا بقوله ... يسكن بعدها الحرم وبالذي قالوه إذ لم يرهق ... تداركته رحمه فاشفِ
يقصد البدوي رحمه الله أن الأنصار قالوا: أدركته الشفقة بقومه، أنه الآن يسكن الحرم ولا يرجع معنا إلى المدينة، ونحو هذا الكلام فيما بينهم. والنبي صلى الله عليه وسلم واقف على الصفا رافعًا يديه يدعو الله، بعد أن انتهى من دعائه صلى الله عليه وسلم قال: «ماذا قلتم؟»، فسكتوا، فقال: «قلتم أدركته الشفقة بقومه ويسكن الحرم» أو نحو هذا الكلام.
قالوا: «يا رسول الله، إنما قلنا ذلك محبة لك، وظنًا بالله وبرسوله»، فقال: «المحيا محياكم والممات مماتكم، والله ورسوله يعان»، فعند ذلك بكى الأنصار وأخذت لحاهم من البكاء وقالوا: «يا رسول الله، والله ما قلنا ذلك إلا محبة لك»، وإلى آخر ما قالوه رضي الله تعالى عنهم.
وكذلك يقول: وبالذي قالوه في المؤذن، النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا فآذن فوق الكعبة، فرآه رؤساء قريش: عتاب بن أسيد وأخوه، وكذلك الحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب، فقال بعضهم -كما قال عتاب بن أسيد-: «والله لقد أكرم الله أسيدًا إذ لم يرَ عبد بني جشم على هذه البنية»، يعني على هذه الكعبة.
وقال الآخرون كلامًا، وقال أبو سفيان: «أما أنا فلو تكلمت لأخبرت بي هذه الحصباء»، يعني هو يخاف أن يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وفعلاً النبي بعد ما طاف جاء إليهم وقال: «قلتم كيت وكيت»، فقالوا: «نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أنك رسول الله».
وكذلك وهو في الطواف كان بجانبه أحد الصحابة، بعد ذلك أسلم وكان مضمرًا، وهو فضالة بن عمير بن الملوح الليثي، كان يطوف ويريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن ينتهز فرصة يقتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم التفت عليه وقال له: «ماذا قلت في نفسك؟»، قال: «لم أقل شيئًا يا رسول الله»، قال: «استغفر الله»، ثم قال: «فضالة»، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدري ثم دع لي، قال: «فوالله ما رفع يده إلا وهو أحب الناس إلي».
ثم رجع فضالة إلى أهله، وفي الطريق رأى امرأة كان يتحدث معها في الجاهلية -فهذا مجرد ما أسلم في هذا الموقف ورجع إلى أهله امتنع من المعاصي- فرأت امرأة كانت تتحدث إليه ويتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقال أبياتًا يقول فيها: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليّ الله والاسلام لو ما رأيت محمداً وقبل بالفتح ... يوم تكسر الأصنام لرايت دين الله أضحى بينا والشرك يغشى وجهه الإظلام
هكذا كان هذا الفتح العظيم، وهناك من الأحداث الشيء الكثير ولكننا نؤجلها إن شاء الله إلى حلقة قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري