دخولتسجيل الدخول

الحلقة 25

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا فيها نتحدث عن مجريات أو أحداث فتح مكة. والحقيقة أن فتح مكة ممكن أن يطول بنا الحديث فيه، ولكن نختصر إن شاء الله، ولعلنا نختم أحداث فتح مكة في هذه الحلقة بإذن الله.

بقي مما نذكره في أحداث فتح مكة عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن جماعة من الصحابة الذين كانوا شديدين على رسول الله وعلى المسلمين؛ منهم عكرمة بن أبي جهل، ومنهم عبد الله بن أبي سرح، ومنهم العامري، ومنهم أيضًا هبار بن الأسود الأسدي، ومنهم أبو سفيان بن الحارث وقد تقدم الحديث عنه، ومنهم أهل مكة. ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومته في المغازي: وفاز من لاذ به واسترح ... يومئذ إذ هو يوم المرحمه كابن أبي سرح وزير الخلفاء ... ونخس البكر ببنت المصطفى وهلكت لنقصه والقت ... إذا بطنها والبرحي بحرقه أمر ثم رجع لقتله ... نار عنه دفعًا وبعد ما أشفى على الإحراق تداركته رحمة الخلاق.

يقول البدوي رحمه الله: وفاز، يعني في يوم فتح مكة، وفاز من لاذ به واسترح، يعني فاز من الناس الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتلهم؛ من لاذ بالنبي، من جاء مسلمًا وجاء مبايعًا، وفاز من لاذ به واسترح يومئذ إذ هو يوم المرحمة. وهنا إشارة إلى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع كلام سعد بن عبادة؛ لأن سعد بن عبادة عندما مر على أبي سفيان كما ذكرت سابقًا قال: "اليوم اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة"، فذكر ذلك أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل اليوم يوم المرحمة».

وعندما وقف على باب الكعبة وخطبهم وقال: "الناس من تراب، ناس من آدم، وآدم من تراب"، وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترون أني فاعل بكم؟"، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، إن عذبت أو أخذت فبجر عظيم، وإن عفوت فبحلم قديم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أقول لكم كما قال أخي يوسف: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

في هذا اليوم شعرت قريش بعظم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم يعلمون أنه عظيم الأخلاق، وأنه الصادق، وأنه الرحيم. ولذلك فرّ منهم، ممن فر من النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة بن أبي جهل في بداية الأمر، وكذلك صفوان بن أمية. أما عكرمة فلحق باليمن، وأراد أن يركب السفينة؛ لأنه بعد ما حصل القتال في مكة فر، كما قاله حماس بن خالد كما ذكرت سابقًا، فر عكرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد قتله.

ولحق باليمن وأراد أن يركب السفينة، فقال له النوخذة صاحب السفينة: "أخلص"، فقال: "ما أقول؟"، قال: "قل لا إله إلا الله ومحمد رسول الله"، فقال: "والله ما فررت إلا من هذه". فبينما هو كذلك، إذا بامرأة تلوح له، فلما التفت فإذا هي زوجته تلوح بثوبها، وكانت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابنة عمه، قد جاءت النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت، فلحقت بزوجها وكان معها غلام خادم مملوك رومي، فكان هذا المملوك يراود أم حكيم على نفسها ويريد أن يتمكن منها، وهي تمنيه حتى جاءت لقوم من العرب فأخبرته بخبره وأمرت بربطه، فربطوه وبقي عندهم حبيسًا.

ثم لما لوحت بثوبها لزوجها رجعت زوجها، فعرفها فقالت: "لقد آمنت لك عند رسول الله، وإنه لخير ابن عم، وإنه لأرحم رجل وأوصل الناس وأقربهم رحمة"، وسارت تمدح النبي صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك رجع ما معها، وفي الطريق أخبرته بما فعله الرومي، فمر عليه فقتله، وكان ذلك كافرًا في ذلك الوقت، لم يكن مسلمًا. فلما أقبل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، إن هذه تقول بأنك أمنت"، فقال: "نعم"، فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله يا رسول الله إن كنا ضلالًا، وإن كنا لا نقاتل، وأنت أوصل الناس وأرحم الناس".

بمعنى بعد الجرم الذي ارتكبته في معنى كلامه: أنا ارتكبت جرمًا عظيمًا في حقك وفي حق المسلمين، وما تركت مجالًا ولا موقعًا إلا قاتلت فيها، ووصلك من السب عني أشياء كثيرة، ومع ذلك تعفو وتصفح حين قدرت. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله استغفر لي". والنبي صلى الله عليه وسلم لما رآه قام واستقبله بحفاوة ورحب به، فعند ذلك رأى الفرق بين نفسه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم رضي الله تعالى عنه وقال لرسول الله: "استغفر لي"، فاستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى حياته مجاهدًا في سبيل الله؛ لأنه علم أن الناس قد سبقوه إلى الإسلام، حسن إسلامه، وصار يقول هو وسهيل بن عمرو وغير واحد من الصحابة: "والله لا ندرك هؤلاء الناس، يعني سبقوا بالتصديق وسبقونا بالهجرة، ولكن ليس هناك مجال إلا الجهاد في سبيل الله". فذهب إلى الشام هو وسهيل بن عمرو وغير واحد من الصحابة، واستشهدوا في فتوح الشام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وهكذا ابن أبي سرح، عبد الله بن أبي سرح العامري، كان كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، ثم رجع وارتد وصار يتكلم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقتله. فجاء به عثمان خفية، اختبأ عند عثمان في فتح مكة، وكان عثمان هو وأخوه لأم، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، هذا عبد الله بن أبي سرح يستأمنك ويبايع"، فسكت النبي، فرددها مرة أخرى ومرة ثالثة والنبي ساكت، ثم قال: «قد أمنتُه» أو قد قبلت إسلامه، وأسلم رضي الله تعالى عنه. ثم قال النبي للصحابة بعدما ولى: «أما كان فيكم رجل رشيد يراني حين سكتت ويقوم عليه؟».

وضرب عنقه؛ لأن النبي كان قد وجد عليه، فقال: «يا رسول الله، ألا أشرت بعينك؟ كنت أشرت لنا حتى يقوم القائم منا ويفعل ما تريد»، فقال: «إنه لا ينبغي لنبي خائن الأعين». هذه الإشارة من خيانة الأعين، من الخيانة في العين، والنبي لا ينبغي له ذلك.

ثم إن رجلاً آخر قد جاء وهو هبار بن الأسود، وهبار بن الأسود هو الذي خرج وأدرك بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، زوجة أبي العاص بن الربيع. لما أسر النبي صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع في غزوة بدر، عاهده أن يرسل إليه زينب بنته في مكة، فأطلق أبا العاص بن الربيع من أساره وذهب أبو العاص إلى مكة، ثم وفى بعهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعوده وأرسل زينب.

وكان بعض الصحابة قد جاء ليأخذها من مكة ويوصلها إلى المدينة، فلما خرجت زينب مع كنانة بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع، أدركها أناس من قريش منهم هبار بن الأسود، ونخس فجأة على غرة من الرجل الذي معها، فسقطت زينب من بعيرها وألقت ما في بطنها، وكانت حاملاً رضي الله عنها فأصيبت. فهذا الرجل ضرب بنت رسول الله، وقيل إنها ماتت بسبب هذه النخسة، وفي السنة الثامنة توفيت رضي الله عنها.

وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله: وكابن أبي سرح وزير الخلفاء ... وناخذ البكر ببنت المصطفى فاز من لاذ به واسترح ... كابن أبي سرح وذكرنا قصته ونأخذ البكري ببنت المصطفى ... البكري يعني الجمل وهلكت لنقصه وألقت ذا بطنها والبرح ... البرح يعني الشدة بحرقة أمره ثم رجع لقتله والنار عنه ... دفع النبي كان في البداية أمره

كان النبي في البداية قد أمر بحرقه لما وجد عليه هذا الرجل؛ يضرب بنت رسول الله ولا يطلب منها شيئًا، امرأة ليست في حرب، ويأتيها ويضرب قعودها حتى تسقط ما في بطنها، ثم يكون ذلك سببًا لموتها، وهو أمر عظيم جدًا، وهي بنت خير الخليقة، وهي ليست بعيدة منه من أبناء عمومتها. فكان النبي قد وجد عليه فأمر في البداية بإحراقه: «من وجد هبار فليحرق»، ثم قال: «لا يعذب بالنار إلا رب النار، من وجده فليقتله».

فلما كان الفتح، وجاء هبار بن الأسود والنبي صلى الله عليه وسلم راجع من منصرفه من الطائف وهو في الجعرانة، جاء طلع هبار بن الأسود والنبي جالس والصحابة حوله، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: «يا رسول الله، هذا هبار بن الأسود»، قال: «قد رأيته»، فأراد أن يقوم فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن اجلس.

فجاء هبار بن الأسود وقال: «يا رسول الله، والله لقد كنا ضلالًا فهدانا الله بك، والله إني لقد هممت أن الحق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتين، فجئت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ويا رسول الله إني أعترف بجهلي، أعترف بذنبي فاغفر لي أو اعفُ عني»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت عنك، والحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، فإن الإسلام يجب ما قبله».

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا الرجل مع ما فعل، وكان ينبغي أن يؤخذ منه القصاص، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وقبل إسلامه وقال: «إن الإسلام يجب ما قبله»، بل ومنع الناس أن يسبوه بنخسه لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «من سبك أو ذكرك فسبه»، لأن الناس تكلموا فيه بعد ذلك أنك الذي ضربت زينب، فشكى ذلك لرسول الله فقال: «من سبك فسبه». فهذه رحمة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من رحمة رب العالمين، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

يعصي الإنسان حياته، يعصي الله سبحانه وتعالى ويركب المناكر ويفعل، وما أعظم العصيان إذا كان في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذاء المسلمين، ومع ذلك من جاء مسلمًا قبله الله وقبله رسوله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول البدوي رحمه الله: وبعدما أشفى على الإحراق ... تداركته رحمة الخلاق أحن وأرف من الأم بنا ... وهكذا كان رسوله لنا

يدخلنا الجنة إلا من شرد عنه وعن توحيده، وأجر له وأجز ل يضاعف الأجر لسبع م ففوق، يؤجر بحسن النية من لطفه أن تمح صحاف الذنوب وهي عظيمة تروع القلوب، لا تزن التهليل في بطاقة كأنها الظفر في الدقاقة.

نقف هنا ونكمل إن شاء الله بعد قليل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

مرحبًا بكم من جديد، كنا وقفنا عند كلام البدوي رحمه الله في منظومته، والتي ذكر فيها رحمه الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الأبيات: وبعدما أشفى على الإحراق ... تداركته رحمة الخلاق أحن وأرف من الأم بنا ... وهكذا كان رسوله لنا

يعني رب العالمين أرحم بالناس من الأم بولدها، ولذلك وهو يشير في هذا إلى حديث الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسبي، وكان في السبي امرأة تسعى، وكلما وجدت طفلًا زقته بثديها وأرضعته في السبي، طفلًا من أطفال عشيرتها ليس طفلها، كلما وجدت طفلًا أخذته وأرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة تعجبًا من شفقتها على هؤلاء الأطفال: «أترون هذه المرأة التي هذا صنعها؟ أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟»، فقالوا: «لا والله يا رسول الله»، فقال: «فوالله لا الله أرحم بكم من هذه بولدها»، الله أرحم بنا من الأم بولدها.

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول البدوي، وهكذا كان رسوله لنا، النبي صلى الله عليه وسلم كان أرحم بنا أيضًا من الوالدة بولدها. لما ضربه قريش ولقي من قومه ما لقي، تقول عائشة: «هل لقيت من أيامك أشد من يوم أحد؟»، قال: «نعم، حين عرضت علي نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال، وذهبت مغمومًا على وجهي ولم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فإذا سحابة قد أظلتني، وإذا فيها ملك الجبال، فقال: إن الله يأمرك أو يستأمرك»، يعني أن ملك الجبال، أن الله أمرني بأن أعرض عليك إن أردت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من».

يعبد الله لا يشرك به شيئا. كان بالإمكان أن يعدمهم في لحظة واحدة، ولكن هكذا كان النبي ﷺ، ولذلك هؤلاء الناس الذين أسلموا كانوا بعد ذلك أتقى الناس وأورع الناس وأحيا الناس من رسول الله؛ كان الواحد منهم لا يرفع نظره في رسول الله، حتى إن بعضهم يقول: «والله لو سئلت أن أصف النبي ﷺ ما استطعت، فإني ما كنت أملأ عيني من حياء منه ﷺ».

هكذا رب العالمين، وهذه الرحمة التي في رسول الله ﷺ إنما هي من رب العالمين. والنبي ﷺ يقول: «إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها». وفي الحديث الآخر أن الله له مائة رحمة، أنزل رحمة واحدة على العباد، فبهذه الرحمة ترفع الدابة حافرها عن ولدها، وادخر تسعاً وتسعين رحمة إلى يوم القيامة.

ولذلك يقول بعض الصالحين: «اللهم إنك برحمة واحدة قد هديتني للإسلام، فإني لأرجو بتلك الرحمات يوم القيامة أن تغفر لي وأن تدخلني الجنة». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن على جميع المسلمين وأن يغفر لهم ويجعلهم من أهل الجنة، وأن يمن على غيرهم بالهداية للإسلام وأن يدخلهم الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه يذكر من رحمة الله: «يدخلنا الجنة إلا من شرد». يريد الناس أن يدخلوا الجنة، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. الله لا يريد أن يعذب الناس، يدخلنا الجنة إلا من شرد عنه وعن توحيده، أبا وأسد، الذي لا يريد التوحيد ولا يريد رب العالمين، هو الذي أذنب على نفسه.

ولذلك النبي ﷺ يقول: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». يقول البدوي بعد ذلك يقرب بالذراع أو بالباع: وهو يشير إلى الحديث المشهور: «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».

رب العالمين ماذا يريد من الناس وهو أغنى الأغنياء؟ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، ومع ذلك رب العالمين إذا جاءت توبته قبل... وفي بعض الأحاديث القدسية أن الله يقول: «يا ابن آدم، أمرتك فتولت، ونهيتك فتماديت، وسترت عليك فتجرأت، وأعرضت عني، فما بليت يا ابن آدم؟ أمرتك فتولت، ونهيتك فتماديت، وسترت عليك فتجرأت، وبكيت إذا عُوِّيْتَ تمردت وعصيت، يا من إذا دعاه العبد أجاب، وإذا دعاه الجليل أعرض ونأى، إن سألتني أعطيتك، وإن استغفرتني غفرت لك، وإن أقبلت قبلتك، وإن تبت تبت عليك، وأنا التواب الرحيم».

وفي الحديث الآخر في السنن أن الله سبحانه وتعالى يقول: «يا ابن آدم، إنك ما استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بمثلها مغفرة».

رب العالمين أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ويضاعف الحسنات، يضاعف الأجور، يضاعف الأجر لسبعمائة ضعف ففوق، يؤجر بالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى، وبالعكس، وأيضا زيادة بل أكثر من سبعمائة حسنة؛ الحسنة الواحدة تضاعف بحسن النية إلى حسنات كثيرة، وهكذا من لطفه سبحانه وتعالى.

وفي ذلك يقول أحد الشعراء إن الله سبحانه وتعالى إذا لقي العبد يوم القيامة يضاعف له الحسنات، الحسنة بمائة حسنة، والذنب يغفره، ويقول سبحانه وتعالى: «يا عبدي، كنت أستر عليك في الدنيا وأنا أغفر لك اليوم». لذلك يقول أحد أهل الأنظمة صوروا لقاء العبد بربه فيقول: «عبدي، عصيت وأنا سترت فيما مضى، واليوم قد غفرت، بل قد جعلت لك كل سيئة حسنة، وكل طاعة مئة». أي كرم أكرم من هذا؟ كرم رب العالمين أكرم الأكرمين.

ومن لطفه أيضا أن صحائف الذنوب العظيمة جدا تأتي بطاقة فيها «لا إله إلا الله» فتطيش تلك الصحائف. وهذا في إشارة يقوله البدوي رحمه الله عليه في منظومته التي ذكرت: من لطفه أن صحائف الذنوب ... وهي عظيمة تروع القلوب لا تزن التهليل في بطاقة ... كأنها الظفر في الدقاقة

وهو يشير إلى الحديث المشهور أن رجلاً من أمة النبي ﷺ يأتي وعنده تنشر له صحف كثير من الذنوب، فيقال له: «يا عبدي»، فيقول الله له: «يا عبدي، هل بخصك من عملك شيء؟ هل ظلمتك اليوم؟» فيقول: «لا والله يا رب»، يعترف بهذه الذنوب، فيقول: «هل بقي لك حسنة تقابل هذه الذنوب؟» طبعاً ربما يكون هناك حسنات ولكن الحسنات طغت عليها كثرة الذنوب، ولذلك يقول الصالحون: «ويل لمن غلبت آحاده عشراته»، يعني السيئة بسيئة والحسنة بعشر، أي كرم أكرم من هذا. ومع ذلك: «ويل لمن طغت آحاده وغلبت عشراته».

فيقول: «يا عبدي، هل ظلمتك؟» فيقول: «لا»، فيقول: «لك حسنة»، فتأتي بطاقة، فيقول: «يا ربي، ما هذه البطاقة في هذه السجلات؟» فتوضع البطاقة في كفة الميزان فتطيح: «لا إله إلا الله»، قالها مخلصا من قلبه. «من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة»، يقوله النبي ﷺ.

وهكذا من رحمته أن الرجل يشيب وهو مسلم فيدخله الله الجنة، إن الله لا يعذب شيخاً شاب في الإسلام، أو إن الله لا يستحي أن يعذب الشيبة الكبير الذي شاب في الإسلام، ومع ذلك الشيبة لا يستحي يذنب الذنوب، ربنا يستحي أن يعذبه وهو لا يستحي من ربه فيذنب ذنوبه.

وفي هذه يقول هناك قصة طريفة أو قصة جميلة جدا عن يحيى بن أكثم، ذكرت عنه، ويحيى بن أكثم كان من القضاة وكان من الناس الذين في مرتبة الإمام أحمد من حيث السن، ومن تلاميذ عبد الرزاق الصنعاني، وعبد الرزاق شيخ للإمام أحمد أيضا، هذا الرجل يحيى بن أكثم كان قاضياً وكان في شبابه عنده بعض ما عند الناس، فلما مات رآه أحد تلاميذه في المنام فقال: يا يحيى بن أكثم.

ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيبة السوء، صنعت كيت وكيت، فقلت: يا ربي، ما حدثت عنك بهذا! فقال: وما حدثت عني به؟ قال: حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة عن رسولك عنك، أنك قلت: إني لأستحي أن أعذب الشيبة يشيب في الإسلام.

فقال الله له سبحانه وتعالى: صدق عبد الرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهري، وصدق عروة، وصدقت عائشة، وصدق رسولي، وأنا أصدق القائلين، اذهبوا به إلى الجنة. رحمة الله أوسع من كل شيء، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث الذي يرويه عن ربه: «إن رحمتي غلبت غضبي» أو «إن رحمتي سبقت غضبي».

فويل لمن لم يرحمه الله يوم القيامة، ويل لمن لم يتب ولم يرجع قبل أن يموت، فإن الله يفرح بتوبة العبد ما لم يغرغر. إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، ويفرح بتوبة العبد أكثر مما يفرح أحدكم بضالته أو براحلته التي انفلتت منه وعليها طعامه وشرابه إلى آخر الحديث.

فرحمة الله واسعة، والله هو أرحم الراحمين، فعلينا أن نعود ونتوب إلى الله ونتعرض لرحمته، لعل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا بالسعادة وأن يدخلنا الجنة. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].