دخولتسجيل الدخول

الحلقة 29

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة.

ما زلنا فيها في مجريات أو أحداث غزوة تبوك؛ كنا قد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض أحداث غزوة تبوك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فيها في حر شديد، وفي مفازة وشقة بعيدة، وأن الصحابة خرجوا معه وتخلف بعض من تخلف. وبسبب طاعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبسبب المجاهدة التي حدثت لهم، تاب الله عليهم سبحانه وتعالى كما ذكر في القرآن، يقول تبارك وتعالى: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قَلْبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117].

الله تاب عليهم لأنهم خرجوا مع رسول الله في وقت عسرة وفي وقت شدة، وهكذا التوبة والأعمال والرضا الذي يحصل من رب العالمين، إنما يكون بسبب مجاهدات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهكذا نحن إذا أردنا رضا ربنا علينا وأردنا توبته علينا، لابد من المجاهدة، لابد من تقديم الآخرة على الدنيا. الله سبحانه وتعالى ذكر في الحديبية: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. فالرضا ما حصل وهم مرتاحين، ما حصل بكل يسر؛ كما أن الدنيا لا تحصل إلا بالتعب والنصب والجهد لها، فهكذا الآخرة لا تحصل إلا بالتعب والجهد لها.

هؤلاء الصحابة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وتاب عليهم، منهم من تخلف؛ هناك من الصحابة الصادقين من تخلف، هناك المعذور وذكرناه الذين قال الله فيهم سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. تولوا وهم يبكون، النبي خارج وهم معذورون، لكن لمحبته لصحبة رسول الله، لمحبته للجهاد في سبيل الله، للتضحية لأجل الدين، جلسوا وهم يبكون. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سرتم أنا رجلاً بالمدينة، ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم». حبسهم العذر.

لكن هناك مجموعة من الصحابة تخلفوا، وهم ثلاثة رجال، وهم صادقون لم يكن لهم عذر، كان عندهم القدرة ومع ذلك تخلفوا بسبب من الشيطان وبسبب الدنيا، فذكرهم الله ثم تاب الله عليهم، قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قَلْبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117]. وعلى الثلاثة الذين خلفوا: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].

والثلاثة الذين خلفوا هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وكعب بن مالك هو الذي ذكر تخلفهم وهو الذي ذكر قصتهم رضي الله تعالى عنه، وكعب بن مالك هو شاعر رسول الله، أحد الشعراء الثلاثة؛ قلنا في حلقات ماضية إن شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة، وهم حسان بن ثابت وهو المشهور، وعبد الله بن رواحة شهيد مؤتة وهو أفضلهم، وكعب بن مالك هذا أحد المتخلفين الثلاثة.

هؤلاء الصحابة، كعب بن مالك يقول في حديثه: «لم أتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة بدر، لم أتخلف عن غزوة من غزاها النبي صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر إنما خرج لأجل العير. قال: إلا أني تخلفت في غزوة تبوك ولم أتخلف إلا في غزوة بدر والناس لم يعاتبوني. قال: وشهدت ليلة العقبة، يعني أنا كنت من الذين شهدوا البيعة بيعة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها بدراً، يعني ما أحب أني أستبدل بحضر بدر وتفوتني العقبة وإن كانت بدراً أذكر في الناس منها. قال: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر ولا أغنى مني حين تخلفت عنه صلى الله عليه وسلم، والله ما جمعت راحلتين قط إلا في تلك الغزوة».

هو لم يكن من الأغنياء، لكنه يقول ذلك؛ اليوم، تلك الغزوة التي تخلفت فيها عن رسول الله، كنت قد جمعت فيها راحلتين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد غزوة إلا وربّى بغيرها، يعني إذا أراد أن يغزو أناساً وربي بمكان آخر، لكنه في هذه الغزوة جلى للمسلمين أمرهم؛ لأنه غزاها في حر شديد واستقبل سفراً ومفازاً وشقة بعيدة وعدواً كثيراً، يعني كان يريد غزو الروم، فأخبر الصحابة بمراده وبالغاة التي يريدها حتى تأهب الناس ويجمعون ما يحتاجون إليهم من الزاد والمتاع.

قال: والمسلمون كثير، لا يجمعهم ديوان، كان يسجلون أسماء الخارجين في سبيل الله إلا في هذه الغزوة، لم يجمعهم ديوان ولم يجمعهم كتاب. فما من رجل -ولم يكن رجلاً يريد أن يتخلف- إلا أظن أن ذلك سيخفى على الناس لكثرة الناس الخارجين مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن ينزل وحي فيقول إنه ما من أحد يريد أن يتخلف إلا وسيُخفى. وغزا النبي صلى الله عليه وسلم في وقت طابت فيه الثمار والظلال، يقول: «فأنا إليها أصعر، أنا إليها أمين»، فكان الناس يتجهزون، وكنت أذهب وأغدو كل يوم أريد أن أتجهز فأعود ولم أفعل من الجهاز شيئاً.

قال: حتى جد للناس أمرهم، وخرج الناس وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج المسلمون معه بعد تجهزهم، فقلت أتجهز غداً أو بعد غد في يوم أو يومين ثم ألحقهم. قال: فكنت أغدو إلى السوق وأقول أتجهز اليوم، ثم أرجع ولم أفعل من جهازي شيئاً. قال: حتى تفارق الغزو، قال: فهممت أن أرتحل وأدركه، فيا ليتني فعلت، يعني هو يتندم أنه لم يفعل هذا الهم الطيب الذي نواه. قال: وكنت أخرج في الناس ولا أرى إلا رجلاً مغموساً عليه في النفاق، يعني لا يرى له أسوة؛ كان الناس الموجودين وهم ما يقرب من ثمانين رجلاً كلهم منافقون أو من اتهم بالنفاق، لا يرى فيهم...

إلا أن علي رضي الله تعالى عنه كان قد خلفه النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، ولذلك قال علي: «يا رسول الله، أتتركني مع النساء والصبيان؟»، قال: «أما تريد أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟». فعند ذلك طمأنه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بخاطره وطيب خاطره.

كعب بن مالك يقول: «كنت أخرج في الناس ولا أرى لي أسوة، لا أرى إلا رجلاً مموص عليه في النفاق»، فكان يتحسر لأجل ذلك. قال: «فلما جلسنا مدة من الزمن حتى بلغنا أن رسول الله توجه قافلاً رجع، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا سأخرج عن سخطه غداً؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، يأتِي إلى أهله وإلى أقاربه ويقول: ماذا أقول لرسول الله؟ بأي شيء أعتذر؟ فيعينون بأشياء كلها كذب، نسأل الله العافية».

قال: «فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم واقترب من المدينة وأصبح سيدخل اليوم المدينة، عزمت على الصدق مع النبي صلى الله عليه وسلم». أصبح النبي قادماً ودخل المسجد، وكان إذا قدم المدينة بدأ بالمسجد فصلى ركعتين وجلس للناس ينتظر ما يريدون منهم.

فجاء المعذرون والمخلفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى، هو لا يعلم صلى الله عليه وسلم ما في سرائرهم، قد يكونون كاذبين، وقد كذبهم الله في القرآن كما قال تبارك وتعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 75].

قال: «فجئت من ضمن من جاء من الناس يريد أن يعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم تبسم، تبسم المغضب». وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في تبوك، يقول كعب بن مالك -ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في تبوك لأن كعب بن مالك كان من الشعراء المشهورين الذين يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم-: «إن الله قد شكر لك قولك»، جاءت سخينة كي تغالب ربها، فلا يغلبن مغالب الغلاب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله شكر لك هذا البيت، وبسبب بيت آخر أسلم الدوس فكان رجلاً معروفاً.

فعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تبوك سأل عن كعب بن مالك، فقال رجل من بني سليمة من أقاربه من قبيلته: «يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه»، يعني حبسه الكبر. فقال معاذ بن جبل وكان جالساً وهو من قومه: «بئس والله ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً». وهذا هو دأب الصالحين، لا يدعون أحداً يغتاب عندهم، وينفون عن المؤمنين من إخوانهم، ولا يرضون عليهم النقيصة، وهذا هو خلق المسلم؛ ألا يغتاب أحداً، ولا يدع أحداً يغتاب عنده أحداً، ويرد عن أخيه المسلم وعن عرضه.

قال: «فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جئت إليه ورآني تبسم، تبسم المغضب». النبي يتبسم ولكنه يعلم أن هذا التبسم وراءه شيء، أن النبي كان في نفسه شيء عليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعال». فجلست بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟»، قلت: «بلى يا رسول الله». ثم قال: «يا رسول الله، والله لئن جلست بين يدي غيرك من الملوك لأرجو أن أخرج من سخطه بعذر، فإني قد أوتيت جدلاً، ولكني لئن كذبت عليك أو قلت كلاماً كذباً لأرجو به رضاك عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق إني لأرجو تجد في نفسك علي فيه، إني أرجو أن يعقبني الله أو يرضيك الله عني، بعد ذلك يا رسول الله والله ما كان لي من عذر». فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك».

نقف هنا ثم نكمل إن شاء الله بعد قليل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

مرحباً بكم من جديد، كنا وقفنا عندما جاء كعب بن مالك إلى رسول الله وكان الرسول يتبسم تبسم غضب، ثم بعد أن قال له: «والله يا رسول الله ما كان لي من عذر»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك».

قال: «فقمت، وثار خلفي أناس من بني سليمة من أقاربه من جماعته، فكانوا يقولون: أما وجدت عذراً تعتذر به لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أعجزت أن تعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، استغفار رسول الله سيمحي عنك الذنب، لماذا تريد أن يغضب عليك النبي صلى الله عليه وسلم؟». فما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكتب نفسي، ثم قلت لهم: «هل وجد ذلك معي أحد؟»، قالوا: «نعم، رجلان قِيلا مثلما قيل لك»، قلت: «من هما؟»، فذكروا لي هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العمري.

قال: «فذكروا لي رجلين صالحين لي فيهما أسوة، قد حضرا بدراً، هذان الرجلان من أهل بدر، فلما علمت أنهما، طابت نفسي ومضيت». ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا نحن الثلاثة، وهذا بسبب تخلفهم عن هذه الغزوة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فيها أن يخرجوا قاطبة. فاجتنب الناس، جعلوا في جانب وهم في جانب، لا يكلمونه ولا يسلمون عليهم. قال: «فأما صاحباِي، الرجلان اللذان ذُكرا لي، فقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشقى القوم، فكنت أطوف في الأسواق وآتي وأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سلم فلا يرد علي السلام».

رسول الله ﷺ، فأسلم عليه، فوالله لا أدري هل حرك شفتيه برد السلام أم لا. قال: وأصلي قريبا منه وأسرق النظر، فإن نظرت إليه أعرض عني، وإن أقبلت على صلاتي أخذ ينظر إلي ﷺ. قال: فبقينا على هذه الحال حتى طال علينا الأمر، وطال علينا ذلك من جفوة الناس، وتنكرت الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، والناس ليسوا بالناس الذين نعرف تغيروا علينا.

قال: فعند ذلك ذهبت إلى حائط لأبي قتادة، أحد أبناء عمه وأحب الناس إليه. قال: فتصورت الحائط فجئت إليه فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام. فقلت: يا أبا قتادة، قال: فسلمت عليه الثانية فما رد علي السلام، فسلمت، قال: قلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. يقول: فكررت أخرى: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. قال: فقلت الثالثة: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فعند الثالثة قال: الله ورسوله أعلم. فعند ذلك فاضت عيناي جلس يبكي رضي الله تعالى عنه.

ثم ذهب يجول في السوق ولا أحد يكلمه. قال: فبينما أنا في السوق فإذا بنبط من نبط الشام يقول: أين كعب بن مالك؟ أين كعب بن مالك؟ فأشار الناس إليه، فجاء إلي وأعطاني كتابا من ملك غسان. وهذا يدلنا على أن هذا الرجل معروف، كعب بن مالك هو شاعر وقصائده تسير بها الركبان. قال: وإذا في الكتاب: «إننا قد علمنا أو بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك بأرض مضيعة ولا بمكان هوان، فالحق بنا نواسك». قال: فعلمت أن هذا من الابتلاء، فأخذت الكتاب وسجر به التنور، أي وضعه في النار حتى أحرق.

قال: ثم بقينا أربعين ليلة على تلك الحال التي ذكر الله سبحانه وتعالى، كما قال تبارك وتعالى: ﴿عَلَىٰ ثَلَاثَةٍ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: 118]. أربعين يوما ما أحد يكلمهم، لا يكلمون أحدا ولا أحد يكلمهم، يكلمون الناس فلا يردون عليهم طاعة لله ولرسوله رضي الله عن أصحاب النبي ﷺ وصلى الله على رسولنا ﷺ.

فمكثنا أربعين يوما على هذه الحالة التي ذكر الله. قال: فبينما نحن في اليوم الأربعين، فإذا برسول الله ﷺ يأتيني، قال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: ماذا أفعل؟ أطلقها؟ قال: لا، ولكن اعتزلها. فلا تقربن. بعد أربعين يوما أيضا أمر أن يفارق امرأته أو يعتزل امرأته. فقال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك.

قال: فذهبت المرأة إلى أهلها، ثم قيل لي بأن هلال بن أمية الواقفي قد كلمت امرأته رسول الله ﷺ في أن تخدمه. فقيل لي: لو كلمت رسول الله ﷺ في امرأتك كي تخدمك، فإن امرأة هلال بن أمية قد كلمت رسول الله ﷺ في زوجها فقال لها رسول الله ﷺ: «اذن لها»، وقال: «لا يقربنك». فقالت: يا رسول الله، إنه شيخ ضائع، والله ما زال يبكي منذ ما قلت له، قلت إلى يومنا هذا وهو يبكي رضي الله تعالى عنه.

والآخر كذلك، ولم يشهدوا الصلاة مع الناس، اعتزلوا الناس. أما هذا كعب بن مالك فكان هو أشبه القوم ويشهد الصلاة مع الناس ويأتي الناس ويخالط، ولكن الناس قد اجتنبوه ولم يعاملوه. قال: ماذا أقول؟ ماذا سيقول لي رسول الله ﷺ لو أني استأذنت في امرأتي؟ ما عساه أن يقول؟ أنا رجل شاب، وهلال بن أمية رجل كبير. قال: فعزمت على أن لا أكلم رسول الله ﷺ في امرأتي.

قال: فبقينا على تلك الحال. قال: فبينما أنا في يوم من الأيام على ظهر بيت من بيوتنا، وهو في اليوم الخمسين والناس لا يكلمونه، قال: بعدما صليت الفجر، فإذا بصوت صارخ يقول: «أبشر يا كعب بن مالك!». قال: فخررت ساجدا رضي الله تعالى عنه، وعلمت أن الله قد أتى بالفرج.

قال: ثم نزلت وذهبت إلى ناحية الصوت الذي جاءني، وكان النبي ﷺ قد أذن للناس بتوبة الله علينا بعدما صلى صلاة الفجر. فركض نحو صاحبي أناس مبشرون، وركض نحوي رجلان؛ رجل على فرس ورجل على رجليه. وهذا من السنن ومن دليل العقل، لما تأتي البشارة على الناس أن يبشروا صاحب البشارة، فهؤلاء من فرحتهم يعلمون أن هذا سيفرح أخيهم المسلم في الله.

ذهبوا يركضون إليه، رجل جاء على فرس والآخر يسابق وهو على رجليه. قال: فأما الذي جاء على رجليه فأوفى على سلع، وهو جبل بين المسجد النبوي وبين ديار بني سليمة، وديار بني سليمة هي في المكان الذي فيه مسجد القبلتين، وسلع في الوسط. قال: والرجل الذي على الفرس جاء يركض، ولما رأى الفرس ستسبق، ركب على جبل سلع وصرخ بأعلى صوته: «أبشر يا كعب بن مالك!». وكان في وقت الصباح، ونحن نعلم أن وقت الصباح في ذلك الزمن لم يكن هناك آلات تحجب الأصوات.

قال: فبلغني الصوت، فأعطيته ثوبي الذي ألبسه، استعرت ثوبين آخرين، والله ما أملك غير هذين الثوبين، فأعطيته من بشر بهذه البشارة العظيمة. قال: فذهبت إلى رسول الله ﷺ فإذا الناس يخرجون من المسجد يهنئونني فوجا فوجا لتوبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فأقبلت، فإذا وجه النبي ﷺ كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف النبي ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كان كأنه ذهب أو قطعة قمر.

قال: فلما جئت إليه سلمت عليه فقال: «أبشر بخير يوم مذ ولدتك أمك». قال: فقلت: يا رسول الله، أمن عندك أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله سبحانه وتعالى». فقلت: يا رسول الله، إن لله علي أن أخرج من مالي توبة لله. فقال النبي ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك».

لا تتصدق بكل المال، فقال: «إني أمسك سهمي الذي في خيبر»، قال: «وإن لله علي أن لا أتحدث إلا بصدق ما حييت»، يقول: «فما والله أعلم، فلا أعلم أحداً من المسلمين أبلى الله بصدق الحديث أحسن مما أبلاني».

ثم ذكر تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118]. يقول: "خُلفوا" هنا ليس معناها التخليف عن الغزو أو التخلف عن الغزو، وإنما معناها تخليف عن الناس الآخرين؛ أن الله خلفهم.

"وعلى الثلاثة الذين خلفوا"؛ خلفوا يعني هم تخلفوا، هذا الذي يتأخر عن الغزو، أما خُلِف فمعناه آخر. ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، وبها نكون قد انتهينا من غزوة تبوك، وهي آخر مغازي النبي ﷺ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].