﴿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وسنتكلم فيها عن غزوة حنين.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة توجه إلى حنين لغزو هوازن، وكان السبب في ذلك أن هوازن وثقيف وجماعة من القبائل قد تجمعوا في عشرين ألفًا، وقالوا: نغزو محمدًا قبل أن يغزونا؛ لأنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد فتح مكة قالوا: لم يبق إلا نحن، وإنه سيغزو. فتجمعوا وجمعت قبائل كثيرة جدًا حتى بلغوا من العدد ما يقرب من عشرين ألفًا، وكان على رأسهم مالك بن عوف النضري.
ثم جمع كذلك معهم نساءهم وأموالهم وجعلها خلف الناس، حتى إنهم ذهبوا إلى رجل من جشم وهو دريد بن الصمة، رجل مشهور بتجربة الحرب يستشيرونه ويريدونه أن يذهب معهم، وكان قد عمي وكبر في السن، بلغ فوق المئة، قيل مئة وعشرون وقيل أكثر من ذلك. لما أتوهم وأخبروه بنيتهم سألهم: «أنا رجل كبير لا أقف على الخيل، لا أستمسك عليها ولا أحمل السلاح»، فقالوا: نريد رأيك، قال: «نعم، ولكن لا تخالفوني»، فقالوا: لا نخالفك.
فلما جاؤوا ونزلوا في وادي أطواس، ولمس التراب بيده قال: «ما هذا الوادي؟» قالوا: أطواس، فقال: «نعم مجال الخيل»، يعني أنه مكان رحب للخيل تجري فيه وترجع. ثم سمع أصوات رغاء الإبل وأصوات الأولاد -كما يقال رغاء البعير ونياح الحمير- فقال: «ما هذا؟» فقالوا: مالك بن عوف قد حشد الناس وجاء بنسائهم وأهليهم وأموالهم معهم، فقال: «ادعوه لي»، وذهب إليه فقال: «يا مالك، ما هذا الذي أسمعه؟» فأخبره، فقال: «ولِمَ فعلت ذلك؟» قال: حتى يكونوا خلف الرجال يقاتلون عن أموالهم وعن أهلهم، فانقض به، أي فعل فعلًا باللسان -وهي طقطقة باللسان تفعل للدواب-.
وقال صاحب ضأن: «والله إن المنهزم لا يرده شيء»، يعني لو انهزم هؤلاء الناس فلا يردهم شيء، وهؤلاء تصبح هذه الأشياء غنيمة لعدوك. وقال له: «هذا ليس بالرأي، وإنما الرأي أن تقاتل على ظهور الخيل وبين الرجال، فإن تظهر فبالظفر، وإن كانت الأخرى فالك، وقد أحرزت أهلك ومالك»، فأبى عليه. فقال: «ما صنعت كعب وكلاب؟» وهي قبيلتان من هوازن، فقالوا: لم تحضرا، فقال: «ذهب الحد والجد».
ثم سألهم من حضر من القبائل، فقالوا: بنو فلان وبنو فلان، فقال: «هذان الجذعان لا ينفعان ولا يضران»، ثم أصر على الناس وقال لهم: «لا تطيعوا مالك بن عوف، فإنه والله حري أن يفر ويترككم وأولادكم ويتحصن في حصن ثقيف». فعندما رأى ذلك مالك بن عوف وخشي أن الناس يتفرقون عنه أخذ سيفه وقال: «والله لئن لم تطيعوني لأتكان على هذا السيف حتى يخرج من ظهري». فعند ذلك أطاعه الناس، وغلب دريد بن الصمة على رأيه، وقال الناس: نطيعه وهذا شيخ كبير يموت بعد أيام ويذهب رأيه ويبقى كبيرنا الذي هو مالك بن عوف المطاع.
فعند ذلك قال دريد بن الصمة: «هذا يوم لم أشهده ولم يفتني، لم أشهده لأنه أعمى وليس له رأي فيه، ولم يفتني لأنه موجود بينهم»، ثم قال أبياتًا يتمثل بها يقول فيها: يا ليتني فيها جذعٌ أخبُّ فيها ... وأضعُ أطفا الزمعَ كأنها شاهُ صَدعِ
المهم أن هؤلاء تجمعوا، والنبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على القتال، فخرج في اثني عشر ألفًا من الصحابة الذين دخلوا مكة مئة ألف، والفئة من أهل مكة، فذهبوا. فلما انحدروا من وادي حنين -وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحد الصحابة بأن يحرسهم وهو أنيس أو أنس بن أبي مرثد الغنوي، وقال له: احرسنا- وكانوا قد باتوا ليلة قبل حنين فحرسه.
فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قال: «هل رأيتم فارسًا؟» فقالوا: لا. فلما صلى صلى الله عليه وسلم قال: «أبشروا فها هو»، فجاء الفارس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل نزلت؟» فقال: لا يا رسول الله، إلا مصليًا أو لحاجة، فقال: «لقد أوجبت، فلا عليك إلا أن تعمل بعد اليوم». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أهمية الحراسة في سبيل الله، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».
المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تحرك هو والجيش، وعنده الخيالة مجنبان يمينًا ويسرى، والرجالة في الوسط. فلما انصبوا من الوادي كانت هوازن قد اختبأت في الشعاب وجعلوا كمينًا، وهذا بمشورة دريد بن الصمة؛ قال: «أما إذا لم تطيعوني فاجعلوا كمينًا»، فجعلوا الكمين وكانوا رماة.
وانحدر الصحابة من الوادي فما رعاهم إلا الحملة من هوازن، فانكشف سرعان الناس، كان في البداية جماعة من الشباب المتحمسين وكثير منهم ليس معه سلاح، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعار بعض السلاح من صفوان بن أمية، وكان مشركًا، وصفوان بن أمية من الناس الذين فر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأدركه عمير بن وهب بأمان من رسول الله، وآمن له فرجع معه وقصته مشهورة، فلما رجع وهو على شركه قال: «إن هذا عمير بن وهب قد قال بأنك أمنتني وقد أجزتني أو سيرتني شهرين، قال لك أربعة أشهر، يعني تبقى على ما أنت عليه وإما أن تسلم وإما أن تبحث عن بلد آخر»، فبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم مشركًا.
فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا صفوان، إني أريد أن تعيرني الدروع التي عندك»، وكانت عنده دروع وسلاح، قيل إنها مئة وقيل ثلاثمئة درع، فقال: «يا رسول الله، أغصبًا أم عارية؟» قال: «بل عارية مردودة أو مضمونه». فعند ذلك أعار هذه الدروع.
المهم أن الصحابة لما نزلوا كان السلاح لا يكفي كثيرًا منهم، ففوجئوا بالرماة والحملة عليهم من كل حدب وصوب، والإبل نفرت كذلك والخيل وجفلت، الإبل فأخذت ترجع من حيث أتت. وكان ابن الأكوع سلمة بن الأكوع على ثنية، فرأى الناس وما لقوه من القتال الشديد والرمي ونفور الناس وهروبهم حتى وصل بعضهم إلى...
مر سلمة بن الأكوع -وهذا في الصحيح- مر على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه رداء وعليه إزار، ومن سرعته صار الرداء يطير، فأخذ يمسكه بيديه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا».
وفي هذه الحالة في بداية المعركة، تفرح على هذا الوضع أناس من المشركين، وأناس ممن أعلنوا إسلامهم، فقال بعضهم: لقد بطل سحر محمد! يعني كان لا يزال في قلبه أنه يظن أنه سحر، حتى قال له صفوان بن أمية: «ويحك! والله لأن يربيني رجل من قريش خير من أن يربيني رجل من هوازن وهو مشرك». يعني هذا ابن عمك، أنت تفرح عليه؟
فانكشف كثير من الصحابة، ولذلك البراء بن عازب في الصحيح قيل له: يا أبا عمارة، أفررت يوم حنين؟ قال: «لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر». ولما رأى الناس فروا، أخذ النبي يضرب بغلته الشهباء، وكان عليها، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
وكان أبو سفيان بن الحارث، ابن عمه، ماسكًا بعنان أو خطام الدابة أو البغلة ويردها، والنبي صلى الله عليه وسلم يسوقها في نحر العدو ثم يقول: «أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، هلموا أيها الناس». والناس لا يلوون على أحد من الذعر الذي جاءهم.
ثم التفت إلى العباس بن عبد المطلب عمه، وكان بجانبه فقال: «يا عباس، نادي أهل السمرة»، يعني أهل الشجرة الذين بايعوا، وهم المهاجرون والأنصار الذين بايعوا تحت الشجرة في يوم الحديبية، الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. فنادى بأعلى صوته: «يا أهل الشجرة! يا أهل السمرة! رسول الله يدعوكم».
فكان بعض منهم يريد أن يرجع ناقته ولا يستطيع، ثم ألقوا الدروع التي كانت عليهم لثقلها، ألقوها، ثم قفزوا بسيوفهم ومعهم من السلاح وجاءوا حتى أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، واجتمع حوله ما يقرب من المئة.
عند ذلك قاتلوا قتالًا شديدًا، وقاتل الأنصار في ذلك اليوم قتالًا شديدًا، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا لَلأنصار!»، فيقولون: «لبيك يا رسول الله وسعديك». إن التفت يمينًا رأى الأنصار، وإن التفت شمالًا رأى الأنصار والصحابة بين يديه، وكان النبي يتطاول للقتال.
فلما رأى مشهدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «الآن حمي الوطيس»، ثم أخذ النبي حفنة من تراب فقذف بها على المشركين وقال: «شاهت الوجوه». يقول الصحابي الراوي: فوالله لما رأيته يقول: «انهزموا والله»، و«شاهت الوجوه»، نظرت فإذا القتال على حاله.
ثم ما زال بعد رمية النبي صلى الله عليه وسلم القتال يضعه في جانب هوازن، وما زال كلهم أو أحدهم كليلًا إلى أن ولوا مدبرين، وأخذ الصحابة يئسرون وصاروا يحوزون الغنائم، وهي غنائم عظيمة جدًا، فعند ذلك جاء النصر من رب العالمين.
وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]. لقد نصركم الله في مواطن كثيرة؛ في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي الحديبية، في كثير من المعارك.
كان بعض الصحابة قد قال لما رأى العدد كثيرًا: «لن نغلب اليوم من قلة»، يعني عددنا؛ نحن في بدر قاتلنا ثلاثمئة، والآن ألف ومائتان وفينا رسول الله، لن نغلب اليوم من قلة، فكان كأنهم اتكأوا قليلًا على العدد. عند ذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لهم أن النصر إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى وليس النصر بالعدد، ولذلك انتصر مئة رجل مع رسول الله على ألف مؤلفة، بينما فر بعض الصحابة أو بعض الناس الذين أسلموا.
نقف هنا ونكمل بعد قليل إن شاء الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبًا بكم من جديد، كنا وقفنا عند ذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 25-29].
أنزل الله الملائكة فنصرت نبيه، وعذب الله الكافرين على أيدي رسوله وعلى أيدي الملائكة. فالله سبحانه وتعالى في هذه الغزوة يبين للصحابة أن النصر إنما هو من عند الله، كما أن النصر في بدر من عند الله، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 9-10]. نزول الملائكة إنما هو تطمين لقلوبكم، وإلا فالنصر من عند الله.
وهكذا في حنين، لما ظنوا أن كثرتهم ستغني عنهم وأنهم لن يغلبوا ما داموا على هذه الكثرة، واعتمدوا على كثرتهم، أراد الله أن يبين أن النصر ليس بهذه الكثرة، وإنما النصر بالصبر وبالقتال لوجه الله سبحانه وتعالى وباستمداد النصر منه سبحانه وتعالى.
في هذه الغزوة يقول البدوي رحمه الله، ويلخص محتواها أو ما جرى فيها: «ثم إلى وادي حنين انحدر عن مكة من اثني عشر، فوجدوا هوازن تأهبوا بكل مخرم لهم وبوا، وبينما الجيش إليهم ينحدر بغلس شدوا إليه وهو غر»، يعني أن هوازن شدوا على الجيش وهو غير منتبه، «فاستنفروا الركاب، وأدبرت تخد بهم غلب الرقاب»، يعني فاستنفروا الركاب وهي الإبل فجفلت ونفرت بالناس.
فأخذ الصحابة بعد لما سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن ينزلوا، ولذلك يقول البدوي رحمه الله في ذلك: «واستنزل ودرع وهي تمر مرجها من البهاليل نفر، استنزلوا أنفسهم فنزلوا والدرع يعني لبسوا الدروع بعد ما ألقوها، وهي والابل يعني وهي تمر مرجها بالبهاليل نفر نافرة، فاقتحموا عنها وأبوا للنبي وزحزح عنه زحوف العرب، فأرسل الله جنود الفرج، وقبضة الترب قضت بالفلج»، يعني بالنصر. وبعد هذا النصر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم.
وحبسها في الجعرانة، وذهب إلى الطائف؛ لأن هؤلاء كثيرًا منهم قد ذهب إلى الطائف ومنهم ثقيف وتحصنوا فيها، فأراد أن يدركهم فذهب إلى الطائف النبي صلى الله عليه وسلم، وحصر الطائف مدة من الزمن، وأبقى الغنائم في مكانها لم يقسمها بين الناس، وكان صلى الله عليه وسلم يرجو أن تسلم هوازن، وأن يأتوا ويطلبوا غنائمهم أو سبيهم حتى يردها عليه.
ولذلك يقول البدوي رحمه الله: «ووقف السبي إلى أن رجع من الطائف لعل أن يسترجع، لعله يسترجع». وكانت هوازن قد يعني كان النبي قد تربى في بني سعد، منهم كانت مرضعته حليمة السعدية، فكان النبي حريصًا على أن ترد هذه السبايا وهذه الغنائم، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بطلب؛ لأن المسلمين قاتلوا، وحق قتالهم وحق جهادهم أن يحصلوا من الغنائم على ما كتب الله لهم.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغنائم: «أيُّها الناس، لا تأخذوا منها شيئًا، لا يغل أحد منها شيئًا، فإنما لكم منها أربعة أخماس، ولله ولرسوله منها خمس، وخمس رسوله صلى الله عليه وسلم مردود إليكم»، لا تتعجلوا ولا تأخذوا، أبقوا كما هي فإنها لكم.
ثم لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف قسم الغنائم، قسم لأناس ممن أسلموا، ممن يؤلفه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، أو لم يسلموا ويريد لهم الإسلام، كصفوان بن أمية؛ أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأبو سفيان بن حرب، وأعطى أناسًا من الكبراء أو من أشراف قريش وغيرهم من العرب غنائم كثيرة.
وكان العلماء يقولون: هذه الغنائم التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تكون من الخمس الذي له، وإما من الغنائم كلها، ويعلم أن الصحابة لن يخالفوه في هذه العطايا. ولذلك بعض الناس قال: والله هذه قسمة ما وُلد بها وجه الله، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح فقال: «يرحم الله موسى، لقد أُوذي أكثر مما أُوذيت».
وجاء رجل وقال: عدل يا محمد، فقال: «ويحك! إن لم أعدل أنا فمن يعدل؟ إن لم يعدل الله ورسوله فمن يعدل؟»، ثم قال: «يخرج من ضئضئ هذا أناس يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وكان هذا الرجل الذي قال هذا الكلام هو خرج من صلبه الخوارج الذين ابتدعوا في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ثم استمرت بدعتهم إلى الآن.
ثم استمر النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، وبعض الصحابة ما أعطاهم منهم عمرو بن تغلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعطي الرجل وأدعي الرجل، والذي أدعي أحب من الذي أعطيه»، منهم عمرو بن تغلب، ولذلك يقول عمرو بن تغلب كلمة: «ما أحب لي أن لي بها الدنيا».
هذه الغنائم التي قسمها النبي صلى الله عليه وسلم جاء أهلها بعد ذلك، فجاء زهير بن سرد وقال: يا رسول الله، جاء مسلم، هو ركب وفد من هوازن لكن تأخروا، ما جاؤوا إلا بعد أن قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إن في هذه الحضائر خالاتك ومرضعات أمهاتك، وإنما كذا وكذا، وأخذ يستعطف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال قصيدة يستعطف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيها:
أَمِنَّ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ .. فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ أَمِنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عاقَ قَدْرُ مُشَتَّهَا .. شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غَيْرَ أَنْ لَمْ تَارِكُهُمْ نَعْمَاءَ تَنْشُرُهَا يَا أَرْحَمَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ .. أَمِنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا إِذْ فُوَيْكُ مِلْؤُهَا الدُّرَرُ إِذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا .. وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ لَا تَجْعَلْنَا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتِي مِنْا .. فَأَنَا مَعْشَرُ زُهْرٍ كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتِي بَاطِنَ الْقَدَمِ
ومعنى شالت نعمته يعني ارتفعت، وإنما ترتفع القدم إذا مات الشخص إذا استلقى على ظهره، وهذه كناية شالت نعمته يعني بمعنى مات، فيقول: لا تجعلنا كمن شالت نعامتي منا، فأنا معشر زهر، أنا لنشكر الإلاء وإن كفرت، وعندنا بعد هذا اليوم مدخر، فالبس العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك، إن العفو مشتهر، يا خير من مرحت كمت الجياد به عند الهياج إذا ما استوقد الشرر، أنا لنام عفو منك تلبسه هذه البرية إذ تعفو وتنتصر، فاعفُ عفا الله عما أنت راهبه يوم القيامة إذ يُهدى لك الظفر.
فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقال: «أحسن الحديث كتاب الله، وأصدق الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم»، ثم قال لهم: «أخبروني، أحساب وأولادكم أعز عليكم أم أموالكم؟»، يعني اختاروا بين الأموال أو بين الذرية والنساء لأن الغنائم قد قسمت، وأنا لابد أن أتكلم في شيء من ذلك. فقالوا: بل أحسابنا يا رسول الله، لا نعدل بها شيئًا، أما الأموال فلا لا حاجة لنا بها، وكانت الأموال كثيرة جدًا.
فعند ذلك قال: «إني إذا صليت الظهر سأخطب بالناس أو أخطب بالناس، فعند ذلك قولوا إنا نستشفع برسول الله على المسلمين، ونستشفع برسول الله، وإنا نسأل ذرارينا وأحسابنا». فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن معشر هوزاء قد جاؤوا تائبين معترفين وقد أسلموا»، فقام خطيبهم وتكلم كلامًا بليغًا ثم قال: «إنا نستشفع برسول الله على المسلمين، ونستشفع برسول الله».
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما مالي ولبني عبد المطلب مما حصل من القسم فهو مردود إليكم أو فهو لكم»، فقالت الأنصار والمهاجرون: ما لنا، فهو لكم. وقال بنو فزارة، قال عيينة بن حصن: أما ما لنا فلا نرده، وهكذا قال بنو الأقرع بن حابس. وهكذا قال لما قال العباس بن مرداس من بني سليم: أما نحن فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يبقى على ما عنده، من أراد أن يردها بطيب نفس فذاك، ومن أبى إلا أن يأخذ حقه فإننا نبدله له أو نجازيه به إذا فتح الله علينا»، يرده الآن ونعطيه عن كل نفس ست فرائض، ست فرائض يعني ست جمال، لأن الجمل يسمى فريضة في الزكاة، فكل الناس ردوا ما عندهم سواء كانوا يريدون الفرائض.
قد أثبتوا حقهم بعد ذلك، أو قد عفوا عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا عيينة بن حصن؛ فإنه رفض وأخذ عجوزًا كبيرة، وقال إن لها قدرًا عند قومها، وسيفًا دونها بمال كثير، لم يرَ أن ست الفرائض كافية.
عند ذلك مر به ولدها، وقال: أتفاديها بمئة من الإبل؟ فقال: لا. فتركها، ثم رجع مرة أخرى وقال له عيينة بن حصن: ألك فيها بـ100 بما أعطيتني؟ فقال: لا. بـ50؟ قال: لا. ثم رجع المرة الأخرى بـ25، إلى أن أعطاه إياها بست فرائض كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالبقرة، وإن ولدها قد أخذ منه حله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كسى بقية السبي.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري