﴿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وسنتكلم فيها عن غزوة تبوك، وهي آخر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقعت هذه الغزوة في السنة التاسعة من الهجرة. كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فبلغه أن الروم قد جمعت له، وكان هذا بعد ما جاءت الفتوح، بعدما فتحت مكة، وبعد ما غزا النبي وأسلم كثير من الناس ثم جاءت الوفود بعد هذه الغزوة، ومن الوفود من جاء قبل هذه الغزوة. لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت له، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين من القبائل ومن الناس حوله، وحثهم على الخروج معه صلى الله عليه وسلم، وكذلك حث أصحابه من المهاجرين والأنصار في الخروج معه صلى الله عليه وسلم، وشدد في الحث على الخروج معه.
كان هذا النفير أو الخروج أصبح عامًا في الناس كلهم، ولذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة في ثلاثة آلاف من المسلمين، وهذا عدد كبير جدا في ظرف سنوات بسيطة. النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر، وهي أول مغازيه الكبار، كان معه ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وصار معه من الأعداد ألف وأربعمائة رجل، ثم بعده بسنتين بعد الحديبية في السنة الثامنة جاء النبي صلى الله عليه وسلم فاتحا مكة في عشرة آلاف، فصار الإسلام وأهل الإسلام يزيدون شيئا فشيئا. وفي السنة التاسعة بعد فتح مكة غزا النبي صلى الله عليه وسلم الروم إلى تبوك في ثلاثة آلاف، وهذا يدلنا على أن الإسلام والناس أصبحوا يدخلون في دين الله أفواجا.
يقول البدوي رحمه الله تعالى في منظومة المغازي له: ثم لروم بتبوك استنفر ... لام ألف بعشر عسر اعترى وحظ الأغنياء على الحملان ... ونكص دون مدى عثمان وقعد الباكون والمعذرة
الألف بواحد، والباء باثنين، والجيم بثلاثة، والدال بأربعة، أبجد وهكذا إلى أن يصلوا إلى الياء، الياء بعشرة، ثم بعد ذلك الكاف بعشرين وهكذا، يزيدون من عدد الآحاد ثم العشرات ثم المئات، وقد ضبطها بعض أهل العلم بطريقة معينة ونظمها آخرون؛ فيقولون مثلا: الواحد والعشرة والمئة مجموعة في كلمة «أيك»، فالهمزة واحد، والياء عشر، والقاف مئة. والباء اثنين، والكاف عشرين، والراء مئتين «بكر»، وجلس أو جلش حسب الاختلاف بين المشارقة والمغاربة؛ فالمغاربة يقولون «جلش» بالشين المعجمة، فالجيم ثلاثة، واللام ثلاثون، والشين ثلاثمائة، والمشارقة يقولون «جلس» بالسين، فالجيم ثلاثة، واللام ثلاثون، والسين ثلاثمائة.
فهنا يقول: «لام ألف» يعني لام ألف هنا ثلاثون، أي ثلاثين ألفا. «ثم لروم بتبوك استنفر لام ألف بعشر عسر اعترى»، يعني هو خرج النبي صلى الله عليه وسلم في عام عسر وضيق وشدة وحر، ولذلك تخلف أناس كثيرون، والنبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الحملان وعلى النفقة على جيش العسرة، وسمي جيش العسرة. والله سبحانه وتعالى ذكر هذا الحث في القرآن، قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
لماذا يجلس الناس؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. الدنيا بالنسبة للآخرة لا شيء، ما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث: «ما مثل الدنيا ومثل الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع»، في البحر، يعني بأي شيء يرجع هذا الإنسان؟ فهذه القطرة تعتبر هي الدنيا، وهذا البحر يعتبر هو الآخرة.
والله سبحانه وتعالى يقول بعد هذه الآية: ﴿أَلَا تَنفِرُوا وَأَنتُم مُّسْتَثْقِلُونَ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الدُّنْيَا مَتَاعًا وَاللَّهُ عِندَهُ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ﴾، ﴿أَلَا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39]. ثم ذكرهم بأن الله ناصر نبيه ولو كان واحدا، فقال تبارك وتعالى: ﴿أَلَا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]. «انفروا خفافا وثقالا»، كبارا وصغارا؛ خفاف يعني الذي هو نشيط وجلد وليس كبيرا في السن طاعنا في السن، وثقالا يعني الذي لا يستطيع أو يثقله ذلك لكبره. فكان هذا النفير عاما، ولذلك عوتب من تخلف عن هذه الغزوة المباركة؛ فالله سبحانه وتعالى يذكرهم بأنه ﴿أَلَا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، فقط اثنان في الغار، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فالله حفظه في الغار عن قريش وكيد قريش، حتى إن أبا بكر الصديق يقول: يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصر! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟».
فالله يقول لهم: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم الله سبحانه وتعالى يخبر عن سبب جلوسهم وتقاعسهم عن هذا الخروج فيقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ۚ يَهُلكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42].
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه المعذرون ويأتيه الذين يريدون الجلوس فيعتذرون إليه بأعذار واهية، فأذنوا له النبي صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى عاتب النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه قبل هذه المعاتبة قدم العفو، فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
من ضمن الناس الذين جاءوا يعتذرون عبد الله بن أبي بن سلول -وهو كبير في قومه لكنه من المنافقين- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، هل لك في قتال؟
بني الأصفر، يعني الروم، فقال الجد بن قيس: يا رسول الله، إني أخشى أن أفتن في بنات بني الأصفر أو في نساء بني الأصفر، إني رجل أحب النساء وقومي يعلمون ذلك، وأخشى إن ذهبت معك أن أفتن فيهم، فآذن لي ولا تفتني. فأعرض عنه النبي ﷺ ثم قال له: «أذنت لك».
فأنزل الله القرآن يبين كذب هذا الرجل وأنه من حصب جهنم، نسأل الله العافية والسلامة. أصبح كأنه عليه طابع جهنم وهو يمشي على رجليه في هذه الأرض، نسأل الله العافية والسلامة. وهذا من تقديمه لهواه ومن تقديمه لهذه الدنيا على الآخرة، فالله سبحانه وتعالى يقول في هذا الرجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۚ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [النساء: 60].
وجاء ناس على خلاف هذا الرجل من الصحابة الكرام، ممن لا يجدون شيئًا يكتسبون به، فيحملون أنفسهم على إبل ليس عندهم أموال، وجاءوا إلى النبي ﷺ يريدون صحبته في هذا الوجه المبارك؛ جماعة قيل سبعة، وقيل أكثر من ذلك، وقيل منهم بنو مقرن سبعة هاجروا في سبيل الله: نعمان ونعيم وسويد وغير واحد منهم.
جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احملنا معك، جد لنا دابة أو ظهرًا نكون معك في هذا الوجه. فلم يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه، فقال: «اذهبوا فإنكم معذورون». من قبل الله سبحانه وتعالى، عذرهم واضح وبين، والوجهة شقة طويلة، مسافة طويلة جدًا، ولا بد من الظهر ولا بد من الأكل ولا بد من النفقة، فلا يخرج أحد إلا وهو مستعد لهذا الخروج.
ولذلك الله سبحانه وتعالى عاتب المنافقين لما جاؤوا يستأذنون النبي ﷺ، قال تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنْكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَالْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ ابْتِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 49-82].
فهؤلاء جاؤوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله، احملنا معك، فقال: «أنتم معذورون». فماذا حصل لهم؟ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. هذا الجد بن قيس فرح بالمكث، وكثير من المنافقين، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله؛ أناس جاؤوا يعتذرون، وأناس قعدوا وكذبوا الله ورسوله، لم يأتوا للاستئذان ولم يصاحبوا النبي ﷺ.
أما هؤلاء فجاؤوا وقالوا: يا رسول الله، احملنا معك، فقال النبي ﷺ: «بأبي أنت وأمي، لا أجد ما أحملكم عليه». فذكر الله هذه الدموع وهذا الحزن في القرآن الكريم فقال تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 91-92].
الله سبحانه وتعالى ذكرهم في القرآن: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. نقف هنا ونكمل إن شاء الله بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبًا بكم من جديد، كنا قد وقفنا عند الكلام عن الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ وقالوا: احملنا معك، فقال النبي ﷺ: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. هؤلاء الصحابة الكرام، لما خرج النبي ﷺ إلى تبوك، وهو في تبوك يقول: «إنكم ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وكان لكم أخوة في المدينة قد شاركوكم في الأجر». مع أن الله سبحانه وتعالى ذكر أنهم ما فعلوا شيئًا وما قطعوا واديًا إلا كتب الله لهم أجرًا، فالنبي ﷺ يقول: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وكانوا معكم»، حبسهم العذر، وفي رواية: «إلا وشركتم في الأجر».
فبني وحبهم وتقديمهم لما يريدون من الآخرة على الدنيا، كتب الله أجرهم وهم جالسون في المدينة. وأولئك بسبب تقديمهم للدنيا وتقديمهم للهوى على أمر الله سبحانه وتعالى، أصبحوا من أهل النار وهم يمشون على الأرض، نسأل الله العافية. وتكلم الله عليهم وفضحهم بفضيحة: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ۖ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ۖ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 54-57].
كل هذه الآيات وردت في هؤلاء الناس غير الصادقين الذين قدموا هواهم الدنيوي على ما عند الله في الدار الآخرة، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-41].
وفي الحديث: «إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: الهوى وطول الأمل؛ فأما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة». هذا روي عن النبي ﷺ وروي عن علي رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح البخاري، ولذلك يقول في آخر الحديث: «فأما الهوى فيصد عن الحق، وأما الأمل فينسي الآخرة، وإن هذه الدنيا مرتحلة ذاهبة، والآخرة مرتحلة قادمة، ولكل واحدة منهما بنون، فإن استطعتم أن تكونوا من بني الآخرة فافعلوا، فإن استطعتم ألا تكونوا من بني الدنيا فافعلوا».
يعني الدنيا تكون في اليد والآخرة في القلب، إذا جاء أمر الآخرة، أمر الله سبحانه وتعالى، نقدمه على أمر الدنيا، هكذا كان أصحاب النبي ﷺ. ومن الصحابة ممن تخلف أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع من تمر، وسياتي الحديث عن صدقات الصحابة في هذا الباب. هذا الرجل أبو خيثمة الأنصاري جاء والنبي ﷺ قد ذهب وصار في تبوك أو قريبًا من تبوك، فلما جاء وكان عنده زوجتان، فإما أبطأت به نفسه أو أبطأ عن النبي ﷺ بسبب الحر الشديد وبسبب أن النبي ﷺ خرج في وقت المدينة زروعها مثمرة والناس يرغبون في الجلوس في المدينة.
فجاء فوجد زوجتيه في حائطه، قد أعدت كل واحدة منهما طعامًا، وظللت العريش ورشته بالماء، فصار هناك ريح باردة وهواء بارد والطعام مهيأ. فلما رأى ذلك الطعام وذلك المكان المهيأ قال: «والله ما هذا بالإنصاف، أنا في هذا النعيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر الشديد في تبوك»، ثم قال: «والله لا أستظل ولا أجلس فيه، أعد لي راحلتي وأعد لي زادي».
فأعد زاده وراحلته ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو في تبوك، فقيل: يا رسول الله، راكب! فقال: «كن أبا خيثمة». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، فجاء وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل له وبما فعل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له بخير واستغفر له صلى الله عليه وسلم.
ثم كذلك أبو ذر، أبو ذر رضي الله عنه الغفاري، وهو من المهاجرين أيضًا، كان عنده جمل ضعيف، وكان يريد أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يريد أن يطعم هذا البعير ويعالجه بحيث يستطيع أن يحمله ويدرك المسلمين، ولكنه في نهاية المطاف وجد أن هذا الجمل لا يستطيع حمله، وأنه ما زال به ما به من العلة. فعند ذلك أخذ متاعه وزاده وحمله على ظهره وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال الصحابة: يا رسول الله، رجل يزول به السراب! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر»، فإذا هو أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحمك الله يا أبا ذر»، أو نحو هذا الكلام، «يعيش وحيدًا ويموت وحيدًا، ويبعث وحيدًا».
وفعلاً في موته مات وحيدًا رضي الله تعالى عنه. مات بالربذة، «أحدكم بفلاة من الأرض فتحضه عصابة مؤمنة». قال أبو ذر: فمات كل من كان معي بالمدن والقرى وبقيت أنا، فعلمت أني أنا المقصود. فانظري هل ترين من أحد؟ فقالت: إن هذا الوقت ليس بوقت حج، فالربذة هي على طريق الحجاج من العراق، لكن الآن ليس وقت الحج. فقال: «والله ما كذبت ولا كذبت»، يعني أنا سمعت هذا الكلام من رسول الله ولا بد أن يقع.
فانظري، فأخذت تنظر بين المرة والآخر حتى رأت ركبا يزول به السراب، فأشارت بثوبها فجاؤوا، فسألوها: من هذا؟ فقالت: هذا أبو ذر. فجاؤوا إليه وفدوه بآبائهم وأمهاتهم، وكان فيهم ابن مسعود. فقال أبو ذر رضي الله عنه -وهذا من يقينه-: «أبشروا فإنكم العصابة المؤمنة التي أخبرني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كيت وكيت»، ثم توفي رضي الله تعالى عنه ودفنوه.
أبو ذر جاء وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا أبو خيثمة، وأبو ذر أدركه على رجليه مما يدل على قوة إيمانه رضي الله تعالى عنه، من المدينة إلى تبوك يمشي على رجليه، بينما يتخلف أناس جلدون أغنياء، ولذلك الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۘ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 92] إلى آخر الآيات.
وكذلك في هذه الغزوة ظهرت إيمانيات الصحابة، من مثل عثمان بن عفان وغيره من الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يجهز جيش العسرة؟»، فقام عثمان رضي الله تعالى عنه وقال: يا رسول الله، علي مئة من الإبل بأبق تبيها وأحلاس. وكررها مرة والمرة الثانية والمرة الثالثة، وعثمان يقول: علي مئة من الإبل بأبق تبيها وأحلاس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقلب يده ويتعجب ويقول: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم».
وكذلك الصحابة الآخرون أنفقوا في هذا الوجه؛ أبو بكر الصديق جاء بماله كله، وعمر جاء بنصف ماله. ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. وقال لعمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم مثل الذي أتيت به. فأخبر عمر بكلمة أبي بكر، وكان عمر يقول: سابق اليوم أبا بكر الصديق، فإنه ما سابقته إلى شيء إلا وسبقني، فلما علم أنه قد جاء بماله كله علم أنه لا يمكن أن يدرك شأو أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
ومن الصحابة أبو خيثمة الأنصاري، جاء بصاع من تمر يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له ويزكيه كما زكى عثمان؛ اشتغل عند شخص في حائط وجاء بصاع من تمر وقال: هذه صدقة لله ولرسوله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل صدقته، وهو صاع يعني قدح من تمر، بينما عثمان جاء بآلاف من الوقيات. فكان النبي يدعو له.
المنافقون كانوا يقولون لعثمان إنه مرائي، وهكذا يقولون لعبد الرحمن بن عوف وغيره من أغنياء الصحابة الذين أنفقوا في هذا الوجه، وإذا جاء مثل هذا الرجل الذي بصاع التمر قالوا له: إن الله لغني عن صاع هذا، فأنزل الله القرآن في ذمهم وفي تزكية هذا الرجل وصاع وتزكية إيمانه، فقال تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جَهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79].
وعلبة بن زيد، الذي ذكرته، لما رأى أن الناس منهم من يتصدق بصاع ومنهم من يتصدق بأشياء طائلة وعظيمة، فذهب يبحث عن عمل فلم يجد عملاً، ولم يكن عنده شيء يتصدق به، ففي الليل قام يصلي وقال: يا ربي، إن الناس قد تصدقوا، وإن الناس قد حملوا في هذا الوجه، وإني ليس عندي ما يحملني رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وليس عندي من المال ما أنفقه؛ اللهم إني أتصدق بعرضي لكل من سبني أو قذفني، ولكل من أكل مالي أو ضربني، اللهم إنها صدقة لوجهك الكريم فتقبلها مني.
فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وانفتأ إلى الناس، قال: «من المتصدق البارحة؟»، فالناس ما تكلم أحد منهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من المتصدق البارحة؟»، فلما كررها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا يا رسول الله». قال: «والذي نفسي بيده، إنها كتبت في الزكاة المتقبل».
هكذا بهذه العواطف، الله سبحانه وتعالى رفع شأنهم ورفع أعمالهم؛ الصاع يزكيه الله من فوق السماوات، وهذا الرجل الذي يتصدق بعرضه يزكيه الله سبحانه وتعالى ويتقبل صدقته ويثني عليه النبي صلى الله عليه وسلم بها، وهذا دليل على أن الأمور بالقلوب: «إنما الأعمال بالنيات»، «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم».
ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، ولذلك في الآثار غلب درهم مائة ألف درهم. فقيل: كيف ذلك؟ قال: رجل ليس عنده إلا درهمان، تصدق بدرهم وبقي درهم، فكأنه تصدق بنصف ماله، ورجل عنده ألف وتصدق بشيء قليل من ماله بالنسبة لكل ماله، ولذلك سبق الدرهم مائة درهم.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري