﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام. وما زلنا في الكلام عن غزوة هوازن أو غزوة حنين، وكنا ذكرنا في الحلقة الماضية -أو وقفنا عند- أبيات ذكرها زهير بن صرد يستعطف بها النبي ﷺ.
إن النبي ﷺ ذكر للناس أنه سيرد ما عنده، هو ماله وما لـ بني عبد المطلب إلى هوازن، وكذلك فعل أكثر الناس وغالبهم، وبقي أناس على ما عندهم من السبي والذراري، ثم كأنهم أخذوا عوضًا عنه، أو قالوا إنه يبقى لنا ونأخذ عوضه فيما يأتي من الزمن، وردوه جميعًا. وذكرت أنه بقي أيضًا عتبة بن حصن، وبقي معه امرأة، ثم ردها في النهاية.
طبعًا هذه الغزوة فيها أمور كثيرة، وأنا أحاول أني أختصر لأن الوقت لم يبق إلا القليل، وإلا فهناك أشياء كثيرة. من ضمنها أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري رضي الله تعالى عنه، لما رأى الناس انكشفوا عن النبي ﷺ، خرج هو في البداية مع النبي ﷺ وهو يضمر قتل النبي ﷺ؛ لأن أباه وغير ذلك من أهله قُتلوا في يوم أحد وفي أيام أخرى، فكان شيبة يضمر لرسول الله ﷺ العداء، وكان يريد أن يقتل النبي ﷺ ويقول: «سأخلص الناس من شره، وأكون قد ثارت لأهلي وقريش كلها».
فخرج مع النبي ﷺ، فلما انكشف الناس ونزل النبي وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، وسار النبي ﷺ يقاتل الناس، جاء شيبة قال: هذه الفرصة، والعجاج قد ثار والناس لا يرون شيئًا، فجاء عن يمينه فرأى العباس، وجاء عن شماله فرأى أبو سفيان بن الحارث، ورأى أنهم لا يسلمون، فجاء من خلفه، فلما جاء فإذا بشواظ من نار يكاد يخطف بصره، فرجع القهقرى على نفسه.
قال: فالتفت إلى النبي ﷺ وقال اقترب أو نحو ذلك، ثم وضع يده على صدري وقال: «اللهم أذهب ما في صدره»، ثم قال لي قال: والله ما رفع يده عن صدري إلا وأصبح محمد ﷺ أحب الناس إلي، ثم قاتلت، وإني لو قابلت أبي لقتلته دونه. تغير ما في صدره، بدل الغل والحسد الذي في صدره انقلب ١٨٠ درجة وأصبح النبي أحب الناس إليه ﷺ.
هذا من الأمور الكثيرة التي حدثت. الشاهد أن النبي ﷺ بعد توزيع الغنائم، وبعد رد السبي والذراري إلى أهلها، جاءته ﷺ في ضمن ذلك أخته من الرضاعة وهي الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى السعدية رضي الله تعالى عنها، فلما رآها النبي ﷺ عرفها وبسط لها رداءه وأجلسها، ثم أكرمها وقال: «إن شئت أن تبقي معي مكرمة -في خير ضيافة وفي خير كرامة- وإن شئت رجعت إلى أهلك»، فقالت: بل أرجع يا رسول الله. ثم زودها بمال ومهد ﷺ.
كانت هذه المرأة، التي هي أخته من الرضاعة، تقول في أيام رضاعتها في ذلك الوقت في هوازن في بني سعد أبياتًا جميلة وتدعو الله فيها للنبي ﷺ، وقد حقق الله دعوتها رضي الله تعالى عنها؛ كانت ترقص للنبي ﷺ وتقول فيه: يا ربنا أبق لنا محمدًا حتى أراه يافعًا وأمرد ثم أراه سيدًا مسودًا وأكبت أعاديه عما والحسد وأعطه عزا يدوم أبدًا يا ربنا أبق لنا محمدًا وهو صغير حتى أراه يافعًا وأمرد يعني غلامًا أمرد، ثم أراه سيدًا مسودًا وأكبت أعاديه عما والحسد، وأعطه عزا يدوم أبدًا.
فكان هذا الدعاء قد أجابه الله سواء نوت أم لم تنوِ، والله سبحانه وتعالى عز نبيه ﷺ. وكان ﷺ عندما رد السبي أيضًا قد بعث لمالك بن عوف الذي كان قائد هوازن، وكان قد هرب إلى الطائف وتحصن بها، وبعث له: «إن شئت أن جئت مسلمًا رددنا إليك أهلك يا مالك»، وأعطاه مئة بعير. فبلغ ذلك مالك بن عوف فرجع، فرد له النبي ﷺ أهله ورد له وأعطاه مئة من الإبل، فرأى حفاوه ورأى كرمًا، هو يجمع الناس لقتاله وهذا يكرمه لأجل الإسلام! ماذا يريد منه؟ لا يريد منه ﷺ شيئًا إلا أن يدخله الجنة.
ولذلك النبي ﷺ يقول: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذود عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، هلموا عن النار، هلموا عن النار». ولذلك قال مالك بن عوف رضي الله تعالى عنه أسلم وحسن إسلامه وأصبح مجاهدًا في سبيل الله رضي الله تعالى عنه، ويقول أبياتًا في النبي ﷺ حين رد عليه أهله وماله: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزل إذا أجدى ومتى تشأ يخبرك عما في غدي وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسمه وضرب كل مهندي فكأنه ليث على أشباله وسط الهباء خادر في مرصدي الهباء.
يعني الغبار في هذه الغزوة، أعطى النبي عطايا عظيمة وقد ذكرت شيئًا من ذلك، أعطى فلان مئة من الإبل، ومن هؤلاء الذين أعطاهم صفوان بن أمية الذي سيره النبي أربعة أشهر واستعار منه الإبل. لما عاد النبي ﷺ من غزوة هوازن وبعد تقسيم الغنائم، وكان من نصيب النبي ﷺ أشياء كثيرة، من ضمنها أن صفوان بن أمية رأى غنمًا بين جبلين قد سدت ما بين الجبلين، فنظر إليها صفوان بن أمية، فقال له النبي ﷺ: «أتتعجب هذه يا أبا وهب؟»، فقال: «ومن لا يعجب هذه يا محمد؟»، فقال: «هي لك».
فعندما أعطاه هذه الغنم تعجب صفوان بن أمية ورأى أن النبي أعطى أناسًا كثيرين، لكنه أعطى صفوان هذه الغنم التي هي له بدون مقابل، أولئك الذين أعطاهم النبي ﷺ كانوا قد شاركوا في القتال، أما صفوان بن أمية فلم يفعل شيئًا إلا الإبل التي أعارها النبي ﷺ، فلما رآها وأعجبته من وفرة الغنم قال:
هي لك، فعند ذلك قال صفوان: فعلمت أنه لا تطيب نفس أحد بمثل هذه إلا نفس نبي، فعند ذلك جاء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ﷺ.
طبعًا النبي ﷺ كما ذكرت أعطى عطايا كثيرة، لذلك يقول البدوي رحمه الله في ذلك: أعطى عطايا شهد بالكرم ... يومئذ له ولم تجم جمي وكيف لا ومستمد سيبه ... من سيب رب ذي عناية به
وكيف لا، ومستمد سيبه يعني كرمه مستمد من سيب رب ذي عناية به، سبحانه وتعالى جلى عن كل نقص، يقول: أعطى عطايا أخجل الدلح الديم ... إذ ملأت رحب الفضا من النعم ووكل الأنصار خير العالمين ... لدينهم إذ ألف المؤلفين
فوجدوا عليه أن منعهم، فأرسل النبي ﷺ من جمعهم، وقال قولاً كالفري. المنطق في هذه الأبيات الثلاثة: «ووكل الأنصار خير العالمين» يعني النبي ﷺ وكل الأنصار لدينهم، «إذ ألف المؤلفين» يعني عندما ألف المؤلفين وكل الأنصار فلم يعطهم شيئاً.
طبعًا احتمال كبير أنه لم يعطهم من الخمس، وإنما أعطاهم من قسم الغنائم، واحتمال أنه لم يعطهم حتى من الغنائم، وأنه يعلم ﷺ أنهم ستطيب أنفسهم بذلك، وإنما أعطى قريشًا. فيقول: «فوجدوا عليه أن منعهم»، فأرسل النبي ﷺ من جمعهم، يشير إلى قصة وهي أن النبي ﷺ لم يعط الأنصار، سواء قلنا من الخمس الذي له أو من سائر الغنيمة.
فعند ذلك وجد الأنصار في أنفسهم؛ لأنهم كانوا عن يمينه في القتال وعن شماله في القتال، ورجعوا وهم الذين نصروا نبيهم، وبعد المعركة يعطى الناس الذين ربما فروا، والأنصار لم يحصلوا من الخمس أو من سائر الغنائم لا على شاة ولا بعير. فلذلك قال بعض الأنصار وهم الشباب: «والله لقد وجد رسول الله قومه»، أو قالوا وكذلك هذا في الصحيح: «إذا كانت الغنائم فتعطى غيرنا، وإذا كانت الشديدة فنحن ندعى».
فعند ذلك بلغت هذه الكلمة النبي ﷺ، فدعا سعد بن عبادة وقال له: «يا سعد، ما الذي سمعته من قومك؟»، قالوا: يا رسول الله، قاله حدث أحداث الأسنان وبعضنا، أو قيل ذلك، فقال: «أين أنت من هذا؟»، فقال: إنما أنا امرؤ من قومه، فقال: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة». فجمعهم سعد بن عبادة، ثم دخل عليهم النبي ﷺ، وليس معهم إلا ربما واحد أو اثنين من المهاجرين، والبقية كلهم من الأنصار، وكان أنا معهم، لذلك لما سئل أنس في حديثه: «هل كنت حاضرًا؟»، فقال: «وأين أغيب من هذا المشهد؟».
فلما جمع الأنصار، دخل عليهم النبي ﷺ وقال: «يا معشر الأنصار، ما قاله بلغتني عنكم، ألم آتكم ظلالاً فهداكم الله؟ ألم آتكم عالة فأغناكم الله؟ ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ ماذا تجيبون؟». فقالوا: المن لله ولرسوله. قال: «أجيبوا»، قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ المن لله ولرسوله، أو لرسول الله ولله ولرسوله، المن والفضل. فقال: «والله لو شئتم لقلتم وصدقتم: أتيتنا طريدًا فآويناك، أتيتنا مخذولًا فنصرناك، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، أتيتنا عائلًا فآسيناك».
قال: «يا معشر الأنصار، ما قاله بلغتني عنكم، أوجدتم في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تآلفت بها أناسًا ليسلموا أو قد أسلموا، ووكلت إلى ما كتب الله في قلوبكم من الإسلام والإيمان؟ يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله ﷺ تحزونه إلى رحالكم؟ يا معشر الأنصار، والذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار». فعند ذلك بكى الأنصار حتى أخذوا لحاهم وأضلوا لحاهم، وصاروا يقولون: «رضينا برسول الله قسمًا وحظًا، رضينا برسول الله قسمًا وحظًا».
نقف هنا ونكمل بعد قليل إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الشورى: 24].
مرحبًا بكم من جديد، كنا قد وقفنا عند ذكر الأنصار وما قاله النبي ﷺ لهم حين قال: «لو سلكت الأنصار شعبًا وسلكت الناس شعبًا لسلكت شعب الأنصار»، «يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون أنتم برسول الله ﷺ تحزونه إلى رحالكم؟»، فعند ذلك بكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: «رضينا برسول الله قسمًا وحظًا، رضينا برسول الله قسمًا وحظًا».
فهنيئًا للأنصار، والنبي ﷺ في هذه الواقعة يعلم الأمة ويعلم أصحابه أن الدنيا لا تعدل عند الله شيئًا. أحب الناس إلى رسول الله ﷺ يفطم من الدنيا، ويقول النبي ﷺ: «إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب من الذي أعطيه»، وهذا تعليم أن هذه الدنيا متاع زائل، وأنها ليست مما ينبغي أن يخص بها الأقارب أو يخص بها المحبوبون. وهذا على خلاف ما هو حاصل في الدنيا كلها، الإنسان عندما يحصل على منصب دنيوي تجده يبر أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه، وهو ما يعلم أنه بهذا البر إنما يزيد أعباء الناس ويزيد بعدهم من الآخرة.
والنبي ﷺ وهو أطهر الخليقة، لو أراد أن تمشي جبال تهامة ذهبًا وزمردًا لفعل، ولذلك لما شكى إلى جبريل مرة من المرات أن بيت محمد ليس فيه ما يقوت أهله، فسمع هدة من السماء أفزعته، فقال: «يا جبريل، أمر الله القيامة أن تقوم؟»، قال: لا، ولكن الله أرسل إليك ملكًا لم ينزل من قبل في أمرك، أو يسألك إن أردت أن يسير جبال تهامة ذهبًا وزمردًا وياقوتًا، فقل إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا. فالتفت إلى جبريل فأشار إليه أن تواضع، فقال: «بل نبيًا عبدًا»، وقال: «أشبع يومًا وأجوع يومًا»، وهكذا كان النبي ﷺ، مرة يجوع ويربط على بطنه الحجر من الجوع، ومرة دخل عليه عمر بن الخطاب وهو نائم على حصير، فلما قام وعمر ينظر إليه وإلى ما في بيته، ليس فيه إلا قربة معلقة، فبكى عمر. فلما استيقظ النبي ﷺ قال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟»، قال: يا رسول الله...
كسرى وقيصر ينعمون في الديباج والحرير وأنت رسول الله، خير الخليقة، وهذا الحصير يؤثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا هذه القربة. ونحو هذا الكلام، فغضب النبي ﷺ وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».
هذه الدنيا زائلة، الله سبحانه وتعالى في كتابه ذكر الدنيا في أكثر من مئة موضع، ما مدحها في موضع واحد، بل يزهد فيها. قد يقول قائل: لماذا تزهد في الدنيا؟ الدنيا الحياة كما يقولون جميلة وحلوة، وكذلك بطاعة الله فهي جميلة. الدنيا لا تغر الناس، الدنيا غرور والناس مجبولون على حب الدنيا، ولذلك في القرآن جاءت الآيات بذم الدنيا لأن الناس مجبولون عليها، لا حاجة لأن نرقب، لأننا نرغب الناس في الدنيا فإنهم يرغبون فيها، وإنما الحاجة في التزهيد من الدنيا حتى لا يتقاتل الناس عليها، وحتى لا يفضل الناس دنياهم على آخرتهم.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20]. ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21]، هذا الذي يحتاج الناس أن يتسابقوا فيه، وهي الأعمال الأخروية، ليست الدنيا.
وهكذا يقول تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَزَانَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 24-25].
وفي آية أخرى يقول تبارك وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].
والآيات في هذا كثيرة، وكذلك حديث النبي ﷺ، يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع»، يعني بأي شيء؟ بنقطة من البحر. ويقول: «ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». ويقول لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»، والأحاديث في هذا كثيرة: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة».
الله سبحانه وتعالى، النبي ﷺ يقول: «لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها»، موضع السوط يعني العصا، لو أنك تضع العصا على الأرض ثم ترفعها، هذا الموضع الصغير جداً الذي لا يمكن أن يسعك، لا تنام فيه ولا تجلس فيه، يقول النبي ﷺ: «لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها». ويقول: «لنصيف الحوراء على رأسها خير من الدنيا وما فيها».
الآخرة الجنة ليس فيها مرض، وليس فيها هرم، وليس فيها موت. لو كانت الآخرة أو الجنة بيوتها من طين ومن تراب ومن خشب، ولكنها أبدية، والدنيا بيوتها من ذهب وزمرد وياقوت وأشياء جميلة ولكنها فانية، لكانت الآخرة أحسن منها ولكانت الدنيا مع ذهبها وما فيها من متاعها بالنسبة للآخرة كقطرة في بحر؛ لأن المدة التي لا تتناهى كما علمونا في الرياضيات إذا وضعت رقماً على ما لا نهاية يكون صفراً، فالدنيا بالنسبة للآخرة صفر بالنسبة إلى ما لا نهاية، فكيف هذا إذا كانت الدنيا ذهب وزمرد؟ والأخرة هي الذهب والزمرد، الجنة فيها الذهب وفيها اللؤلؤ، وفيها ما لم تعين راءت كما يقول النبي ﷺ: «لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].
لذلك النبي ﷺ بين للصحابة عملياً بحاله أنه لم يرغب في الدنيا، وإذا جاءته الدنيا أعطاها الناس، ولذلك يقول صفوان بن أمية: «يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، والله لا تطيب نفس أحد بهذا إلا نفس نبي». وهكذا علم أصحابه، وتعلم الصحابة الزهد في الدنيا، وعرفوا أن الدنيا ينبغي أن تكون في اليد وليست في القلب، والآخرة هي التي تكون في القلب، فإذا تزاحمت الآخرة والدنيا قدموا الآخرة على الدنيا، وبذلك أعزهم الله.
فاطمة أحب الناس إلى رسول الله، بنت رسول الله أرسلها علي مرة بسبب الجوع والضيق إلى النبي ﷺ، وعنده أعنز قد جاءته هدية من أناس. فجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، الملائكة طعامهم التسبيح والتهليل والتكبير، فما طعامنا؟ ففهم ما أرادت، فقال: «يا فاطمة، أما أعطيك خمسًا أعز عليك من خمس، أو أما أعلمك خمس كلمات فيهن صلاح دينك ودنياك؟» فقالت: بل الخمس كلمات، هذه البضعة الطاهرة من الطاهر المطهر، فاختارت الخمس كلمات. فقال النبي ﷺ: «قولي: يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين، ويا ذا القوة المتين».
فرجعت إلى زوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال: ما وراءك؟ فقالت: ذهبت للدنيا وجئت بالآخرة. فقال: خير أيامك. هكذا تعلم الصحابة، أنهم إذا أرادوا التوجه للدنيا وجههم النبي ﷺ للآخرة، وكانوا من أزهد الناس في الدنيا. ومع ذلك ليس معنى ذلك تركهم للدنيا، بل هم الذين عمروا الدنيا، وهم الذين فتحوا الفتوح، وهم الذين علموا الناس الحضارة، ولكن الدنيا لم تكن في قلوبهم. ونحن وللأسف الدنيا في قلوبنا، ولذلك لن نعرف قيمة الدنيا حقيقة إلا إذا جاءت الروح إلى هذا الحلقوم، عند ذلك يعلم الإنسان ويتيقن أن الدنيا هذه لا تسوى شيئاً، لا تعدل شيئاً، لأنه في ذلك الموقف تتخلى عنه الدنيا.
بأسرها ولا يبقى إلا عمله الصالح، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون ممن جعل الدنيا في يده والآخرة في قلبه، ولا نكون ممن جعلوا الدنيا في قلوبهم والآخرة في أيديهم.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري