بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسائلين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف. وقد انتهى بنا الحديث أحبتي في باب الحال في المحاضرة السابقة؛ تكلمنا عن مفهوم الحال، فقال ابن مالك: الحال وصف فضلة منتصب، مفهم في حالي كفرداً أذهب. وكونه منتقلاً مشتقاً يغلب، ولكن ليس مستحقاً. ويكثر الجمود في سعر وفي، مبدي تأول بلا تكلف كبع مداً. بكذا يداً بيد، وقر زيد أسداً، أي كأسد، ومصدر ونكر غالباً ذو الحال. والحال عرف لفظاً فاعتقد، تنكيره معنى كوحدك اجتهد. ومصدر منكر حالاً يقع، بكثرة كبغتة زيد طلع.
ثم تكلمنا عن صاحب الحال في قوله: ولم ينكر غالباً ذو الحال، إن لم يتأخر أو يخصص أو يبن، من بعد نفي أو مضاهيه، كلا، يبغ امرؤ على امرئ مستسهلاً.
اليوم أحبابي الكرام نكمل الأحكام التي ستأتي تباعاً في باب الحال، ووصلنا إلى البيت 340 عند قول ابن مالك عليه رحمة الله: وسبق حال ما بحرف جر قد، أبوا، ولا أمنعه فقد ورد.
في هذا البيت أحبابي الكرام يتكلم ابن مالك عن تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف الجر. فماذا يقول ابن مالك؟ وسبق حال ما -يعني الذي- بحرف جر قد أبوا؛ أي وسبق الحال لصاحب الحال المجرور بحرف الجر قد أباه جمهور النحاة. وأما رأي ابن مالك فقال: ولا أمنعه فقد ورد؛ أي ورد مسموعاً بكثرة، وسيذكر الأشموني شواهد عديدة على مذهب ابن مالك رحمة الله تعالى عليه.
نقول أحبابي الكرام، يقول الأشموني: وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا. طبعاً سبق ما إعرابها؟ مفعول به مقدم لأبوا، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والعلاقة بينهما علاقة الفاعلية لأن الحال هو الذي سبق، فهو الفاعل من جهة المعنى. وأما ما الموصولية فهي المفعول به، فإعادة ترتيب البيت تقول: قد أبوا سبق حال ما بحرف جر. أبوا أن يسبق الحال صاحب الحال المجرور بحرف الجر.
يقول الأشموني: أي منع أكثر النحويين تقدم الحال على صاحبها المجرور بالحرف. ولاحظوا نحن هنا نتكلم ابتداءً عن المجرور بحرف الجر وليس المجرور بالإضافة؛ فلا يجوزون نحو قولك: مررت بهند جالسة، أن تقول فيها: مررت جالسة بهند، صاحب الحال هند وهي مجرورة بحرف الجر، هل يجوز أن نقدم الحال عليها فأقول: مررت جالسة بهند؟ يقول الجمهور: لا يجوز.
لماذا لا يجوز؟ الأشموني سيبين لنا هذه العلة فقال: وعللوا منع ذلك بأن تعلق العامل بالحال، ثانياً لتعلقه بصاحبه، أي يأتي ثانياً بعد تعلقه بصاحب الحال. العامل الآن عندنا العناصر الثلاث: عامل الحال، صاحب الحال، الحال. يقول: عامل الحال تعلقه بالحال يأتي بعد تعلقه بصاحب الحال. قال: فحقه إذا تعدى أي العامل لصاحب الحال بواسطة، أن يتعدى إليه أي إلى الحال بتلك الواسطة أيضاً؛ يعني إذا كان العامل سيتعدى إلى صاحب الحال بواسطة حرف الجر، فحقه أن يتعدى إلى الحال أيضاً بحرف الجر نفسه.
لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف الجر إلى شيئين، بل يتعدى إلى شيء واحد. فجعلوا عوضاً من الاشتراك في الواسطة، التزام التأخير، أي التزام تأخير الحال. فالخلاصة أن العامل إذا كان يتعدى إلى صاحب الحال بواسطة حرف الجر، فكان الأصل أن يتعدى إلى الحال بنفس حرف الجر، لكن الفعل لا يتعدى بحرف الجر الواحد إلى شيئين، فجعلوا عوضاً من الاشتراك في الواسطة التزام تأخر الحال في هذه الحالة وعدم جواز تقدمه على صاحبه المجرور.
طبعاً قال الناظم في النهاية: لا أمنعه، لا أرى أن هذا ملزم في الحقيقة، بل أجيزه وفاقاً لأبي علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان. قال: لأن المجرور بالحرف هو مفعول به من حيث المعنى، فلا يمتنع تقديم حاله عليه، كما لا يمتنع تقديم الحال على المفعول به الطبيعي. فكذلك إذاً لا مانع من أن يتقدم الحال على ما هو في معنى المفعول به، وقد ورد السماع به.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28]. صاحب الحال هو الناس المجرورة بحرف الجر، ونلاحظ أن الحال وهو كلمة كافة تقدم عليها. وعندك من الشعر قول الشاعر: تسليت طراً عنكم بعد بينكم، بذكراكم حتى كأنكم عندي. طراً يعني جميعاً، تسليت عنكم جميعاً، طراً حال وصاحب الحال هو الضمير كم المتصل بعن، فنلاحظ أن الحال وهي طراً تقدمت على صاحبها وهو ضمير الخطاب المجرور بعن.
ومنه قول الشاعر أيضاً: لئن كان برد الماء هيماناً صادياً إلي حبيباً إنها لحبيب. هيماناً صادياً حالان من الياء ضمير المتكلم المجرور بإلى، أي لئن كان برد الماء إلي هيماناً صادياً، فتقدم الحال على صاحبه المجرور. ومنه قول الشاعر: غافلاً تعرض المنية للمرء، فيدعى ولا تحين إبائي. غافلاً تعرض المنية للمرء، لاحظوا هنا الحال تقدم ليس فقط على صاحبه بل حتى على العامل، فجاء في بداية البيت. أصل البيت: تعرض المنية للمرء غافلاً، فغافلاً حال وصاحبها المرء المجرور بلام الجر، ومع ذلك جاءت الحال متقدمة على صاحبها المجرور وعلى العامل أيضاً.
ومنه قول الشاعر: فإن تك أذواد أصيبنا ونسوة، فلن يذهبوا فرغاً بقتل حبالي. صاحب الحال أحبابي القتل المجرور بالباء، وفرغاً حال منه، فتقدم الحال عليه. أيضاً منه قول الشاعر: مشغوفة بك قد شغفت وإنما، حم الفراق فما إليك سبيل. أصل البيت: قد شغفت بك مشغوفة، فمشغوفة حال من الكاف المجرورة بالباء، وتقدم الحال على صاحبه.
ومنه قول الشاعر: إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً، فمطلبها كهلاً عليه شديد. يقول إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً وهو في ريعان الشباب، فأن تطلب له المروءة إذا أصبح كهلاً هذا شيء ذهب وقته. الشاهد في قوله ناشئاً فمطلبها كهلاً عليه شديد، والتقدير فمطلبها عليه كهلاً شديد، فكهلاً حال من ضمير الهاء المجرور بعلى، تقدم الحال على صاحبه المجرور.
الآن هذا رأي ابن مالك وهذه أبرز الأبيات التي استشهد بها ابن مالك. الآن هل الأشموني يوافق ابن مالك على رأيه أم الأشموني مع الجمهور؟ قال الأشموني: والحق أن جواز ذلك مخصوص بالشعر. وحمل الآية على أن كافة حال من الكاف في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، والتاء للمبالغة لا للتأنيث. وقد ذكر ابن الأنباري الإجماع على المنع. إذاً الأشموني يرى أن الأبيات التي استشهد بها ابن مالك كلها خاص بالشعر، والشعر باب للضرورات. وأما الآية فيرى الأشموني أن كافة حال من الكاف في أرسلناك، وأن هذه التاء ليست تاء تأنيث بل تاء مبالغة، فبالتالي أصلها وما أرسلناك إلا كاف للناس.
وهذا سيختلف عليه المعنى، فرق بين وما أرسلناك إلا كاف للناس وما أرسلناك إلا للناس كافة، وهذا هو محط النظر في تفسير الآية، وإن كان القرآن حمال وجوه كما يذكر المفسرون. ثم يقول الأشموني أن ابن الأنباري نقل الإجماع على المنع، فبالتالي يكون ابن مالك مسبوق بالإجماع. رأي ابن مالك يعتبره خرقاً لإجماع، لكن دعاوى الإجماع صعبة في مثل هذه المسائل النحوية. والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في حاشيته على الأشموني شن هجوماً على الأشموني واعتبر أن كلام ابن مالك هو الكلام المنطقي، وابن مالك أتى بالعديد من الشواهد التي تؤكد وجهة نظره، واعتبار كلام ابن مالك خاصاً فقط بالضرورات الشعرية لا يراه الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد صحيحاً، بل هناك شواهد كثيرة تدل على الجواز، والله تعالى أعلم.
بعد أن عرفنا معنى هذا البيت والآراء فيه نذهب إلى التنبيهات: التنبيه الأول قال الكوفيون: إذا كان المجرور ضميراً نحو مررت ضاحكة بها، أو كانت الحال فعلاً كقولك تضحك مررت بهند، جاز أن يتقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف الجر في هاتين الصورتين، وإلا امتنع. هذا تفصيل للكوفيين.
التنبيه الثاني: محل الخلاف إذا كان حرف الجر غير زائد، أما إذا كان حرف الجر زائداً جاز تقديم الحال على صاحبه المجرور اتفاقاً، كقولك ما جاء راكبًا من رجل، فهنا صاحب الحال مجرور بحرف الجر وهو رجل، لكن من زائدة في سياق النفي، فلا مانع من تقديم الحال على صاحبه.
التنبيه الثالث يقول الأشموني: بقي من الأسباب الموجبة لتأخير الحال عن صاحبها أمران. كأنه يريد أن يقول ما ذكره ابن مالك في هذا البيت هو أحد الأسباب الموجبة لتأخير الحال عن صاحبها عند الجمهور. فهنا سيضيف الأشموني مسألتين أيضاً يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها، الأولى أن يكون صاحب الحال مجروراً بالإضافة، كقولك عرفت قيام زيد مسرعاً، وأعجبني وجه هند مسفرة، فلا يجوز بإجماع تقديم هذه الحال الواقعة بعد المضاف، لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
ولا يجوز أيضاً أن تقع الحال قبل الإضافة برمتها، قال لأن المضاف إليه مع المضاف كالصلة مع اسم الموصول، فكما لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الاسم الموصول، كذلك لا يتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف. طبعاً هذا كله في الإضافة المحضة، وهي الإضافة الحقيقية.
أما غير المحضة، وسيأتي معنا إن شاء الله الإضافة. تقسيم الإضافة إلى إضافة محضة؛ الحقيقية التي تفيد التعريف والتخصيص، والإضافة غير المحضة؛ وهي إضافة اسم الفاعل واسم المفعول إلى معمولاتها. الإضافة غير المحضة سيأتي معنا أنها لا تفيد تعريفًا، ولا تكسب صاحبها تعريفًا ولا تنكيرًا كما يقولون؛ لأنه لا عبرة فيها في الحقيقة لأن الأساس فيها ليس الإضافة، لذلك هي تسمى إضافة غير محضة، ليست إضافة حقيقية.
هذه في الإضافة المحضة كما رأيت، أما غير المحضة كقولك: هذا شارب السويق ملتوتًا الآن أو غدًا؛ اسم الفاعل مع مفعوله، فمثل هذا قال فيجوز. أي يجوز ماذا؟ يجوز أن يتقدم الحال هنا على التركيب الإضافي برمته، هذا المراد؛ فيجوز أن أقول: هذا ملتوتًا شارب السويق. لكن في كلامه وولده، وتبعه عليه صاحب التوضيح، ما يقتضي التسوية في المنع؛ يعني ابن الناظم وابن هشام في التوضيح قالوا لا، سواء كانت الإضافة محضة أو إضافة غير محضة لا يجوز أن يتقدم الحال على صاحبه المضاف إليه، فإذا هذه قضية الإضافة غير المحضة هي محط نزاع ونقاش، وأما الإضافة المحضة فنلاحظ أنه لم يذكر فيها هذا الخلاف.
الأمر الثاني أو الحالة الثانية التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها إذا كانت الحال محصورة؛ وهذه قضية الحصر واضحة، أنها قضية متكررة في النحو العربي، أن الحصر دائمًا ما يسبب تأخير الشيء في نهاية الجملة. فإذا كان الحال محصورًا فيجب تأخيره على صاحبه، والمثال الذي ذكره: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: 34]، فمبشرين ومنذرين حال محصورة بإلا فوجب تأخيرها. فهذه ثلاث مسائل يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها: المسألة الأولى إذا كان صاحب الحال مجرورًا بحرف الجر، المسألة الثانية إذا كان صاحب الحال مجرورًا بالإضافة، والآن هل هناك فرق بين الإضافة المحضة وغير المحضة أم لا فرق بينهما؟ نزاع. الحالة الثالثة إذا كان الحال محصورًا، وعرفنا أن المسألة الأولى ابن مالك رحمة الله عليه خالف فيها فقال: ولا أمنعه فقد ورد.
التنبيه الرابع والأخير قال: كما يعرض للحال وجوب التأخير عن صاحبها كما رأيت، كذلك يعرض لها وجوب التقديم على صاحبها؛ يعني العكس، وذلك إذا ما كان صاحب الحال هو المحصور؛ إذا كان صاحب الحال هو المحصور هنا تنعكس الحكاية فيجب وجوبًا تقديم الحال على صاحبه، كما في قولك: ما جاء راكبًا إلا زيد. فهنا تقدم الحال على صاحبه لأن صاحبه هو المحصور.
ثم قال: ولا تجز حالا من المضاف له، إلا إذا اقتضى المضاف عمله. الآن كما قلت لكم سينتقل ابن مالك ليتكلم عن مسألة: هل يجوز أن يكون صاحب الحال مضافًا إليه؟ نقول: نعم يجوز لكن بضوابط. ما هي يا ترى هذه الضوابط؟ قال: ولا تجز حالًا من المضاف له، أي من المضاف إليه، إلا الحالة الأولى إذا اقتضى المضاف عمله. ما معنى هذا الكلام؟ الأشموني قال: ولا تجز حالًا من المضاف له، لماذا؟ قال: لوجوب كون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال.
المضاف هو العامل في المضاف إليه، فهو العامل في صاحب الحال، لكنه في العادة لا يكون هو العامل في الحال أيضًا. لكن في الحقيقة هناك مذهب لسيبويه يرى عدم اشتراط اتحاد العامل في الحال وصاحبها، لذلك يجوز عنده إتيان الحال من المضاف إليه بدون هذه الشروط المذكورة. لكن عمومًا نعود إلى ما نحن فيه؛ قال: إلا إذا اقتضى المضاف عمله، أي عمل الحال، وهو نصبه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [هود: 34].
كما قلنا في العادة المضاف يعمل في المضاف إليه، لكنه لا يعمل في الحال. لكن هل يمكن في بعض الصور أن يأتي المضاف عاملًا في المضاف إليه وفي نفس الوقت عاملًا في الحال؟ قالوا: يمكن، كما إذا كان المضاف مصدرًا، أو اسم مكان أو اسم زمان. فهنا جعل اسم المكان أو اسم الزمان هو العامل في المضاف إليه، وهو المرجع، وهو العامل في الحال جميعًا. في العادة النحويون لا يذكرون أسماء الزمان وأسماء الأماكن من العوامل التي تعمل، لكن أحيانا البعض يدخل في بعض السياقات المحددة اسم الزمان واسم المكان.
ومنه قول الشاعر: تقول ابنتي إن انطلاقك واحدًا إلى الروع يومًا تاركي لا أبالي. لاحظوا إن انطلاقك واحدًا؛ واحدًا حال من الكاف المجرورة بالإضافة للمصدر، والمصدر يقوى على أن ينصب الحال. فالمصدر هو العامل في المضاف إليه، وهو في نفس الوقت العامل في الحال، ففي مثل هذا يجوز.
قال ابن مالك: ولا تجز حالًا من المضاف له؛ لأن الأصل العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال، فإذا كان العامل في صاحب الحال هو المضاف، والأصل في المضاف أنه لا يعمل في الحال، بالتالي لا يجوز أن يأتي صاحب الحال مجرورًا بالإضافة. لكن في بعض الصور، أمكن أن يكون المضاف عاملًا في صاحب الحال وعاملًا في الحال في نفس الوقت، وهذا إذا كان المضاف من الأمور المشتقة أو من المصادر، فهنا المضاف يعمل في المضاف إليه ويعمل في الحال، ففي هذه الحالة يجوز.
الحالة الثانية: أو كان جزءًا ما له أضيف، أو مثل جزئه، فلا تحيف. أي الحالة الثانية، أن يكون المضاف لا يعمل في الحال، لكن المضاف هو جزء من المضاف إليه، أو مثل جزئه. فمثال كونه جزءًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: 47]. صاحب الحال هو الضمير هم في صدورهم، وهو مضاف إليه، والمضاف كلمة صدور، والصدور جمع صدر وهو اسم جنس، فلا يقوى على العمل في الحال، لكن نلاحظ أن الصدور هي جزء من الإنسان، فصدور القوم هي جزء منهم، فبما أن المضاف هو جزء من المضاف إليه، في هذه الحالة يجوز أن يأتي الحال من المضاف إليه.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12]. صاحب الحال كلمة أخيه وهو مضاف إليه، والمضاف لحم، واللحم لا يقوى على العمل في الحال لأنه ليس من المشتقات ولا من المصادر، لكنه جزء من المضاف إليه، فلما كان المضاف جزءًا من المضاف إليه صح أن يأتي الحال وعامله مضاف إليه.
أو مثل جزئه؛ والمراد بمثل الجزء ما يصح الاستغناء به عنه. كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]. الملة ليست جزءًا من إبراهيم لكنها مثل الجزء، بدليل أنه يمكن الاستغناء عن المضاف والاكتفاء بالمضاف إليه، فتقول: اتبع إبراهيم حنيفًا. وإنما جاز مجيء الحال من المضاف إليه في هذه المسائل الثلاث ونحوها لوجود الشرط المذكور؛ لأن العامل في الحال عامل في صاحبها من جهة الحكم، فالمضاف في قوة الساقط لصحة الاستغناء عنه بصاحب الحال.
تنبيه: ادعى المصنف في شرح التسهيل الاتفاق على منع مجيء الحال من المضاف إليه فيما عدا المسائل الثلاث المستثناة، نحو ضربت غلام هند جالسة. هنا الغلام لا يقوى على العمل في الحال لأنه ليس مصدرًا ولا مشتقًا من المشتقات.
ليس جزءاً ولا كالجزء من المضاف إليه، بحيث لا أستطيع أن أستغني بالمضاف إليه عن المضاف. لو قلت: ضربت مثلاً ضربت هنداً جالسة، ما ينفعش. في فرق بين ضربت غلام هند وبين ضربت هنداً، سيفترق المضروب؛ فليس المضاف هنا جزءاً من المضاف إليه ولا كالجزء منه، فبالتالي نلاحظ أنه في هذه الصورة لم يوجد، ليس المضاف عاملاً في الحال، وليس المضاف جزءاً من المضاف إليه ولا كالجزء منه، فالأصل المنع. الأصل المنع، هنا تمنع مثل هذه الجملة، ويمنع أن يأتي الحال من المضاف إليه.
لكن في الحقيقة طبعاً هو يقول أن ابن مالك في شرح التسهيل وابنه أيضاً في شرحه كلاهما منع مجيء الحال من المضاف إليه فيما عدا المسائل الثلاث المستثناة، يقول الأشموني: وفيما ادعياه نظر، وفيما ادعياه نظر؛ لأن مذهب الفارسي رحمة الله عليه الجواز. وممن نقله عنه الشريف أبو السعادات ابن الشجري في أماليه، والظاهر أن مذهب الفارسي الجواز مطلقاً، أنه يجوز أن يأتي الحال من المضاف إليه مطلقاً. ولعل الفارسي هنا ينصر ما ينقل عن سيبويه من أن سيبويه أصلاً لم يوجب أن يكون العامل في صاحب الحال هو العامل في الحال، فكل فكرة هذه المسألة قائمة على أنه العامل في صاحب الحال يجب أن يكون العامل في الحال، فإذا نحن أصلاً نفينا أصل الفكرة وقلنا: لا، ليس شرطاً أن يكون العامل في الحال والعامل في صاحب الحال واحداً، بالتالي أصبح هذا الباب مفتوحاً وليس مقتصراً فيه على هذه المسائل الثلاث التي ذكرها ابن مالك.
انتقل الآن ابن مالك رحمة الله عليه للحديث عن عامل الحال، بعد أن تكلمنا عن الحال وعن صاحب الحال، الآن سينتقل للحديث عن عامل الحال وبعض الأحكام المتعلقة به، فقال: والحال إن يُنصب بفعلٍ صُرِّفا ... أو صفةٍ أشبَهَتِ المُصَرَّفا فجائزٌ تقديمُهُ كمسرعة ... ذا راحلٌ ومُخلصاً زيدٌ دَعا
يقول الأشموني وهنا ترتيب جيد للأشموني: يقول الحال معامله على ثلاثة أوجه، العلاقة بين الحال وعامل الحال على ثلاثة أوجه. الوجه الأول: وجوب تقديمه عليه، يعني يجب تقديم الحال على عامله، وهذه لم يتطرق لها ابن مالك رحمة الله عليه. وهنا بدنا نركز لأنه في مسائل اسمها تقديم الحال على صاحبه، وفي مسائل تقديم الحال على عامله، نحن نتكلم الآن عن تقديم الحال على عامله. إذاً وجوب التقديم عليه، وجوب التأخير عنه، وجوازهما؛ أي جواز التقديم أو التأخير كما يشاء المتكلم، فعندك ثلاثة أوجه: حالات يجب فيها تقديم الحال على عاملها، حالات يجب فيها تأخير الحال عن عاملها، وحالات يجوز فيها هكذا وهكذا، فالمسألة على ثلاث صور.
قال: فالحال إن يُنصب بفعلٍ صُرِّفا أو صفةٍ أشبَهَتِ المُصَرَّفا، فجائزٌ تقديمُهُ. الآن بدأ بحالة الجواز، قال: فجائز تقديمه كمسرعة ذا راحل، أي مسرعاً هذا راحل، ومخلصاً زيد دعا. إذاً ماذا يريد أن يقول ابن مالك؟ الحال أحبابي إذا انتصب، يعني إذا كان عامله فعل متصرف أو صفة أشبهت الفعل المتصرف وستأتي معنا؛ اسم الفاعل، اسم المفعول والصفة المشبهة فقط. ففي هذه الحال إذا كان العامل فعلاً متصرفاً وليس جامداً، أو صفة متصرفة وليست جامدة، ففي هذه الحالة يجوز تقديم الحال على عاملها، ويجوز تأخيرها عن عاملها. وذكر مثالين فقال: مسرعاً ذا راحل، العامل في الحال مسرعاً هو اسم الفاعل راحل، هذا راحل مسرعاً، لما كان العامل في الحال اسماً مشتقاً متصرفاً وهو اسم الفاعل جاز تقديم الحال عليه، فقلنا مسرعاً ذا راحل. ومثال الفعل: ومخلصاً زيد دعا، زيد دعا مخلصاً، فالعامل في مخلصاً هو الفعل دعا، فبما أنه فعل متصرف يجوز تقديم الحال عليه.
يقول الأشموني: فالحال إن يُنصب بفعلٍ صُرِّف، أو صفةٍ أشبَهَتِ الفعلَ المُصَرَّفَ، وهي ما تضمنت معنى الفعل وحروفه وقبلت العلامات الفرعية. إيش يعني صفة متصرفة؟ يعني إيش يعني أنه لما نقول اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة عبارة عن صفات متصرفة؟ ما معنى أنها متصرفة؟ معنى أنها متصرفة أحبابي الكرام أنها تقبل علامة التأنيث وأنها تقبل التثنية والجمع، فهذا هو التصرف في المشتقات: قبولها للتأنيث وللتثنية والجمع. لذلك قال: والصفة التي أشبهت الفعل المتصرف هي ما تضمنت معنى الفعل وحروفه، وهي المشتقات يعني، وقبلت العلامات الفرعية؛ والمراد بالعلامات الفرعية التأنيث والتثنية والجمع، وذلك كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة. قال: فجائز تقديمه على ذلك الناصب له.
وهذا هو الأصل، فالصفة كمسرعاً ذا راحل، ومجرداً زيد مضروب، وما مر معنا في قول الشاعر: وهذا تحملين طليق، الحال الجملة الفعلية تحملين، أي هذا طليق حالة كونك تحملينه. وطليق إيش نوعها طبعاً من المشتقات؟ صفة مشبهة. ومثالها من الأفعال: مخلصاً زيد دعا، و﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: 7]، وقولهم: شتى تأوب الحلبه؛ هذا من الأمثال العربية، تأوب الحلبه، الذين يحلبون الإبل يأوبون، يعودون يعني، متفرقين كل يعود إلى حال سبيله، فشتى حال متقدمة على عاملها. والاحتراز بقوله صرف أو صفة أشبهت المصرفة؛ احترز مما كان فيه العامل فعلاً جامداً كفعل التعجب: ما أحسنه مقبلاً، أو صفة تشبه الفعل الجامد وهو اسم التفضيل لأنها لا تقبل التصرفات التي ذكرناها في العموم نحو هو أفصح الناس خطيباً، أو اسم الفعل، واسم الفعل طبعاً ليس هو لا فعل ولا أصلاً صفة، يعني اسم الفعل هو خارج عن التقسيم فلا هو فعل ولا هو من المشتقات، وإنما هو اسم فعل نحو نزال مسرعاً، أو عاملاً معنوياً وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه، كما أشار إليه بقوله في الأبيات: وعاملٌ ضَمَّنَ معنى الفِعلِ ... لا حُروفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلَ. كتلك، ليت، وكأن، وندر نحو: سعيدٌ مُستقراً في هجر.
طبعاً هنا نتكلم عن العامل المعنوي، والعامل المعنوي ركزوا هنا مش مقصود العامل المعنوي ما درسناه سابقاً مثل الابتداء في المبتدأ والتجرد في الفعل المضارع، لا ليس هذا الذي يقصده هنا بالكلمة العامل المعنوي، المراد سمي معنوياً لأنه يتضمن معنى الفعل ولكنه لا يتضمن حروف الفعل، طيب مثل ماذا العوامل المعنوية؟ قال: وعاملٌ ضَمَّنَ معنى الفِعلِ ... لا حُروفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلَ. كتلك، أسماء الإشارة، ليت التي تدل على معنى فعله وهو أتمنى، كأن التي تدل على معنى أشبه، وكذلك الظرف والجار والمجرور المخبر بهما يعتبران من العوامل المعنوية في هذا السياق.
إذاً أحبابي الكرام خلونا هكذا نقسم الأمور: نقول عامل الحال إذا كان فعل متصرف أو صفة متصرفة فالنتيجة يجوز تقديم الحال على العامل. أما إذا كان عامل الحال فعل جامد أو صفة جامدة وهي أفعل التفضيل، أو فعل جامد صفة جامدة، أو اسم فعل، أو عامل معنوي، طبعاً العوامل المعنوية اسم إشارة، ليت، كأن، ظرف، أو جار ومجرور مخبر به، هذه العوامل المعنوية، فإذا كان عامل الحال واحد من هذه الأمور هنا يجب تأخير الحال عن العامل؛ ها إذا كان العامل فعل متصرف أو صفة متصرفة يجوز تقديم الحال على العامل ويجوز تأخيره ما عندنا مشكلة، لكن إذا كان عامل الحال فعل جامد أو صفة جامدة أو اسم فعل أو عامل معنوي في هذه الحالات الأربع يجب تأخير الحال عن العامل؛ لأنه هذه العوامل أحبابي ضعيفة، فلذلك يعطونها الصدارة ويتأخر الحال عنها، ولا تقوى على العمل في الحال المتقدمة عليها لأنها ضعيفة، فلا هي تعمل في اللي أمامها، بدك إياها تعمل في اللي خلفها وراءها ما بينفع.
لذلك قال ابن مالك: وعاملٌ ضَمَّنَ معنى الفِعلِ ... لا حُروفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلَ. وهو تكلم هنا عن العامل المعنوي بالتحديد، وعامل ضمنا معنى الفعل لا حروفه مؤخراً لن يعمل، أي لن يعمل وهو متأخر والحال متقدمة عليه، لن يعمل مؤخراً لن يعمل، كتلك أسماء الإشارة لأنه تلك تتضمن معنى فعل وهو أشير وإن لم تتضمن حروفه، وليت معنى الفعل الذي تتضمنه أتمنى، وكأن وهي تدل على فعل التشبيه، وثم استثنى قال: وندر، أي ومن النادر القليل الذي انخرمت فيه هذه القاعدة نحو: سعيدٌ مستقراً في هجر، وسآتي على هذا الاستثناء في موضعه.
يقول الأشموني: وعاملٌ ضَمَّنَ معنى الفِعلِ ... لا حُروفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلَ. كتلك، ليت، وكأن، والظرف والمجرور المخبر بهما، لاحظوا هذه العوامل المعنوية المقصودة في باب الحال، ركزوا على كلمة العامل المعنوي، هذه كلمة أول مرة بتمر عليكم بهذا المفهوم وهي في باب الحال خصوصاً، كقولك تلك هند مجردة، وليت زيداً أميراً، أخوك أميراً هي الحال، وكأن زيداً راكباً، أسد، وزيد عندك، أو زيد في الدار جالساً، وهكذا جميع ما تضمن معنى الفعل دون حروفه. مثل إيش؟ لاحظوا الأشموني يضيف أشياء، قال: كحرف التنبيه والترجي والاستفهام المقصود به التعظيم، فهذه كلها أيضاً تعامل معاملة العامل المعنوي، ذكر مثالاً على الاستفهام المقصود به التعظيم كقول الشاعر: بانت لتحزوننا عفارة، يا، أي ما أعظمك من جارة طبعاً هذه ما الاستفهامية، ما أنت جارة، ما أعظمك حالة كونك جارة لنا، فهنا الاستفهام المراد به التعظيم اعتبروه من العوامل المعنوية. ومثلها أيضاً من العوامل المعنوية أما، من العوامل المعنوية أيضاً أما كما مر معنا إذا بتذكروها في المجلس السابق قولك: أما علماً فعالم، وأما علماً فعالم، وقلنا التقدير مهما يذكر الإنسان من أجل العلم أو في حال علم، مهما يذكر هذا الإنسان أو هذا الشخص في حال علم فالمذكور عالم، مرت معنا في المحاضرة السابقة، فهنا فلا يجوز تقديم الحال على عاملها في شيء من هذه الأمور، وهذا هو القسم الثاني.
القسم الثاني يعني ما يجب تأخير الحال فيه، هو تكلم عن القسم الأول وهو ما يجوز تقديم الحال ويجوز تأخيره، وهذا في الفعل المتصرف والصفة المتصرفة. القسم الثاني: ما يجب تأخير الحال عن العامل، وبقي الكلام عن ماذا؟ طبعاً بعد قليل عن القسم الثالث وهو ما يجب فيه تقديم الحال على العامل، وهذه صورة لم يتطرق إليها ابن مالك رحمة الله عليه. الآن قال: وندر، أي وندر تقديمها أي الحال على عاملها الظرف والمجرور المخبر بهما بالتحديد، يعني الندرة خاصة إذا كان عامل الحال هو الظرف أو الجار والمجرور الواقعين خبراً، ففي النادر القليل يتقدم الحال على عامله نحو: سعيدٌ مستقراً عندك أو في هجر، فما ورد من ذلك طبعاً يقتصر فيه على السماع ولا يقاس عليه، هذا هو مذهب البصريين.
وأجاز ذلك الفراء والأخفش مطلقاً، يعني الظاهر كلامهم أن الفراء والأخفش أجازوا تقديم الحال على عامله إذا كان عامله هو الظرف والجار والمجرور ولم يجعلوا الأمر مخصوص بالسماع، لذلك قال: وأجاز ذلك الفراء والأخفش مطلقاً، وأجازه الكوفيون فيما كانت الحال فيه من مضمر، أي صاحب الحال مضمر نحو: أنت قائماً في الدار، صاحب الحال أنت، فهنا جاء الحال وصاحبه مضمر، في هذه الحالة يجوز قياساً تقديم الحال على الجار والمجرور أو الظرف، وقيل يجوز ببساطة إن كان الحال ظرفاً أو حرف جر ويضعف إن كان غيرهما، وهو مذهب ابن مالك في التسهيل إذ ذكر أقوالاً كثيرة، والكلام هنا يعني هذا الخلاف كله حول تقديم الحال على عامله إذا كان عامله ظرف أو جار ومجرور مخبر بهما؛ يعني الظرف إذا جاء خبراً، والجار والمجرور إذا جاء خبراً، ثم كان هناك حال هل يجوز تقديم الحال على الظرف والجار والمجرور الخبرين؟ قال: إذا سماعاً سمع ذلك فقط ولكن لا يقاس عليه، هذا مذهب البصريين. وأما الفراء والأخفش فقالا: بل يقاس عليه وليس هذا مختص بالسماع، الكوفيون قالوا يقاس عليه إذا كان صاحب الحال ضميراً مثل أنت قائماً في الدار. ثم ذكر قولاً رابعاً وهو: يجوز بقوة إن كان الحال ظرفاً، إذا كان نفس الحال هو ظرف أو حرف جر يعني إذا كان الحال ظرف كما سيأتي، الحال يمكن أن يأتي ظرفاً وإن كان يكون متعلق بمحذوف تقديره كائن، لكن نفس الفكرة، الحال إذا جاء ظرف أو جار ومجرور وكان عامله ظرف أو جار ومجرور في هذه الحالة يجوز تقديم الحال على ماذا على عامل الحال، قال هذا قول الرابع طبعاً في المسألة ونسب إليه ابن مالك في التسهيل قوله وهو مذهبه في التسهيل.
قال استدل المجيز يعني الفراء والأخفش الذين أجازوا مطلقاً، استدلوا بقراءة من قرأ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] على أنه السماوات مبتدأ خبرها الجار والمجرور بيمينه، ومطويات هي الحال وجاءت الحال متقدمة على الجار والمجرور، فهذا يدل على أنه ليس هذا أمر شاذ مقتصراً على السماع، بل وارد في القرآن. ومنه أيضاً قوله تعالى في من قرأ ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِّذُكُورِنَا﴾ [الأنعام: 139] بالنصب، خالصةً لذكورنا، ما في بطون هذه الأنعام خالصةً لذكورنا، يعني الذي في بطون هذه الأنعام لذكورنا خالصةً، فلذكورنا خبر لاسم الموصول ما، ما في بطون الأنعام لذكورنا، والحال خالصة، وجاءت الحال خالصة متقدمةً على الجار والمجرور العامل فيها. قال بنصب مطويات وخالصة، واستدلوا أيضاً بقول الشاعر: رهط ابن كوزٍ محقبي أذرعهم فيهم، رهط التقدير رهط ابن كوزٍ فيهم محقبي أذرعهم، رهط ابن كوزٍ فيهم محقبي أذرعهم، فهنا فيهم الجار والمجرور هو خبر رهط، رهط ابن كوزٍ فيهم، والحال محقبي أذرعهم، هذا هو الحال، محقبي أذرعهم، فجاء الحال متقدماً على الجار والمجرور. ومنه قول الشاعر: بنا عاذ عوفٌ وهو بادي ذلةٍ لديكم، فلم يعدم ولاءً ولا نصراً.
المبتدأ هو والخبر لديكم، أي وهو لديكم بادي ذلةٍ. فلديكم ظرفٌ، وتقدم الحال عليها؛ فالظرف خبريٌ عاملٌ في الحال، ومع ذلك تقدم الحال عليها. فهذه إذًا هي أبرز الشواهد التي استشهد بها الفراء والأخفش على أن الأمر قياسي وليس سماعيًا. لكن يقول الأشموني: وتأول المانعون لهذا -وهم البصريون الذين يجعلون المسألة سماعيةً فقط- تأولوا كل هذه الآيات وكل هذه الأبيات، وقالوا: الأبيات ضرورات شعرية، وتأولوا الآيات على تأويلات يطول ذكرها، انظروا في حاشية الصبان فقد أشار إليها، ولا يهمني هنا أن أذكرها. لكن ما يهمني هنا أن تعرفوا أن المسألة محل خلاف، وأن نضبط قول البصريين الذي مشى عليه ابن مالك في الألفية، فظاهر كلام ابن مالك في الألفية هو قول البصريين حيث قال: وندر نحو سعيدٌ مستقرًا في هجر. فهذا مذهب ابن مالك أنها سماعيةٌ فقط، والمذاهب الأخرى مذاهب ذكرها الأشموني.
قال تنبيهات: الأول محل الخلاف في جواز تقديم الحال على عاملها الظرف إذا توسط كما رأيت. قال: فإن تقدم على الجملة برمتها -يعني على المبتدأ والخبر- نحو: قائمًا زيدٌ في الدار، امتنعت المسألة بالإجماع، قاله في شرح الكافية. لكن في الحقيقة هل في إجماع؟ قال: لكن أجاز الأخفش في قولهم: فداءً لك أبي وأمي أن يكون فداءً حالًا، والعامل فيه لك، والظاهر أن فداءً تقدمت على الجملة برمتها، وهو يقتضي جواز تقديمه على الجملة عنده إذ تقدم الخبر، يعني كان الخبر مقدمًا على المبتدأ. وأجازه ابن برهان فيما إذا كان الحال نفسه ظرفًا، كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوِلَايَةُ لِلَّهِ﴾ [الكهف: 44]، الولاية مبتدأ، ولله خبر، وهنالك ظرف في موضع الحال.
التنبيه الثاني قال: أفهم كلامه جواز نحو: في الدار قائمًا زيدٌ، وهو اتفاق، لأنه هنا الجار والمجرور جاء بعده الحال، تقدم الجار والمجرور على المبتدأ من باب تقدم الخبر على المبتدأ، لكن الحال بقي بعد الجار والمجرور، فهذا جائزٌ اتفاقًا كما هو ظاهر كلام ابن مالك.
التنبيه الثالث: قد يعرض للعامل المتصرف ما يمنع تقديم الحال عليه، مثل كونه مصدرًا مقدرًا بالحرف المصدري، نحو: سرني ذهابك غازيًا، أي سرني أن تذهب غازيًا، فهنا لما كان المصدر منسبكًا في الأصل من حرف مصدري وفعل، والحرف المصدري لا يجوز تقديم معمولاته عليه، فلا يجوز تقديم الحال على عاملها وهو الذهاب. وأيضًا قد يكون فعلًا مقرونًا بلام الابتداء، أو فعلًا مقرونًا بلام القسم، نحو: لأصبرن محتسبًا، أو لأقومن طائعًا. أو كان العامل صلة لأل، أو صلة لحرف مصدري صريح، نحو: أنت المصلي فذًا، ففذًا يجب تأخيرها لأن أل اسم موصول ولا يتقدم عليه معمولاته، ولك أن تتنفل قاعدًا، فلا يجوز أن تتقدم قاعدًا على الحرف المصدري لأن الحرف المصدري مثله مثل الاسم الموصول، لا تتقدم صلته عليه. قال الناظم وولده: أو كان نعتًا، نحو: مررت برجلٍ ذاهبةً فرسه مكسورًا سرجها، فمكسورًا حال وعاملها الصفة وهي ذاهبة، لكن قال في مغني اللبيب: وهو وهمٌ منهما، فإنه يجوز أن يتقدم الحال على النعت في هذه الحالة فاصلًا بين النعت ومنعوته، فتقول: مررت برجلٍ مكسورًا سرجها ذاهبةً فرسه. يجوز إذًا تقدم الحال على عامله إذا كان عامله هو النعت.
الفائدة الرابعة قال: لم يتعرض هنا للقسم الثالث، وهي الحال الواجبة التقديم، وذلك نحو: كيف جاء زيد؟ متى يجب تقديم الحال على عاملها؟ تقول: إذا كانت الحال عبارةً عن أداةٍ من الأدوات التي لها حق الصدارة، مثل كيف الاستفهامية؛ فكيف هي الحال، وهي واجبة التقديم على عاملها جاء.
ثم قال: ونحو زيدٌ مفردًا أنفع من عمروٍ معانًا مستجازٌ لن يهين. هذا استثناء من قضية وجوب تأخير الحال عن العامل؛ نحن عرفنا أن من العوامل التي يجب تأخير الحال عنها الصفة الجامدة، وهي أفعل التفضيل، فإذا جاء عامل الحال أفعل تفضيل فيجب أن يتأخر الحال. لكن في هذه الحالة، حالة أفعل التفضيل لما يأتي مفضلًا بين حالين، يجوز أن يتقدم أحد الحالين عليه ويتأخر الحال الآخر، فزيدٌ مفردًا تقدم الحال الأول على أفعل التفضيل، وهذا كما قلنا حالة استثنائية في حال أن أفعل التفضيل يرجح بين حالين. قال الأشموني ونحو: زيدٌ مفرداً أنفع من وبكر قائماً أحسن منه قاعداً، كل هذه يجمعها كل ما وقع فيه اسم التفضيل متوسطاً بين حالين، وجاز ذلك هنا لأن اسم التفضيل فيه ما في الجامد من معنى الفعل، ويفوقه بتضمن حروف الفعل ووزنه.
واعلم أن ما ذكره الناظم هو مذهب سيبويه والجمهور، وزعم السيرافي أن المنصوبين في ذلك ونحوه خبران لكان مضمرة مع إذ في المضي وإذا في الاستقبال، قال الأشموني: وفيه تكلف إضمار ستة أشياء، فالصواب جواز ما قاله ابن مالك أن هذه الحالة جائزة أن أفعل التفضيل يتقدم الحال عليه إذا كان في سياق المقارنة بين حالين.
ثم قال: والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد. انتقل الآن الحديث عن مسألة تعدد الحال، فقال: والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد، أي يكون صاحب الحال واحدًا وتذكر له أحوال متعددة، جاء زيدٌ راكباً ضاحكاً مبتسماً سعيداً. وقد يجيء الحال في الجملة متعدداً لأكثر من صاحب حال، جاء زيدٌ وعمروٌ راكباً ماشياً؛ فهنا راكباً لأحد الأطراف والماشي للآخر. وأما قول الشاعر: علي إذا ما جئت ليلاً بخفية، زيارة بيت الله رجلان حافياً، فصاحب الحال الياء في علي، ورجلان وحافياً حالان من صاحب حال واحد. منع ابن عصفور هذا النوع ما لم يكن العامل فيه أفعل التفضيل، لكن الذي يظهر الجواز وعدم المنع ما دام صح بذلك الشواهد العربية.
عند هؤلاء، أي عند ابن عصفور والفارسي ومن وافقهم على المنع، يكون ما هو حال ثانية نعت للأول أو حال من الضمير فيه. فالثاني عندهم مثلاً زي قولك: جاء زيد راكباً ضاحكاً، تقول ضاحكاً نعت للحال الأولى، أو حال من ضمير مستكن في الحال الأولى؛ فيصبح عندنا صاحبا حال وليس صاحب حال واحد. عندما تقول: جاء زيد راكباً ضاحكاً، إما أن تقول ضاحكاً نعت لراكباً -وهذا رأي- وإما أن تقول إنه راكباً صاحب الحال زيد، وضاحكاً حال أيضاً لكن صاحب الحال ضمير مستكن في راكباً، فأصبح كل حال له صاحب خاص به، فخلصنا من الإشكال. هذا رأيهم، لكن كما قلت ما في داعي لهذا التكلف أيضاً.
وأما الحالة الثانية، لأنه ماذا قال؟ والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد. فمثال الثاني وهو غير المفرد قال: والثاني لاحظوا الثاني فيه تفصيل. الثاني فصل فيه الأشموني، قال: الثاني قد يكون بجمع، يعني عندي صاحب الحال متعدد، لكنني أخبرت عنهم بحال واحد مجموع، هذه غريبة. صاحب الحال متعدد لكنني أخبرت عنهم بحال واحد مجموع، هذا مثال على تعدد صاحب الحال ولكن الحال واحد مجموع، قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: 33]. فعندي صاحب الحال الشمس والقمر، اثنان، والحال واحد لكنه أتي به على صيغة التثنية، دائبين. ومنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: 12]. فهنا صاحب الحال أيضاً متعدد، فعندي خمسة أصحاب أحوال: الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، وأعطاها حال واحدة مجموعة: مسخرات.
وقد يكون بجمع، أي أنك تجمع الحال في لفظة واحدة وصاحبها متعدد. أو يكون بتفريق، أن يكون صاحب الحال متعدد وأيضاً الأحوال تكون متعددة، كل واحد له صاحبه. تقول: لقيت هنداً مصعداً منحدرة، هنا عندنا حالان: مصعداً حال من التاء، ومنحدرة حال من هند. وقوله: لقي ابني أخويه خائفاً منجديه فأصابوا مغنماً، خائفاً حال من ابني، ومنجدي حال من الإخوة، فتعدد الحال وتعدد صاحب الحال. قال: فعند ظهور المعنى يرد كل حال إلى ما يليق به، زي ما مر معنا: لقيت هنداً مصعداً منحدرة، واضح من تاء التأنيث من صاحب الحال المؤنث ومن صاحب الحال المذكر. فعند ظهور المعنى يرد كل حال إلى ما يليق به، كما في المثال والبيت، لأن في البيت أخويه. لقي ابني أخويه خائفاً منجديه، المفرد للمفرد والمثنى للمثنى.
وعند عدم الظهور، قال: يجعل أول الحالين لثاني الاسمين، وثاني الحالين لأول الاسمين. فلقيت زيداً مصعداً منحدرًا، الحال الأول يكون لزيد القريب منه، ومنحدراً حال من التاء البعيدة عنه. تنبيه: الظاهر أن قد في قوله: قد يجيء، للتحقيق لا للتقليل، قوله: والحال قد يجيء ذا تعدد، هذه تحقيقية وليست تقليلية لأن هذا كثير في اللغة العربية. إذاً هذا البيت أحبابي الكرام لو لخصنا أفكاره سريعاً، ماذا يريد أن يقول فيه ابن مالك؟ نقول: يتعدد الحال وصاحبه واحد، أنا أستطيع أن أقسم قسمة ثلاثية بدل القسمة الثنائية.
الحالة الأولى: أن يتعدد الحال وصاحب الحال واحد، مثل: جاء زيد راكباً ضاحكاً. الحالة الثانية: الحال واحد وصاحب الحال متعدد، كما قلنا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. الحالة الثالثة: يتعدد الحال ويتعدد صاحب الحال، مثل: رأيت هنداً قائماً جالسة، فجالسة لهند وقائماً لي. فهذه هي الأحوال الثلاث.
دعونا ننتقل الآن إلى فكرة أخرى جديدة، فقال: وعامل الحال بها قد أكدا، في نحو: لا تعث في الأرض مفسداً. الآن أحبابي الكرام، هذا أيضاً مخطط جديد سنرسمه من مسائل الحال. أقول: مقاصد الحال، الحال إما أن تكون مؤسسة، والحال المؤسسة هي التي لا يستفاد معناها ولا يمكن الوصول إليها بدون ذكرها، فهي التي لا يستفاد معناها إلا بذكرها، فهذه مؤسسة، وهي الأغلب في الحال أن يكون مؤسساً، جاء زيد راكباً، مجيء زيد في حالة الركوب نحن لا نفهمه ولا نتصوره إلا إذا ذكر الحال، جاء زيد مبتسمًا، مجيء زيد في حال الابتسام لا يمكن أن نعرفه إلا من خلال التنصيص على الحال، فمثل هذه الحال تسمى حال مؤسسة، هي الحال التي لا يمكن الوصول إلى معناها ولا فهم معناها مما سبق من الجملة، بل لا بد من النص عليها لمعرفتها.
النوع الثاني هي الحال المؤكدة، وهي التي يكون معناها مفهوم من الجملة ولو لم تذكر. والحال المؤكدة أنواع: حال مؤكدة لعاملها، قال الأشموني عندكم: وهي كل وصف وافق عامله، إما معنى دون لفظ، كما في قولك: لا تعث في الأرض مفسداً، الآن لاحظوا معي هذا المثال، لا تعث في الأرض مفسداً، إيش معنى تعث؟ العثو في الأرض هو الفساد في الأرض، فلما أقول لك: لا تفسد في الأرض مفسداً، فعلياً لو أنا لم أذكر الحال المعنى مفهوم من الفعل الموجود في بداية الجملة، فهنا الحال إنما جاءت حقيقة لتؤكد عاملها، وليست مؤسسة لمعنى جديد، إذاً لا تعث في الأرض مفسداً، نقول: العثو في الأرض هو نفسه الفساد، فقولك لا تعث مفسداً الحال كانت فقط فائدتها التأكيد للعامل وهو تعث، وإن اختلف اللفظ بينهما لكنهما متقاربان من حيث المفهوم. ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]، التولي هو نفس الإدبار، فقوله ثم وليتم مدبرين، الحال هنا وظيفتها تأكيد العامل وهو التولي، وليست مؤسسة لمعنى لم يكن مفهوماً قبل ذكرها.
وقد تكون متفقة في اللفظ والمعنى مع العامل، مثال ذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79]، فالرسول والإرسال متفقان من حيث المادة الاشتقاقية، متفقان معنى ومتفقان لفظاً، أرسلناك للناس رسول، مبعوث، فالإرسال والرسول كلاهما متفقان من حيث المادة الاشتقاقية ومتفقان في أصل المعنى، فهذه تكون حال مؤكدة لعاملها. ومنه قول الشاعر: أصخ مصيخاً لمن أبدى نصيحته، يعني أنصت إنصاتاً، أو أنصت منصتًا، صيخ طبعاً صفة مشبهة وهي حال، وهي تشترك مع عاملها في نفس المادة، فهي مشتركة في المادة اللفظية وفي المعنى العام، فبالتالي تعتبر الحال حال مؤكدة. إذاً الحال المؤكدة لعاملها على نوعين: موافقة له لفظاً ومعنى، أو موافقة معنى لا لفظاً.
النوع الثاني الحال المؤكدة لصاحبها، تؤكد صاحبها، ومثل له بقوله تعالى: ﴿لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]، الآن أين صاحب الحال؟ اسم الموصول من، وهو يدل على العموم، فقوله لآمن من في الأرض كلهم هذا بحد ذاته يفيد العموم، فالإتيان بالحال وهي كلمة جميعاً بعد ذلك هو تأكيد للعموم الموجود في من، فالإتيان بالحال بعد ذلك متأخراً جميعاً هو تأكيد للعموم الموجود في من اسم الموصول، يعني من اسم الموصول هي بحد ذاتها تدل على العموم وعلى الجميع، فالإتيان بالحال بعد ذلك متأخراً جميعاً هو تأكيد للعموم الموجود في من.
الثالث هي المؤكدة لمضمون الجملة، وحالة مؤكدة لمضمون جملة سابقة عليها، وهنا أيضاً يجب تأخير الحال، وهنا يجب تأخير الحال، الآن هذه الحالة الثالثة ذكرها ابن مالك أيضاً، شوف ابن مالك ذكر الحال المؤكدة لعاملها وذكر الحال المؤكدة لمضمون الجملة، لم يذكر النوع الثاني، هذا ذكره الأشموني. فذكر الحال الأولى فقال: وعامل الحال بها أي بالحال قد أكد في نحو لا تعث في الأرض مفسداً، فهذا هو النوع الأول، ثم انتقل للنوع الثالث وهي الحال المؤكدة لمضمون الجملة فقال: وإن تؤكد جملة فمضمر عاملها ولفظها يؤخر. هنا أشار إلى أن الحال المؤكدة لجملة أو لمضمون جملة سابقة لها شروط في الحقيقة، لها شروط، ما هي هذه الشروط؟ قال الأشموني: ويشترط في الجملة، وعامل الحال يجب أن يكون مضمراً وجوباً، ولا يذكر عامل الحال، في هذه الحال إذًا عامل الحال يكون مضمراً وجوباً، ولفظها يؤخر عن الجملة وجوباً أيضاً، ويجب أن تكون الحال متأخرة، هي الشرط الثاني، ويشترط في نفس الجملة المؤكدة شروط: أن تكون معقودة من اسمين مبتدأ وخبر معرفتين، كلاهما معرفة جامدين، لأنه إذا ما كانا جامدين كان أحدهما مشتقاً سيكون هو العامل في الحال، فلا بد أن تكون قبلها جملة اسمية معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قولك: زيد أبوك عطوفاً، عطوفاً حال، ويقولون هي مؤكدة لمضمون الجملة السابقة، لأنه زيد أبوك الأبوة بحد ذاتها تدل على العطف، هكذا قالوا، زيد أبوك عطوفاً، الـ زيد أبوك بحد ذاتها بدون ذكر الحال فيها معنى العطف، لأن الأبوة فيها العطف، فذكر العطف بعد ذلك حالاً منصوباً، التنصيص عليه هو تأكيد لمضمون الجملة السابقة، وليس تأسيساً لمعنى غريب عنها.
ومنه أيضاً: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي، وهل بدارة يا للناس من عار؟ أنا ابن دارة معروفاً، فهنا هو نسب نفسه فقال: أنا ابن دارة، ثم أكد ذلك النسب بالقضية المعروفة، فكلمة معروفاً هو لما قال: أنا ابن دارة، هو عرفنا بنسبه، فقوله بعد ذلك معروفاً هو تأكيد لما عرف من الجملة السابقة، فلم يأت بشيء جديد في قوله معروفاً، فهمتم أحبابي الكلام؟ لم يأت بشيء جديد في قوله معروفاً، لأنه هو لما قال: أنا ابن دارة خلاص هو عرفنا، فقوله معروفاً هو تأكيد لمجرد الجملة السابقة. والتقدير في قولك زيد أبوك عطوفاً وأنا ابن دارة معروفاً، التقدير يعني ما هو العامل المقدر؟ أنتم قلتم العامل محذوف وجوباً، سواء في زيد أبوك أو أخوك عطوفاً وأنا ابن دارة معروفاً، ما هو العامل المحذوف وجوباً ما تقديره؟ قالوا: تقديره زيد أخوك أو أبوك أحقه عطوفاً، أي أثبته عطوفاً، ونفس الشيء: أنا ابن دارة أحق معروفاً، أي أثبت معروفاً، فهو إذاً معنى أحقه وأحق ومشتقات الحق.
تنبيه: قد يؤخذ من كلام ابن مالك نفسه ما ذكر من الشروط، ما فيش داعي نقول إنه ابن مالك قصر في ذكر الشروط، ليه؟ قال: فتعريف جزئي الجملة من تسميتها مؤكدة، فقضية التعريف لجزئي الجملة يمكن أن نأخذ هذا الشرط من اشتراطه أو من قوله إنه الجملة مؤكدة، لأنه لا يؤكد إلا ما قد عرف، وجمودهما أي كلا الطرفين المبتدأ والخبر يشترط من كون الحال مؤكدة للجملة، لأنه إذا كان أحد الجزأين مشتقاً أو في حكمه كان عاملاً في الحال، فكانت مؤكدة لعاملها لا للجملة، بنرجع للنوع الأول، ولذلك جعل في شرح التسهيل قولهم: زيد أبوك عطوفاً، وهو الحق بينًا من قبيل المؤكد لعاملها، وهي موافقة له معنى دون لفظ، لأن الأب والحق صالحان للعمل. إذاً لاحظوا، يعني هنا كأنه استدراك على ما ذكرته لكم، أنا في الحقيقة أحبابي الكلام أظن هي مسألة فيها خلاف ونقاش، يعني قرأت في مكان آخر على أنه زيد أبوك عطوفاً، وعطوفاً مؤكدة للجملة، لكن هنا الأشموني كأنه يميل إلى رأي لابن مالك رحمة الله عليه، وهو أنه زيد أخوك عطوفاً، عطوفاً تصلح أن تؤكد مضمون الجملة، لكن زيد أبوك عطوفاً، شوف الفرق، قال: زيد أبوك عطوفاً، هنا عطوفاً ليست مؤكدة لمضمون جملة، بل مؤكدة للعامل، طب ما هو العامل؟
قال: العامل هو أبوك، طب أبوك هي تصلح أن تكون عاملاً؟ هل هي اسم مشتق؟ قال: لا، هي ليست اسم مشتق، قال: لكنها تؤول بمشتق، لأنه معنى أبوك أي عاطف، هكذا قالوا، يعني الصبان عندكم في الحاشية يقول إنه الأب تؤول بمعنى عاطف، وعاطف اسم مشتق فاعل، فيصلح للعمل في عطوف، فتكون عطوف تأكيد لعاملها وهو أبوك، ونفس الشيء: هو الحق بينًا من قبيل المؤكدة لعملها، وهي موافقة له معنى دون لفظ، لأن الأب يعني من قبيل المؤكد للعامل، وأي نوع من المؤكد للعامل؟ الموافق له معنى لا لفظاً، قال: لأن الأب والحق صالحان للعمل، الحق ماشي لأن الحق مصدر، لكن أن يقول الأب صالحاً للعمل يعني هذا أظن يحتاج إلى.
وإن كان هو يأولون الأب بأنه بمعنى عاطف، لكن هذا تأويل بعيد جدًا وفيه تكلف في الحقيقة، فأنا قد لا أتفق مع الأشموني رحمة الله عليه في أن الأب تصلح للعمل من جهة أنها تتضمن معنى اسم الفاعل عاطف. قال: لأن الأب والحق صالحان للعمل، ووجوب تأخير الحال يؤخذ من قوله تأكيدًا؛ لأن طبيعة المؤكد يكون متأخرًا عن المؤكد، ووجوب إضمار عاملها من جزمه بالإضمار.
الأشموني رحمة الله عليه في هذا المقطع في هذا التنبيه يحاول أن يخلص ابن مالك رحمة الله عليه من إشكالية أنه لم يذكر كافة الشروط، فيقول: بل هو ذكر جميع الشروط لكن بالإشارة وليس بالعبارة. هو ذكر اشترط قضية الإضمار للعامل، وقضية أن يكون الحال متأخرًا، لكن أن تكون الجملة قبلها جملة من اسمين معرفتين جامدين هذه لم يذكرها صراحة، لكن الأشموني حاول يستخلصها استخلاصًا بدلالة الإيماء والإشارة كما يقول الأصوليون.
لكن كما قلت هذه قضية الأب زيد أبوك عطوفًا أنها من قبيل تأكيد العامل وليس من قبيل تأكيد الجملة، لأنه الأب بمعنى عاطف، لكن الأخ ليست بمعنى عاطف، هكذا يقول الصبان. هذا بحد ذاته الكلام يحتاج إلى نظر ومراجعة، والله تعالى أعلم.
لا أريد أن أشق عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة ننهي تعليقنا على باب الحال بالكلية، وننتقل إلى باب التمييز. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل