بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وبحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله جميعًا طلاب العلم وطالبات العلم في مجلس جديد، وفي مشوار جديد من مشوارنا الطويل في أكاديمية رأس العلم لدراسة العلوم الشرعية. بعد أن أنهينا شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحمد الله ومنته وكرمه، اليوم نشرع في دراسة متن جديد من المتون المتخصصة، وهذه متون متخصصة، لذلك عادة ما يكون العدد متخصصًا كما يقولون بمثل هذه المجالس. وهذه الدورات المتخصصة تحتاج إلى نفس طويل، وتحتاج إلى طالب محب للعلم، ودائمًا أقول: من يصبر على هذه المجالس هو طالب محب للعلم، وبالتالي هو مستعد أن يقدم ويضحي من أجل حضور هذه المجالس، ويتعب وينصب ويرتب أوقات النهار والليل من أجل المحافظة على ديمومة الحضور؛ لأنه كما نقول دائمًا: ليست العبرة بالبدايات، وإنما العبرة بالخواتيم.
لا تغرنك الحماس في البداية، فهذا حماس جيد ومطلوب، لكن العبرة بمن يثبت حتى ينهي المصنف وينهي الكتاب. وللأسف اليوم أصبحت ثقافة عدم إنهاء المصنفات هي الشائعة، خاصة مع التعليم الجامعي الذي بالكاد الطالب فيه ينهي كتابه؛ أصبحت ثقافة المرور السريع والوجبات السريعة في العلم هي التي تضغط على عقول طلاب العلم اليوم، وهذه مشكلة يجب أن نتحرز منها؛ لأنها لا تربي طالب علم. طالب العلم الذي لا ينهي المصنفات العلمية، ودائمًا متعود أن يقرأ نصف الكتاب أو ثلث الكتاب أو ربع الكتاب، هذا الطالب لا يفلح ولا ينجح، ولا يمكن أن نعول عليه غدًا إن شاء الله في تدريس المصنفات وفي تحقيقها وتحريرها.
طالب العلم هو الذي ينهي الكتاب من مطلعه إلى ختامه، يفلي الكتاب كما يقولون كلمة كلمة، وسطرًا سطرًا، وبيتًا بيتًا، حتى تكتمل المعلومات في ذهنه، وحتى يشكل تصورًا كاملًا عن المادة العلمية التي يحتويها هذا العلم، سواء كان علم النحو أو علم الصرف أو علم البلاغة أو أصول الفقه أو العقيدة. في أي علم تدرس يا طالب العلم يجب أن تعتاد منهجية الإنهاء، وإلا ستبقى مجتزأ في ثقافتك وتصوراتك، نوعًا ما جزئية وليست الشاشة كاملة.
من هنا بإذن الله ننطلق في هذا المجلس الطيب المبارك وفي هذا المكان الجديد، ننطلق في مدارسة فنين؛ الفن الأول يتعلق بتدريس علم البلاغة ومع ألفية عقود الجمان للعلامة جلال الدين السيوطي، التي وضعها نظمًا لكتاب التلخيص للخطيب القزويني رحمه الله تعالى، هذا في مجلس الأحد. وأما مجلس الأربعاء فسيكون مخصصًا في دراسة الشعر العربي، وابتداءً سندرس مقدمة العلامة المرزوقي في أصول الشعر ونقده. لكن دعونا فيما نحن فيه اليوم؛ مجلس الأحد سيكون فقط مخصصًا لدراسة البلاغة.
طبعًا ستقول لي: هل مجلس واحد في الأسبوع هو الذي نريده؟ لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وأنا دائمًا أحاول أن أشجع طلاب العلم، فلو فرضت عليهم حضور مجلسين وثلاثة في الأسبوع سيكون فيه مشقة، لكن لا إشكال في البداية؛ نبدأ بهذا المستوى درس واحد أسبوعيًا، ثم إذا وجدنا الهمة متقدة والشباب عندهم رغبة ربما نزيد، فأنتم لا يغرنكم أنه درس واحد الآن، مع الوقت ربما نزيد.
ولعل هذا الدرس يكون أسهل من درس الأشموني؛ حقيقةً درس الأشموني في الألفية كان متخصصًا لدرجة عالية لكثرة المذاهب والأقوال. حقيقة سيعتمد في شرحه على عقود الجمان على التأسيس للفكرة العلمية، ثم طرح الأمثلة الكثيرة عليها؛ لأنه مشكلة طالب البلاغة ربما أنهم يستهلكون الوقت في التنظير ولكن يضعفون في التطبيق، يضعفون في عملية التطبيق. دائمًا يا إخوان البلاغة اعلموا أنه علم قصير من حيث التنظير، بل الطول الذي دخله عند المتأخرين هذا سبب إشكالًا، وأصبحت المعلومات النظرية كثيرة لا داعي لها، وكثرة التقسيمات والتفريعات لدرجة مملة، لدرجة أنها ليست مقصودة في صالح طالب العلم أصلًا في ضبط هذا العلم وأحكامه والوصول إلى الغاية المطلوبة منه، وهو أن يصبح قادرًا على فهم الكتاب والسنة وتحليل نصوص السلف بشكل دقيق.
بالتالي الطريقة التي سأختارها كما قلت أننا سنشرح القاعدة بالفكرة العامة كما ذكرها الأئمة، ثم بعد ذلك نهتم بالتطبيق العملي عليها؛ نأخذ تطبيقين، ثلاث، أربع، خمس، حتى تنضج الفكرة من ناحية عملية وليس فقط من ناحية نظرية. طيب، في البداية السؤال الذي قد يأتي أو لا بد أن يجيب عنه طلاب العلم: لماذا علم البلاغة؟ لماذا نحتاج أن ندرس علم البلاغة؟ ربما طلاب علم شرعيين، ربما أقول هذا الطلاب عندهم شرعية تخصصات لغوية، لا، هو تخصصه أصلًا يدرس اللغة العربية، بالتالي يجب أن يدرسها بجميع فنونها؛ نحوًا وصرفًا وبلاغة. لكن ربما يتساءل طالب العلم المنشغل بالفقه أو بعلم الحديث: هل أنا محتاج لعلم البلاغة؟
أقول: نعم، أنت محتاج لعلم البلاغة من جهات متعددة. أولًا، من حيث الفائدة الأولى: علم البلاغة سيسهل عليك الاقتراب من فهم سر الإعجاز في القرآن الكريم، وأنا هنا اخترت عبارة دقيقة، قلت: الاقتراب من فهم سر الإعجاز في كتاب الله سبحانه وتعالى. لماذا قلت الاقتراب؟ لأنني أكون واقعيًا معكم، في زماننا العبء ما غلبت علينا أن ندرك سر الإعجاز ونضع أيدينا عليه بالتمام، هذا صعب، لكن ندرس البلاغة حتى نحاول أن نقترب خطوات وخطوات من فهم شيء من ذلك.
أبو جهل والمغيرة بن شعبة وغيرهم من صناديد كفار مكة ما الذي كان يلفت نظرهم؟ الذي كان يشعرهم بالإعجاز بالتحدي وهم يسمعون هذه الآيات ولا يستطيعون أن ينسجوا على منوالها؟ بالتأكيد هناك سر، وهذا السر كفار قريش كانوا يدركونه، ربما أنا وإياك لا ندركه الآن، لكن هم كانوا يعرفون ما معنى الإعجاز والتحدي في نصوص كتاب الله سبحانه وتعالى. نحن لابتعادنا عن لغتنا وعدم انتمائنا الحقيقي لها أصبحنا نضعف في إدراك إعجاز النظم والجمال في الأسلوب والبلاغة العالية، ولماذا كتاب ربنا سبحانه وتعالى وصل إلى المرتبة العليا من النظم والأسلوب لدرجة أنه لا يستطيع بشر أن يأتي بمثله؟
في بادئ الرأي لو سألتك: لماذا أبو جهل والمغيرة بن شعبة وغيره من صناديد كفار قريش وشعراء الجاهلية لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن؟ لو سألتك لماذا؟ هل تستطيع أن تجيبني؟ ما الذي كان يعجزهم؟ الكلمات هي الكلمات، والعربية هي العربية، لماذا توقف صناديد كفار مكة مع شدة حاجتهم إلى أن يتحدوا القرآن؟ لماذا توقفوا؟ بالتأكيد هناك سر. لو قلت لك، أنت تقول لي: والله أنا أفهم فهمًا أو أحفظه حفظًا، أنا أقول إن القرآن معجز، لكن لو سألتني أقول لك: والله حقيقة غير مدرك لماذا عجز القوم، أنا غير مدرك حقيقة لماذا عجز القوم، مش فاهم بالضبط أين المشكلة، لكنني مؤمن كأي مسلم أن القرآن معجز، أنت في النهاية مؤمن إيمانًا جمليًا أن القرآن معجز، وأنه لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، لكنك غير مدرك تمامًا لماذا هو معجز.
الآن لما تدرس علم البلاغة؛ لأنك تقترب قليلًا من فهم سر الإعجاز. وهذا العلماء كانوا يهتمون به منذ القدم، الكتابة في موضوع الإعجاز في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ الباقلاني كتب في موضوع الإعجاز ودلائل الإعجاز، أيضًا الخطابي رحمه الله تعالى عليه، ثم الرماني أيضًا كتب في دلائل الإعجاز، ثم نأتي إلى عبد القاهر الجرجاني الذي لم يكتب فقط في دلائل الإعجاز بل هو أسس علمًا كما قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله تعالى عليه، ولم يكتفِ بدلائل الإعجاز بالتحديد، بل استطاع أن يشكل علمًا كاملًا لطلاب العلم في المستقبل اسمه علم المعاني.
لكن عمومًا القضية كانت مشغلة للعلماء منذ القدم: ما هو سر الإعجاز في بيان القرآن؟ وسر الإعجاز البياني كما قلنا؛ كل ما كان الطالب أدرى بأساليب العرب ومتعمقًا فيها أكثر وتذوق لسانهم، كل ما كان أقدر على أن يفهم شيئًا من هذا الباب. لذلك لا يصلح حتى تقول له: ادرس البلاغة ولا ادرس الشعر الجاهلي، ما راح ينفع. دراسة البلاغة فقط بدون دراسة الشعر الجاهلي لن تجعلك مستوعبًا تمامًا للموضوع، لذلك أنا أطلق الدورتين معًا؛ لأنه هذه مرتبطة بهذه تمامًا، والشعر الجاهلي هو تطبيق للبلاغة في أسمى وأجلى صورها.
إذا هذه الفائدة الأولى، إذا نقول الفائدة الأولى من دراسة البلاغة هو أن نقترب -إخواني وأخواتي- من فهم سر إعجاز القرآن الكريم. هنا أقول لكم مقولة يقولها يوسف السكاكي رحمه الله تعالى عليه صاحب كتاب مفتاح العلوم، ماذا يقول؟ اعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، يعني الذين وصلوا إلى فهم الإعجاز هم أناس أدركوا هذا بسلائقهم، لكن لو طلبت منهم أن يبينوا لك ذلك لا تملكهم العبارة؛ التعبير عن سر الإعجاز في القرآن صعب، لكنه ملكة ترسخ في الأذهان مع طول الممارسة. يعني أنت مع طول ممارسة البلاغة وفهمك لشعر العرب وفهمك لأساليبهم ستبدأ رويدًا رويدًا تتكشف لك معالم الإعجاز، تتكشف لك بصورة أنت تدركها، لكن لو طلبت منك أن تعبر عنها للآخرين لم تستطع.
كيف علم علل الحديث؟ مش يقولون لك علم العلل في الحديث هو سر الحديث النبوي، أن المحدث يقول لك هذا الحديث ضعيف مع أن ظاهره الصحة، لو قلت لماذا ضعيف؟ يقول لك: مش قادر أعبر لك، الخبرة عندي، الخبرة هي التي جعلتني أعرف أن هذا الحديث بهذا السند غير ممكن أن يكون صحيحًا، لا أستطيع أن أعبر عن ذلك لك؛ لأنك لا تملك الخبرة، وهكذا موضوع إعجاز القرآن؛ من عندهم خبرة بالعربية يفهمون سر الإعجاز، وإن كانت العبارة قد تقصر عن بيان لماذا هو بإعجاز، أنا فاهم بس مش قادر أوصل لك بعبارة مختصرة. المهم، دعوني أكمل الكلام، السكاكي يقول: اعلم أن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا التمرس على علم المعاني والبيان.
ولا طريق لتحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا التمرس على علم المعاني والبيان، هذا كلام يوسف السكاكي رحمه الله تعالى عليه، صاحب كتاب مفتاح العلوم الذي من هو أخذ التلخيص الذي سيأتي معنا إن شاء الله اليوم. نحتاج لعلم البلاغة لأن الفكرة الثانية: علم البلاغة هي أحد الأعمدة التي لا يمكن للإنسان أن يفهم التفسير وأن يتخصص في علم التفسير بدونها. لا يكون المفسر لكتاب الله مفسرًا حتى يتقن -يا أحباب الكرام- علم البلاغة. واليوم تعجب من طلاب في جامعاتنا يتخصصون في علم التفسير وهو خلُوٌّ تمامًا من علوم البلاغة، بالكاد يفهم ما معنى علم المعاني والبيان، هذا لا يجوز له أن يفسر أصلًا، هذا لا يجوز له أن يفسر، قصار ما يمكن أن يفعله أن ينقل التفسير، أن ينقل، أما أن يفسر ويبدأ يحلل النص لا يجوز أبدًا أن تشرع في هذا العلم وأن تزعم أنك متخصص في علم التفسير وأنت ضعيف في البلاغة.
لذلك السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن وهو يتكلم شروط المفسر، يتكلم السيوطي عن شروط المفسر ماذا يقول؟ يقول: وهذه العلوم الثلاثة وهي علم المعاني والبيان والبديع، هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر، أركان، سماها أيش؟ أركان بناء المفسر، قال: وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم. إذًا السيوطي نص واضح: لا يمكن أن تكون مفسرًا لكتاب الله أو أن تتخصص في هذا المجال وأنت ضعيف في ماذا؟ في علم البلاغة.
فإذًا أنا أدرس علم البلاغة حتى أستطيع أن أعالج النص القرآني، يعني أنا لا أريدك فقط أن تدرك إعجاز القرآن، الله، هذا الماء يا إخواني إنه يغلب أكثر، تمام، الله المستعان. أنا لا أريدك فقط أن تدرك إعجاز القرآن، أنا أريدك أيضًا أن تستطيع تفسيره، يعني ممكن أنت تدرس علم المعاني والبيان لا تصل إلى أن تدرك الإعجاز، لكن أقل شيء تستطيع أن تفسر، تستطيع تتعامل مع النص القرآني وتحلله بالشكل الصحيح، يعني مش ضروري تصل إلى إدراك الإعجاز وتصبح من الأئمة في هذا الشأن، أقل شيء أنك تدرس البلاغة حتى إذا أردت أن تفسر كتاب الله سبحانه وتعالى وتنظر في كتب التفسير، تفسر بالشكل الصحيح.
لذلك أظن كثيرًا من طلاب العلم اليوم لا يستطيعون التعامل مع كتب التفسير المتخصصة، مثل روح المعاني للألوسي، ومفاتيح الغيب للرازي، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، بل حتى تفسير النسفي الذي نشرحه، لماذا طلاب العلم يشعرون بصعوبة في فهم الكلام؟ لضعف البلاغة ولضعف درايتهم بعلوم العربية في الجملة. فإذاً أحباب الكرام لا يمكن، لا تتنازل عن دراسة البلاغة إذا أردت أن تعيش مع كتاب الله، وعلم يقودك إلى كتاب الله انعم به من علم، علم يجعلني أعيش مع كتاب الله وأشعر بحلاوة النص وأنس بكتاب ربي، أليس علمًا يستحق منا التعب والتحصيل وأن نتفانى فيه؟ فإياك أن تتكاسل، نتيجة هذا العلم، ثمرة هذا العلم أنك ستصبح يا طالب العلم تشعر بالفرق، ستشعر بالفرق، ستشعر بالفرق إذا أحكمت البلاغة نوعًا ما.
ستشعر بالفرق وأنت تعيش النص القرآني، وتتفيأ ظلاله، وتدور في معانيه، وتنظر في النكات المفيدة التي كتبها العلماء في الآيات. ستشعر بالفرق تماماً؛ لأنك تفهم الآن، ولأنك تتذوق، ولأنك تعيش ما تكلم به العرب، وليس كإنسان يتدبر القرآن تدبراً سطحياً بالكاد يلتقط منه الفائدة والفائدتين.
إذاً، ما الفائدة الثانية من دراسة علم البلاغة؟ الفائدة الأولى هي الاقتراب من فهم إعجاز القرآن، وأنا دقيق في كلمة الاقتراب لأن الوصول التام صعب، ولا أريد أن أكون مثالياً. ثانياً: علم البلاغة أحد الأركان لمن يريد أن يكون مفسراً، ويفتح الله عز وجل عليه في هذا الميدان.
ثالثاً، أيها الأحباب الكرام، علم البلاغة يساعدنا على الفهم الصحيح لأحاديث النبي ﷺ ولكلام الصحابة والسلف الصالح. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه يقول إن من أعظم الأمور التي سببت ظهور الفرق المبتدعة هو الجهل بأساليب العرب البيانية، والجهل بأساليب الخطاب؛ فأصبحوا يسقطون أحاديث النبي ﷺ ويسقطون كلام السلف على غير مسقطه، وينزلونه في غير منزله، فحرفوا الكلم عن مواضعه، فنشأت من ذلك الفرق المبتدعة. ليس هذا هو السبب الوحيد طبعاً، لكنه أحد أسباب نشوء الفرق المبتدعة من الكلابية وغيرهم.
لو نظرنا في أئمة المتكلمين، كانت نقاشاتهم تدور حول العقائد، فبناء على ماذا اخترت هذا المعتقد وأنت لست إماماً في العربية وتتكلم عن غيره؟ فهذا كان ملمحاً عقدياً موجوداً عند أئمة السلف: أنكم أيها أصحاب الفرق المبتدعة إنما بدعتكم منشؤها أنكم لم تفهموا كلام الأوائل، فأسقطتموه وحملتموه على غير محمله.
لكن لأكون دقيقاً إخواني، هذا ليس ظاهرة عامة؛ لأن بعض رؤوس الفرق المبتدعة كان متقناً في علوم البلاغة، كالجاحظ مثلاً، كان إماماً في البلاغة ومتقناً لها، ومع ذلك كان رأساً من رؤوس الاعتزال. إذاً، قد تكون مشكلتهم في الانحراف العقدي من باب آخر، كالتأثر بالفلسفة، لكن مثلاً ابن كرام رئيس الكرامية يقولون كان يُضحك عليه في أئمة العربية، ما كان يفهم شيئاً في العربية ويُضحك عليه! فكيف تتناول قضايا عقدية وأنت لا تفهم شيئاً في العربية؟
إذاً، هذه قضية مهمة انتبهوا لها؛ عندما أتعلم البلاغة سأستطيع أن أفهم كلام السلف وكلام الأئمة، وأحمله بالشكل الصحيح، وأجد له وجوهاً من التأويل والتفاسير الصحيحة، وليس كما يزعم أهل البدع ويحرفونه عن مواضعه. فهو سلاح لمن يريد أن يحمي العقيدة؛ لأنه يساعدك على التوظيف الصحيح لكلام الأئمة وإسقاطه في مكانه المناسب.
النقطة الرابعة أيضاً من فوائد علم البلاغة أننا نعيش عربيتنا، وهذه قضية مهمة أيضاً؛ فليس فقط الفوائد تنصب في المجال الديني. مجرد أنك تعيش العربية كإنسان عربي وتتذوقها وتتفيأ في ظلالها، أليس هذا شعوراً بالاعتزاز بالهوية والحضارة؟ وجزء من تفوقنا الحضاري أن نعتز بلغتنا، بلغة الحضارة الإسلامية. اليوم تجد الناس إذا أراد أن يبين لك أنه شخصية فهمانة يبدأ يتكلم معك باللغة الإنجليزية، يقول لابنه: «وجبني أبل» وكذا؛ ليحسسك أنه إنسان راقي! يرحم والديك، هذا جزء من الانهزام الحضاري وسلطة الثقافة الغالبة كما يقول الشيخ إبراهيم السكران.
الحقيقة أن المسلم الذي يعتز بهويته، أهم شيء أن يعتز بلغته. لذلك دائماً الاستعمار لما كان يدخل إلى بلاد الإسلام، كان أول شيء يستهدفه هو اللغة، كما فعلوا في فرنسا في الجزائر والمغرب وغيرهم. لذلك اليوم لما تسمع من في بعض الدول، بالكاد يفهم عربية لأنه خلطها وعجنها باللغة الفرنسية. إن جزءاً من العودة الحضارية التي نريدها هو عودتنا إلى العربية، نحو وصرفاً وبلاغة؛ فهو جزء من الرجوع لحضارتنا وقيمنا واعتزازنا بلغتنا العربية، أننا أصبحنا نتذوقها ونعيشها ولسنا منهزمين حضارياً أمام الثقافة الأجنبية.
أخيراً، الفائدة الخامسة التي أضيفها في دراسة البلاغة أن تعلم الأدب وقدرتك على قراءة كتب الأدب والشعر الجاهلي والإسلامي وحتى للمولدين، هذا سيصقل جانباً من المروءة الشخصية واختلاف نمط الحياة، وهذا شيء لمن جربه. الذين يهتمون بدراسة الأدب ذوقهم في الحياة يختلف، حتى ذوقك الشخصي وممارساتك في الحياة؛ أنت أديب، لك ذوق رفيع ومروءة عالية وقدرة على فهم الكلام. ولذلك كان ابن تيمية أيضاً يقول إن اللغة تؤثر في العقل والدين والمروءة، وهذا كلام صحيح. من يعيش العربية حياة حقيقية ويشعر نفسه أنه يستطيع أن ينظر في كتب الأدباء ويتصفح ويتكلم بكلامهم، ستختلف حتى أذواقه الأدبية والحياتية ومشاعر ونظرته لكثير من الأمور.
طبعاً هذا كلام لن تشعر به إلا إذا جربته وأصبحت العربية تمشي في كيانك وفي عروقك، وتتنفسها وأنت تقرأ وأنت تعيش في كتب الأئمة. فهذه قضية مهمة جداً، وهي حقيقة قضية شريفة؛ أنني أصبح صاحب مروءة، صاحب ذائقة، صاحب لون ونمط معين في الحياة، بل وصاحب فكر؛ فالفكر الإسلامي يختلف سبحان الله بإتقانك لعلوم العربية وقدرتك على التعايش معها في أفيائها.
هذه خمس نقاط، والنقاط كثيرة، لكنها نقاط كتبتها سريعاً حتى تعرف أنك مقبل على علم عظيم، وأن إتقانك لهذا العلم شرط مهم في مراحل عديدة في حياتك العلمية، وليس على هامش الحياة كما يظن البعض. البعض يقول لك: «شعر الجاهلي يا شيخ ماذا نفعل به؟» تعرفون أن النووي رحمه الله عليه في «المجموع» يقول: إن دراسة الشعر الجاهلي من فروض الكفايات! نعم، النووي في المجموع يقول إن دراسة الشعر الجاهلي من فروض الكفايات يا جماعة؛ يعني إذا لم تقم به طائفة تكفي الأمة. لماذا جعلها النووي من فروض الكفايات؟ لأن فهم القرآن، وهو أساس الشريعة، لا يمكن إلا من خلال هذه الدراسة. لن تفهم القرآن هكذا «بباراشوت»، تقعد مع شيخ ويفهمك القرآن وتروح، هذا مش موجود؛ فهم القرآن أساسه فهم العربية وإتقان اللسان العربي. فتعلم هذه العلوم هو من فروض الكفايات، وليس لأنك فاضي بعد العصر فجئت تشوف المشايخ شو بيسولفوا في البلاغة؛ هو شيء أنت ملزم به ويجب أن تتعلمه إذا أردت أن تحمل لواء هذه الشريعة المباركة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على هذا الدرب، وأن يرزقنا فيه الثبات والاستمرار. دائماً نقول: الاستمرار يا طالب العلم، فأكثر ما يقض مضاجع طلبة العلم اليوم هو عدم الاستمرار؛ أن الطالب يتحمس أول مجلس ومجلسين وثلاثة، وبعدين تفتُر همته. لا، انتبه يا طالب العلم، اسأل الله دائماً الإعانة، اسأل الله أن يرزقك الهمة، وعليك أن تحب العلم حتى تستمر فيه. الطالب الذي لا يحب العلم أو ما زالت محبته تترنح قد ينقطع، لكن المحب للعلم والعاشق لمثل هذه العلوم والنصوص يشعر بالراحة، يشعر بالطمأنينة، يشعر بلذة، حتى هموم الحياة عليك أن تتركها خارج أسوار هذا المجلس وتأتي هنا بقلب متفرغ من أجل التعلم. ترى العلم أحياناً يزيح الهموم؛ العلم يزيح الهموم يجعل الإنسان في أنس، بدلاً من التفكير في هذه الحياة وغمها، خلي العقل يشتغل بما هو نافع ومقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
الكتاب الذي بين أيدينا واخترنا أن ندرسه بإذن الله هو كتاب «نظم عقود الجمان» للعلامة جلال الدين السيوطي. لكن من المجلس القادم، لن أسامح من يأتي وليس بيديه المنظومة، وليس بيده أقل ما فيها شرح واحد على هذه المنظومة، ونحن سنعتمد شرح جلال الدين السيوطي نفسه على منظومته.
طبعاً، لماذا في الأسواق لا يوجد هذه الكتب؟ لو سألتك لماذا؟ من اليوم مشغول أنه يدرس «عقود الجمان» وينظر في هذه الكتب؟ يقول لك يا شيخ أنت في أي زمن؟ ما حدا يطلب هذه الكتب، وأصحاب المكتبات لا يوفرونها؛ لأنه بالنسبة له مش مكسب. حتى هذا مؤشر لنقص دراسة علم البلاغة والكتب الكبرى؛ أنه ما أحد يلتفت إلى مثل هذه العلوم إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. أعانكم الله، عليكم أن تسحبوا الكتاب الذي أرسلناه لكم؛ هو نفس الكتاب الذي بين أيدينا، وهو مجلد واحد صغير.
شرح السيوطي حقيقة شرح مميز لأنه أكثر من الأمثلة، والسيوطي ما كان يهتم كثيراً بالتنظير، بل كان يكثر من الأمثلة وهذا سيساعد الطالب على التمرس في علم البلاغة، خاصة أننا سنحلل هذه الأمثلة. المنظومة التي بين أيدينا هي «عقود الجمان»، وهي نظم لكتاب يسمى «التلخيص»، وهذا الكتاب هو عمدة علم البلاغة عند المتأخرين؛ فهو الكتاب الذي إليه النهاية لمن يريد أن يدرس علم البلاغة من الجانب النظري. وإذا أردت أن تعرف قيمة الكتاب، انظر إلى عدد الشروح الموضوعة عليه؛ شرح أكثر من خمسين شرحاً، وهذا يدل على أنه كتاب نفيس ومهم عند العلماء.
أنقل لكم ما ذكره بهاء الدين السبكي في «عروس الأفراح»، وهو أحد الشروح المركزية لكتاب «التلخيص». يقول بهاء الدين السبكي -وهو شقيق تاج الدين السبكي-: «فإن تلخيص المفتاح في علم البلاغة وتوابعها، بإجماع من وقف عليه واتفاق من صرف العناية إليه، أنفع كتاب في هذا العلم». إذاً هو ينقل الإجماع على أن كتاب «التلخيص» هو أنفع كتاب في هذا العلم. صنف وأجمع مختصراً فيه على مقدار حجمه، فهو وصف بكونه أنفع كتاب، وأنه جامع لمسائل هذا العلم. لذلك كما قلنا، العلماء منذ عقود وهم منكبون على شرح هذا الكتاب وتطبيق وممارسة علم البلاغة من خلاله.
أيضاً سعد الدين التفتازاني -وهو من اهتم بكتاب «التلخيص»- له شرح مطول عليه وله شرح مختصر. ماذا يقول سعد الدين رحمه الله عليه في «المطول» عندما أراد أن يبين قيمة هذا الكتاب؟ قال: «قد وجدته مختصراً جامعاً لغرر أصول هذا الفن وقواعده، حاوياً لنكت المسائل وعوائدها، محتوياً على حقائق هي لباب آراء المتقدمين، وعلى دقائق هي نتائج أفكار المتأخرين، مائل عن غاية الإطناب ونهاية الإيجاز». العلماء الكبار يتواترون على مدح كتاب معين؛ معنى هذا أن الكتاب عمدة. كما تجد مثلاً «ألفية ابن مالك» في النحو، فإجماعهم على أنها عمدة في هذا الفن، كذلك هذا الكتاب «التلخيص»؛ لا يوجد أحد يذمه في الجملة، والكل يمدحه وينتفع به؛ دلالة على أنه من الكتب العمد في علم البلاغة.
لذلك يا طالب البلاغة، إياك أن تخترع كتاباً آخر وتحاول أن تنظر في كتب ليس عليها المدار؛ دائماً طالب العلم عليه أن يعتني بالكتب التي اهتم بها العلماء وأكثروا شروحها، فبالتأكيد فيها البركة بإذن الله. هذا الكتاب، «عقود الجمان»، هو نظم لكتاب «التلخيص»؛ طبعاً السيوطي نظمه لأن النظم أيسر في عملية الحفظ. السيوطي رحمه الله رجل مبارك في منظوماته؛ نظم كثيراً من العلوم الشرعية في ألفيات، نظم «الكوكب الساطع» لجمع الجوامع في أصول الفقه، وله «ألفية السيوطي» في النحو، وألفية في الحديث. وحقيقة أنا أنصح طلاب العلم أن يحفظوا ألفيات السيوطي في جميع العلوم؛ فإن السيوطي ماهر متمرس، ونظمه سهل رائق، لا تجد فيه كلفة. سبحان الله، ربما «عقود الجمان» لو الطالب انكب عليها يحفظها في شهر واحد؛ منظومة سهلة جداً، عباراتها رائقة، في متناول اليد، ما فيها بحور طويلة، بل هي على بحر الرجز، عبارات سهلة، وهو متمرس لدرجة أنه ينظم نفسه؛ لا يبتعد كثيراً عن العبارة، بل ينظم المتن ويحكمه، فهذا أيضاً يحفزنا في دراسة هذه المنظومة. كتاب «تلخيص المفتاح».. أنا الآن لما أقول ما هي المراجع التي سأعتني بها كطالب علم يريد أن يدرس «عقود الجمان»؟
أما التلخيص، فأنا أقول لك إن عقود الجمان كمنظومة، من أجل أن تفك عبارتها وتفهمها نكتفي إن شاء الله بشرح السيوطي. طبعاً هي عليها شرحان أصلاً؛ شرح السيوطي وشرح المرشدي، مفتي الحرم المكي سابقاً. توفي المرشدي سنة 1038 هجري، وما في عليها إلا هذان الشرحان، السيوطي والمرشدي. لم أرهما مطبوعين، أنا درستهما أيام المدينة مخطوطتين، يعني كانتا هدية مخطوطة، نعم.
عقود الجمان موجودة حديثاً وطبعت هذه الليلة، ولكن سعرها غالٍ، وهي معلومة جيدة، دار نينوى طبعت شرح المرشدي، ما شاء الله. كما قلت قبل 10 سنوات، للأسف ما كان هذا الكتاب مطبوعاً لعدم الاهتمام به، كما قلنا لعدم الاهتمام بعلوم البلاغة. فهم شرح، لكن أنا أفضل لك شرح السيوطي وشرح المرشدي إن استطعت أن تقتنيهما يكون رادفاً، لكن شرح السيوطي يكفي طالب العلم، هو مجلد واحد وليس شيئاً كبيراً ويؤدي الغرض. لكن حقيقة هناك شروح التلخيص أيضاً تحتاج أن تراجعها؛ لأن شروح التلخيص هي شرح لعقود الجمان، وتستطيع أن تعتبرها شرحاً لعقود الجمان؛ لأن عقود الجمان هو ناظم لكتاب التلخيص. فكل الكتب التي تشرح التلخيص ستخدمني إذا أشكلت علي عبارة. هناك كما قلنا أكثر من 50 شرحاً على كتاب التلخيص، لكن أبرز هذه الشروح عندنا عروس الأفراح، مطبوع في مجلدين. تمام، طبعاً كتب العلمية -ربما ما أعرف إذا في عندكم نسخ أخرى في الأسواق موجودة- لكن للأسف دار الكتب العلمية تهتم أكثر من غيرها بالكتب التي لا يوجد عليها طلب. موجود في مجلدين عروس الأفراح لبهاء الدين السبكي، لكن هذا الكتاب مميز في تحريراته، لكن تقل فيه الأمثلة، لذلك طالب العلم قد يستصعب قليلاً فيه، لكنه من حيث التحرير عروس الأفراح من أنفع الكتب على تلخيص المفتاح.
أيضاً من الكتب الجيدة شرح القزويني نفسه، القزويني شرح كتابه بشرح سهل ميسر اسمه الإيضاح في شرح تلخيص المفتاح. أنا نسيت أن آتي به معي، وإلا كان عندي في المنزل الإيضاح في شرح تلخيص المفتاح. إذن القزويني شرح كتابه، وهذا ينفعك لأن كل إنسان هو أدرى بما كتب، وثاني لما أنا أقرأ شرح نفس صاحب المتن، هذا يساعدني أن أدرك فعلاً ما الذي قصده في العبارات التي قد يكون فيها شيء من الإغلاق. أيضاً من الشروح المميزة على كتاب التلخيص: المطول والمختصر لسعد الدين التفتازاني رحمه الله عليه. سعد الدين التفتازاني كتب شرحاً مطولاً على التلخيص ثم عاد فاختصره، طبعاً الشرح المطول ليس 500 مجلد، هذا الكتاب كبير وفيه تحريرات وتحقيق وتدقيق، لكن كما قلت هذا لا يهمك الآن؛ أنت الآن في أول دراسة لك تهتم بفك العبارة والتأسيس، وأما الدخول في هذه الكتب الكبرى، هذا يكون للطالب المتمرس الذي يريد أن يتعمق أكثر وأكثر في تحرير مسائل البلاغة، يحاول أن يقتني هذه الكتب. إذن يكفي الكلام عن هذه الشروح. إذن تلخيص المفتاح عليه أول شرح ما هو يا مشايخ؟ عروس الأفراح لمن؟ لبهاء الدين السبكي، طيب، أيضاً شرح القزويني، والمطول والمختصر لسعد الدين رحمه الله تعالى، التي عليك أن تقتنيها وأظنها تكفي؛ لأنها جمعت لبابنا في الشروح الأخرى.
الآن أشوف أنا ماشي معاكم هرمياً، قلنا عقود الجمان هو نظم لكتاب هذا التلخيص. يعني حتى أحرك الجو الآن، عندنا نظم عقود الجمان، هذه المنظومة التي بين أيدينا وصاحبها جلال الدين السيوطي عليه رحمه الله، الكتاب التلخيص لمن؟ للقزويني، توفي القزويني سنة 739 هجري، السيوطي توفي سنة 911 هجري. التلخيص من اسمه تعرف أنه تلخيص لكتاب ما، اسمه التلخيص إذاً لخص شيئاً؛ ماذا لخص القزويني؟ لخص كتاب اسمه مفتاح العلوم ليوسف السكاكي، ممتاز. اسمه تلخيص المفتاح حتى أكون دقيقاً. التلخيص هو لخص الجزء الثالث أو القسم الثالث من كتاب مفتاح العلوم ليوسف السكاكي، في كتاب اسمه مفتاح العلوم، من صاحب مفتاح العلوم؟ الإمام السكاكي رحمه الله تعالى عليه، كتابه اسم مفتاح العلوم، هذا الكتاب جعله ثلاثة أقسام: قسم في الصرف والاشتقاق، قسم في علم النحو، القسم الثالث قسم في البلاغة، وفي أخيراً بعض المسائل المنطقية وعلم العروض، لكن عموماً كتاب مفتاح العلوم رحمه الله تعالى عليه كتاب ثلاثة أقسام: قسم للصرف، وقسم للنحو، وقسم للبلاغة. أخذ القسم الثالث المتعلق بالبلاغة وألف عليه كتاب تلخيص المفتاح، جمع ما ذكره السكاكي ولخصه في هذا الكتاب الذي أصبح موسوماً عند الأئمة بتلخيص المفتاح. إذاً هذه هي شجرة ما نحن فيه، إذاً عندنا نظم عقود الجمان هو نظم لكتاب التلخيص، والتلخيص هو للقسم الثالث من كتاب مفتاح العلوم للسكاكي المتخصص بعلم البلاغة.
طبعاً السكاكي يعتبر إماماً في هذه الفنون، في فنون العربية عموماً، وإن كانت عبارته يشوبها شيء من الإغلاق، لذلك الأئمة ما اهتموا كثيراً بكتاب السكاكي وإن كان متيناً في علوم العربية، لكن عبارته كانت فيها شيء من الإقفال، مغلقة، والتلخيص أفضل منه لذلك تنتفع به أكثر. وهكذا دائماً سبحان الإنسان الذي تكون عبارته واضحة حتى ولو لم يكن إماماً تجد الناس تقبل عليه، وقد يكون الإنسان إماماً مبرزاً لكن عباراته مقفلة فتجد الناس تنأى عنه. فهذه قضية في حياتكم مهمة، أن يتمرن الطالب على قدرة صياغة الأفكار بشكل جيد وإيصالها للطلاب بسهولة حتى ينتفع الناس من علمه. طيب، الآن مفتاح العلوم كما قلنا لخصه القزويني، هناك كتاب آخر حاول أن يلخص أيضاً القسم الثالث من مفتاح العلوم، كتاب يعتبر جيداً في علم البلاغة وهو رديف أو مقابل لكتاب القزويني، كتاب اسمه المصباح، المصباح لمن هذا المصباح؟ هذا لابن الناظم، تعرف ابن مالك صاحب الألفية، قال محمد ابن مالك، حتى مشهور في اللغة اسمه ابن الناظم، أيضاً لخص القسم الثالث من كتاب مفتاح العلوم. لماذا المصباح؟ الآن حقيقة هو هذا المشهور، المشهور أن المصباح هو تلخيص أيضاً للقسم الثالث، وإن كان ابن مالك في ديباجة المصباح لم يذكر أن كتابه تلخيص، ما نص في مقدمة الكتاب أن تلخيصه تلخيص للقسم الثالث من كتاب السكاكي.
ابن مالك أو ابن دقيق لما ألف المصباح حقيقة لما تقرأ في المقدمة لا تجده أشار إلى هذه القضية، ما قال إن كتابه تلخيص لمفتاح العلوم، لكن بعض الذين نظروا في نسخة الكتاب أو ديباجة الكتاب كأنهم في بعض النسخ المخطوطة وجدوا أنه سماه المصباح في تلخيص المفتاح، شوف اسمه: المصباح في تلخيص المفتاح، فلعلهم من هنا قالوا إن المصباح هو تلخيص لكتاب المفتاح. وأيضاً خلينا نقول المحتوى، المحتوى الذي ذكره ابن مالك المصباح أيضاً واضح أنه مأخوذ من كتاب السكاكي، لكن لا أستطيع أن أجزم بذلك من جهة أن ابن مالك لما صنف المصباح ما قال: وقد لخصت في هذا المتن ما ذكره السكاكي في مفتاح، ما قال ذلك، بخلاف القزويني ذكر ذلك في مقدمة الكتاب. لكن عموماً هذا يهمنا أن تعرف أنه مفتاح العلوم له في الجملة تلخيص آخر اسمه المصباح، هذا لابن الناظم، خلنا نسميه ابن الناظم حتى ترتاح، هكذا هو مشهور عند علماء العربية، يسمونه ابن الناظم، ابن مالك وهذا ابنه.
إذن هذه الشجرة التي نريد أن نصل إليها حقيقة، السكاكي وغيره من المتأخرين، سواء السكاكي ولا القزويني ولا من جاء بعدهم، هم في علم البلاغة اعتمدوا على كتابين أساسيين حتى وصلوا إلى هذه العلوم. طبعاً في مقدمة على شرح مئة المعاني والبيان في ذكر مقدمة تاريخية لعلم البلاغة، أنا لا أريد أن أكررها حتى نشرح مباشرة في المنظومة، أنا ما بحب التأخر، لكنني في شرح المعاني والبيان ذكرت مقدمة في الدرس الأول والثاني والثالث، تكلمت فيها عن تاريخ البلاغة، لكن يهمني هنا نقف على جزئية مهمة، وهي أن كل المتأخرين في علم البلاغة هم عيال على إمام عظيم هو الذي أحكم علوم البلاغة وجعلها علماً قائماً له أبوابه ومسائله، من هذا العالم؟ من؟ آه يا جماعة، عبد القاهر الجرجاني رحمه الله عليه. قل هؤلاء، رأيتموه؟ كل هؤلاء عيال في هذا العلم على الإمام الذي استطاع أن يجمع شتات هذه المسائل. قبل عبد القاهر الجرجاني كان علم البلاغة عبارة عن إشارات مبثوثة هنا وهناك، ما كان علماً مجموعاً في كتاب واحد، الجاحظ يشير إلى بعض القضايا، ابن قتيبة يشير إلى بعضها، الآمدي في الموازنة يشير إلى بعضها، أبو الحسن الجرجاني في الوساطة يشير إلى بعضها، لكن ما كان علماً على شكل علم له باب الأول، باب الثاني، الباب الثالث، له قواعد وتأطيرات.
جاء عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز، فوضع الأساس الأول لعلم البلاغة في كتابه دلائل الإعجاز، وجمع كل الملاحظات التي ذكرها المتقدمون، جمعها فيما يتعلق بعلم المعاني؛ لأنه سيأتي معنا أن علم البلاغة كم قسم يا جماعة؟ ثلاثة: علم معاني، علم بيان، علم بديع. هذا الكتاب دلائل الإعجاز أسس فيه الجرجاني لعلم المعاني بالتحديد، لأن المعاني بالتحديد هو كتاب رائق، عبارة عن قطعة أدبية فائقة، والذي يتقن فهم الكلام العربي لما يقرأ هذا الكتاب يستمتع؛ لأنه حتى وهو يصوغ العلم يصوغه بعبارة جميلة، أنت تقرأ في دلائل الإعجاز، لذلك الشيخ محمد أبو موسى كان دائماً -الشيخ محمد أبو موسى هذا من المشايخ الذين ما زالوا على قيد الحياة، لكنه أستاذ قسم البلاغة في جامعة الأزهر، وهو الإمام في البلاغة- أحضروا مقاطع على اليوتيوب وفيديوهاته، هذا الرجل الأستاذ محمد أبو موسى وشيخ البلاغيين من المتأخرين المعاصرين، رجل فائق وكان يعيش كتب البلاغة، لم يتنفسها نفسه، يعني هذه الكتب ليست فقط دراسة سريعة كما يفعل الطلاب، لا، يتنفس هذه الكتب نفسه، يتقنها بالتالي عليكم أن تهتموا عموماً بكتب الشيخ محمد أبو موسى.
فالمهم هذا الكتاب كما قلنا أسس لعلم المعاني، ثم وضع كتاباً آخر عبد القاهر الجرجاني اسمه ماذا؟ أسرار البلاغة، أسس فيه لعلم البيان، أسس فيه لعلم البيان وشيء من البديع. عبد القاهر الجرجاني ما كان مهتماً كثيراً بقضية علم البديع؛ لأن علم البديع كما سيأتي معنا هو من المحسنات، شيء للتحسين، يعني مثل الملح في علم البلاغة، فقط ملح زيادة، ولا أساس علم البلاغة هو علم المعاني وعلم البيان. فأنا علم المعاني صنفه وجمعه في كتابه دلائل الإعجاز، والبيان بينه وصنفه وجمع مسائله في كتابه أسرار البلاغة. أنا ما أتيت به اليوم معي، هذان الكتابان يجب أن يكونا عند طالب العلم الذي يهتم بدراسة البلاغة، ما ينفع أنك لا تقتني دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة. عندما تنظر في كتب المتأخرين وتنظر في كتب الجرجاني ستدرك الفرق بين الجرجاني، عظمة الجرجاني وفهمه العميق وبين كلام المتأخرين الذي كثر فيه التشقيق للعبارة وكثر التقسيمات، الجرجاني كان يراها مش يعني ليست شيئاً كبيراً، الجرجاني يهتم بالمضمون، يهتم بالفهم النهائي ولا يهتم بكثرة التقسيمات والتفريعات التي قد تشغل الطالب عن الفائدة التي ينبغي أن يركز عليها. فالسكاكي والقزويني والسيوطي وابن الناظم، كل هؤلاء الذين تكلمنا عنهم هم عيال على عبد القاهر الجرجاني واستفادوا منه المعلومات المتعلقة بعلم البلاغة. طبعاً نحن لا نقول إنها مستفادة منه فقط، بالتأكيد استفادوا من ابن قتيبة، استفادوا من الآمدي، طبعاً الآمدي البلاغي مش الآمدي الأصولي، أنه في الآمدي الأصولي، هذاك أبو الحسن الآمدي، أو أبو الحسن الآمدي الأسدي، المهم هناك الإمام الآمدي الأصولي صاحب الأحكام، لا، هذا آمدي آخر، آمدي يدرس الشعر صاحب كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري. الأمر صاحب كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري ولعل هذا الكتاب سلامتك يا أبي، أيضاً في أثناء شرحنا خاصة في المعلقات، هذه قضية مهمة جداً يا طالب؛ لأنها تشكل المكتبة البلاغية التي يجب أن تكون بين يديك.
طيب، سنعتني الآن، دعونا ننظر إلى أين وصلنا في مقدمة مجلس اليوم. يا رب، نشرع الآن في مقدمة هذه المنظومة، وأنا أحب دائماً من منهجي، أنا أحب في المجلس الأول أن يهضم الطالب البداية؛ ليه؟ لأن دافع له أن يكمل، لأنه في أول مجلس بدأ في الموضوع يصل عليه، أقول لك: إيه، بلشنا ها في مجال. لكن لما تقول له لا، لسه بدك مجلسان وثلاث حتى تشرع في المنظومة، هذا يشعر بشيء من الياس والإحباط، يقول لك أنا شهر كامل وأنا بحضر وما خلصناش إلا خمس أبيات، هذا يقطع الطالب. فأنا دائماً، وعيف المجلس الأول من بركة هذا المجلس أن يشرع في الأبيات الأولى من المنظومة، وحقيقة من منهج أيضاً في الشرح أنني أبتعد عن تكرار الفوائد أو الأمور التي أذكرها في شروح المتقدمين؛ يعني بعض المشايخ الله يكرمه بالخير يهتم دائماً بالتدقيق على بعض العبارات، يعني الحمد لله بتجلس ماعاد درس، الله يجزاه الخير، وهو يذكر إعراب وما فيها من الأوجه وبسم الله الرحمن الرحيم، وهذا حقيقي متعب للطالب. خلاص هذه الأمور أنت أيها المعلم ليس شرطاً كل ما شرحت كتاباً، البسملة وما فيها من الوجوه وماذا قال فيها العلماء ثم تشرح الحمد لله وما فيها من الوجوه والمعاني البلاغية، هذا متعب، مرة مرتين شرحتها، الطالب الذي درس معك سابقاً خلاص ركزت الأفكار في ذهنه وهو يراجعها، وركز دائماً على المضمون، وهذه نصيحة لكم إن شاء الله في المستقبل لمن يتبوأ منصب التدريس، الأمور تسميها التقنية أو الأشياء التي على الهامش لا تطيل فيها.
على الطلاب حتى لا يملوا، خصوصاً طلاب العلم في زماننا هذا، ما أسرع أن يتسرب إليهم الملل. فأنت لما تطول في المقدمات ترى الطالب ينهج ويتعب وأنت لم تصل بعد إلى مقصود العلم. فليس من فنون التدريس أن يركز الطالب على هوامش المسائل، بل دائماً ركز على أصول المسائل التي يحتاجها الطالب. وأما إعرابات البسملة والحمدلة فهذه يجدها الطالب عند أي إنسان؛ أنت لو شرحتها مرة أو مرتين غلط، أو لو شرحتها مرة أو مرتين صح، ما في داعي تضيع وقت الطالب في هذه الأمور.
هذه المنظومة عقود الجمان كما قلنا، المحاضرة القادمة الكل يأتي بعقود الجمان تمام. سيكون هناك هذه نسيت أن أقول لكم إياها، ما عندي تأتيني الله يكرمك، تحط لي إياها على رف السيارة ويأكلها الشمس والحر وتجي تفتح لي إياها مرة ثانية عندي لا، الله يكرمك ستسمعون تمام. ذكريات جميلة أن اجتمعنا مع الشيخ في هذا المجلس الطيب المبارك، وسمعنا منه شوية عن البلاغة الله يرضى عنه، وخلاص في ذكريات الإنسان ينسى، كلنا ننسى بآفة العلم النسيان؛ فلا بد من الحفظ حتى نحكم.
كما قلت يعني منظومة سهلة رائقة، حفظها لا يحتاج إلى عنت ولا مشقة، لكن كل أسبوع خمس ست أبيات لا أظن ولا تكسر ظهرك يا طالب. هذه المنظومة اسمها ألفية لأنها من ألف بيت، وهي على بحر الرجز، والعلماء دائماً لماذا يضعون منظومات على بحر الرجز؟ لسهولته، بحر له إيقاع موسيقي سهل كما يقولون، إيقاع على ذهن المتلقي سهل، فيأخذ البيت سريعاً ولا يتعنى، بخلاف لما تكون المنظومة على بحر الطويل أو بحر البسيط؛ يتعب الطالب في أثناء حفظه. لذلك العلماء يبتعدون عن بحر البسيط والطويل وهذه البحور التي تثقل كاهل الطالب أثناء الحفظ إلا ما خلاص يعني لازم أن يكون كذلك، مثل ألفية العراقي في الحديث جاء ليس على بحر الرجز بل الطويل، يعني عيارها تمام.
دائماً يا طالب اهتم بحفظ الرجز، يعني إذا خيرت بين منظومتين في العلم واحدة على الطويل وأخرى على الرجز، خذ التي من الرجز، حتى مثلاً في لامية الأفعال ولا نظم المقصود في الصرف، خذ على نظم المقصود؛ لأن لامية الأفعال بحرها صعب فتشعر بثقل وأنت تحفظ أبيات ابن مالك فيها. دائماً بحر الرجز يكون أسهل على الطالب. نسأله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق والإخلاص في القول والعمل، وأن يثبتنا وأن يرزقنا همة لإنهاء مثل هذه المدارس والمصنفات ونشرها في غيرها، ويرزقنا الاستمرارية إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نبدأ بالمقدمة، قال الفقير وعابد الرحمن: الحمد لله على البيان، وأفضل الصلاة والسلام، على النبي أفصح الأنام، وهذه أرجوزة مثل الجمان، ضمنتها علم المعاني والبيان، لخصت فيها ما حوت تلخيصا، مع ذكر زيادة للمشبّه، والله ربي أسأل أن يعينه، وأن يزكي أعمالي، ويعفو عن سوئي، وأن ينالنا الرضا.
يعني حتى لاحظ الأبيات سلسة يعني ما فيش فيها ثقل، قال الفقير عابد الرحمن الحمد لله على البيان، كم يحتاج منك هذا تحفظه؟ ما يحتاج شيء صحيح. طيب، هذه الموضوع كما قلنا البسملة والحمدلة، حتى يعني لو نظرت في كتاب السيوطي أنا أعجبني السيوطي حقيقية في هذا المنهج الكتاب؛ قال والبسملة والحمدلة ذكرت كثيراً في كتب أخرى، ذلك عن إعادتها، أنا فاهم أنا بدي أعطيك الخلاصة. الباء حرف جر والاسم مشتق من السمو أو من الوسم، ونقعد نجلس فيها ساعة ونصف، السيوطي نفسه قال أحيلك على كتب أخرى مما تقدم؛ لأنه يريد أن يعطيك الزبدة، فهذا الكتاب قال الفقير لذلك بدأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال مباشرة قال الفقير عابد الرحمن الحمد لله على البيان.
طبعاً يا طالب العلم يجب أن يكون بين يديك كراسة ونبدأ نحلل المنظومة كلمة ثم، يعني بعد أن تحلل المعنى التفصيلي تنظر في المعنى الإجمالي، هكذا طريقة الشرح لابن طارق يكتب، ما في طالب يكون متفرج. طيب، قال الفقير، نبدأ بالدرس، قال فعل ماضي ولا مضارع مشايخ؟ ماضي صحيح فعل ماضي. طيب كيف هو في البداية يقول قال الفقير مع أنه لسه ما قالش، هسه بده يأتي؛ يعني الآن هو لما كتب أول كلمة في الموضوع، أول كلمة كتبها قال صحيح، وهو بيقول لك قال الفقير، طب أنت الآن عم تمضم؟ الأصل أنك تقول ماذا يقول في المستقبل أنك أنت لسه الآن عم تكتب، فكيف يعبر بالماضي عن المستقبل؟ خلينا نوضح الإشكال؛ دائماً هذه الأمور كانت مهمة جداً أن الطالب يحكمها.
هو يقول في بداية المنظومة قال الفقير عابد الرحمن، طب هو لما تكلم بهذه المنظومة أول ما قال هذا البيت هو لسه لم يقل شيئاً، ما سيقوله قادم بعدها، فكيف باختصار عبر عن المستقبل بصيغة الماضي؟ هذا له نمط في القرآن صحيح، مثل ماذا؟ أعطوني من يعطيني في القرآن ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]. ما هو القيامة، طب هل القيامة أتت؟ لا، طب كيف عبر عنها بصيغة الماضي ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ﴾؟ ما عنده تسليم؟ من خلال هذه النكت من يقول ما هو الوجه في ذلك؟ أيوه يا شيخ عمر، نعم هذا أحد الأوجه التي قالوها، أنه يعبر عن المستقبل بصيغة الماضي للدلالة على دنو حصول الشيء واقترابه فكأنه قد حصل.
يعني إذا عبرت عن شيء في المستقبل بصيغة الماضي كانك تخبر سامعه بأن هذا الشيء قد اقترب دنوه. من يعطيني مثالاً عليها في شيء يومياً نسمعه؟ قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة هي لسه ما قامت، لسه الناس بتستعد، طب كيف عبروا عنها بصيغة الماضي قامت الصلاة؟ لماذا عبرت عنها بالماضي؟ من أساليب العرب أنهم إذا أرادوا أن يعبروا عن دنو حصول الشيء واقترابه عبروا عنه بصيغة الماضي، هذا أسلوب أو وجه، طيب هناك أيضاً تخريج آخر لهذه الفكرة بالنسبة للشعر. لا هذا ربما في الكتب، لكن في النظم يصعب لأنه هذا شيء مسترسل في النظم، يصعب ذلك في الكتب العلمية ممكن، في الرسائل الجامعية ممكن هكذا يفعلون، لكن في النظم صعب أخي.
طيب أيضاً، لا هو لا يقول باعتبار القارئ هو يقول باعتبار الناظر النفسي، من الأوجه التي ذكروها الأئمة قالوا: إنه نزل ما في ذهني منزلة الحاصل الموجود في الخارج، هذه المنظومة كمعان كل هذه الألفية كمعانٍ أليست موجودة في ذهن السيوطي قبل ما يخرجها؟ هي كمعانٍ موجودة، قالوا نزل ما في ذهني منزلة الموجود في الخارج، وهذا شكل أيضاً من أشكال المجاز. هو شكل من أشكال المجاز سواء على الوجه الأول أن نقول جعل ما اقترب حصوله كأنه وقع وحصل هذا مجاز، أو نقول أنه نزل ما في الذهن منزلة الحاصل الموجود وهذا شكل من أشكال المجاز. فاهمين هذه ولا مش فاهمينها؟ أنه هذه الألفية كلياتها هي موجودة في ذهنه سابقاً، فلما يقول قال الفقير هو سماها قال باعتبار أنها في ذهنه مسبقاً، فنزل ما في ذهني منزلة الموجود الحاصل، فهذان وجهان لهذا التخريج لكن هذا أنفع ما يقال فيها.
قال الفقير، الفقير على وزن ماذا؟ تفعيل، وهو بمعنى مفتعل هنا أي مفتقر، قال الفقير هذا نوع من ماذا؟ من إظهار الحاجة إلى الله سبحانه وتعالى وبيان أن الإنسان لا يستطيع وحده أن ينال هذه العلوم ولا أن يكتسبها. وأنك يا طالب العلم في كل لحظة وحين وفي كل خطوة من خطوات الحياة تستعين بالله على طلب العلم وعلى كشف المغلقات وأن تفتح أمامك المعارف، أما من يعتمد على ذكائه فقد يضل، فقد يضل كثير من أذكياء العلماء ضلوا في مسائل الاعتقاد مع أنهم أذكياء، تمام؟ فلا تظن أن الذكاء وحده منجٍ، لا تظنن أن الذكاء وحده منجٍ وسبب في الرشاد، تحتاج ولا بد إلى أن تفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في كل مسألة تتعلمها، أن يفتح على ذهنك وعقلك وقلبك، لذلك العلماء دائماً يحرصون على إظهار هذا النمط من الافتقار لله سبحانه وتعالى.
قال الفقير عابد الرحمن، قال عابد الرحمن هو اسمه إيش السيوطي؟ اسمه عبد الرحمن، لكن المنظومة صعب يقول فيها عبد الرحمن لأنه يختل الوزن، لو قال قال الفقير عبد الرحمن الوزن سينكسر، فاحتاج أن يقول ماذا؟ عابد بدل عبد، وهو نفسه في كتابه ماذا قال في شرحه؟ يقول وهذا لا يخرج الكلمة عن أصل معناها، يعني سميت حالي عابد الرحمن ولا سميت حالي عبد الرحمن يعني المعنى واحد، صحيح ولا لا؟ عابد الرحمن ولا عبد الرحمن هو الفرق أن عابد اسم فاعل صحيح وعبد صفة مشبهة. الفرق بينهما من ناحية تكتيكية أن اسم الفاعل يدل على الحدوث والصفة المشبهة تدل على الدوام، وإن كان حتى وزن فاعل يمكن أن يستعمل صفة مشبهة أيضاً، بالتالي كلامه هو صحيح لما قال في مطلع كتابه أنه لا فرق بين عابد وعبد هنا، يعني لا تظن أن هذا سيخل بأصل المعنى فمش لي إياها، خلاص احتسب أن أقول عابد، هكذا المنظومة قال الفقير عابد الرحمن.
ماذا قال الفقير وعابد الرحمن؟ الحمد لله على البيان، الحمد لله، وهذا دأب العلماء والكتاب والمصنفين والناظمين أن يبدأوا المنظومات بالحمد لله سبحانه. والحمد هو الثناء على المحمود بذكر محاسنه مع محبته وتعظيمه، طبعاً دائماً في الكتب الأصيلة في الشروح دائماً يقولون: الحمد هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم، وهذا كثير ما ذكرته في شروح سابقة، لكنه يحتاج إلى تفصيل كل كلمة منه؛ الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم، هكذا أكثر العلماء يقول رحمهم الله، لكن ابن القيم رحمه الله عليه ذكر تعريفاً مختصراً للحمد يريح الطالب قال: الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه. إذا ذكرت محاسن شخص وأنت تحبه وتعظمه فهذا اسمه حمد. لابد من هذه الشروط، لأنه ممكن أذكر أمدح فلاناً، أنا يمكن أن أمدح شخصاً من أعدائي وأقول فلان جرير، فلان هذا الكافر والله قوي أو ذكي في هذه العلوم، هذا اسمه مدح ما اسمه حمد. إيش الفرق بين الحمد والمدح؟ الحمد أن أثني عليك وأنا أحبك وأعظمك، المدح لا أوسع شوية، أنه أثني عليك وممكن ما بكون بحبك بالعكس بيني وبينك براءة أنت كافر، لأن الحمد من شرطه أن يكون الحامد محباً للمحمود ومعظماً له في قلبه، فأنت تحمد الله وتحمد النبي صلى الله عليه وسلم على ما أدى، وتحمد طلاب العلم على حضورهم وانشغالهم بالعلم؛ لأنه هذا ذكر لمحاسنهم زائد محبة وتعظيم. أما مجرد ذكر المحاسن من دون أن يكون هناك محبة وتعظيم فهذا اسم وليس حمداً، اسمه ماذا؟ مدح، تعالى فرق بين الحمد وبين المدح.
إذا قال الفقير عابد الرحمن الحمد لله على البيان، كلمة على البيان، اختلف في تعليليها، هل على البيان هنا هذه تعليلية؟ أم أن المراد استعلاء والتعظيم؟ ماذا يعني لما قال الحمد لله على البيان؟ نقول على البيان إما أن تكون تعليلية، شو يعني تعليلية؟ يعني أنت لماذا تحمد الله؟ على البيان؛ أنه أنعم علينا بنعمة البيان، أنه أعطانا ألسنة نستطيع أن نعبر من خلالها على ما في بواطننا، مشيناها عظيمة، ما عندك لسان كيف ستعبر عن كأس شاي؟ واحد بدك تعمل ١٥ ألف حركة حتى تستطيع أن تعبر عن أكثر جملة، لذلك أحياناً لما تنظر في نشرات الأخبار تعبانة، والله قاعد تحت على اليمين ودائماً يشير بيده، والبكم تعرف نعمة الله عليك أنك أنت الحمد لله تستطيع أن تسمع البيان وتعبر بلسانك عن البيان، فهذه من أعظم النعم التي يشكر الله ويحمد الله سبحانه وتعالى عليها أننا نستطيع أن نعبر عن حوائجنا بيسر وسهولة، ولا نحتاج إلى تكلف وصعوبة. ولو كنت عاجزاً عن البيان باللسان لوجدت هناك مشقة شديدة في إيصال الأفكار للناس من حولك، هذه نعمة تستحق الحمد، فهنا تكون على البيان تعليل، أي أحمده لماذا؟ على البيان، ففائدة على هنا التعليل، لماذا تحمد الله؟ طبعاً نحن نحمد الله على كل شيء، لكن المراد هنا في هذا السياق اختار هذه النعمة من بين كل هذه النعم، لماذا اختار هذه النعمة من بين هذه النعم؟ يعني لماذا ما حمد الله على الأكل والشرب؟ أحسنتم، يعني نعمة الأكل والشرب مش بلاغة، ليست من البلاغة، تقول أحمد الله على نعمة النفس، الله محمود على كل شيء، لكن نحن في سياق لماذا؟ نحن في سياق تعلم البلاغة، فالمناسب أن تأتي بصلب ما نحن في دراسته، نحن سياتي إليها نحن في صلب دراسة البلاغة، فالجيد أن تبدأ بشيء يذكره أو يشير إلى البلاغة.
إذا هذا الوجه الأول لكلمة على البيان أن تكون تعليلية، هناك من ذكر هذا المرشدي في شرحه، ويحتمل قال أن تكون بمعنى التعظيم والاستعلاء، ما معنى؟ يعني الحمد لله على البيان، يعني الذي أعطى هذه النعم ومنعها، ليس تعليلاً وإنما استعلاء وتعظيماً له، وكأن الله سبحانه وتعالى شملنا بهذه النعمة وأصبغها علينا، سماها المرشدي رحمه الله عليه تعظيماً واستعلاءً، وهو أصل معنى على، يعني على ما أصل معناها في اللغة الاستعلاء، فكأنه قال الحمد لله على البيان، فهو تعظيم واستعلاء. وإن كنت أنا أذهب للمعنى الأول أشوف أوضح أنه خلاص الحمد لله على البيان، أنه تعليل لسبب حمده لله في هذا السياق. وكلمة على البيان هنا حقيقة فيها أسلوب من أساليب البلاغيين وهو ما يسمى، هذا اكتبوه عندكم، ما يسمى ببراعة الاستهلال، ما معنى براعة الاستهلال أيها المشايخ؟ آه يا شيخ عمر، أحسنت، براعة الاستهلال هذا مهم جداً تحفظ هذا المصطلح، أن يبدأ الناظم أو الكاتب خطبته أو نظمه بعبارة أو لفظة تشير إلى.
الفن الذي سيكتب فيه أو سينظم فيه. يعني لما أقول الحمد لله الذي خلق الأشجار وأنزل الأمطار، ماذا تتوقع أن يكون موضوع الخطبة؟ دائما خطيب الجمعة إذا بدأ بهذه الخطبة؛ هل يتكلم عن الجغرافيا؟ يتكلم عن المي؟ يتكلم عن البيئة، صح ولا لا؟ طب الحمد لله الذي نصرنا على الكفار، الموضوع الشيخ لا يروح عند دار خالتي اليوم، صح تمام، في عنده كلام عن الجهاد واستعار المعارك. طيب لما تسمع الحمد لله على نعمة البيان والفصاحة، بتعرف أنه شو الموضوع؟
أن تذكر في بدايته كلمة أو عبارة تشير إلى طبيعة الفن الذي ستصنف فيه؛ هذا الأسلوب اسمه ماذا؟ براعة الاستهلال. فهنا لما قال الحمد لله على البيان، كلمة البيان مؤشر أن هذه المنظومة في أي فن؟ راح يتكلم عن موضوع البلاغة. فهنا أتى ببراعة الاستهلال، وهذا من حسن نظمه. طبعًا كلمة البيان هنا ليست الفن الثاني من فنون البلاغة، لا، هنا كلمة البيان بمعناها اللغوي العام، وهو ماذا؟ البيان يعني التعبير عما في الضمير. كلمة البيان هنا مش هي مقابل علم المعاني، لا، بمعناه اللغوي، ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]. ما هو البيان؟ هو المنطق المفصح عما في الضمير عمومًا، هذا المعنى اللغوي لكلمة البيان.
ثم قال في البيت الذي يليه: وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. بعد أن حمد الله سبحانه وتعالى، من الأدب أن تنتقل إلى الصلاة والسلام على النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. فقال وأفضل الصلاة، والصلاة كما ذكر ابن هشام في مغني اللبيب، تبعا للسهيلي، الصلاة معناها في اللغة ما هو؟ الحقيقة في اللغة هي العطف على الشيء، هذا معنى الصلاة في أصل معناها اللغوي. أن تعطف وتميله إلى الشيء، هذا معنى العطف على الشيء، يعني الميل له. ثم بعد ذلك أصبحنا نستعملها في المفردات الشرعية، أن هناك صلاة من الله وصلاة من الملائكة وصلاة من البشر. فالصلاة من الله على عبده معناها الثناء، الصلاة من الله على عبده معناها ثناء الله على عبده، والصلاة من الملائكة على العبيد معناها الاستغفار، والصلاة من البشر معناها الدعاء. عندما أقول لك روح صلي، أصلها في اللغة الصلاة منا نحن البشر معناها الدعاء. إذا أصل الصلاة في اللغة ما معناها يا مشايخ؟ العطف. ثم إذا بدأنا في المفردات الشرعية، في الصلاة من الله على عبده الثناء، والصلاة من الملائكة على البشر الاستغفار، والصلاة من العبيد معناها الدعاء.
طيب لما تقول اللهم صل على محمد، ما معنى الصلاة هنا؟ الثناء، ركز معي، أنت مش دائما تقول اللهم صل على سيدنا محمد؟ ما معنى اللهم صل؟ اللهم أثني، لأنك أنت لست الذي توقع الصلاة، لا، أنت تطلب من الله أن يوقع الصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم. الصلاة من الله ما هي؟ الثناء، كما ذكرنا. فإن اللهم صل على سيدنا محمد معناها اللهم أثني على سيدنا محمد، لأنك تطلب من الله ماذا؟ الصلاة.
نعود إلى موضوعنا، وأفضل الصلاة والسلام، هنا صلى وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يجوز إفراد الصلاة عن السلام؟ يعني هل يجوز أن أقول اللهم صل على محمد من دون أن أقول وسلم عليه؟ اختلف العلماء في ذلك، بعض العلماء قال يكره إفراد الصلاة عن السلام، يعني إذا صليت على النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن تتبع الصلاة بالتسليم. لماذا؟ لماذا استدلوا؟ إيه يا شيخ عمر، أحسنت، بدلالة الاقتران في سورة الأحزاب، الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. ما قال صلوا فقط، قال صلوا عليه وسلموا، فجمع بين الصلاة والسلام. وإذا أفرد أحدهما عن الآخر فيكون مكروهًا، لكن دلالة الاقتران عند علماء الأصول ضعيفة لا يعول عليها كثيرًا والله أعلم، بجواز إفراد الصلاة عن السلام، لكن السيوطي خرج من الخلاف فذكر الصلاة والسلام معًا، فقال وأفضل الصلاة والسلام.
على النبي أفصح الأنام، هنا طبعًا النبي من أين اشتقت؟ إلى أنها مشتقة من النبأ وهو الخبر، وقيل مشتقة من النبوة وهي المنطقة المرتفعة، هذا خلاف في اشتقاق كلمة النبي، لكن المراد بالنبي هنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. هنا ماذا قال على النبي أفصح الأنام؟ تلاحظون أن هنا أيضًا استعمال مصطلح الفصاحة، وهذا أيضًا براعة استهلال. شوف استعمل براعة الاستهلال مرتين، في البيت الأول لما استعمل كلمة البيان، وفي البيت الثاني لما استعمل مصطلح الفصاحة؛ لأنه مصطلح الفصاحة أيضًا هذا من شغل علماء البلاغة، أو من الذين يستعملون مصطلح البيان ومصطلح الفصاحة، فهمنا أيضًا براعة استهلال أخرى. الأنام من هم؟ الناس، يعني على النبي أفصح الناس، وهو قد صرح بذلك صلوات ربي وسلامه عليه من أوتي جوامع الكلم.
ننتقل الآن، أراد أن يبين ما هذا النظم ويشرح لك ما طبيعة هذا الكتاب الذي أنت مقبل عليه، فقال وهذه، وهذه يشير إلى ماذا؟ يشير إلى المعاني والكلمات التي ستأتي. فهذه إشارة إلى غير محسوس، وهذه الأبيات التي ستأتي بما فيها من المعاني، وهذه إشارة إلى غير محسوس. وهذه أرجوزة مثل الجمان، مفردها جمانة، والجمانة هي اللؤلؤة، فقال وهذه أرجوزة مثل الجمان، تضمنتها علم المعاني والبيان. تبرع علم البديع؟ هي فقط المعاني والبيان، إحنا قلنا علوم البلاغة ثلاثة، سندرس علم المعاني إن شاء الله، وعلم البيان، وعلم البديع. أين ذهب علم البديع؟
أحسنت، إما نقول إنه مدرج في علم البيان؛ لأن بعض البلاغيين لما يطلق علم البيان يجعل علم البيان شاملاً للبديع، وأظن هذا قريب من عمل الجرجاني. وبعضهم يقول لك لا، هم أصلاً لا يهتمون بعلم البديع إلا كالملح على الطعام. الآن علم البديع يا إخوان رح نقف معه وقفة، الأصل أن لا يكثر منه في الكلام؛ لأن الإكثار منه في الكلام، ونحن نطيل النفس فيها ونحن ندرس مقدمة المرزوقي في أصول الشعر ونقده، لأنه من أكثر الأمور التي أخذت على أبي تمام رحمه الله تعالى عليه في شعره أنه كان يبالغ في علم البديع، حتى قالوا أصبح شعره ممدودًا كثيرًا، فإن البديع هذا ينبغي أن يكون كالملح على الطعام، إذا كثر أفسد الطبخة، وإذا قل كثيرًا بحيث ما عاد يوجد، تشعر أنه في نوع من الاختلال، فينبغي أن يوضع بقدر بسيط يحلو به الطعام ولا يفسد. فلذلك بعضهم يقول علم البديع ليس علمًا مستقلاً، وإنما هو تبع، فلا يحتاج إلى ذكره أصالة إلا على وجه التبعية. فلو استغنى عنه الإنسان فقال علم البلاغة يتكلم في المعاني والبيان ولم يذكر البديع، مش مشكلة، أن البديع في النهاية كالزينة وليس علمًا برأسه يحتاج طالب العلم أو طالب العربية برأسه، يعني هو طبعًا هذا لا يعني التقليل من شأنه في كثير من الفنون، ولكن المراد أنه ليس علمًا برأسه في مقابل علم المعاني والبيان، لا هو تتمة وتذييل لهما، لذلك قد يكون السيوطي استغنى عنه وما اقتصر على المهم هنا.
فقال وهذه أرجوزة مثل الجمان، ضمنتها علم المعاني والبيان. طبعًا ستقول ما معنى علم المعاني؟ ما معنى علم البيان؟ هذا سنأتي إليه إن شاء الله في المجلس القادم عندما نبدأ نتكلم، إيش تعريف علم المعاني، وإيش تعريف علم البيان، وإيش تعريف علم البديع.
قال لخصت فيها ما حوت تلخيص مع، يعني هذه تلخيص للتلخيص، قال لخصت فيها ما حوت تلخيص، مع، الآن السيوطي حقيقة هل هو كان ناظمًا حرفيًا لكتاب التلخيص أم زاد أمورًا وأنقص أمورًا؟ لا، السيوطي حقيقة زاد أمورًا وأنقص أمورًا وعمل بعض التغييرات في ترتيب شيء في الكتاب ليكون أكمل وأنضج، فهو ذكر لك في منظومته ما هي الأمور التي خالف فيها التلخيص. قال لخصت فيها ما حوت تلخيص، مع ضم زيادات كامثال اللمع، أي ضممت على كتاب التلخيص زيادات أنا زدتها في منظومتي. هذه الزيادات التي زدتها على كتاب التلخيص هي مثل اللمع، واللمع هو الشيء الذي يكون يلمع داخل منظومة معينة، شيء يلمع داخل ثوب أو شيء يلمع على البدن، هذه اللمعة هو الشيء المنير داخل ثوب أو داخل قماش أو داخل حائط، بقعة مضيئة، فهو يقول أن هذه الزيادات التي أضفتها على كلام القزويني هي مثل الأشياء المضيئة، هكذا أشياء مضيئة أردت بها هذه المنظومة. إذا السيوطي زاد على كلام التلخيص هذه فائدة بإذن الله، ودائمًا السيوطي إذا أراد أن يبين زياداته يقول في المنظومة في أول النظم يعني الأشياء التي يزيدها هو ينبه أنها من زيادته بكلمة قلت، حتى يشير أن هذا من عندي.
أيضًا قال ما بين إصلاح لما ينتقد، وذكر أشياء لها يعتمد، هنا أراد أن يبين طبيعة هذه الزيادات، يعني كأنه ماذا يقول؟ أنا زدت زيادات على كلام القزويني، ما طبيعة هذه الزيادات؟ بينها في البيت الذي يليه. فقال زيادات السيوطي هي مصنفة أنها على نوعين. النوع الأول: إصلاح، يعني في زيادات أنا زدتها طبيعتها إصلاح الأمور. كتابه لا يوجد فيه خرم، وأي كتاب بشري يقبل النقد في بعض الأفكار، صحيح ولا لا؟ في بعض المواطن في التلخيص، هذه المؤاخذات والاعتراضات أصلحها السيوطي في منظومته، ممتاز. الاعتراضات التي توجهت للقزويني على بعض المواطن في كتابه التلخيص جاء السيوطي في عقود الجمان فأصلحها حتى يرتفع الانتقاد، إذا ما بين إصلاح لما ينتقد على القزويني. القسم الثاني: ذكر أشياء لها يعتمد، يعني أضفت إضافات لا هي مش اعتراضات، لا هي إضافات على بعض الأفكار التي أثارها القزويني، أنا أضفت بعض الإضافات من عندي وليست اعتراضًا. فإذا الزيادات التي ذكرها السيوطي في عقود الجمان تنقسم إلى قسمين، منها إصلاح لمعترض به على القزويني، هذا القسم الأول، القسم الثاني ذكر أشياء لها يعتمد، أي يعتمد عليها في علم البلاغة قد يكون القزويني أغفلها أو لم ينتبه لها، لم يذكرها فيما هو جهد بشري، فأنا أذكرها لك حتى أنت تستفيد من هذه المنظومة.
ثم قال وضم ما فرقه للمشبه، إذا نعود، وهذه أرجوزة مثل الجمان ضمنتها علم المعاني والبيان، لخصت فيها ما حوت تلخيص مع، ضم زيادات التي شبهها باللمع وعرفنا ما طبيعة هذه الزيادات، أيضًا غير ضم الزيادات ماذا فعل؟ للمشبه. يعود إلى القزويني فرق بعض المسائل التي كان ينبغي أن يجمعها في مكان واحد، فرق بعض المسائل في أبواب متعددة وكان من حقها أن تجمع في مكان واحد، ممتاز. فجاء السيوطي في المنظومة ايش عمل؟ جمع هذه الأمور التي فرقها القزويني وذكرها في محلات واحدة، ويخبرك أنه برضو من الأمور التحسينية التي أضفتها أنني ضمنت المسائل المتشابهة التي كان ينبغي أن يذكرها القزويني في مكان واحد، ضمنتها في مكان واحد، لذلك قال وضمي ما فرقه للمشبه، أي ضمنت المسائل المتشابهة التي كان القزويني قد فرقها، فهمتم ما معنى هذا؟ وضمي ما فرقه للمشبه، ضمنت المسائل المتفرقة التي تشبه بعضها بعضًا وكان ينبغي على القزويني أن يضمها.
ثم قال والله ربي أسأل النفع به، والله ربي أسأله، استعمل لفظة الألوهية ثم لفظة الربوبية، والله ربي أسأله، لو سألتك لماذا ما قال وأسأل الله أن ينفع به؟ ما معنى أو عفوا ما إعراب والله ربي أسأله؟ الله ما إعرابها؟ مفعول به صحيح، والله ربي أسأل النفع به، يعني أنا لو أعدت ترتيب البيت أسأل الله، مفعول به أول لكنه جاء مقدمًا، لماذا قدمه؟ لتقول للاهتمام، أنه أنا ما بيهمنيش فلان ولا إنسان، أنا الذي يهمني أن يقبل كتابي ونظمي وشغلي وتعبِي الله سبحانه وتعالى وحده. إذًا قدمه للاهتمام، ثاني زي ما تفضلتم، تقول للحصر، يعني أنا أريد الله دون غيري، زي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إياك نعبد يعني نعبدك ولا نعبد سواك، الله أسأل الله ولا أسأل غيره هذا الذي تقصده، فتقديم المفعول به هنا المراد منه أحبابي الكرام الاهتمام والحصر. فأنا الذي يهمني هو رب العالمين، وأسأله ولا أسأل سواه أن يرزقني القبول لما أنا مقدم عليه. والله ربي أسأل النفع به، يعني أن ينتفع الناس بهذا النظم، والحمد لله أنه هذا النظم فعلًا الله عز وجل نفع الناس به، والناس والعلماء المحققون الذين يهتمون بهذه العلوم ينكبون على كتاب السيوطي ويشرحونه ويحفظونه للطلبة، مما يدل.
أن فيه نفع والناس أقبلت عليه، ثم قال: وأن يزكي عملي ويعرض عن سوئه. استمر في دعاء الله سبحانه وتعالى؛ أسأل الله أن يزكي هذا العمل، وأن يقبله، وأن يخلص من الكدر، وأن يزكي عملي ويعرض عن سوئه أيضاً. هذا شكل من أشكال التواضع؛ أنه ما في إنسان كامل في النهاية، السيوطي كامل؟ مش كامل. كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد، وكل نص ليس حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو آية قرآنية يقبل النظر والنقاش، يمكن يكون صواب يمكن يكون خطأ، فيقول: وأن يزكي عملي ويعرض عن سوئه.
وأن ينيلنا الرضا، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى كما سأل العلامة السيوطي، نسأل الله أن ينفعنا بما نقدم، وأن يجعل هذا المجلس خالصاً لوجهه الكريم، وأن يزكي أعمالنا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يعرض عن سوءنا، فكلنا أصحاب خطأ، كلنا أصحاب معاصي وذنوب؛ نسأل الله سبحانه وتعالى دائماً حسن الختام.
خلاص أنا اليوم ما بدي أشق عليكم أكثر من ذلك وخلصت المنظومة معكم. لكننا إن شاء الله سنمشي على هذا النهج كما قلت؛ هذه المنظومة أسهل من الألفية من جهة أننا سيكون الشرح هكذا؛ نتعامل مع المفاهيم العامة، ما فيها مذاهب ولا قال فلان، مباشرة معنا العام وأمثلة عليه تطبيقية، لكن يحتاج منكم إلى حضور واهتمام وإلى مراجعة. وكما قلت لابد يكون شرح السيوطي بين أيديكم؛ لأن هذا الكتاب هو الذي عليه المعول في الشرح إن شاء الله.
هناك بعض الفوائد الحقيقة في الشرح ليست في المنظومة، إن داخل الشرح في فوائد سنقف عليها لأنها مهمة لطالب العلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأن يكتب لنا ولكم الخير والقبول دوماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل