﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة.
كنا قد تكلمنا في الحلقات الماضية عن بعض الغزوات وما يمكن أن نستفيده منها من العبر ومن العظات التي تزيد الإيمان، ونحن سنتكلم في هذه الحلقة المباركة -وهي الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج المبارك- عن آخر ما تكلم به عن غزوة تبوك. كنا تكلمنا في غزوة تبوك وختمنا بتوبة كعب بن مالك، فأرى أنه يستحسن أن نذكر أو أن نختم هذه الحلقة بالكلام عن التوبة؛ لأن الشيء كما يقال بالشيء يذكر. التوبة مطلوبة، وكل إنسان يحتاج إلى التوبة، بل إن التوبة هي -كما يقول أهل المعرفة- أعظم المقامات، بالتوبة يُبتدأ فلا مقام يسبقها، فهي لها إمام، وليس أحد إلا وهو يحتاج إلى التوبة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول معلما أمته: «أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة». وفي حديث آخر: «فإني أتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة».
إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -الذي قد غفر له ما تقدم من ذنب وما تأخر- يقول هذا الكلام: «إني أتوب في اليوم مئة مرة، توبوا إلى الله واستغفروه»، فما بالك بمن يذنبون كل يوم، أما باللسان أو بغير اللسان؟! وما أكثر الذنوب! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحمينا منها وأن يغفر لنا خطايانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
التوبة، الله سبحانه وتعالى يحب التوبة، ما من عبد إلا وله خطايا، لكنه إذا تاب غفر الله له سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحب التائب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على راحلته، وقد أضل في أرض...». فله في بعض الأحاديث تفصيل: «إن الله أفرح بتوبة العبد من رجل كان على راحلة، وكان معه طعامه وشرابه عليها، فضاعت هذه الراحلة، فبحث عنها فلم يجدها، وهو في مفازة وفي مكان يعني هلكة، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت. فبينا هو كذلك، إذ بخطام راحلته التي عليها طعامه وشرابه على راسه! قال: فأمسك بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح».
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الرجل بسبب فرحه أخطأ وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأعبدك. قال: هذا الرجل الذي أخطأ بسبب فرحه، الله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته. والله سبحانه وتعالى ليس محتاجا لأحد، لكنه أرحم الراحمين وأكرم الاكرمين. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «ألا الله أرحم بكم من هذه بولدها!». رات تمشي في السبي، فكلما رأت غلاما أو طفلا أخذته وأرضعته من أهلها ومن قومها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟». فقالوا: لا والله يا رسول الله. فقال: «فوالله لله أرحم بكم من هذه بولدها. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما».
الله أكرم الاكرمين، أرحم الراحمين، هو الملك لا شريك له، هو الفرد لا ند له، هو المتعالي، هو مالك الملك، هو قيوم السماوات والأرض، ليس محتاجا لأحد. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. ما يكون من شيء إلا ويعلمه، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. ويقول في آية أخرى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 102-103].
جبار السماوات والأرض، قيوم السماوات والأرض، ملك الملوك، ومع ذلك يفرح بتوبة عبده! ألا ينبغي العبد أن يعني يأتي ما يفرح الله به وياتي ويتوب؟ والله سبحانه وتعالى يقول في حديث آخر: «يا ابن آدم، انك ما رجوتني ودعوتني إلا غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي». الله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين يتوب على عباده.
ولذلك يعصي الإنسان أو يعصي بعض الناس حياته كلها، فاذا لم يبقَ على موته إلا القليل، تاب إلى الله فقبله الله وغفر كل ذنوبه. ويعني يذكر في بعض القصص أن رجلا من بني إسرائيل كان طائعا لله عشرين سنة وهو يعبد الله ويطيع ربه، ثم جاءه الشيطان وقال: لقد استعجلت في العبادة واستعجلت في الرجوع إلى ربك، لو انك اخذت من ما تحبه نفسك من شهوتك ثم تعود! فترك العبادة وأقبل على الدنيا والشهوات. ثم يوم من الأيام جلس مع نفسه فقال في نفسه: أترى إذا رجعت إلى ربي يقبلني يعني بعد هذه المعاصي؟ انا تركت الطاعة وذهبت إلى المعصية -نسأل الله العافيه والسلم- أترى ربي يقبلني؟ قال: فراى في النوم قائلا يقول له: عبدتنا فشكرتك، وعصيتنا فأمهلناك، فإذا أقبلت إلينا قبلناك. فرب العالمين أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ولذلك يعني من الأشياء التي ذكرت أن رجلا من المسلمين يقال إنه أبو نواس، وكان في عنده شيء من المجون، لكنه في آخر حياته تاب، وكان بينه وبين رجل صديق له بعض الشحنة، فلما مات أبو نواس حزن ذلك الرجل الذي هجر صديقه أبا نواس، وكان بوده لو تصالحوا قبل الموت، فجاء ورجع، فجاء إلى أهله يعزيهم، فلما راوه بكوا، فلما راهم أيضا هو بكى، ثم رجع مره أخرى -أو أنها في هذه المره- ورأى في النوم أن الله قد غفر لأبي نواس. فقال: بما غفر الله لك؟ قال: بابيات قلتها وهي تحت الوسادة. فلما جاء إلى أهل قال: هل قال اخي أبو نواس شيئا من الشعر؟ فقالوا: عند موته طلب ورقة وقلما وكتب اشياء ولا ندري ما صنع فيها. قال: فأخذت الوسادة وكشفتها، فإذا الورقة، وإذا فيها أبيات يقول فيها: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً *** فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ *** فمن الذي يرجو ويدعو المجرمُ أدعوُكَ ربِّ كما أَمَرْتَ تضرُّعاً *** فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرَّجَا *** وجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ
هذه الأبيات صارت سببا في مغفرة ذنوبه رضي الله عنه وعفا عنه، وهكذا الأخبار في هذا كثيرة.
الشافعي رحمه الله عليه دخل عليه المزني فقال: كيف تجدك؟ قال: أجدني من الدنيا راحلا، ولأحبابي مفارقا، وعلى رب واردة، ولكأس المنية شاربا، فوالله لا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم تصير إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشد يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
لما قرن ذنبه بعفوه فرأى أن ذنبه لا شيء بالنسبة لعفو الله، هذا الشافعي يقول هذا الكلام، والشافعي من الأئمة الكبار، ولكنهم ما يزالون يقللون من أنفسهم ويلومون ويجعلون أنفسهم مذنبين في حق الله تبارك وتعالى. وهذا مما يحبه ربنا سبحانه وتعالى.
ولذلك قيل إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله ستين سنة، فثم ويدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء فلم يجبه الله. فبعد ستين سنة وهو يدعو هذا الدعاء ولم يستجب له، رجع إلى نفسه وقال: والله لو كان فيك خير لأجاب الله دعاءك. فبات فرأى في النوم قائلا يقول له: إن هذه الليله التي أنبت فيها نفسك أو قللت من قدرك فيها ولم تنسب القصور -نسيت القصور إلى نفسك لا في إجابة الدعاء- قال: هذه الليلة خير من عبادتك ستين سنة. ولذلك كان سلفنا يعني يقللون من شانهم.
أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رأى طيرا يأكل من شجرة فقال: طوبى لك يا طير! تأكل من الثمر وتقع على الشجر، وليس عليك حساب ولا عذاب، لوددتُ أني مثلك! وهكذا كان غير أبي بكر الصديق من الصحابة الكرام. هذا عمر كان يقول: لوددتُ أني كنت كبشاً يسمني أهلي، ثم يأتيهم ضيف عزيز عليهم ثم يذبحوني، فيجعلون بعضي قديداً وبعضي شواءً، واني أنجو من هول المطلع! يعني كانوا يخافون من الآخرة وكانوا يقللون من شانهم، مع أن أبو بكر مبشر بالجنة وعمر مبشر بالجنة، ومع ذلك يعني كانوا في غاية من الرجاء وفي غاية من الخوف. وهذا هو دأب المؤمن: ليس فقط يرجو دون خوف، وليس يخاف دون رجاء. ولذلك كان عمر يقول: لو أنه نزل منادٍ من السماء أو نادى منادٍ من السماء بأنكم يا أهل الأرض من أهل الجنة إلا رجلا واحدا، لظننتُ أنه أنا، ولو قيل بأنكم من أهل النار إلا واحدا، لأظننتُ أنه أنا. يعني عنده الرجاء وعنده الخوف.
وهكذا يعني ينبغي على المؤمن أن يرجو الله ويخاف في حال الحياة، فإذا اقترب الموت عليه أن يحض الرجاء ويحسن الظن بربه. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله تبارك وتعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». أو نحو هذا الحديث أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك يعني رحمه الله واسعة، والانسان لا شك أن أن كل إنسان يذنب، الصحابة الكرام أذنبوا، كما ذكرت يعني كعب بن مالك في غزوة تبوك تخلف، ومرارة بن الربيع تخلف، وهلال بن أمية تخلف، وهم من أهل بدر، ولكن الله عفا عنهم بسبب صدقهم في توبتهم. وقال النبي لكعب بن مالك: «هذا يوم يعني خير يوم مذ ولدتك أمك» بسبب توبه الله عليك.
وهكذا أبو لبابة -ذكرنا فيما مضى أنه يعني أشرنا إلى قصته- أبو لبابة بشير بن عبد المنذر كان يعني صديقا لبني قريظة، فلما خانوا الله ورسوله وغدروا بالمسلمين، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أبو لبابة، وهم أرادوا أن يستشيروا أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما جاء أبو لبابة إلى بني قريظة، فاشار إليه أو سالوه: هل ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم. ثم أشار بيده على حلقه أنه الذبح؛ يعني لا تنزلوا، هو أشار برأسه نعم، ولكنه أفهمهم كلمة أنهم لا ينزلون على حكم النبي صلى الله عليه وسلم. فعند ذلك علم أنه قد أذنب، فذهب من فوره وربط نفسه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ياتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إذ فعل ذلك، فما أنا بالذي أحل قيده حتى يتوب الله عليه».
نقف هنا ونكمل بعد قليل إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحبا بكم من جديد. كنا وقفنا عند قصة أبي لبابة بشير بن عبد المنذر، وأنه حين قال لبني قريظة ما قال، ورأى أنه خان الله ورسوله، ذهب من فوره إلى المسجد وربط نفسه أو ربطته أخته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذ ربط نفسه فلا أُحِلُّه حتى يتوب الله عليه». فبقي مربوطا في المسجد في سارية من سواري المسجد بضعه عشر يوما. وفي صباح أحد الأيام -وكان أخته كانت تحله لحاجته فقط ثم ترده- ففي صباح أحد الأيام تقول أم سلمة: نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «لقد تيب على أبي لبابة». فقالت: يا رسول الله، دعني أبشره. فصرخت من خلف الحجرة: ابشر يا أبا لبابة!
فقام الناس الذين كانوا يصلون في المسجد، فأرادوا يصلون قبل الفجر طبعا يعني؛ لأن الصحابة الكرام كان هناك قيام الليل عندهم، وهكذا كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كخلية النحل قبل الفجر وفي جميع الأوقات، بخلاف مساجدنا هذه الأيام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا، وأن يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله. الشاهد أن الصحابة ذهبوا ليحل قيد أبي لبابة، فقال: لا والله، لا يحله إلا رسول الله. فبقي. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر، حله بيده صلى الله عليه وسلم.
هذا من الأمور التي ذكرت في توبة التائبين. ذكر ابن قدامة أشياء كثيرة في كتاب التوابين، من ضمن ما ذكر -يعني- ذكر قصصا للقدماء للأنبياء، ثم ذكر قصصا لبني إسرائيل، ثم ذكر قصصا للصحابة وللتابعين، وفيها سعة رحمة الله، وفيها جهد هؤلاء التائبين. يعني مما ذكر رحمه الله عليه أن بني إسرائيل في زمن موسى عليه الصلاه والسلام خرجوا يستسقون وموسى معهم، فلما استسقوا لم ينزل المطر، فكلما دعا موسى وكان في السماء شيء من السحاب انقشع السحاب. فقال: يا رب، دعوناك بنو اسرائيل، موسى الكليم ومعهم الرهبان، فلم تسق! فقال الله له: يا موسى، إن بينكم عبد عاصي -كل حياته سخرها للعصيان، نسأل الله العافية والسلامة- أسرف على نفسه، وبه منعتكم القطر؛ بسبب به منعتكم قطر السماء. وهكذا المعاصي إذا كثرت ترتفع البركة من
الأراضي. ولذلك، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفل السفينة إذا أرادوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
هكذا هذه المعصية. هذا الرجل الذي كان عاصيا لله طول حياته منع بنو إسرائيل القطر بسببه، فموسى عليه الصلاة والسلام قال: يا أيها العبد العاصي الذي لم تطع الله طرفة عين، اخرج من بيننا فقد منعنا القطر بسببك. هذا الرجل عرف نفسه، ثم اخذ يتكلم فيما بينه وبين نفسه، ويتوب إلى ربه ويرجع إليه، ويقول: يا رب، إن خرجت فضحت على رؤوس الناس، يا رب، أتوب إليك وأرجع فاقبلني.
فما أتم كلامه يقول ابن قدامة حتى جاء السحاب من هاهنا وهاهنا، وجادت السماء بالمطر كأنها أفواه القرب. عند ذلك تعجب موسى عليه الصلاة والسلام وقال: يا رب، سقيتنا ولم يخرج أحد من الناس! فقال: يا موسى، سقيتكم بمن منعتكم به. فقال: يا رب، دلني على هذا العبد الذي تاب إليك -عرفني عليه- فقال: يا موسى، قد كنت أستر عليه وكان عصيا، أفأستره بعدما تاب؟ بمجرد توبة هذا الرجل، الله سقى بني إسرائيل.
وهذا يدلنا على أن الله يحب التائبين، ولذلك كما ذكرت في الحديث الذي قبل قليل: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم سقط على راحلته وقد أضلها في أرض فلاة». ولذلك يقال إن موسى في أثر أن موسى قال: يا رب، إذا ركع العبد ما تقول؟ قال: أقول: لبيك عبدي. قال: فإن سجد؟ قال: أقول: لبيك عبدي. قال: فإن أتاك تائبا؟ قال: أقول: لبيك لبيك لبيك عبدي.
فالله سبحانه وتعالى يحب التوبة، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل باب التوبة مفتوحا إلى يوم القيامة. في الحديث الصحيح: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها». فالله أكرم الأكرمين.
ولذلك علينا أيها الإخوة الكرام، أيها المشاهدون، علينا أن نتوب إلى الله وأن نرجع إليه كل يوم. النبي صلى الله عليه وسلم يتوب كل يوم مئة مرة، فعلينا أن نرجع إلى ربنا ونستحضر التوبة كل وقت وحين. والله ما يدري الإنسان متى يموت. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث، حديث ابن مسعود الشهير: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
طبعا هذا الحديث ليس معناه أن الإنسان يتكئ على كتابه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى هذا المعنى، بل معناه: يا أيها العاصي، ما تدري كم بينك وبين الموت فارجع إلى ربك. يا أيها الطائع، ما تدري كم بينك وبين الموت فأمسك على طاعتك، ولا يغرنك الشيطان يقول لك: اترك الطاعة ثم تب بعد ذلك، فلعله ليس بينك وبين الموت شيء. ولذلك أيها الإخوة الكرام، علينا التوبة وعلينا التعلق بما عند الله.
ولذلك هذه الأخبار التي ذكرناها في الحلقات الماضية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكرناها حتى تعظم الآخرة في قلوبنا، وحتى تقل قيمة الدنيا. والله إن منا من أحد إلا سيقف بين يدي ربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة».
هذه الأخبار التي ذكرناها تعلمنا أن الدنيا زائلة، تعلمنا أن الآخرة باقية، وأن الفوز الحقيقي هو فوز الدار الآخرة. النبي صلى الله عليه وسلم متى مات؟ من ألف وأربع مئة سنة أو نحو ذلك أو أكثر بقليل. والشاعر يقول: لو كانت الدنيا تدام لواحد لكان رسول الله فيها مخلدا. ولذلك علينا أن نهتم باآخرتنا، علينا أن نهتم بالعمل الصالح، فإن الفوز الحقيقي هو الفوز في الدار الآخرة، والخسارة الحقيقية هي الخسارة في الدار الآخرة.
مهما فاز الإنسان في الدنيا وإذا لم يكن معه الإيمان فهو خاسر، مهما خسر الإنسان في الدنيا إذا كان معه الإيمان فهو فائز. فالفوز في الدار الآخرة، ولذلك الله تبارك وتعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. هذا هو الفوز الحقيقي، والخسارة هي هناك: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15].
ولنتخيل أيها المشاهدون الكرام كيف سيكون ذلك الفوز وتلك الخسارة! إذا كان الإنسان في هذه الدنيا إذا فاز بشهادة، أو فاز بسباق، أو فاز بأي شيء من متاع الدنيا القليل -إذا كانت الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة فما بالك بما فزت به؟ قطعة أرض أو سيارة أو نحو ذلك، أمور بسيطة جدا- لكن إذا فاز الإنسان فيها يأتيه من الفرح والسرور الشيء العظيم، كأنه قد حاز الدنيا بحذافيرها. هذا الشعور، وهكذا طالب العلم أو طالب المدرسة إذا نجح وأتى بالشهادة يأتي فرحا جذلا مسرورا، فكيف بمن يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه؟
كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9]. وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]. هذا هو الفوز الحقيقي الذي ينبغي أن نعمل عليه وأن نجتهد له.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من الفائزين، وأن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن ينفعنا بما نقول ونسمع، إنه ولي ذلك والقادر عليه، واستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري