بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أكرم الأكرمين. حياكم الله أحبائي الطلبة في مجلس جديد من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، نتصفح فيه كتاباً جديداً من علوم الأوائل، وموعدنا في هذه الدورة المباركة بإذن الله مع ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ونسأل الله الإعانة.
يقول سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. من نعمة الله سبحانه وتعالى وعظيم فضله على الإنسان في الحياة الدنيا وفي هذا الزمن خصوصاً أن يشغله بطلب العلم. بعد أن انشغل الناس بالملهيات والمشغلات، وأصبح سوق العلم كاسداً، وأصبح طالب العلم غريباً في مجتمعه، وأصبح منشغلاً في وجهة نظر الناس بفضول الحياة الدنيا، أن يوفقك الله سبحانه وتعالى يا طالب العلم أن تنشغل بطلب العلوم الشرعية، أن تنشغل بطلب العلوم الموصلة إلى فهم كلام الله وكلام رسوله؛ هذا والله هو الاصطفاء وهو الاختيار.
أحبائي، الاستمرارية في طلب العلم، وأن تجد الله سبحانه وتعالى يصرف همتك ونعمتك وحياتك لبحث كلام الأئمة ولتحليله ولضبطه ولفهمه ولتعلمه ولتعليمه، وأن تجد الله سبحانه وتعالى يؤزك إلى هذا الباب أزاً ويوفقك ويشغلك به طلباً وتحصيلاً وحضوراً في مجالس العلم، هذا والله فضل عظيم ومنة كريمة واصطفاء إلهي يستحق منك أن تحمد الله سبحانه وتعالى عليه. وهذا هو الفضل ومن الفضل المذكور في الآية: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
بماذا يفرح طالب العلم؟ يفرح إذا الله سبحانه وتعالى أذن له أن يحضر مجالس العلم. تظنون القضية هي مجرد أن تنوي حضور شرح ألفية ابن مالك أو العقيدة ودليل الطالب؟ مباشرة تحضر بإرادتك الشخصية! إذا لم يكن هناك توفيق واختيار واصطفاء من الله سبحانه وتعالى فلن تحضره، وإذا حضرت لن تستمر. لا بد من الاصطفاء، لا بد من الاختيار، لا بد من الاجتباء، ولابد أن تقرع أبواب السماء حتى تجد العون الإلهي والمدد الإلهي دائماً معك في رحلة طلب العلم الطويلة.
طلب العلم ليست بسنة ولا بسنتين، بل هي بالعمر الطويل بصحبة أستاذ وطول زمان، كما قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه. فهذا النفس الطويل وهذه الاستمرارية في طلب العلم، وهذا النهم بأن تنتقل من كتاب إلى كتاب، ومن دورة إلى دورة، ومن مساق إلى مساق، لا يمكن أن تستمر بهذه النفس الضعيفة. أجسادنا ضعيفة وهممنا تفتر، إذا لم نجد عوناً من الله سبحانه وتعالى وتوفيقاً وسنداً منه، صدقوني لن نقوى على ذلك. يا طالب العلم، إياك أن تعتمد على قوتك أو على ذكائك أو على فهمك أو على تحصيلك، بل اجعل اعتمادك وتوكلك على الله سبحانه وتعالى من بداية المسير إلى نهايته. وإذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده.
الإنسان يتبرأ من حوله وقوته، ويظهر افتقاره وتذلله لمولاه حتى يفتح الله سبحانه وتعالى عليه باب الهمم، وباب الاستمرار، وباب الفهم، وباب التحصيل، وباب العشق للعلم. هذه كلها فتوحات إلهية، فإذا وجد طالب العلم نفسه حاضراً في هذه الميادين، هذا والله هو الفرح. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أن يرحمك الله سبحانه وتعالى ويختارك من ملايين البشر ليجلسك في مجلس يقال فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو لتجلس في مجلس يقال فيه قال الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري، أن تجلس في مجلس تدرس فيه العربية التي هي لسان الشارع. إن تجلس في هذه المجالس، هذا والله هذا النهم، هذا الفرح، هذا السرور الذي على الإنسان أن يغتبط به، ووالله إن هذه المجالس فيها من السعادة وفيها من الطمأنينة وفيها من راحة القلب ما لو علمه الملوك لجالدوكم عليه، لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.
فنعوذ بالله أن يصرف هممنا إلى شواغل الحياة الدنيا، ونعوذ بالله أن يجعل الحياة الدنيا هي أكبر همنا أو مبلغ علمنا، وأن يجعل النار مصيرنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المجالس تشفع لنا يوم نلقاه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. إذاً، هذه توطئة في مطلع شروعنا في شرح ألفية ابن مالك في النحو والصرف، نسأل الله أن يعيننا على إتمامها بخير.
ومن المقدمات قبل أن نشرع في أبيات هذه المنظومة والسؤال المعتاد: ما مستوى ألفية ابن مالك يا شيخ؟ الآن أحبابي الكرام، بعض طلبة العلم يظن أن علم النحو علم سريع يمكن أن يختصر في مجالس محدودة، أو في شرح الآجرومية أو غيرها من الكتب المختصرة. وفي الحقيقة أحبابي الكرام قبل أن نأتي إلى قضية علم النحو، علينا أن ندرك لماذا ندرس علم النحو أساساً. أحبابي الكرام، الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الشريعة بلسان عربي مبين، والقنطرة لمن يريد الوصول إلى علوم الشريعة والقنطرة لمن يريد أن يفهم مراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم هي علوم اللغة العربية.
كما نقول دائماً للأحبة، العلوم في وقتنا المعاصر، علوم الطب والفيزياء والكيمياء، بأي لغة تدرس؟ أصبحت تدرس بلغة الأجانب، بلغة الأفرنج، لأنهم هم الذين بيدهم الصولة في هذه الجولة من جولات الحياة الدنيا، فأصبحت العلوم تدرس بها. لذلك تجد الطالب الذي يدرس الطب أو الفيزياء أو الكيمياء وهو ضعيف بلغة الأعاجم يبقى مستواه الأكاديمي ضعيفاً محدوداً، لكن إذا درس لغة الأعاجم ثم اطلع على كتبهم في هذه العلوم يقوى مستواه، هذا مجرد تقريب وتشبيه.
فإذا كانت هذه الشريعة كتاباً وسنة، أنزلها الله سبحانه وتعالى بلسان عربي مبين على وفق عادة العرب في تخاطبهم وفي أساليبهم البلاغية وبأساليبهم النحوية وبتراكيبهم الصرفية، إذاً لا يمكن أن تلج إلى عمق هذه الشريعة، ولا يمكن أن تفهم مقاصد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إلا إذا كنت متقناً لهذه العربية. ومن كان بأساليب العرب أدرى وبطريقة مخاطبتهم لبعضهم وبقواعد وأصول الخطاب أضبط، كان بالتأكيد هو الأكثر فهماً لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك إنما نشأت البدع في هذه الأمة وظهرت الفرق ممن ضعف علمهم باللسان العربي. استقرئوا رؤوس الفرق من الجهمية والكرامية وكثير من المعتزلة والأشعرية وغيرهم ممن دخلوا في هذا الميدان، إن أكثر ما أدخل الخلاف على هذه الأمة والفرقة بينها هو الجهل باللسان العربي.
حتى تلك القصص عن ابن كرام وعن الجهم بن صفوان أنهم لا علم لهم بأيسر وأسهل المسائل التي كانت في علوم النحو وعلوم اللغة العربية، لا يعرفونها. فبالله عليكم، أنت تترأس فرقة وتترأس طائفة تتكلم في أمور العقائد وأنت لا تحسن اللسان العربي ولا تعرف أساليب العرب في تخاطبها، ولا تحسن أن تعرب جملة ولا أن تزن كلمة بالميزان الصرفي! بالله عليكم هل مثل هذا يحق له ويحل له شرعاً أن يتصدر للكلام في دين الله سبحانه وتعالى؟ أحبابي، أجمع الأصوليون قاطبة على أنه من كان ضعيفاً في لسان العرب لا يجوز له أن يتصدر للفتيا في دين الله.
واليوم للأسف تجد الطلبة يتخرجون من جامعات شرعية ولم يدرسوا شيئاً في علوم العربية أو صار ما درسه مقدمة مختصرة؛ هذا أحبابي يحرم عليه أن يفتي في دين الله وأن يجتهد، نعم مكانه التقليد، ينقل فتاوى العلماء، هذا لا غبار عليه، لكن أن يجتهد وأن يصدر نفسه على وسائل التواصل ليتكلم وليخوض في المسائل الكبيرة التي تحتاج إلى فهم عميق بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلو من اللغة العربية، بالله عليكم أي فتوى تنتظرونها؟ وأي فرقة تحدث؟ وهذا كما نقول للأحبة، كما أن الفرق القديمة إنما ظهرت فرق البدع بسبب الجهل باللسان العربي، فرؤوسهم لما قرأوا الكتاب والسنة لم يقرؤوه على أساليب العرب وإنما قرأوه بعلومهم العقلية الفاسدة.
فأصبحوا يأتون بمسائل عقلية وأحكام عقلية، ثم يجدون الآيات القرآنية لا يحسنون بيانها ولا فهم خطابها ولا أسرار هذا الكلام، فيبدأون يضربون آيات الله ببعض ويضربون الكتاب والسنة، ويؤولون ويحرفون ويفعلون بنصوص الكتاب والسنة كما فعلت اليهود والنصارى، يحرفون الكلم عن مواضعه. هذه الجناية الكبرى ليست فقط بسبب دخول علوم الفلاسفة إلى الفكر الإسلامي، هذا سبب، لكن من الأسباب التي ذكرها العلماء الجهل باللسان العربي. فدخول علوم فلاسفة اليونان والفرس والهند إلى العلوم الإسلامية بدون ضابط، ثانياً الجهل باللسان العربي، هذان العاملان جنايتهما على الفكر الإسلامي وعلى العقيدة الإسلامية عبر التاريخ كانت جناية عظيمة، وبسببهما كانت الفرقة وكان الخلاف وظهر المتكلمون وظهرت الفرق المباينة لمنهج أهل السنة والجماعة ولكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً عندما نتكلم عن تعلم اللغة العربية نتكلم عن دين، نتكلم عن حماية الشريعة، نتكلم عن صيانة الملة، نتكلم عن إدراك للعقيدة. يعني كثير من الطلبة اليوم مع التشويش العقدي الذي تحدثه الفرق، يقول: يا شيخ أنا لا أصل إلى عقيدة أهل السنة والجماعة أو لا أكاد أجزم أي العقائد هي العقائد الحقة؟ فأقول له: تعلم اللغة العربية، تعرف على أساليب العرب في بلاغتها في تخاطبها، تفهمها بعيداً عن التشويش، ثم عد إلى كتاب الله وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم فاقرأه قراءة نقية صادقة، ستجد الحق مع معرفتك طبعاً بما قاله الصحابة والتابعون. إذا أدركت اللغة العربية وفهمتها حقاً ستعرف ولم تشوش بالعقائد الباطلة، ستعرف أي العقائد هي الحق التي كان عليها الصحابة والتابعون والأئمة الأوائل رضوان الله تعالى عليهم.
إذاً عندما نتكلم عن دراسة ألفية ابن مالك نحن نتكلم عن دين، نتكلم كما قلت لكم عن صيانة شريعة، نتكلم عن صناعة جيل من طلبة العلم يحسنون فهم كلام الأوائل. وألفية ابن مالك طبعاً هي من ضمن العلوم العربية التي ندرسها وإلا فعندنا سلسلة طويلة ما زالت تنتظر على القائمة في الصرف والبلاغة ومتن اللغة، لكن المهم هذا البناء اللغوي الرصين هو بإذن الله حاجز وحصن نتحصن به من آفات المتكلمين ومن آفات الشبه ومن كل إنسان يطعن في الكتاب والسنة. بالله عليكم عندما يأتي شخص يطعن بكتاب الله من جهة اللغة أو من جهة الإعراب أو من جهة بيان بعض الآيات، كيف ترد عليه إذا كنت ضعيفاً في هذا الجانب؟
الكلام عن أهمية دراسة العلوم اللغة العربية لطالب العلم كلام طويل وجليل، هناك العديد من الكتب التي تثري الطالب في هذا الباب، في كتاب الطوفي رحمة الله تعالى عليه "الصعقة الغضبية"، ومجموعة من كلام أهل العلم الذي دونوه في هذا الباب وأشاروا إليه في مطالع مصنفاتهم عن أهمية تعلم اللغة العربية، وأن تعلمها من الدين، وأنها تزيد مروءة الإنسان وتزيد أخلاقه، تراها هذه من الأمور أيضاً التي على طالب العلم أن يعلمها؛ تعلم العربية يزيد من المروءة، تزيد من مروءتك وترفع من المستوى الأخلاقي للإنسان. انظروا جوانبها، ترفع من المستوى الأخلاقي للإنسان، لذلك سبحان الله تجد علماءنا الأوائل الذين كانوا متقنين لعلوم اللغة العربية أو العالم المنشغل بالأدب، تجد عنده ذوقاً رفيعاً في الحياة، حتى في حياته الشخصية، ذوقاً رفيعاً في مخاطبته للناس، ذوقاً رفيعاً عندما تجالسه في أدبيات الحياة الدنيا.
فإذاً كما قال أبو العباس ابن تيمية: إن تعلم اللغة العربية يزيد من الدين والخلق والمروءة، ويزيد الإنسان أصلاً يعني فوق ذلك تقرباً من الله سبحانه وتعالى. فهذا إذاً باب طويل، وإنما أردت أن نشير إلى شيء من ذلك حتى تفهم أنك عندما تدرس ألفية ابن مالك أنت لست تبحث عن فضول علم النحو، بل أنت تبحث عن شيء أساسي فيه، فإن ضبط علم اللغة العربية -وهذا رجوع للمقصد الأساسي- فإن ضبط علوم اللغة العربية لا يمكن أن يكون من خلاله مقدمة مختصرة، تلك المقدمة الآجرومية، حتى هي إيش اسمها؟ المقدمة الآجرومية فهي مقدمة. وما زلت على ضفاف هذا العلم فعليك أن تشرع فيه، فلذلك بعد المقدمة الآجرومية درسنا شيئاً من علم النحو في "نظم المقصود" في علم الصرف، ثم انتقلنا إلى مستوى أعلى في أكاديمية غراس في تدريس النحو بـ "قطر الندى وبل الصدى"، وكان شرحاً متوسطاً للطلبة المتوسطين.
ثم هل "قطر الندى" يكفي؟ لا والله لا يكفي أحبابي الكرام، نحتاج إلى ما هو أعلى وأن نستمر، فتأتي ألفية ابن مالك وهي نهاية الطالب المبتدئ، أو نقود المتوسط حتى نرفع الهمم شوي، نهاية الطالب المتوسط في علم النحو ألفية ابن مالك. دراسة ألفية ابن مالك والعكوف على شروحها المتنوعة -ولعلنا نمر على شروحها اليوم بإذن الله- في الحقيقة يثري مقدرتك النحوية لدرجة عالية جداً، وأظن -وأقول أظن- أن دراسة شروح ألفية ابن مالك المتنوعة مع الحواشي مع الكتب المهمة التي كتبت عليها، يرتفع الطالب لمستوى عالٍ جداً بإذن الله في فهم العربية من جهة النحو، في فهم العربية من جهة النحو. طيب هل هنا النهاية يا شيخ؟ في الحقيقة كلا، هناك كتب أعلى من ألفية ابن مالك تنتظر الطالب، لكن يعني لا يظن الطالب أن هذه الكتب نهاية له، وأن أحياناً قد يشهد الطالب بشيء من اليأس، يعني هذه العلوم لا نهاية لها، لا، كل شيء في النهاية تستطيع أن تستجمعه من خلال كتب محددة تعكف عليها.
على قراءتها. لكن ما أقوله حتى لا يظن الطالب أن ألفية ابن مالك هي خلاص محط الرحال، وبالتالي لا شيء يدرس بعدها في اللغة. هنا كتب الزمخشري، وهناك شروح كتب الزمخشري، وهناك كتب سيبويه وحواشي سيبويه، وهناك كتب الزجاج والزجاجي والأخفش بن سراء. كتب الأئمة -رحمة الله عليهم- هذه تقرأ في علم النحو، فما بالك أيضًا بالكتب التي تقرأ في التصريف، وكتب ابن جني والمازني وغيرهم من الأئمة الذين كتبوا في هذا الباب.
هذه كتب أقول إن طالب العلم يحتاجها، لكن من درس الألفية وطرحها بأكثر من شرح وقرأ أكثر من كتاب ووقف على معانيها واحتوائها بإذن الله، هو يقوى أن يغوص في الكتاب والسنة، لكن تبقى بعض الأمور، وفوق كل ذي علم عليم. فمن كان لتلك الكتب المتقدمة جدًا، أكيد عنده من الفوائد ومن الاطلاع ما لا يوجد عند من وقف عند ألفية ابن مالك.
لا يزهد الإنسان بألفية ابن مالك من جهة أنها ما زالت خطوة في الطريق. احفظ الألفية وادرسها؛ فإن العلماء منذ أن عرفوا ألفية ابن مالك وهم عاكفون على شرحها، وستعرف عظم هذه الألفية من كثرة شروحها، وإن كثيرًا من العلماء وقف عندها أصالة ولم يتجاوزها. أنا أرضى بهذا المستوى؛ أنه فعلاً من ضبطها بشروحها حصل على علم جم وعلى فوائد غزيرة، فنستعين الله سبحانه وتعالى عليها.
أحبابي الكرام، مستوى هذا الشرح، وأنا في الحقيقة أنبه الطالب على هذه القضية: عندما نتكلم عن شرح الألفية، هل هذا يناسب طالبًا لم يدرس الآجرومية؟ قال: لا. هل يناسب طالبًا لم يدرس متنًا مبتدئًا في الصرف؟ كلا. هل يناسب طالبًا لم يدرس متنًا مبتدئًا في البلاغة؟ كلا.
الذي يدرس ألفية ابن مالك، أحبابي الكرام، يجب أن يكون قد درس كتابًا -أقل شيء أسميه جيدًا- في النحو، وكتابًا جيدًا في الصرف، وكتابًا جيدًا في البلاغة، حتى يتأهل لمستوى هذا الشرح؛ خصوصًا أنني لن أشرح الألفية بشرح المبتدئ. سنعتمد إن شاء الله شرح الإمام الأشموني -رحمة الله عليه- وهو شرح متوسط إلى العالي. بالتالي عندما أشرح البيت وأشرح المسائل ونبينها ونحللها، الطالب الذي هو خلو الوطأ من علم النحو سيستثقل ويقول: هذا أمر صعب. هو ليس صعبًا، هو سهل جدًا، لكن المشكلة أنك تريد النهاية وأنت لم تأخذ البداية.
ما في شيء اسمه القفز المباشر إلى ألفية ابن مالك. كل العلوم تُبنى أن يدرس الطالب المبتدئ ثم المتوسط ثم المنتهي. فنحن شرحنا الآجرومية، وشرحنا نظم المقصود، وشرحنا مائة معنى والبيان، ثم شرحنا قطر الندى. الآن تأتي ألفية ابن مالك ضمن هذا السلم الهرمي الذي نسير عليه في شروحات أكاديمية غراس، بل كان هناك سلم تعليمي سرنا عليه، وعلى الطالب أن يسير على هذا السلم حتى يشعر بالفائدة من حضوره لهذه المجالس. أما أن يحضر الطالب وهو يشعر بثقل المعلومات وبزخمها وأن الفائدة محدودة، فهذا مضيعة للوقت.
فإياك يا طالب العلم أن تجني على نفسك وتغرها وتقول لها: أنت مؤهلة الآن لألفية ابن مالك، وأنت تعرف من نفسك أنها ليست مؤهلة بعد لضبط الآجرومية، وأنك تحتاج إلى إعادتها مرات ومرات. فإذاً هذا شرح لمن أتم معنا المواد السابقة. هذه قضية مهمة نتفق عليها ابتداء حتى لا يقول أحد الإخوة في منتصف الطريق: يا شيخ والله هذا ثقيل. نقول: من أخذه رويدًا رويدًا سيجد هذا العلم سهلًا ميسرًا سلسًا عذبًا.
وعلم النحو في الحقيقة من أجمل العلوم ومن أعذبها، وهو أسهل بكثير من علم الصرف. لكن في الحقيقة، ألفية ابن مالك هل هي خاصة بالنحو يا شيخ بلال؟ لا، هي نحو وصرف؛ سبعمائة بيت تقريبًا في النحو، ثم ثلاث مئة بيت في الصرف، سنجمع فيها بين علمين: بين النحو وبين الصرف بإذن الله.
أحبابي الكرام، وقبل أن أشرح أيضًا في ترجمة ابن مالك أقول أمرًا مهمًا ينبغي على الطالب أن يحفظ؛ في هذا المستوى أنا أقول: من لا يريد أن يحفظ ألفية ابن مالك أيضًا سيضيع كثيرًا من وقته هباء. أنت تعبت وحضرت الدروس، إياك أن تضيع ثمرة هذا التعب بعدم حفظك للألفية. ألفية ابن مالك ألفية على الرجز، وطبعًا هناك خلاف بينهم: أهي من مشطور الرجز أم من كامل الرجز؟ هذا أمر آخر، لكن هي على بحر الرجز، وهي ألفية ميسرة في الحفظ، وسبحان الله فيها بركة لبركة الإمام ابن مالك وصدق الإمام ابن مالك -رحمة الله عليه- فيما نحسبه والله حسيبه.
هذا الإمام عندما نقرأ في سيرته ستجدونه إنسانًا محبًا للعلم، عاشقًا للعلم، ومخلصًا في تعليمه لله سبحانه وتعالى، لدرجة أنه كان من شدة اهتمامه بهذا العلم وشدة حرصه عليه يخرج في نادي من مسجد دمشق: «ألا من طالب للنحو؟ ألا من طالب للتفسير؟ ألا من طالب للقراءات؟». فيجيب أحد، تصور؟ هذا ابن مالك، لا يجيبه أحد، فيعود ويقول: «برأت نفسي من كتمان العلم»، فيعود إلى مجلسه ويعكف على التصنيف والقراءة والمدارسة والمذاكرة.
تصور إمامًا مثل ابن مالك، الناس في دمشق ينادون: يا ابن مالك يا جماعة الخير ما حدا بده يدرس نحو، ما حدا يدرس قراءات، ولا أحد يجيب، والناس منشغلة بدينارها ودرهمها. لكن هناك قد يكون شيء من العذر؛ أن الفترة التي كان فيها ابن مالك كان فيها أزمات كبرى في منطقة دمشق والشام، هجوم التتار وهولاكو على دمشق. سنعرف أصلًا الأجواء التي ألفت فيها ألفية ابن مالك، كانت أثناء فرار ابن مالك لحماة من دمشق بسبب هجوم هناك على دمشق وخوف الناس.
المهم، فكانت في زمن ابن مالك زمن فتن في العالم الإسلامي وحروب وهجوم التتار. فكان ما هذا الظاهر فارغًا، يعني يقول ابن مالك أنا أدرس النحو الآن، فكان ابن مالك يخرج يصرخ كل يوم من مأذنة المسجد: «هل من طالب للنحو للقراءة؟»، ثم يعود عندما لا يجد أحدًا فينشغل بالتصنيف. لاحظوا أن هذا الإمام لم تفتر همته، وهذا الذي أعجبني في هذه القصة؛ بعضنا إذا لم يجد طلبة علم يستشرح لهم بعض المصنفات يترك العلم بالكلية، ما دام هذا السوق كاسدًا يذهب إلى الدينار والدرهم، لكن هذا الإمام كلا، كان يؤدي الوظيفة التي سخر حياته من أجلها، وهو تعليم الناس الخير.
ويبقى مخلصاً لهذه الأمة وفياً لها؛ إذا وجد طالباً حضر علمه، وإذا لم يجد طالباً حضر وصنف. فهذه الألفية صنفها رحمة الله تعالى عليه في حماة، وبالتأكيد في بداية أمرها لم تكن مشهورة، ولم يكن أحد يظن في الأجواء التي صُنفت فيها أنها ستنال هذا القبول، لكن سبحان الله طارت سمعتها في الآفاق، وأصبحت تحفظ من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه، ومن شماله إلى جنوبه.
وهذه بركة العلم وبركة الصدق مع الله، لا تظنوا أن هذا مجرد الإتقان؛ هي متقنة هذا شيء لا ريب فيه، لكنها بركة الصدق مع الله سبحانه وتعالى، وإخلاص العالم بينه وبين ربه، الله عز وجل يطرح له البركة في هذا العلم وينشر هذه المصنفات. فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من أهل الإخلاص.
كنت أقول عن عملية الحفظ؛ الحفظ أساس لمن يريد أن يكمل معنا هذا الطريق، وإلا كما قلت فإنه يضيع الكثير من الوقت من دون فائدة ترجى؛ لأنك إذا سمعت شرحي ثم أنت لم تحفظ شيئاً، بعد أربعة أشهر أو خمسة أشهر ستنسى الشرح وتعود من حيث بدأت، فلا تضيع.
قبل أن نشرع في ألفية ابن مالك، يحصل بنا دائماً كما هي عادتنا أن نعرف بمن الإمام ابن مالك، ونعرف شروح هذه الألفية، فلا بد إذاً من شيء من التعريف ومن المقدمات قبل أن نشرع في شرح هذه الأبيات المباركة.
نبدأ بالإمام ابن مالك رحمة الله تعالى عليه؛ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي نسباً، من قبيلة أجداده الأوائل الطائي، والجياني منشأً، ولد في جيان في الأندلس. متخيلين قبيلة طي في جزيرة العرب كأصول، لكن أين ولد؟ وكيف وصل إلى جيان؟ المجاهدون المسلمون الذين خرجوا من بوادي جزيرة العرب وصلوا إلى الأندلس عندما كان للإسلام شوكة.
إذن الطائي نسباً، الجياني منشأً، الدمشقي رحلة وإقامة؛ رحل من الأندلس بعد ذلك إلى دمشق وأقام فيها ودرس فيها، وراح على فترة محدودة إلى حماة ثم عاد إلى دمشق. كان شافعياً مذهباً بعد أن درس المذهب المالكي في الأندلس، وبعد أن رحل إلى الشام درس المذهب الشافعي فأصبح شافعياً وعاش شافعياً ومات شافعياً رحمة الله تعالى عليه.
المولود عام ستمائة من هجرة المصطفى ﷺ، والمتوفى عام اثنين وسبعين وستمائة من هجرة النبي ﷺ. فكم سنة عاش الإمام ابن مالك؟ اثنان وسبعون عاماً عليه رحمة الله. طبعاً الاسم المشهور له المختصر "محمد بن مالك"، هكذا أصبح منشوراً بين العلماء لأنه هو سمى نفسه بذلك في مطلع الألفية، قال: «محمد هو ابن مالك»، يختصر اسمه محمد بن مالك.
ولد في الأندلس في منطقة جيان عام ستمائة هجري، بدأ دراسته في بلده بحفظ القرآن الكريم. لاحظوا ماذا بدأ؟ بحفظ القرآن الكريم. أنا لا أسرد هذه القصص لمجرد التفكه أو التندر، لا، نحن نريد أن نقتدي بالأئمة في مسلكهم العلمي؛ فبدأ أولاً بحفظ القرآن. هذه طريقة العلماء، ما من عالم إلا وبدأ بحفظ القرآن وبإتمامه حتى لا تشغله العلوم الشرعية عن معدن العلوم وأصلها، ألا وهو كتاب ربنا سبحانه وتعالى.
ثم درس القراءات إذا كان مهتماً بعلم القراءات، ودرس النحو والفقه على مذهب الإمام مالك ابتداءً، هذا كله في الأندلس. أخذ العربية والقرآن في جيان عن ثابت بن خيار القلاعي، وقد ذكر ابن مالك لبعض تلاميذه أنه قرأ على ثابت بن خيار، وأنه جلس في حلقات الأستاذ أبي علي الشلوبين، وهذا من أشهر نحاة الأندلس وسيأتي معنا كثيراً في شرح الأشموني. ابن مالك جلس عنده ثلاثة عشر مجلساً فقط، لكنه استفاد منه، فكتب هذا في تاريخه.
بعد هذه النشأة الطيبة المباركة في الأندلس، رحل ابن مالك إلى المشرق في ريعان شبابه، ويبدو أن رحلته كانت ما بين عام ستمائة وخمسة وعشرين وعام ستمائة وثلاثين هجري، وذلك بسبب الفتن والاضطرابات التي بدأت تظهر في الأندلس. وعلى عادة كثير من علماء الأندلس حينذاك أنهم كانوا يهاجرون إلى المشرق لتعلم العلوم من منبعها.
قدم ابن مالك الأندلسي إلى دمشق وسمع بدمشق من مجموعة من العلماء على رأسهم أبي الحسن السخاوي رحمة الله عليه، ثم توجه ابن مالك بعد ذلك إلى حلب وتلقى النحو على إمام كبير وهو ابن يعيش؛ من هو ابن يعيش؟ هو شارح "المفصل" للزمخشري. إذن ابن مالك سلسلة نحوية قوية؛ التقى بأبي علي الشلوبين في الأندلس، وفي حلب تلقى النحو على ابن يعيش رحمة الله عليه، وتلقى أيضاً النحو على تلميذ ابن يعيش، ابن عمرون، وأغلب الظن كما يقود المؤرخون أنه حضر جانباً من شرح ابن يعيش على المفصل.
نبغ ابن مالك في اللغة والنحو نبوغاً عظيماً حتى صار مضرب المثل في معرفته بدقائق النحو والصرف واللغة وأشعار العرب، وقد قام بالتدريس في مدينة حلب بعد أن أتم دراسته اللغوية، وكان إمام المدرسة السلطانية فيها، فأخذ يلقي بحلب دروسه في النحو ويؤلف. وهناك في حلب نظم "الكافية الشافية".
"الكافية الشافية" أحبابي الكرام هي أصل ألفية ابن مالك، لذلك وماذا قال في ختام ألفيته كما سيأتي معنا إن كان في العمر بقية: «أحصى من الكافية الخلاصة». الكافية الشافية نظمها ابن مالك في قرابة ثلاثة آلاف بيت، اختصرها ابن مالك في ألفيته؛ لذلك هو أولاً ألف الكافية الشافية في حلب، ثم اختصرها في ألفية ابن مالك، لذلك تسمى الألفية أيضاً "الخلاصة".
لماذا تسمى الخلاصة؟ لأنها خلاصة الكافية الشافية؛ فالثلاثة آلاف بيت اختصرها ابن مالك في ألف وبيتتين. ثم بعد أن أقام في حلب ارتحل إلى حماة من البلاد الشامية، وأقام بها ونشر فيها العلم وتابع تدريسه في النحو ونظم ألفيته المشهورة.
هو الآن سيقول نظم ألفيته المشهورة، لكن ألفيته المشهورة؛ يعني هو لم يرتحل من حلب إلى حماة وفي حماة إلا في الألفية مباشرة كلا، وعاد إلى دمشق فجلس فيها فترة، لما جاءت الأنباء أن هولاكو زعيم التتار سيهاجم دمشق هرب إلى حماة مع من هرب من العلماء والأئمة والناس، فهناك ألف الألفية، فهو ألفها في حماة لكن بعد قربه من دمشق، وتابع دروسه في النحو ونظم ألفيته المشهورة وهي خلاصة الكافي الشافي كما ذكرنا لكم.
ثم تحول ابن مالك إلى دمشق حيث أقام بها، يشتغل بالتدريس والتصنيف وتكاثر عليه الطلبة، فهو إذا في مرحلة من مراحل حياته العلمية كان عنده طلبة، ما حدا يظن أنه ما كان عنده طلبة، تكاثر عليه الطلب في مرحلة من مراحل حياته وحاز قصب السبق في التدريس وصار يضرب به المثل في معرفة دقائق النحو وغوامض الصرف وغريب اللغات وأشعار العرب، وإلا فالمصنفات المفيدة في فنون العربية. ومن أشهر مصنفات ابن مالك -سيأتي ذكر مصنفاته- لكن من أشهرها كتاب التسهيل في علوم النحو، كتاب التسهيل وسنأتي إليه إن شاء الله.
المهم أقام ابن مالك في الجامع الأموي في دمشق، وفي المدرسة العادلية الكبرى أيضًا في دمشق مدرسا، وقد عين إمامًا للمدرسة العادلية، وكان أكثر ما يلقيه على تلاميذه من الدروس في علم النحو، كما كان يدرس أيضًا بعض الأحيان علم القراءات. وقيل هذه القصة التي ذكرتها لكم إنه كان يخرج على باب المدرسة العادلية يقول: «هل من راغب في علم الحديث؟ هل من راغب في علم النحو؟ هل من راغب في التفسير؟»، فلا أحد يجيب، فيقول: «قد أخلصتها من ذمتي»، يقول: «قد أخلصته من ذمتي»، يعني الواحد يتعلم، إما تطلب العلم وإما تترك العلم على جنبكم، أنا مني وعلي من رأت ذمتي.
ومن تلاميذه، ننظر في تلاميذه لتعرف قدر الشيخ، الإمام النووي رحمه الله، ومن تلاميذه أيضًا ابن النحاس، والعلم الفاروقي، والشمس البعري، والزين المزي، وكفاه شرفًا أنه ممن أخذ عنه الإمام النووي كما قالوا. وقد قيل -وهذا من الأمور المستطرفة- إنه قيل إن الإمام ابن مالك سيأتي معنا في أحد الأبيات قال: ورجل من الكرام عندنا قالوا إنه قصد به الإمام النووي، قيل هذا والله تعالى أعلم.
وكان ابن مالك إذا صلى بالعادلية -وهو إمام لها كما ذكرنا- يشيعه إلى منزله القاضي ابن خلكان تعظيمًا له وإجلالًا، يخرج معه من باب المدرسة إلى المنزل تعظيمًا للإمام ابن خلكان. وطبعًا حتى نسخ صحيح البخاري التي بين أيدينا، النسخة التي قرأت في حضرة الإمام ابن مالك، وهي أشهر نسخ صحيح البخاري التي نمشي عليها اليوم ونقرأها، قرأت بين يدي ابن مالك وهو الذي عدلها نحويًا؛ أنت تتكلم عن حجم ثقيل، بنتكلم عن شخص سهل نتكلم عن الحجم الثقيل.
كان ابن مالك رحمه الله ذا عقل راجح، حسن الأخلاق، مهذبًا، ذا رزانة وحياء ووقار، وانصبابًا للإفادة، أي نصب نفسه لإفادة الناس، وصبر على المطالعة الكثيرة. لاحظوا ما الذي أنتجه؟ صبر على ماذا؟ المطالعة الكثيرة. أما يا شيخ الدرس ساعة ونصف وساعتين، وأيضًا خففوا علينا الدروس وقطعوها خمس تقطيعات، والآشموني طويل؛ هذا النفس أحبابي الذي يزرع عند بعض طلبة العلم، والذي أنتجته للأسف الدراسات الجامعية، هذا غير مقبول عندنا في الميدان العلمي أبدًا.
أريد العلم الحق، عليك أن تتعب. أما تريد أن تقطف الثمار بأيسر الأوقات، هذا لا يمكن أن يكون ببال ولا بحل، عليك أن تدرك أن طلب العلم يحتاج إلى الصبر وإلى المطالعة. أئمتنا أحبابي الكرام ما كان عندهم كتاب مثل كتاب الآشموني بين أيدينا ومسطر ومصنف عليه الخطوط، لا أحبابي الكرام، كانوا يقرأون من الجلود، كانوا يأتون إلى من ينسخ لهم الكتب نسخًا والحبر يسيل والكلمة تدخل في الكلمة، ويجلس يبحث يحاول أن يفهم الكلمة قبل أن يفهم الجملة كاملة من كثرة الحبر الذي يدخل ببعضه البعض. وافتقروا، واحدة منهم يبيع سقف بيته للكتب، وواحد منهم يجلس ثلاثة أيام لا يأكل طعامًا من أجل أن يدفع ماله ليشتري كتابًا.
وإذا نقول لطالب العلم: هل اشتريت شرح الآشموني؟ تجد بعض الطلبة من بداية الدورة إلى نهايتها وهو يقرأ الشرح من الجوال، هذا عيب لطالب العلم، الحقيقة هذا عيب، أن يصل الطالب لمرحلة كتاب أساسي في حياته العلمية لا يهون عليه أن يدفع أموالًا محدودة ليشتري هذا الكتاب. من يكون هذا دأبه مع العلم؟ هذا لا يفلح، أو أقول بالكاد أن يفلح. العلم له شروط؛ الله سبحانه إذا رأى منك تفانيًا من أجل العلم وتحصيله وبذلًا للمال والجهد والوقت يعطيك، أما إذا كنت كسولًا نائمًا متكاسلًا بخيلًا في العلم، كيف تحصل؟ لابد أن تضحي من أجل أن تصل إلى العلم.
وكان حريصًا على العلم حتى لاحظوا حرص الإمام ابن مالك على العلم، يا الله هذه القصة! يقول: حفظ في يوم موته وهو يحتضر ثمانية أبيات من الشواهد اللغوية. اليوم نحن الواحد إذا أصابه رشح يقول: يا شيخ أنا من هنا إلى أسبوعين أعطني إجازة عن حضور المجالس، وابن مالك في يوم وفاته وفي لحظات موته يحفظ ثمانية أبيات من الشواهد اللغوية. حتى لاحظوا الموضوع، والبعض يقول شواهد لغوية، كان الإمام ابن مالك حفظ له حديثان عن النبي ﷺ، هو سخر نفسه لهذا الجانب، خدمة هذه الأمة، فيريد أن يخرج من الدنيا مبدعًا متقنًا في جانبه.
كل إنسان له مشربه؛ إنسان متقن في الحديث، إنسان متقن في التفسير، إنسان متقن في العقائد، وكل إنسان له مشرب، والرجل أبدع بشهادة الجميع في جانبه وهو الجانب اللغوي، فهو خلاص مشغوف به، ولا يفلح الإنسان في علم إلا إذا عشقه، فهذا تصرف عاشق، هذا التصرف ليس تصرف إنسان يطلب العلم بكلفة، هذا تصرفه عاشق للعلم، دمه كما يقول في اللغة العربية.
وكان كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئًا من حفظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات والعلماء الأثبات. وكان لا يرى إلا وهو يصلي، أو يتلو القرآن، أو يصنف، أو يقرئ الناس القراءات، هذا حاله في الحياة، أوقف نفسه وعمره لهذه الجوانب وأنعم بها.
دائمًا لما أفكر وأسرع في هذه الحياة، سبحان الله، يقول الإنسان: والله هذه اللذة ماذا تريد أفضل من أن يشغلك الله بالقرآن؛ قيام الليل، تعلم الناس الخير، تعود إلى منزلك تشتغل بذكر الله سبحانه أو قراءة كتاب أو مصنف، وتجني ثمار أفكار الأوائل، ثم تعود للتدريس؛ حياة بعيدة عن الهموم، عن الخصومات، عن المنازعات.
وبالتأكيد مثل هذا الإمام، بما أنه كانوا يدرسون في المدرسة العادلية، كان هناك وقف يشرف له حتى يرزق عياله. وهذا الذي نقوله دائمًا للتجار وللأثرياء: يا أيها القوم، إذا أردتم أن تصنعوا جيلًا من العلماء ومن طلبة العلم، فلا بد أن نصنع أوقافًا لطلبة العلم حتى يسخروا جهودهم وحياتهم للطلب. أما في وقتنا الحاضر، إذا كان طالب العلم سيذهب من الساعة السابعة صباحًا إلى السادسة مساءً وهو يبحث عن لقمة العيش، فلا يصل آخر اليوم إلا وهو مرهق، بالكاد يفتح الكتاب ساعتين أو ثلاثًا إلا وقد نام فوق الكتاب. أهمية الوقف الشرعي للمدارس الشرعية وتوقيف أموال لطلبة العلم أمر مهم جدًا، نسأل الله أن يوفق له من يختار من عباده ويجتبي، وأن يجعلنا منهم. أسأل الله أيها الإنسان، إذا رزقك الله مالًا، أن تنوي أن تبذل هذا المال في خدمة العلم وأهله.
أين وصلنا؟ كان ابن مالك إمامًا في القراءات وفي عللها، وأما في اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والاطلاع على وحشيها. والاطلاع على وحشيها يعني غريب اللغة، الكلمات غير المعروفة، كان هو فنانًا قناصًا فيها كما قالوا. وأما النحو والتصريف فكان بحرًا لا يجارى، وحبرًا لا يبارى. وأما أشعار العرب التي يستشهد بها في اللغة والنحو، فكانت الأئمة في الإعلام يتحيرون ويتعجبون: من أين يأتي ابن مالك بشواهده؟ من شدة علمه واطلاعه. وكان أكثر ما يستشهد به القرآن، فإن لم يكن عدل إلى الحديث، فإن لم يكن عدل إلى أشعار العرب، وهذه أصول علوم اللغة العربية: نحوًا وصرفًا وبلاغة؛ القرآن، ثم السنة، ثم أشعار العرب. ومجمل القول أن ابن مالك كان أوحد وقته في علم النحو واللغة مع كثرة الديانة والصلاح.
مؤلفات ابن مالك: ابن مالك له مجموعة من المؤلفات، ليس فقط ألفية ابن مالك، بل هو مجموعة من المؤلفات الكبيرة. أولها الكافية الشافية، وهذه عرفنا أن الكافية الشافية من ثلاثة آلاف بيت تقريبًا، وهي منظومة على بحر الرجز، تضم النحو والصرف، واختصرها ابن مالك في الألفية التي معنا، والخلاصة هي ألفية ابن مالك هذه، وهي من مصنفاته وسنأتي إليها الآن بالتفصيل إن شاء الله.
من مؤلفاته أيضًا كتاب التسهيل، والاسم الكامل له «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد»، وهذا كتاب من أعظم الكتب المنثورة، هذا ليس نظرًا، هذا كتاب منثور في علم النحو، وهو من أفيد الكتب التي كتبت في علم النحو. وقد طبع هذا الكتاب تحقيق الأستاذ محمد كامل بركات، وطبع في القاهرة بإشراف وزارة الثقافة. ومن أبرز الشروح عليه نفسه ابن مالك شرحه حتى باب المصدر، ثم أكمله ابنه، ابن الناظم، وسيأتي معنى ابنه؛ ابن مالك شرح كتابه التسهيل، لكن هل أكمله؟ كلا، وصل إلى باب المصدر واغترمته المنية كما قالوا، فأكمله ابنه، وهذا موجود مطبوع شرحه. وهناك كتاب أيضًا «التدريب والتكميل» لأبي حيان الأندلسي شرح فيه كتاب التسهيل لابن مالك.
إذاً، هناك الكافية الشافية، والخلاصة، وتسهيل، وأيضًا له كتاب «الأعلام بمثلث الكلام»، وهذا شبيه بكتاب درسناه سابقًا في غراس، فكرة مثلث قطرب. قطرب هو الذي فتح الباب لقضية دراسة المثلثات في الكلام، وهي الكلمات التي يكون الحرف الأول منها مفتوحًا ومضمومًا ومكسورًا، وباختلاف الحركة يختلف معنى الكلمة. الإمام ابن مالك ألف على منوال قطر ألف نظمًا سماه «الأعلام بمثلث» وهو منظوم. وله كتاب منثور سماه «إكمال الأعلام»، فهو أولًا نظم نظمًا اسمه «الأعلام»، ثم أكمل هذا المشروع العلمي بكتاب منثور سماه «إكمال الأعلام». وهو أيضًا منظومة في المقصور والممدود تسمى «تحفة المودود»، وهي منظومة ومعروفة ولها العديد من الشروح. والكتاب السابع هو «لامية الأفعال»، وهي منظومة متخصصة في علم الصرف ومشهورة جدًا، قريبة من أبيات نظم المقصود، مائة وأربع عشرة بيتًا تقريبًا، لكن نظم المقصود أسهل منه، لذلك شرحنا نحن نظم المقصود؛ لأنه أشهر منه، وابن مالك اهتم في لامية الأفعال بالتخصص في علم الصرف، واهتم بالشذوذ أكثر من التأصيل، فلذلك أنا فضلت شرح نظم المقصود لأنه اهتم بالتأصيل أكثر من الشذوذ. كل إنسان له مشربه، لكنها منظومة شهيرة، لامية الأفعال منظومة مبتدئة في علم الصرف، وهي أيضًا على بحر البسيط، وهذا بحر ثقيل شوي في الحفظ، بخلاف لما تكون المنظومة على بحر الرجز تجدها أسهل بكثير.
إذاً ذكرنا سبعة مصنفات للإمام ابن مالك رحمه الله، نأتي الآن للمصنف الذي بين أيدينا وهو الذي نريد منه، وهو ألفية ابن مالك. ألفية ابن مالك كما عرفنا سميت «الخلاصة»، وعرفنا لماذا سميت الخلاصة. عدد أبياتها ألف واثنان، فهي ألفية بالغلبة. متى كتب ابن مالك هذه الألفية؟ يقول المؤرخون كتب الإمام ابن مالك ألفيته في مدينة حماة، وسبب تأليفها يعود الآن إلى روايتين. الرواية الأولى ذكرناها قبل قليل، أنه أراد أن يختصر الكافية الشافية، رأى أن الكافية الشافية طويلة ولم يكتب لها القبول والانتشار، والطلبة عزفوا عنها لطولها، فأراد أن يختصرها لهم فاختصرها في الألفية، هذا هو الدافع الأول كما قيل.
ما قيل هناك سبب آخر، وهو أن ابن مالك عندما هجم هولاكو على دمشق، فر الناس من دمشق ومنهم كان ابن مالك، ذهبوا إلى حماة. وهناك كان ميلاد ألفية ابن مالك، وكان حينذاك قاضي القضاة في منطقة حماة هو السلطان أبو شرف الدين البارزي، وطلب من الإمام ابن مالك أن يدرس ابنه النحو، أبو شرف الدين البارزي طلب من ابن مالك أن يدرس ابنه النحو، فاستجاب ابن مالك لطلبه إكرامًا له ولابنه، فلم يقتصر على مجرد تعليم ابنه النحو، بل حتى يساعد ابنه على ضبط النحو، نظم له ألفية ابن مالك.
هذا هو سبب نظمها؛ إذاً فلبى ابن مالك النداء وكتب الألفية لتكون معينا لا ينضب لابنه القاضي ولطلبة العلم من بعده، وكان هذا إكراما للقاضي ولابنه، إذاً هذه أيضا قصة معينة، والله تعالى أعلم بدقتها. هي تروي لنا كيف صنفت هذه الألفية، ومنهج ابن مالك في الألفية.
يقولون من مخاض التدريس، يعني من تجربة ابن مالك الطويلة في التعليم والتدريس، كان انطلاق ابن مالك في تأليفه لهذه الألفية. وواضح أن الذي ألف هذه الألفية شخص ممارس لعملية التعليم؛ يدرك أين مشاكل الطلاب، وأين الأمور التي يجب أن تختصر، والأمور التي يجب أن تذكر، فذكر المهم والأجل في علم النحو وضعه في هذه الألفية فكانت خلاصة متقنة؛ لأن الذي يحسن الاستخلاص لا بد وأن يكون ممارسا للتدريس وللتعليم.
فلذلك قالوا من مخاض التدريس كان انطلاق ابن مالك في تأليفه للألفية، حيث عالج كل ما يشكل في علم النحو، وقدم أصول النحو وقواعد النحو على فروع النحو؛ إذ بدأ بالأحكام الإفرادية بالنظر إلى الكلمة باعتبارها معربة أو مبنية، وباعتبارها نكرة أو معرفة، ثم انتقل إلى الجمل التركيبية.
ما معنى هذا الكلام؟ الآن سنأتي إن شاء الله للألفية ونشرحها بابا بابا، وسنلاحظ ما هو المنهج الذي سلكه الإمام ابن مالك في الألفية؟ أولا بدأ بشرح الكلمة، فبين أن الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف، وبين أن الأسماء والأفعال والحروف تنقسم إلى معرب ومبني، فبين ما هو المعرب منها وما هو المبني منها، ثم بين أن من الأسماء ما هو معرفة وما هو نكرة، فبين ما هو النكرة والمعارف بأنواعها فعقد بابا لكل نوع من أنواع المعارف.
بعد أن انتهى من الكلام عن المفردات، وعن بيان الكلمة بأنواعها وما هو المعرب والمبني من الكلمات، وما هو المعرفة والنكرة منها، انتقل إلى الجمل التركيبية؛ فقسم كلامه فبدأ بالجملة الاسمية، فذكر أحكام المبتدأ والخبر، ثم ذكر النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر وهي كان وأخواتها، وأضاف إليها هنا كاد وأخواتها، وإن وأخواتها وظن وأخواتها، وانتقل إلى باب «اعلم» و«أرى».
ذكر كل هذه الأمور التي تدخل على الجملة الاسمية، لاحظوا كيف الترتيب؛ أنا أريدكم أن تركزوا على الخارطة الذهنية عند ابن مالك حتى تعرفوا كيف سنسير. بدأ بالمفردات، الكلمة المفردة تبين أن الكلمة المفردة إما تكون معربة أو تكون مبنية، وإذا كانت اسما إما أن تكون معرفة وإما أن تكون نكرة، فبين كل هذه الأمور في البداية.
ثم بدأ بالجمل، والجملة في اللغة العربية ما أنواعها؟ هي جملة اسمية وجملة فعلية، فبدأ بالجملة الاسمية فبين ما هو المبتدأ وما هو الخبر وأحكام المبتدأ والخبر، ثم انتقل إلى النواسخ التي تدخل إلى الجملة الاسمية وهي كان وأخواتها، وكاد وأخواته -وهذا نوع جديد ستتعرفون عليه إن شاء الله- وإن وأخواتها وظن وأخواتها، وأضاف إليها باب «اعلم» و«أرى».
ثم انتقل إلى الجملة الفعلية، فذكر الفاعل، وذكر نائب الفاعل، وذكر باب التنازع في العمل، وذكر المفاعيل الخمسة: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول معه، والمفعول فيه وهو الظرف؛ فذكر أحكام المفاعيل الخمسة عموما. وضمن ذلك طبعا ذكر شيئا من الاشتقاق ضمن هذه الأبواب، وذكر أسماء الفاعل، ما هي أوزان أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، وما هي المصادر وأوزانها كنوع من الاستطراد.
ثم بعد أن أنهى من ذكر الجملة الاسمية بمواسخها والجملة الفعلية بعناصرها، انتقل إلى أبواب النحو المشتركة بين الجملة الاسمية وبين الجملة الفعلية، فذكر باب الاستثناء وباب الحال وباب التمييز وباب الجار والمجرور. ثم انتقل إلى التوابع، فذكر ما هي التوابع: النعت، التوكيد، العطف بنوعيه (عطف البيان وعطف النسق)، والبدل.
إذن، بعد أن أنهى الجملة الاسمية والفعلية ذكر الأبواب المشتركة بينهما، أي التي توجد في الجملة الاسمية وفي الجملة الفعلية؛ فالحال يكون في الجملة الاسمية وفي الجملة الفعلية، والتمييز والاستثناء والجار والمجرور والتوابع بأنواعها تدخل على كلا الجملتين. لاحظتوا الهندسة كيف وهو ماشي؟ مرتب؛ بدأ بالمفرد ثم انتقل للجملة الاسمية ونواسخ الجملة الاسمية، ثم الجملة الفعلية وعناصرها (فاعل، مفعول به، التنازع في العمل، المفاعيل الخمسة)، ثم بعد أن انتهى من الجملة الفعلية عاد ليذكر الأبواب المشتركة: الحال، التمييز، الاستثناء، الجار والمجرور، الإضافة، والتوابع: النعت، التوكيد، بدل، عطف بيان، عطف نسق.
بعد أن انتهى من كل هذه الأبواب، عاد ليؤصل للفعل المضارع؛ فبين أن الفعل المضارع يكون مرفوعا وهي الحاجة الأصلية له، ثم ذكر النواصب التي تنصب الفعل المضارع وأشكالها وشروط نصبها، وذكر بعد ذلك الجوازم التي تجزم الفعل المضارع؛ ما يجزم فعلا مضارعا واحدا وما يجزم فعلين، وهذا أخذ حيزا جيدا من الكتاب.
وهنا حدث خلاف بين المصنفين؛ ابن مالك خالف ابن هشام، وفي عبارة أدق لن أقول ابن هشام خالف ابن مالك، بل إن ابن هشام جاء بعده، فابن هشام خالف ابن مالك في الترتيب؛ إذ ذكر إعراب الفعل المضارع والنواصب والجوازم قبل ما يدخل في تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية. هذا ذوق ابن هشام، وقد يكون ابن هشام في وجهة نظر البعض أدق في هذه الجزئية؛ أن الأصل أن تنهي الكلام عن الفعل المضارع ونواصبه وجوازمه، ثم تدخل بعد ذلك في الجمل الاسمية والجملة الفعلية حتى تنهي الكلام عن المفردات.
ولذلك حتى ابن الآني فعل ذلك، وسنلاحظ أن العلماء أكثرهم على طريقة ابن هشام؛ أن الفعل المضارع متى يكون مرفوعا؟ ومتى يكون منصوبا؟ ما هي أدوات النصب؟ متى يكون مجزوما؟ ما هي أدوات الجزم؟ العلماء متى يذكرون ذلك في العادة؟ قبل أن يدخلوا في أحكام الجملة الاسمية. أما ابن مالك فلا؛ ابن مالك ماذا فعل؟ خلص الكلام عن المعرب والمبني والمعرفة والنكرة، مباشرة ذهب لأحكام الجملة الاسمية فذكر المبتدأ والخبر والنواسخ، ثم ذكر الجملة الفعلية فذكر الفاعل ونائب الفاعل والتنازع في العمل والمفاعيل الخمسة، ثم عاد فذكر الأبواب المشتركة بين الجملة الاسمية والفعلية، وبعد كل هذا عاد فذكر الفعل المضارع المرفوع والمنصوب والمجزوم. وهذا في النهاية اصطلاح تعليمي لا غبار عليه، لا يثرب على فلان أو فلان، كل هذه آراء واجتهادات لأهل العلم الكبار رحمة الله تعالى عليهم.
بعد أن انتهى من تأصيل الفعل المضارع وأحكامه رفعا ونصبا وجزما، انتقل فعليا الآن للكلام عن أحكام الصرف، وهذا كله بعد البيت سبعمائة. بعد البيت سبعمائة بدأ ابن مالك في ماذا؟ في أحكام الصرف، فبدأ بباب التأنيث، ونلاحظ أن ابن مالك لم يرتب الصرف في الألفية.
أبواب الصرف ما رتبها في الألفية بشكل هندسي، بل ذكر فيما يظهر لي أبوابًا متنوعة هكذا على غير نسق؛ ذكر التأنيث، وذكر المقصور والممدود، وذكر جمع التكسير، بعد ذلك عاد فذكر التصريف وما هي أوجه التصريف، وذكر أيضًا الإمالة وذكر النسب.
فالذي يظهر لي أن ابن مالك لم يعتنِ جدًا في ألفيته بترتيب أبواب الصرف كما اعتنى في ذلك مثلا في لامية الأفعال له، وكما يعتني علماء الصرف في مصنفاتهم النثرية أن يكون هناك نسق معين في ترتيب الأبواب. كلا، ستجدون أن الأبواب التي ذكرها في علم الصرف لم تكن منسقة نسقًا معينًا، بل هي أبواب متنوعة وكأن ابن مالك اعتبر نفسه ختم الألفية بعلم الصرف من باب التتميم، وليس أنه الآن في مقام التأصيل لعلم الصرف، فقال خلاص أذكر أبوابًا متنوعة في علم الصرف أنهي بها الألفية، فذكر ثلاث مئة بيت تقريبًا في هذا المضمون.
وسنحن إن شاء الله سنسعى إلى ترتيبها قدر الإمكان. هذه هي ألفية ابن مالك، عرفتم النسق المنهج الذي اتبعه؟ إنه مهم جدًا أن تفهم ونحن نسير في ألفية ابن مالك كيف نحن ننتقل. سنبدأ أولًا بالمصطلحات الخمسة: نعرف الكلمة والكلام والكلم، كما نبدأ عادة في كل دورة. ثم سنشرع في الكلمة في المعرب والمبني والمعارف والنكرات، ثم سنشرع بعدها في الجملة الاسمية، ثم سنشرع في ذكر النواسخ بعدها، ثم نعود إلى الجملة الفعلية بعناصرها، ثم نعود إلى الأبواب المشتركة بين الجملة الاسمية والفعلية، ثم نعود إلى الفعل المضارع فنذكره متى يكون مرفوعًا ومنصوبًا ومجزومًا، ثم سنشرع في أبواب الصرف تحفظونها، حتى يكون السير على وضوح؛ ألا أن يجد الطالب نفسه في منتصف الألفية وهو غارق لا يعرف ماذا قبل وماذا بعدها، لا؛ فالنسق المعرفي دائمًا مطلوب.
شروح ألفية ابن مالك، كم ذهب من الوقت؟ الآن نختم بشروح ألفية ابن مالك. سأتكلم عن تسعة شروح مهمة لألفية ابن مالك، وعليها أكثر من ذلك، لكن سأتكلم عن أهم تسعة شروح لألفية ابن مالك.
أول شرح هو شرح ابن الناظم. ابن مالك له ابن اسمه محمد أيضًا، ابن مالك له ابن اسمه محمد، وهذه كثيرة عندهم، وكان ابن الناظم وهو محمد أراد أن يشرح منظومة والده، فشرحها في شرح يعرف الآن باسم "شرح ابن الناظم"، هكذا يعرف بين أهل العلم. هو شرح مفيد لكنه صعب ومغلق العبارة قليلاً. ومن نزاهته العلمية كان يعترض على والده ويبين وجه الاعتراض ويقدم الاستشكالات، وكثير من أهل العلم ومنهم الإمام الصفدي مدح هذا الشرح فقال الصفدي: «هو شرح فاضل منقح ولم تشرح الألفية بأحسن منه ولا أسد ولا أجزل من هذا الشرح». تصوروا المدح الكبير! طبعًا هذا الكلام فيه نظر، هل هي فعلا أفضل شروح الألفية؟ لكن عندما تسمع هذه العبارة تعرف أنه شرح في النهاية مميز، لكن ما هي عيوبه؟ أنه صعب ومغلق العبارة قليلاً، فالذي يريد أن يقرأه لا بد أن يكون جيد اللغة العربية وفي علم النحو ليفهم مرام الكلام، فليس يصلح للطالب المبتدئ. إذًا من أول من شرح الألفية، طبعًا قيل إن ابن مالك نفسه شرح ألفيته لكنه شرح مفقود، بالتالي من حيث الشروح الموجودة أول شرح يكون شرح ابن الناظم رحمه الله تعالى عليه.
الشرح الثاني: شرح أبي حيان الأندلسي المسمى "منهج السالك إلى فهم ألفية ابن مالك". أبو حيان الأندلسي هو الإمام محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي، توفي سبعمائة وخمسة وأربعين للهجرة. ويعد شرح أبي حيان شرحًا نقديًا، حتى إن هذا الأمر عيب على أبي حيان أنه كما نقول في لغتنا العامية "استلم" ابن مالك، جعل كتابه لنقد ابن مالك، وكانت عبارته غليظة في نقد ابن مالك فأخذ هذا عليه. هو واضح أنه كان مآخذ على ابن مالك، فكان شرحه انشغل فيه بنقد ابن مالك، وعبارته كانت قاسية، وقالوا تفتقد اللباقة في بعض الأحيان؛ كان يقول في بعض الأحيان بدل ما يقول "وقال الإمام رحمه الله وكذا" يقول "وقال هذا الناظم"، ما غنى فيه. لذلك هذا الكتاب كتاب نقدي، هو أراد أن ينظر فيما انتقد على الألفية. إذًا هذا ليس كتابًا للمبتدئ أيضًا، إنما هو كتاب للمنتهي في الألفية ينظر أبرز الانتقادات التي يمكن أن توجه لآراء ابن مالك النحوية، ويمكن أن يكون ابن مالك هو المصيب ويكون أبو حيان هو المخطئ، فهو في النهاية موازنة. إذًا هذا ليس للمبتدئ حتى يقتنيه الآن.
الشرح الثالث: شرح المرادي، وهو إمام كبير ويسمى "توضيح المقاصد والمسالك". الإمام المرادي هو الحسن بن القاسم المغربي المعروف بابن أم قاسم، شرحه شرح موسوعي غزير، مكثر من ذكر الخلاف النحوي والمسائل النادرة والقراءات. واعتمد على ابن مالك كثيرًا في "الكافية" وشرحها "التسهيل"، فالمرادي من أهم مصادره الكافية والشافية، واعتنى أيضًا بشرح ابن مالك على التسهيل في أخذ المادة النحوية منه ووضعها في كتابه، وإن كان يستدرك على ابن مالك في بعض المواضع. أسلوبه مدرسة تربوية؛ إذ قالوا كان يحسن الأدب في انتقاد ابن مالك، فكان يورد الاعتراض ويحاول أن يدافع عن ابن مالك ويجيب عنه ويعتذر لابن مالك ما وجد له معذرة، فتستفيد منه الأدب مع أهل العلم الكبار رحمه الله تعالى عليهم. اهتم بالشواهد النحوية إلا أنه مقل في الشواهد الحديثية خصوصًا، بخلاف الشروح الأخرى التي تكثر من ذكر الشواهد الحديثية، لكن المرادي كان يهتم بالشواهد الشعرية أكثر من الشواهد الحديثية.
أنا كتبت بعض الميزات على هذه الشروح، لكن حتى لا أطيل عليكم سأكتفي بما يجعلك تطلع عليها. إذًا كم شرحًا ذكرنا إلى الآن؟ شرح ابن الناظم، ثم رتبتها لكم زمنيا: ثاني شرح أبي حيان الأندلسي، ثالثًا شرح المرادي. أنا أنصحكم أن تحفظوا أسماء الشروح بأسماء أصحابها، لأن كلمة "المسالك" و"المسلك" موجودة في أسمائها، حتى لا تختلط عليكم، احفظوها باسم صاحبها.
الشرح الرابع: شرح ابن هشام، وهو المشهور بين أيديكم يا طلبة العلم بماذا؟ "أوضح المسالك"، شرح الإمام ابن هشام. ابن هشام طبعًا...
غني عن التعريف وأنتم تعرفونه جيدًا في غراس العلم؛ لأننا درسنا له كتابًا كاملاً، قطر الندى. ندعو بالصدق، العديد من الكتب التعليمية، ابن هشام مبدع أينما تضع ابن هشام فهو مبدع.
طريقة التصنيف: كتبه تعليمية. كتاب أوضح المسالك كتاب مميز، كتاب تعليمي. لماذا لم تضعه لنا شرحًا في الألفية؟ ابن هشام في الحقيقة لم يعتنِ بفك أبيات ابن مالك، بل لم يذكر أبيات ابن مالك أصلًا في شرحه.
إذا لم تكن تعرف ألفية ابن مالك وقرأت أوضح المسالك، آخر ما يخطر في ذهنك أنه هذا الكتاب هو شرح المنظومة، لأنه لم يذكر الأبيات ولم يعلق عليها. لم يذكروا الأبيات ولم يعلقوا عليها لكنه كان يشرحها، واضح أنه كان يشرحها ويسير عليها بيتًا بيتًا تقريبًا إلا في بعض الأبواب غير شيئًا من الترتيب. فهو كتاب مميز، يجب على طالب ألفية ابن مالك أن يقرأه بعد شرح الأشموني؛ إنه شرح مميز يرتب لك الكثير من الأفكار، لكن لا تقرأه ابتداءً لأنه لا يهتم بفك ألفاظ ابن مالك في ألفيته، فلذلك أنا تجنبته مع أنه مميز جدًا وتعليمي. لكن سبحان الله كل كتاب له ميزته وهذا اجتهاد العبد الفقير. أنا أنصح بعدها ثقيل؛ ركز في الأشموني الآن حتى لا تضيع البوصلة.
الشرح الخامس: شرح ابن عقيل. ابن عقيل مقارب في الزمن لابن هشام؛ يعني ابن عقيل توفي سبعمائة وتسعة وستين رحمة الله عليه، وابن هشام توفي سبعمائة وواحد وستين. الزمن بينهما متقارب لكنه بعده في الوفاة. وهو الشرح المشهور الآن، شرح ابن عقيل، وهو الشرح المشهور بين يدي الطلبة، لكنه في الحقيقة شرح بسيط.
طبعًا بسيط، اللغة موسعة لكنه بسيط بمعناها العامي عندنا أنه مختصر. لم يعتنِ فيه بفك أبيات ابن مالك وإنما يعطي المعنى الإجمالي للبيت؛ لذلك ابن عقيل هو عبارة عن مجلد لطيف طرح فيه كل الألفية. لم يعتنِ بفك أبيات ابن مالك ولم يعتنِ بالاستطرادات أو التقعيدات وإنما اعتنى بالشرح الإجمالي. وهذا يدرسه الطالب المبتدئ.
بما أنكم درستم قطر الندى معي، وقطر الندى هو بموازاة ابن عقيل، فلن نشرح ابن عقيل حتى لا يكون هناك تكرار، نريد أن نتعمق قليلاً. وهو شرح مميز للطالب المبتدئ؛ شرح ابن عقيل الطالب المبتدئ الذي لم يدرس قطر الندى وإنما درس الآجرومية يناسبه. أنا أقول الطالب الذي لم يدرس قطر الندى يناسبه ابن عقيل أكثر من الأشموني، أما من درس قطر الندى فأقول له ادرس الأشموني. تقريبًا مستوى ابن عقيل لا يزيد عن مستوى قطر الندى في النحو، اللهم إلا أن ابن عقيل بالتأكيد شرح أبيات الصرف، وقطر الندى لا يوجد فيه صرف، هذه الزوائد التي تكون عند ابن عقيل على ابن هشام في قطر الندى. هذا هو الشرح الخامس، ممتاز.
الشرح السادس: شرح الشاطبي. صاحب ماذا؟ الموافقات. إنسان أصولي مقاصدي عالي جدًا، بالتالي شرحه المشهور بالمقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية. شرح في عشرة مجلدات، شرح ضخم جدًا، ويطيل النفس؛ لماذا عشر مجلدات؟ لأنه كان يطيل المسألة، كيف تقرأ كتب الأصوليين؟ تجد المسألة الأصولية يدخل في تأصيلها وفلسفتها وتقعيدها وأمثلتها. هكذا كان يفعل الشاطبي، كأنه يكتب في مقاصد الشريعة، فكان شرحًا مفيدًا نافعًا موسوعيًا، غزيراً ضخمًا، وهو شرح لمن يريد التحقيق. أنا لا أنصح به الطالب المتوسط في الألفية، أو أن يبتدئ به مع الألفية كلا، بعد أن يشرح الألفية شرحين وثلاثة. إذا أردت التوسيع والتحقيق والتدقيق تذهب إلى المقاصد الشافية، أما ابتداءً فلا أنصح به حتى لا تضيع، وإلا فهو شرح موسوعي عالٍ محرر غزير الفوائد، والأشموني ينقل منه كثيرًا.
الشرح السابع: شرح المكودي. المكودي من علماء المغرب، وهو أول من شرح ألفية ابن مالك في فاس. والعلامة المكودي له شرحان: شرح مطول وشرح مختصر. المطول مفقود، وقيل إن بعض الحساد أحرقوه على المكودي، هكذا قيل، وبقي الشرح المختصر. والجميل في الشرح المختصر المتداول بين يدي الطلبة أنه يعرب الأبيات، يعرب أبيات ابن مالك. التأصيل فيه محدود جدًا مثل ابن عقيل، ولكن الميزة في ماذا؟ أنه يعرب أبيات ابن مالك، هذه ميزة في شرح المكودي.
أنا أنصح به من يريد أن يبحث عن إعراب أبيات ابن مالك، أو إذا كان طالب يريد أن يذاكر ألفية ابن مالك هكذا في خمس مجالس مع أصدقائه. أنا أذكر أن الشرح المكودي ذكرته مع أحد أصدقائي الأحبة في المدينة النبوية في أربعة أيام، هكذا في مجلس؛ خلاص مراجعة للألفية، فأي شرح تريد أن ينتهي في أيام محدودة فاختر المكودي. أربعة خمسة أيام انتهى منه، ليس بالطويل طبعًا هذا لمن كان قد درس الألفية مسبقًا، كان من باب المراجعة. جيد.
الشرح الثامن: شرح السيوطي، البهجة المرضية. وهو شرح لطيف لا يزيد عن شرح ابن عقيل، ولكنه يعلق على أبيات ابن مالك أكثر من ابن عقيل. الإمام السيوطي معروف رحمة الله تعالى، شرحه شرح تعليمي، وقيل إن السيوطي ألف هذا الشرح في أيام شبابه، حظي بالعناية والتدريس في بعض الجهات لا سيما في العراق. أسلوبه في الشرح مزجي، أنه يذكر الأبيات مع الشرح، وهذا أسلوب عام للسيوطي حتى في شرحه على تدريب الراوي لتقريب النووي في المصطلح؛ شرح مزجي يذكر كلام الإمام ويُلحقه بالشرح. هذا يحتاج طبعًا ليس سهلًا، هذا يحتاج إلى إتقان وإلى دربة عالية حتى تأتي كلمة الناظم أو المصنف مع كلامك في المكان الصحيح، هذا يحتاج إلى دربة عالية جدًا. شرحه مزجي ونافع لكنه مختصر أيضًا، مجلد واحد، فيصلح أيضًا للمراجعة وتحرير بعض المسائل.
الشرح التاسع وهو الذي يعنينا، هو شرح الإمام الأشموني رحمة الله تعالى عليه، وهذا نريد أن نحفظ اسمه: منهج السالك إلى ألفية ابن مالك. لكن كما ترونه عندكم هو مطبوع باسم شرح الأشموني؛ لأن هذه هي أسماء الشهرة، شروح ألفية ابن مالك شهرتها أنها تضاف إلى أصحابها حتى لا تختلط، فأنتم إذا نسبت الشرح إلى صاحبه عُرِف، وهكذا طبع باسم شرح الأشموني منهج السالك إلى ألفية ابن مالك. هذا رقم تسعة وضعته عندكم صحيح، وهو فعلاً الرقم التاسع من حيث الترتيب الزمني، يعني كل هذه الكتب كانت قبل الأشموني. طيب، هذا ماذا لا نستفيد منه؟
اطلع عليها، في العادة، إلا إذا كان بعض الكتب لم تصله، هذا ممكن طبعًا. لكن في العادة يكون الأشموني اطلع عليها فأخذ منها الخلاصة وعصرها عصرًا. وهذا سنلاحظ أن الأشموني ينقل عن الشاطبي، ينقل عن المرادي، ينقل عن ابن الناظم، ينقل عن المتقدمين الذين شرحوا؛ إذ هو مطلع، وهذا يعطي قوة لشرح الأشموني.
الميزة الثانية له أنه متوسط؛ ليس بالقصير المخل، ولا بالطويل الممل. وثالثًا اعتنى بفك الأبيات، واعتنى بالشرح، واعتنى بالتقعيد، واعتنى بالاستطرادات؛ كل هذا مجموع في شرح الأشموني. لذلك أنا أجد شرح الأشموني رحمه الله شرحًا مميزًا، طرائق فائق، رائع، بهيج لألفية ابن مالك.
للطالب الذي درس قطر الندى مسبقًا، يستطيع أن يجد في الأشموني بغيته من شرح، ليس كما قلت قصيرًا مخلًا لا يفك الأبيات ولا يشرحها شرحًا وافيًا، ولا أيضًا طويلًا فيه تدقيقات كثيرة كشرح الشاطبي، بل شرح متوسط معقول يمكن أن ينتهي منه الطالب في خلال سنة.
يرتبط الطالب بالأشموني، أحبابي الكرام، والله حاز علمًا كثيرًا. ستجدون بإذن الله من أتقن منكم الأشموني يجد أنه في علم النحو أصبح مرجعًا في وقته المعاصر.
هناك حاشيتان مشهورتان: حاشية الصبان وحاشية التونسي، وأنا أفضل حاشية الصبان أنها محررة ومدققة أكثر. إذا قرأت عليها حاشية الصبان فهذا أضعاف من المعلومات الغزيرة المحررة الجميلة، لأن الصبان إمام محرر مدقق لا يخفى عليكم، فله حاشية على شرح الأشموني. لكن نحن لن نقرأها، نحن سنقتصر على قراءة شرح الأشموني وحده، سنقرأ الشرح بإذن الله كلمة كلمة.
هذا أسلوبي في الشرح، إلا إذا وجدت أن هناك شيئًا لا يحتاج إليه يمكن أن أقول لكم اقفزوا عنه. لكن أسلوبي في الشرح -وهذا ما سيطيل الرحلة قليلاً لكنني مؤمن أن هذا هو الأفضل للطالب- أنه لا تشرح الأبيات فقط أيها المدرس وتجعل الطالب يعيش الرحلة وحده مع الكتاب، بل اشرح له الكتاب نفسه.
مثلاً في قطر الندى، هل نحن شرحنا قطر الندى أم شرحنا شرح ابن هشام على قطر الندى؟ نحن شرحنا شرح ابن هشام حتى يمر الطالب معي كلمة كلمة ويفهم مقصدها ومغزاها. هنا تستفيد، وهنا يشعر الطالب أن عنده شرحًا بين يديه لألفية ابن مالك، أما مجرد أن أشرح لكم على الشاشة كلامًا مجملًا على كلام ابن مالك وأقول لكم اقرؤوا وحدكم الشرح، هنا الفائدة ستكون محدودة، وستواجهون كثيرًا من الإشكاليات في فهم كلام الأشموني.
أنتم تحتاجون إلى من يفك بعض العبارات؛ فحتى نحن إن شاء الله نحصل على أعظم فائدة مرجوة سنقرأ الكتاب كاملاً بإذن الله من بدايته إلى نهايته. وكما قلت لكم لا تخافوا من حجمه؛ هو بدون حواشٍ يخرج في مجلدين فقط، ليس شيئًا صعبًا، لكن الحواشي هي التي أطالت حجمه فأصبح في أربعة مجلدات. لكن بإذن الله يعطينا الله عز وجل القوة والصحة والهمة ويوفقنا إلى أن نمر على هذا الكتاب كلمة كلمة وسطرًا سطرًا.
لنفهّم هذا الكتاب، ستجدون فيه أيضًا بعض الفوائد الصرفية، بعض الفوائد البلاغية، بعض الفوائد حتى المنهجية التعليمية. جميل أن الطالب يتربى على أيدي المشايخ على مثل هذه الكتب؛ لأنك إذا تعلمت من خلال شيخ كيف تمر على شرح من شروح الأئمة من بدايته إلى نهايته، ستنتقل هذه المهارة لديك في جميع العلوم الشرعية. خلاص، أنت وحدك بعد أن تتقن الأشموني وتفهم كيف تقرأ كلام الشراح، يصبح عندك دربة كيف تقرأ أي شرح سواء في الحديث أو في التفسير أو في أصول الفقه؛ عرفت كيف تقرأ الكتب، وهذا مقصد من مقاصد مرورنا على هذا الشرح المبارك.
إذًا سنعتمد بإذن الله شرح الإمام الأشموني مستعينين بالله، متوكلين عليه، سائلين منه التوفيق والسداد. لن أطيل عليكم، في المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ الأبيات الأولى من مقدمة ابن مالك.
أنصح الطلاب في ختام مجلس اليوم بأن يقتنوا كتابًا اسمه «تمرين الطلاب على صناعة الإعراب» لخالد الأزهري رحمه الله. أعيد اسمه مرة أخرى: «تمرين الطلاب على صناعة الإعراب» لخالد الأزهري رحمه الله. هذا الكتاب أعرب فيه الأزهري ألفية ابن مالك من بدايتها إلى نهايتها. أهمية هذا الكتاب أن يكون كتابًا مرفقًا معك في رحلة ابن مالك، وفي رحلتك في استشراح ألفية ابن مالك؛ تتمرس من خلاله على العملية الإعرابية.
لأنه يا أحبابي الكرام، أنا لا أريد أن أخرج طالبًا يتقن الناحية النظرية في ألفية ابن مالك، لكن لما أقول له أعرب الآية الفلانية يتلعثم؛ لا يصلح. نحن نريد في النهاية ثمرة ألفية ابن مالك، هل هي مجرد حفظ المنظومة أم الناحية التطبيقية؟ الثمرة الحقيقية هي الناحية التطبيقية. أنا أريدك أن تمارس الإعراب، أن تصبح متقنًا، فلا بد من الممارسة الآن، والممارسة تقتضي وجود كتاب تمارس من خلاله وتتفقد فهمك.
وكتاب «تمرين الطلاب» من أنفع هذه الكتب؛ كونك أنت الآن تستشرح الألفية تجد كتابًا يعرب لك هذه الألفية في نفس الوقت. أنت تمر على الألفية وعلى إعرابها فتمارس الناحية النظرية والتطبيقية في آن واحد؛ تمارس الناحية النظرية من خلال شرح الأشموني، والناحية التطبيقية من خلال كتاب «تمرين الطلاب» أن تعرف الإعراب وتمارسه مباشرة ممارسة حية تجدها أمامك.
إذًا هذه مقدمة مختصرة -أو ليست مختصرة يا شيخ بلال- على ألفية ابن مالك. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا وأن يسددنا لإنهاء شرحنا على هذه الألفية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نلقاكم بإذن الله في المجلس القادم مع: ﴿قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ..﴾، نلتقي على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل