بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حياكم الله أحبتي الكرام إلى المجلس الثاني من شرحنا على ألفية ابن مالك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمم لنا بالخير. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.
اليوم بإذن الله أحبابي الكرام كما وعدناكم نبتدئ التعليق على هذه المنظومة المباركة، ونبدأ مع ابن مالك بالتسمية أو البسملة. نقول: إذا قلنا التسمية فالمشهور أنها بسم الله، وإذا قلنا البسملة فإنها بسم الله الرحمن الرحيم، ولذلك الأضبط أن يقال البسملة لتشمل كامل الجملة، فهو بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم. وهل يبدأ بالبسملة في بداية الشعر؟ أو ما حكم البداءة بالبسملة في بداية الشعر؟ قالوا هذا يختلف بحسب طبيعة الشعر أو النظم؛ فإن كان في الطاعات فإنه يستحب أن يبتدئ الإنسان بالبسملة، وإن كان في المحرمات -كأن يكون الشعر في الهجاء أو ذم رجل صالح أو غير ذلك من الشعر المحرم- فإنه يحرم الابتداء بالبسملة، وإن كان الشعر مكروهًا فيكره، وهكذا باعتبار طبيعة الشعر أو النظم يختلف حكم البسملة.
هذا من حيث الحكم، ونبتدئ من حيث النواحي الإعرابية: بسم الله الرحمن الرحيم. الباء في بسم هي باء الجر كما لا يخفى عليكم، والمراد بها هنا الاستعانة، ولها معانٍ أخرى تذكر في المطولات، وأنا سأقتصر في كلامي على رؤوس الأقلام. فالباء إذاً للاستعانة، واسم مجرور بالباء، والجار والمجرور الآن -أي جار ومجرور، هذه قاعدة من الآن احفظوها- لا بد وأن يكون له متعلق تتعلق به، والأصل في المتعلقات الأفعال. فإذا كان المتعلق محذوفًا، فهل الأولى أن أقدره فعلاً أم أقدر اسمًا من الأسماء المشتقة؟ لأن الأسماء المشتقة أصلاً تصلح أيضًا أن تكون من المتعلقات كاسم الفاعل واسم المفعول. فإذا كان المتعلق محذوفًا، فالأصل أن تقدره فعلاً؛ لأن الفعل هو الأصل، فبالتالي يكون تقديره أقوى.
إذاً نقول الجار والمجرور في قولك باسم متعلق بفعل متأخر، نقدر الفعل متأخرًا وليس متقدمًا على الجار والمجرور. والجار والمجرور متعلق بفعل متأخر وليس متقدمًا، والفعل خاص، ولا نقدر فعلاً عامًا. ما معنى أن نقدر فعلاً خاصًا؟ أي أن أقدر فعلاً مناسبًا للسياق الذي أنا فيه. فابن مالك لما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، الأصل أن يقدر ماذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم أنظم، قدر فعلاً خاصًا. ما قال بسم الله الرحمن الرحيم أفعل؛ لأن كلمة أفعل هذا فعل عام يصلح على كل الأفعال في الحياة الدنيا، فالضرب فعل، والأكل فعل، والنظم فعل، والكتابة فعل، فإذا قدرها بسم الله الرحمن الرحيم أفعل يكون قدر فعلاً عامًا، لكن لو قدرها بسم الله الرحمن الرحيم أنظم إذا قدر فعلاً خاصًا، والخصوصية هي الأنسب للسياق.
إذاً الجار والمجرور في قولنا باسم متعلق بماذا؟ أقول بفعل. لماذا قدرت فعلًا ولم أقدره مشتقًا؟ تقول: لأن الفعل هو الأصل في المتعلقات. لماذا قدرته خاصًا ولم أقدره عامًا؟ تقول: لأن الخصوصية هي الأنسب للسياق. فالأصل أقول بسم الله الرحمن الرحيم أنظم. طيب إذا كنت أشرب وقلت بسم الله، ايش التقدير؟ بسم الله أشرب، إذا كنت آكل طعامًا، بسم الله آكل، فتقدير فعل خاص مناسب للسياق والأنسب.
إذا عرفنا لماذا قدرناه فعلاً ولماذا قدرناه خاصًا، بقي أن نعرف لماذا قدرناه متأخرًا؟ لماذا نقول يقدر الفعل هنا متأخرًا وليس متقدمًا؟ ما هي النكتة البلاغية؟ أولًا قالوا إظهار الاهتمام بلفظ الجلالة، إبداء الاهتمام بلفظ الجلالة أن يكون مبتدأً به قبل كل شيء، فنؤخر الفعل حتى لا يكون هناك شيء متقدم على لفظ الجلالة. ثانيًا للتبرك باسمه سبحانه وتعالى أن يبتدأ به. ثالثًا ما ذكره البعض من الحصر والتخصيص، أي أنك باسمي، احنا قلنا الباء ما المراد بها هنا؟ الاستعانة أليس كذلك؟ فانت كأنك تقول أستعين باسم الله الرحمن الرحيم في عملية النظم، أو بعبارة أخرى أنظم مستعينًا ببسم الله الرحمن الرحيم، لكن عرفنا أنه الفعل بتقدره متأخر، فكأنك تقول باسم الله أنظم، أي مستعينًا باسم الله أنظم. تقديمك للجار والمجرور قلنا يفيد أولًا الاهتمام بسم الله، أنك قدرته قبل الفعل، ثانيًا التبرك به، ثالثًا قضية الحصر، كأنك تقول باسم الله أنظم لا باسم غيره، أو مستعينًا باسم الله أنظم لا مستعينًا باسم غيره، فهو إذاً فيه دلالة على التخصيص والحصر.
بهذه الثلاثة إذا عرفنا أن الباء للاستعانة وأنها جارة والاسم مجرور، والجار والمجرور متعلق بفعل متأخر خاص، هذه فهمناها؟ في عليها غبار يا مشايخ؟ تمام، يرحمك الله. وما أصل الاسم هل هو من السمو أو من السم؟ هذا سيأتي معنا عندما نتكلم عن أقسام الكلمة الاسم والفعل والحرف، فلا أذكره هنا اختصارًا عليكم.
بسم الله، لفظ الجلالة اختلف فيه، هل هو مشتق أو جامد؟ ومن قال إنه مشتق اختلف في اشتقاقه على أقوال كثيرة تصل إلى اثني عشر قولًا، والصحيح أنه مشتق. والله لفظ الجلالة مأخوذة من إلهة، وقيل من أله، هذه أشهر الأقوال ومعناه المعبود. فالله أصلها من إله أو من أله، حدثت فيها تغييرات، وحذفت الهمزة باختصار حتى أبينها لكم سريعًا. الذين قالوا إنها من إله أو من أله، وأنا سأقتصر على هذين القولين، وإلا فهناك أقوال كما قلت لكم أوصلوها إلى اثني عشر قولًا، نقول الله لفظ الجلالة قالوا مشتقة من أله إلهة، هذا فعل، الاسم منها إله، صحيح؟ إلى الآن هو فعليًا تأتي إلى لفظة إله، كيف لفظة إله؟ والتي تعني المعبود أصبحت الله؟ هناك تغييرات حدثت على لفظة إله حتى أصبحت الله. ما هي التغييرات؟ نقول حذفوا الهمزة، ثم أدخلوا (أل) التعريف عليها فأصبحت الله بعد التجديد، أصبحت إله، أدخل (أل) التعريف عليها ماذا تصبح؟ الله. واضحة مشايخ الفكرة ولا في عليها غبش؟ إذاً إله، الاسم منها إله، طيب ماذا عملنا أول شيء؟ حذفوا الهمزة من كلمة إله، ثم بعد ذلك أدخلوا (أل) التعريف فأصبحت الله بعد إدخال (أل) التعريف عليها وبقيت الألف على حالها.
إذاً أحبابي الكرام كما قلنا وقع خلاف في لفظ الجلالة هل هو مشتق أم اسم جامد ليس مشتقًا مثل الأسماء الجامدة الارتجالية، فالبعض قال إنه جامد، ليس أصلاً مشتقًا من المشتقات، اسم ارتجالي كما هو حال كثير من الأسماء، ومنهم من قال إنه مشتق، ومن قال إنه مشتق اختلفوا في من أين اشتق، فاختلفوا على اثني عشر قولًا، وكما قلنا لكم أشهر الأقوال إنه اشتق من أله إلهة، وقيل إنه اشتق من الإله، إلى غير ذلك من الأقوال، وليس المراد هنا هو تحقيق هذه المسألة، لكن الشهير والصحيح أنه مشتق، والله تعالى أعلم، وأن معناه المعبود، وهذا لا يطلق إلا على إلهنا الحق سبحانه وتعالى، فهو اسم مختص به.
إذاً أنت تطلب الاستعانة بماذا؟ باسم الله. الإضافة هنا لما نقول أستعين باسم الله هل أنت تستعين باسم الله يعني لفظ الجلالة فقط الله، ولا هنا الإضافة تفيد العموم وأن مرادك أستعين بكل اسم هو لله بالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن؟ ما هو الصحيح؟ أن هنا الإضافة إضافة بيانية تفيد العموم، فكأنك تقول باسم الله أي أستعين بكل اسم لله، أستعين بكل اسم بالله، هكذا الإضافة هنا إضافة بيانية تفيد العموم، ولذلك عند الأصوليين قالوا إن النكرة إذا أضيفت إلى معرفة أصبحت من صيغ العموم، هذه كثير ما درسناها في علم الأصول، وهذه مثال عليها، أن الإضافة هنا تدل على العموم، فكأنك تقول أستعين بكل اسم لله.
ثم قلت الرحمن الرحيم، ذكر الرحمن أولًا ثم ذكر الرحيم ثانيًا، والرحمن والرحيم صيغتا مبالغة، وما الفرق بينهما؟ اختلف في الفرق بين الرحمن والرحيم؛ فقال البعض الرحمن أعم من الرحيم، فالرحمن تتعلق بكل مخلوقات الله، بالمؤمن وبالكافر وبالبهائم وبالحيوانات والدواب والجمادات، فمتعلقها عام؛ فالله يرحم في الحياة الدنيا يرحم المؤمن ويرحم الكافر، فهو يرزق المؤمن ويرزق الكافر، ويعطي هذا ويعطي هذا، ويعطي البهائم ويعطي الدواب ويعطي الوحوش ويعطي الجمادات، فالرحمن متعلقها عام. وأما الرحيم فمتعلقها خاص بالمؤمنين، لذلك جاء في وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوف رحيم. أخذ البعض من هذا أن رحيم خاص بالمؤمنين متعلقها خاص بأهل الإيمان، فكأنها رحمة خاصة بأهل الإيمان، وأما الرحمن فهي رحمة عامة تشمل كل المخلوقات التي خلقها ربنا سبحانه وتعالى، هذا أحد الأقوال طبعًا في التفريق بين الرحمن والرحيم.
هناك قول آخر، البعض قال: لا، ليس هذا هو الفرق، ليس الفرق أن الرحمن عام لكل المخلوقات والرحيم خاصة بالمؤمنين، البعض قال الرحمن هي صفة الذات، والرحيم هي صفة الفعل. الرحمن هي صفة الذات، فذاته متصفة بأنها رحمن، فإذا أراد أن يظهر هذه الصفة في الواقع وتصبح صفة فعل فإنها تصبح رحيم. فأنت تقول الله رحمن في ذاته، وأثر هذه الصفة أنه رحيم بمخلوقاته، لا تقول الله رحمن بمخلوقاته لأ ليست بهذه الطريقة، يقولون الرحمن لما تستعملها تستعملها وصفًا للذات فقط، والرحيم تستعملها إذا أردت أن تبين أثر رحمة الله فتعلقها بالمخلوقات وتقول الله رحيم بمخلوقاته. فالرحيم هي صفة الفعل، هي الصفة الفعلية، هي الترجمة خلينا نقول لصفة الرحمة، فالرحمن صفة الذات، والرحيم هي الترجمة الفعلية، سميها التطبيق العملي بمعنى الرحمة على المخلوقات، فهذا معنى أن الرحمن صفة الذات وأن الرحيم صفة فعل، واضح الكلام، جيد. وإذا في عندك سؤال يا شيخ العينان تحكيان ايش السؤال، يعني هي الرحمة إذا أردت أن تصف الله سبحانه وتعالى بها من دون أن تضيفها للمخلوقين ايش تقول؟ الله رحمن. إذا أردت أن تبين الترجمة العملية للرحمة وكيف أنها تصل للمخلوقين فتعلقها بالمخلوقين، فتقول الله رحيم بمخلوقاته، ما بتقول الله رحمن بمخلوقاته، لماذا؟ لأنه الرحيم هي التي تستعمل كصيغة فعلية لصفة الرحمة، وأما الرحمن تستعمل كأنها الصفة الذاتية التي تصف بها من دون أن تعلقها بالمخلوقات، فهي في النهاية صفة واحدة الرحمة، إذا أردت أن تصف بها ذاته من دون أن تربطها بالمخلوقات فتستعمل وصف الذات الرحمن، إذا أردت أن تبين أثرها العملي التطبيقي واتصال رحمة الله بالمخلوقين فتستعمل الصفة الأخرى وهي الرحيم، فهذا معنى أن الرحمن صفة الذات وأن الرحيم صفة فعل، وهذا طبعًا قول من الأقوال ولا يشترط أن يكون هو القول الراجح، لكننا في النهاية نذكر الأقوال لتفهم ماذا تجد في مطولات أهل العلم.
إذاً هكذا نكون انتهينا من بسم الله الرحمن الرحيم، وأنا عادتي أحلل حتى الطالب يتعود؛ لأنه نحن الآن في درس نحوي، لو كنا في درس أصولي أو فقهي لما اشتغلنا بهذا الفن، لكن لماذا نشتغل الآن بهذا الفن ونقول بسم الله متعلقها في علوم متأخر خاص هنا؟ لأنك في درس نحوي، فلا بد من الطالب أن يعمل الملكات والعقل، وهذا الكلام الذي أذكره دائمًا ستجدونه في المطولات، فلا يحسن بطالب العلم الذي وصل إلى مستوى نشرح فيه الألفية أن يبقى جاهلًا بمثل هذه المفاهيم.
طيب نبدأ الآن بالبيت الأول من هذه المنظومة بعد البسملة، قال محمد هو ابن مالك: قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي بالله خير مالك مصليًا على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا واستعين الله في ألفية مقاصد النحو بها محوية تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معطي وهو بسبق حائز تفضيلاً مستوجب ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافرة لي وله في درجات الآخرة
خطبة الكتاب، قال في البيت الأول منها: قال محمد هو ابن مالك، وتعرفون الطريقة التي نسلكها التحليل كلمة كلمة، قال بماذا بدأ المنظومة يا مشايخ؟ قال محمد هو ابن مالك، قال فعل ماضٍ أم فعل مضارع؟ فعل ماضٍ. طيب هل المنطق أن يقول ابن مالك في بداية المنظومة سيقول محمد هو ابن مالك، ولا المنطق أن يقول قال محمد هو ابن مالك؟ المنطق أن يأتي بالفعل المضارع؛ لأنه لسه ما حكى، هو سيتكلم الآن، طيب برأيكم لماذا استعمل الفعل الماضي ولم يستعمل الفعل المضارع مع أنه هو المنطق في السياق؟ الآن هذا نوع من أنواع المجاز، هذا نوع من أنواع المجاز أن يأتي المتكلم بالفعل الماضي مكان الفعل المستقبل لنكتة بلاغية. هيك أول شيء بتقول هذا نوع، بدأ الناظم بالفعل الماضي وإن كان المفهوم المنطقي العقلي أن يبتدئ بالفعل المضارع. طيب لماذا أوقع الفعل الماضي مكان الفعل المضارع؟ نقول لنكتة بلاغية، ما هي هذه النكتة البلاغية؟ قيل إنه أنزل الحضور الذهني منزلة الحضور الواقعي، فأبيات هذه المنظومة من حيث معانيها موجودة في ذهن ابن مالك صح؟ قبل أن ينظم معاني كل ما سيذكره، أليس موجودًا في ذهنه قبل أن ينظم؟ فلأن المعاني والأبيات موجودة قالوا في ذهنه قبل أن ينظم، نزل الوجود الذهني كأنه واقع منزلة الوجود الحضوري.
فلهذا كانت هذه الأبيات موجودة في ذهنه مسبقًا، فنزلها منزلة ما وقع وانتهى، فأتى بالفعل الماضي مكان الفعل المضارع. هذه العلة الأولى؛ إذ نزل الأبيات منزلة الوجود الحضوري كأنها وجدت وخلص منها. هي ما وجدت وخلص منها، فكيف نزلها منزلة ما وجد وخلص منه؟ نقول: نزل ما في الذهن منزلة ما في الواقع، كأنه فرغ منها في ذهنه، فهذا معنى أنه نزل الوجود الذهني منزلة الوجود الحضوري. هذا قول، والقول الآخر قيل: لا ليس قضية أنه نزل الوجود الذهني منزلة الوجود الحضوري، بل قيل إنه لأن هذه الأبيات قد قاربت أن تخرج فعدها كأنها قد خرجت، تنزيلة للشيء الذي قارب أن ينزل أو أن يحضر منزلة ما قد حضر وانتهى.
وهذا ما مثاله في القرآن؟ ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]. الآن هو فعلياً لم يأتِ بعد، هل جاءت يوم القيامة؟ لم تأتِ، فكيف أتى أمر الله؟ عبر بالماضي مع أن الأصل أن يعبر بالمضارع، قالوا: لأن القيامة قد اقترب وقتها، نزل الشيء الذي اقترب وقت حصوله منزلة ما قد حصل، فعبر عنه بالماضي بدلاً من المضارع. نفس الشيء، أحسنت، قد قامت الصلاة، قامت الصلاة مع أنها لسه ما قامت، الناس لسا بتقوم، فكيف يقال قد قامت الصلاة؟ نقول: مع أنها ستقوم، تنزيلة ما قد قرب حصوله منزلة ما قد حصل. إذا عرفتم الفرق بين النكتتين؟ النكتة الأولى تقول: إنه نزل الوجود الذهني منزلة الوجود الواقعي الحضوري، نزل ما في الذهن كأنه موجود في الخارج، والأبيات موجودة في ذهنه إذا صلح أن يقول قال محمد. النقطة الثانية، وهي التي أميل إليها في العادة، أنه لأ، مش قضية نزل ما في الذهن كأنه في الخارج، لأ؛ لأن الشيء قد قارب حصوله، نزله كأنه قد حصل، فلهذا عبر بالماضي بدلاً من المستقبل.
جميل، قال محمد، محمد هذا اسمه هو: الإمام العلامة أبو عبد الله جمال الدين بن عبد الله بن مالك، الطائي نسباً، الشافعي مذهباً، الجياني منشأً، الأندلسي إقليماً، الدمشقي داراً ووفاةً. اثنتا عشرة ليلة خلت من شعبان لعام اثنين وسبعين وستمائة، فهو توفي في اثني عشر شعبان عام ستمائة واثنين وسبعين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وسبعين سنة. إذا قال محمد، هو ابن مالك، ما إعراب هو؟ مبتدأ مرفوع، طبعاً هو ليس مرفوعاً مباشرة، حتى اختصر عليكم وحتى آتي بالدقيق، تقول ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، هذا هو الإعراب الدقيق وإن كان البعض أحياناً يختصر، لكن الإعراب الدقيق أن تقول ماذا؟ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ابن خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، تمام، تقول الضمة ولا الضم؟ لا نقول الضمة، لكن أنا قلت وتوهمت أنني أقول تنوين الضم، إذاً نقول ابن خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة؛ لأننا لا نقول الضم؛ لأن الضم تعبير عن بناء، في البناء تقول مبنية على الضم، وأما في الإعراب تقول وعلامة رفعه الضمة، الفتحة وهكذا. طيب، إذاً ومالك إيش إعراب مالك؟ مضاف إليه مجرور، وجملة هو ابن مالك هذه الجملة من المبتدأ والخبر، الآن نحن قلنا ابن خبر صح، وهذه الجملة جملة المبتدأ والخبر جملة معترضة، جملة معترضة كأنه أراد بها التنبيه من هو محمد الذي قال، أراد بهذه الجملة المعترضة التنبيه على من هو محمد، من كلمة محمد؛ هذا مشترك بين كل من اسمه محمد، فأي المحمدين هم؟ فبين بالجملة المعترضة من يقصد بمحمد هنا؟ قال محمد هو ابن مالك، فتقول هو ابن مالك جملة معترضة.
تمام، ماذا قال؟ أحمد ربي الله خير مالك، أحمد، أحمد فعل مضارع أم ماضٍ؟ فعل مضارع، جميل. فإذاً هو أتى بالحمد في بداية نظمه بالفعل المضارع، برأيكم لماذا أتى بالحمد بالفعل المضارع وليس بالفعل الماضي ولا بالجملة الاسمية؟ في العادة أن الناظم يبدأ بالحمد بالصيغة الاسمية، الحمد لله، تمام؟ وإذا أتى بها مثلاً بالجملة، قد يأتي بها بالجملة الماضوية، حمدت الله، هنا ابن مالك لم يختر الجملة الاسمية فلم يقل الحمد لله، ولم يأتِ بالجملة الماضوية فيقول حمدت الله، وإنما اختار الجملة الفعلية المضارعية بالتحديد فقال أحمد، ما زلت أحمد حمداً متكرراً. لماذا؟ لاحظ هنا فائدة دراستكم لمادة المعاني والبيان سابقاً، كل هذه الأمور درسناها سابقاً في مادة المعاني، يعني تقول: لأن الفعل المضارع يدل على ماذا؟ على التجدد الاستمراري، كلمة الاستمرار مهمة، يدل على التجدد الاستمراري، وأما فعل الماضي فيدل على مجرد الحدوث والانتهاء ولا يدل على تجدد استمراري متكرر، والجملة الاسمية تدل على ماذا؟ على الثبات والاستقرار والدوام، ولا تدل على ماذا؟ على التجدد الاستمراري. فهو أراد ابن مالك وهذا اختيار للمتكلم في النهاية، حر أنت، كل واحد عنده نظرة معينة، هو اختار هنا الفعل المضارع لأنه يدل على التجدد الاستمراري، وكما قال الأشموني عندكم، وهذا يناسب ماذا؟ وهذا يناسب طبيعة النعم التي ينعم الله بها على عبيده أنها نعم متجددة، يعني هذه لطيفة أتى بها الأشموني، قال: لماذا اختار ابن مالك التجدد الاستمراري فأتى بالفعل المضارع؟ قال: لأن هذا يتناسب مع نعم الله على الإنسان أنها نعم متجددة، فلأنها متجددة ابن مالك اختار أن يأتي بالفعل المضارع ليدل على التجدد الاستمراري. طبعاً هذا تحليل، يعني هو في النهاية قد لا يكون ابن مالك خطر له كل هذا الموضوع، لكن هذه فائدة الشرح والنكت على الناظم.
طيب ماذا قال الأشموني معلقاً على جملة أحمد ربي الله خير مالك؟ قال أي أثني عليه، أحمد ربي أي أثني عليه بماذا؟ بالثناء الجميل. وهذا ذهاب منه إلى تعريف الحمد، ما هو الحمد؟ الحمد في اللغة هو، وهذا كثير ما ذكرناه لكنني أذكره مختصراً، هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم، هذا هو الحمد، أن تثني بالجميل. كلمة أن تثني بالجميل، هل كلمة أن تثني بالجميل معناه أن هناك ثناء بغير الجميل، أي ثناء بالقبيح؟ إيش تقول قصي؟ نعم، اه قلنا هذه مسألة فيها خلاف، البعض قال الثناء أصلاً لا يكون إلا بالجميل، فقولك أن تثني بالجميل تكون الجميل صفة كاشفة وليست مقيدة، والبعض قال لا، الثناء قد يكون بالجميل وقد يكون بالقبيح، فإذا قلت أثنيت بالجميل فهنا الجميل صفة مقيدة احترازية وليست مجرد وصف كاشف. والذين ذهبوا إلى التفصيل وقالوا إن الثناء منه ما هو بالجميل ومنه ما هو بالقبيح، إنما ذهبوا هذا لما كان قوله صلى الله عليه وسلم لما مرت الجنازة أثنوا عليها خيراً فقال: «وجبت»، ثم مرت جنازة فأثنوا عليها شراً فقال: «وجبت»، فسألوه فقال: «مرة الأولى فأثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، ومرة أخرى فأثنيتم شراً فوجبت لها النار». فدل هذا على أن الثناء يكون بالشر ويكون بالخير الجميل، فقولنا إذاً الثناء بالجميل، إذاً هذا قيد احترازي بناءً على هذا القول.
الثناء بالجميل على الجميل الاختياري، قلنا ما معنى على الجميل الاختياري؟ عندما تثني، طبعاً الحمد لا يتعلق فقط بالله، أنت قد تثني على إنسان، يجوز هذا، أليس كذلك؟ قد تحمد إنساناً، فإذا قلنا الحمد هو الثناء بالجميل بسبب جميل اختياري صدر من المحمود. إذا كان الشخص الذي أمامك فعل فعلاً جميلاً، لكن هذا الفعل الجميل لم يصدر بإرادته وإنما جبر عليه، فإنك لو أثنيت عليه لا يسمى هذا الثناء حمداً؛ لأنه حتى يسمى الثناء بالجميل حمداً لا بد وأن يكون هذا الثناء بالجميل بسبب جميل صدر باختيار، أثنى عليه صدر بإرادته التامة. فإذا الشخص الذي أمامك مثلاً أعطيك مثلاً، شخص جميل ربنا سبحانه وتعالى خلقه على صورة جميلة، فإذا أثنيت على جماله فقلت ما شاء الله فلان جميل، هل هذا يسمى حمداً؟ لا، تقول لماذا؟ صحيح قولي ما شاء الله هذا ثناء بالجميل، لكنه ليس على جميل صدر باختيار الشخص الممدوح، وإنما الخلقة أنها خُلقت مع هذه الصورة الجميلة، هذا أمر فُرض عليك وأنت مضطر إليه وليس باختيارك، صحيح؟ لكن لو أنك كنت جواداً أو كنت شجاعاً مقداماً أو كنت قارئاً طالباً للعلم، فأثنيت عليك بالجميل، اه هذا يسمى حمداً، لماذا؟ لأني أثنيت عليك بسبب جميل اختياري، أي صدر منك على وجه الاختيار، فأنت الذي اخترت الكرم، وأنت الذي اخترت الشجاعة، وأنت الذي اخترت طلب العلم، وأما أن تكون طويلاً أو قصيراً أو جميلاً أو قبيحاً فهذه الأمور فُرضت عليك فرضاً من خلقة الإله وليست أمراً بإرادتك، فمدحك على الأمور الاضطرارية لا يسمى حمداً، وإنما المدح على الأمور الاختيارية هو الذي يسمى حمداً.
إذاً الثناء بالجميل على الجميل الاختياري بشرط على وجه المحبة والتعظيم. فلو أن هناك كافر عدو لله لكنه قوي شجاع، فأنا أثنيت عليه بالجميل لشجاعته، فإن هذا لا يسمى حمداً، لماذا؟ لفقدان العنصر الثالث في الحمد، أنه لا بد وأن يكون من الحامد محبة وتعظيم للمحمود، والمسلم لا يجوز أن يكون في قلبه محبة وتعظيم لأعداء الأمة، أليس كذلك؟ فلو أن كافراً شجاعاً أو كافراً جواداً أثنيت عليه بالجميل لشجاعته أو لجوده، فهذا لا يسمى حمداً، لماذا؟ تقول لفقدان العنصر الثالث في الحمد وهو وجود المحبة والتعظيم القلبي من الحامد للمحمود. فإذاً الحمد عناصره ثلاثة حتى يتحقق الحمد، لا بد أولاً يا شيخ حسين من إيش؟ الثناء بالجميل على جميل اختياري وليس اضطراري مع وجود محبة وتعظيم. هذه اسمها إيش يا قصي؟ أركان الحمد. حتى يتحقق الحمد وحتى نسمي ثناءك حمداً لازم كم عنصر يوجد؟ إيش هي؟ أن يكون الثناء بالجميل وليس بالقبيح، على جميل اختياري وليس اضطرارياً، وجود المحبة والتعظيم في قلبك لمن تمدحه، فإذا وجدت العناصر الثلاث سمي هذا الثناء حمداً، وإذا فقدنا عنصراً منها سمي مدحاً ولم يسمى حمداً، سمي إيش؟ وهذا هو الفرق بين الحمد والمدح، فالعلاقة بينهما علاقة العموم والخصوص المطلق، فكل حمد هو مدح، ترى، لكن ليس كل مدح حمداً، العلاقة بين الحمد والمدح علاقة العموم والخصوص المطلق، فكل حمد يسمى مدحاً، وليس كل مدح يسمى حمداً، جميل.
إذاً عرفنا ما معنى الحمد وعرفنا لماذا اختار ابن مالك أن يكون الحمد بالفعل المضارع، لأنه يدل على التجدد الاستمراري، وربط الحمد بلفظ الربوبية فقال أحمد ربي، والرب هو المالك المتصرف المدبر لأمور عبيده، فالرب هذا يطلق على المالك المتصرف المدبر المربي للشيء، فعلق الحمد على لفظ الربوبية ثم جاء بعد لفظ الرب بلفظ الألوهية فقال أحمد ربي الله، ما إعراب الله لفظ الجلالة هنا؟ بدل أو عطف بيان، تمام؟ بدل أو عطف بيان هذا هو الأظهر، فنقول إذاً أحمد ربي الله، أحمد ربي، ربي مفعول به طبعاً، والياء مضاف إليه لأنها ياء المتكلم، ولفظ الجلالة بدل أو عطف بيان، فأراد أن يجمع ابن مالك بين الربوبية والألوهية في بيت واحد، فاستعمل لفظ الرب الدال على الربوبية ثم استعمل لفظ الجلالة الله الدال على الألوهية؛ لأن الله ما معناها؟ قبل قليل ذكرناها، المعبود، فلفظ الرب يدل على إقرارك بالربوبية ولفظ الله الألوهية كما قلنا مأخوذة من الإله، يدل على إقرارك بالألوهية، ثم قال خير مالك، خير من ملك، وكأنه أتى بهذا الوصف المالك حتى يتلائم مع الشطر الأول للبيت وهو إيش؟ ما اسمه هو؟
قال محمد هو ابن مالك، فحتى يكون الشطر الثاني متلائماً في نهايته مع الشطر الأول ومتجانساً معه أتى بوصف الجلالة بأنه خير مالك. طبعاً خير هل هي نعت؟ ما رأيكم هل تصلح أن تكون نعتاً؟ طيب هل هي معرفة ولا نكرة يا شيخ؟ خير مضافة إلى إيش؟ ضعف، هنا هناك نكرة، إذاً هي نكرة، إذاً لا تصلح أن تكون نعتاً؛ لأن شرط النعت أن يكون موافقاً للمنعوت في تعريفه وتنكيره، فربي الرب معرفة ولفظ الجلالة معرفة، إذاً خير بما أنها أضيفت إلى نكرة إذاً هي ما زالت نكرة، بالتالي لا تصلح أن تكون نعتاً لأن النعت؛ ألم ندرس أنه يوافق المنعوت في تعريفه وتنكيره؟ إذا كان المنعوت معرفة يكون النعت معرفة، وإذا كان المنعوت نكرة يكون النعت نكرة، هنا خير جاءت نكرة فبالتالي لا تعرب على أنها نعت، وإنما تعرب على أنها بدل أو حال، البعض قال يجوز أن تعرب حالاً؛ لأن الحال نكرة، إما أن تعربها حالاً أي أحمد ربي الله حالة كونه خير من ملك، أو تعربها بدلاً لأن البدل لا يشترط فيه موافقة المبدل منه في التعريف والتنكير.
لاحظوا هذه الفوارق المهمة، الآن البدل يا شيخ قصي لا يشترط أن يكون موافقاً للمبدل منه في التعريف والتنكير، ممكن يكون المبدل منه معرفة والبدل نكرة والعكس، لا يشترط، لكن النعت ما ينفعش؛ لأن النعت لا بد يطابق المنعوت في التعريف وفي التنكير، فبما أنه هنا خير مالك كانت نكرة كلمة خير، إذاً لا يصلح أن تكون نعتاً للفظ الجلالة؛ لأن لفظ الجلالة معرفة. طبعاً خير ما نوع من المشتقات؟ اسم تفضيل، طب كيف اسم تفضيل يا شيخ؟ مو اسم التفضيل على وزن أفعل، أجمل، أبهج، أحلى، طب خير؟ اه خير أصلها أخْيَر، لكن العرب لكثرة استعمالهم لهذه الكلمة سهلوها على لسانهم فحذفوا الهمزة منها، حذفوا الهمزة منها وفتحوا الخاء فأصبحت إيش؟ أخْيَر، كأنهم نقلوا الفتحة التي على الهمزة نقلوها إلى أين؟ إلى الخاء، لأن أصلها لأخيَر، نقلوا الفتحة التي على الهمزة إلى الخاء وسكنوا الياء فصارت ماذا؟ خير، واضح هذا الكلام؟ تمام، كأنه هناك عملية زحف في الحركات، يعني انظروا كيف نقول، كأنه هناك عملية زحف.
في الحركات هي أصلها «أخ»، ثم حذفنا الهمزة، فحركة الهمزة وهي الفتحة زحفت إلى الخاء، والسكون الذي على الهمزة زحف إلى الياء، وأما الراء فهو حرف إعرابي يتغير بحسب الإعراب.
جميل أحبابي الكرام، دعونا نقرأ الآن ماذا قال الأشموني؛ يعني أنا هدفي كما قلت لكم أن نقرأ كامل الأشموني بإذن الله لتكون الفائدة تامة. يعلق من عند قوله: «أحمد رب الله خير مالك»، الكل متبع معنا سنقرأ من هنا: أي أثني عليه الثناء الجميل اللائق بجلال عظمته وجزيل نعمته، وهذا النظم من آثارها، فهو يحمد الله على هذا النظم؛ لأنه هذا النظم هو شكل من أشكال نعمة الله على ابن مالك.
فإذا أثني عليه الثناء الجميل اللائق بجلال عظمته وجزيل نعمته، التي هذا النظم الذي بين أيدينا هو من آثار جزيل نعم الله على ابن مالك. واختار صيغة المضارع المثبت، يعني المضارع الذي ليس بمنفي، وأكيد هو ليس منفياً بل مثبت، اختار صيغة المضارع المثبت لما فيها من الإشعار بالاستمرار التجددي، هذه النقطة التي سأضع تحتها خطاً، وقصد بذلك الموافقة بين الحمد وبين المحمود عليه. أي كما أن نعم الله تتجدد عليه، فهو يجدد الحمد من خلال استعمال الصيغة المضارعية المثبتة التي تدل على التجدد الاستمراري.
لكن لي تعليق على هذه العبارة في الحقيقة؛ لماذا؟ لأنه لم يقل: أحمد ربي على النعم، لو هو علق الحمد على النعم فقال: أحمد ربي على نعمه، لوافقته على كلامه أنه أراد أن يطابق بين الحمد وبين المحمود عليه. لكن هنا ابن مالك أطلق الحمد، هو ما قال: أنا سأحمد الله على النعم فقط، من أتى بحمد مطلق حمد الله على كل شيء، فالله يحمد لذاته لجماله لكماله لتمامه، ويحمد أيضاً على نعمه. فهل ابن مالك قال: أنا أحمد الله على النعم وسكت؟ ما قال نحمد الله على النعم حتى يفهم الأشموني أنه أراد أن يطابق بين الحمد وبين المحمود عليه، هل المحمود عليه فقط هو النعم حتى نقول إنه أراد أن يطابق بين الحمد وبين المحمود عليه؟ فلما كان المحمود عليه هو النعم المتجددة، أتى بصيغة الحمد بالفعل المضارع الذي يدل على التجدد.
أنتم فهمتم وجه الإشكال، هو أن الأشموني يقول: وقصد بذلك الموافقة بين الحمد والمحمود عليه، أي الشيء المحمود عليه هي النعم، وهي متجددة، فأتى بالفعل المضارع الدال على التجدد. فبماذا نقول أو يمكن أن نناقش الأشموني؟ نقول: هل ابن مالك حمد الله على النعم حتى أنت ستلزمه بهذا الحصر أو بهذه النكتة؟ هو لم يحمد الله عز وجل على النعم فقط، حمد الله حمداً مطلقاً، فقال: «أحمد رب الله خير مالك»، ما قال أحمده على النعم أو على شيء معين أو على النظم، لا أتى بحمد مطلق. فكأن الأشموني حصر حمد ابن مالك في النعم فقط ليأتي بهذه النكتة التي أنشأها، فنقول: لا داعي لأن تحصر حمد ابن مالك على النعم فقط؛ لأن هو لم يحصر، وأنت الذي حملت كلامه الحصر وهو لم يقصد بذلك، والله تعالى أعلم. فهذا يعني من باب التنكيت والمناقشة للأشموني؛ إذاً الأشموني يقول: وقصد بذلك الموافقة بين الحمد وبين المحمود عليه، أي كما أن الآلاء أي نعمه لا تزال تتجدد في حقنا دائماً، كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد.
كما قلنا يمكن أن تناقش وتقول هذا الكلام؛ لأن ابن مالك لم يحمد الله على مجرد النعم المتجددة، بل حمد الله حمداً عاماً مطلقاً، لم يعلق حمده على شيء؛ لأنه أحياناً الإنسان يحمد الله على شيء معين، فتقول: الحمد لله على هذه الزوجة، الحمد لله على هذه السيارة، الحمد لله على هذا الدرس، وهكذا، صح؟ هذا اسمه تعليق الحمد على شيء، وأما إذا قلت الحمد لله وسكتّ، هنا أنت أتيت بحمد عام شامل لم تعلق الحمد على شيء معين، فهل سلك ابن مالك أسلوب تعليق الحمد أم أطلقه؟ أطلقه، فالأصل أن يبقى على إطلاقه.
وأيضاً نلاحظ ونقول: هذه علة أخرى لماذا بدأ ابن مالك بالفعل المضارع، فهو رجوع إلى الأصل، إذ أصل الحمد لله: أحمدُ بالمضارع أو حمدتُ حمداً، حمد الله، أحمدُ أو حمدتُ حمد الله، ثم قال: فحذف الفعل اكتفاءً بدلالة مصدره عليه، ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، ثم أدخل عليه «أل» لقصد الاستغراق، وانتهى الكلام هنا. المشهور عندنا أحبابي الكرام أن نقول: الحمد لله، صح؟ الجملة الاسمية وهذه التي بدأت بها سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، أليس كذلك؟ يقول الأشموني: هذه الجملة أصلها جملة فعلية، مبدوءة إما بفعل مضارع أو بفعل ماضٍ، فأصلها إما: أحمد حمداً لله بالمضارع، أو الماضي: حمدت حمداً لله.
هذا يريد أن يقول حتى نفهم هذه النكتة الأخرى، يريد أن يقول: إن الجملة الاسمية أصلها جملة فعلية، قال: إن الناس اعتادوا إذا أرادوا أن يأتوا بالحمد جملة اسمية أن يحذفوا الفعل المضارع أو الماضي، فيبقى المصدر وحده، ثم تدخل «أل» التعريف على المصدر، ثم تحول الحركة من الفتح إلى الضم، فأصبحت: الحمد لله. فهمتم بالخطوات كيف صارت؟ أولاً حذفوا الفعل المضارع أو الماضي، ثم أدخلوا «أل» التعريف على لفظة الحمد، ثم هي كانت مفتوحة؛ لأنه كان مفعولاً مطلقاً، والآن ماذا إعرابها؟ «أحمد حمداً لله»، حمداً كان مفعولاً مطلقاً منصوباً وعلامة نصبه الفتحة، وكذلك حمدت حمداً لله.
الآن حدثت تغيرات جذرية، طبعاً ما مقدار ثقتنا بهذه التغيرات وهل هذا الكلام الذي يذكره صحيح؟ هذا أمر آخر، لكن أنا أشرح لكم كلام الأشموني الآن؛ الأشموني يقول لك إن الفعل حذفوه ابتداءً الماضي أو المضارع، ثم أدخلوا «أل» التعريف. حتى لو حذفت الفعل وأبقيت حمداً لله، موجودة، ترى الجملة ما زالت جملة فعلية لأنك ستقدر فعلاً محذوفاً. طيب شخص بده يأتي بجملة اسمية، بده يحول الحمد من الجملة الفعلية التي تدل على الحدوث إلى جملة اسمية تدل على الثبوت والاستقرار، ايش يسوي؟ فهمتم كيف يفكرون هم؟
أنا الآن عندي الحمد جملة فعلية، حتى لو حذفت الفعل وأبقيت المفعول المطلق منصوباً ما زال هناك فعل مقدر، فالشخص يقول لك: أنا بدي أحول الحمد لجملة اسمية تدل على الثبوت والدوام، فيقومون بالخطوات التي عليك أن تجريها كالتالي: أدخل لفظ الجلالة على المصدر الذي هو مفعول مطلق، ثم حوله من مفعول مطلق إلى مبتدأ، كيف؟ تحول الفتحة إلى ضمة، فتصبح بدل «حمداً لله» بعد إدخال «أل» التعريف والضم تصبح «الحمد لله»، فإذاً يريد أن يقول لك إن «الحمد لله» هذه الصورة النهائية هي في الأصل كانت جملة مضارعية أو ماضوية، ثم حُولت بهذه التغييرات وحولوها لجملة اسمية للدلالة على الثبوت والدوام. بالتالي ابن مالك لما لم يستعمل الجملة الاسمية واستعمل الجملة الفعلية المضارعية، هو عاد إلى الأصل.
بماذا يمكن أن نناقش الأشموني؟ إن كلام الأشموني يدل على لماذا رجع ابن مالك إلى الجملة الفعلية، لكنه لا يدل على لماذا اختص المضارع دون الماضي، أنت من خلال هذا التعليل الذي قدمته ما بينت لنا لماذا اختار المضارع وليس الماضي؛ أنت بينت لنا لماذا اختار جملة فعلية رجوعاً إلى الأصل، لكن ما بينت لي لماذا اختار المضارع دون الماضي بالتحديد، تتفقون معي في هذا؟
هذه القضية السابقة وهذا التعليل، الاستمرار التجددي وموافقة الحمد للمحمود، هذا اتفقنا عليه وناقشناه أنه ابن مالك لم يعلق الحمد على النعم، أنا الآن أناقشه في العلة الثانية التي ذكرها؛ الآن هذه العلة الثانية التي ذكرتها أيها الإمام الكبير هي علة لماذا اختار الجملة الفعلية ليحمد الله بها، وليس لماذا اختار المضارع بالتحديد. طبعاً وهذه «أل» التي دخلت على الحمد للتعريف، هي التي يقصد أنها المراد بها استغراق الأفراد، أي كل أنواع الحمد ثابتة لله، فهكذا نكون شرحنا هذا المقطع.
ثم قال: وأما الرب فهو المالك، وأنا بينت لكم معنى الرب قبل قليل. والله لفظ الجلالة علم على الذات الواجب الوجود؛ هذه عبارات للمتكلمين أنهم يقولون الله سبحانه وتعالى هو واجب الوجود، لكن كان الأصل أن يقول: الله هو المعبود، هو لم يأتِ بعبارة السلف أن الله هي المعبود. نحن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل في مفرداته الحديثية كلمة واجب الوجود، هل الصحابة كانوا يستعملون كلمة واجب الوجود؟ هذه كلمة أُخذت من علم الفلاسفة أُدخلت في الاصطلاحات الإسلامية؛ نعم الله واجب الوجود، هو صحيح، لكن نحن لسنا بحاجة في كتبنا هنا أن نستعمل ألفاظ الفلاسفة، وإنما نقول الله علم على الذات المعبود.
إذاً «الله» علم على الذات الواجب الوجود، أي الواجب الوجود لذاته، وهذا كله تحرزات من أمور فلسفية لا أريد أن أدخلكم فيها أصلاً؛ إذاً «الله» علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ولم يُسمَّ به سواه، أي لفظ الجلالة «الله» لم يطلق على من سواه، لا يطلق على من سوى الإله الحق، هذا اسم مختص بذات ربنا المقدسة سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي هل تعلم أحداً تسمى بالله غير الله الإله الحق؟ لا نعلم ذلك. وهو عربي عند الأكثر، وهذا يدل على أن هناك خلافاً أصلاً؛ هل هو جامد أو مشتق؟ وهناك خلاف هل لفظة الجلالة هي أصلاً عربية ولا أعجمية؟ والمشهور عند الأكثر أنها عربية، والذين قالوا إنها عربية اختلفوا بعد ذلك؛ هل هي مشتقة أو جامدة؟ ويمكن أن يكون أيضاً ممن قال إنه جامد اختار أنه لا حرج في ذلك، يمكن أن يكون إنسان اختار أنه أعجمي جامد، يمكن لا حرج في ذلك.
قال: وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، إن لفظ الجلالة اسم الله الأعظم؛ طبعاً كلمة المحققين هذه الكلمات دائماً تستعمل إذا أردت أن تنصر قولاً، هذا الكل يستعملها؛ يعني إذا أردت أنا أن أرجح لكم قولاً، فأيش أقول لكم؟ قال المحققون من أهل العلم؛ طبعاً أنت بتخالفني فأيش بتقول لي؟ لا، قال المحققون خلاف قوله. فكل إنسان يريد أن ينصر قوله فماذا يقول؟ قال المحققون. فكلمة المحققون هذه عبارة عامة تستعمل، لكن في النهاية الأمر ليس قاضي محقق ولا مش محقق، الأمر بالدليل.
وقد ذُكر في القرآن العظيم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعاً، واختار الإمام النووي تبعاً لجماعة أنه أي إن اسم الله الأعظم ليس لفظ الجلالة بل هو الحي القيوم؛ قال: ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: البقرة، وفي آل عمران، وفي سورة طه. طبعاً هل يعني كونه ذكر في القرآن في ثلاثة مواضع هو دليل على أنه اسم الله الأعظم؟
ولهذا لا يظهر لي أن فيها تعليماً منطقياً، نحن نريد دليلاً واضحاً جلياً؛ لماذا الحي القيوم؟ يذكر وهذا من الاحتمالات. ولذلك الإنسان إذا أراد أن يكسب اسم الله الأعظم يدعو بكل أسماء الله الحسنى، فإلا أن يوافقه بإذن الله وهو يدعو الله سبحانه. فادعوا الله باسمه، وادعوا الله هو الحي القيوم، الرحمن الرحيم، إلى غير ذلك من الأسماء التي تنسب إليه سبحانه وتعالى جل في علاه.
ثم قال تنبيه: هذا التنبيه ذكرناه قبل قليل في بداية كلامنا، قال فيه: «أوقع الماضي موقع المستقبل». يتكلم عن لفظة «قاله» التي ذكرنا عليها قبل قليل تعليقنا؛ أوقع الماضي موقعاً مستقبلياً تنزيلاً لمقولة منزلة ما حصل. لماذا؟ ما هي النكتة؟ قال: إما اكتفاء بالحصول الذهني، الذي هو ذكرته لكم؛ جعل الحصون الذهني نزل ما في الذهن منزلة ما في الواقع، نزل الحصون الذهني كأنه واقعي، فقال خلاص إذا هو كأنه واقع.
فقال محمد وابن مالك، أو الاحتمال الآخر: نظراً إلى ما قوي عنده من تحقق الحصون وقربه، وهي العلة الأخرى التي ذكرناها؛ نزل ما قارب حصوله منزلة ما قد حصل. ثم دلل على هذا القول الثاني بقوله تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]. وجملة «هو ابن مالك» جملة معترضة، وهذا من محاسن ما ترى في الأشموني، من شرح الأشموني أنه يهتم بالتنكيت على الأبيات والتفكيك الدقيق لها. ولذلك من الأمور التي جعلتني أختار الأشموني هذا الحرص منه، رحمه الله، على هذا التفكيك وهذا التفكير العلمي الذي يشحذ الذهن.
فقال: وجملة ابن مالك جملة معترضة بين «قال» والمقول، وهو: «أحمد رب الله خير مالك». هذا هو مقول القول. والجملة المعترضة هل لها محل من الإعراب؟ ليس لها محل من الإعراب. ولفظ «ربي» نصب عفواً تقديراً على ماذا؟ على المفعولية؛ أي: أحمد ربي، وهو الآن يعرب سريعاً. ربي عرفنا أنها مفعول به، طب ليش قول نصب تقديراً؟ شيء منصوب تقديراً، أحسنت، الحركة غير ظاهرة بسبب مناسبة الياء. مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها انشغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم، لذلك هو إعراب تقديري. والياء في موضع الجر بالإضافة، ياء المتكلم يقصد في كلمة ربي. ولفظ الجلالة «الله» على أنه بدل من «رب» أو عطف بيان.
و«خير» قال نصب أيضاً على أنه بدل أو حال، ما قال نعت؛ لأنه لا ينفع نعت على حد قولك: دعوت الله سميعاً، يعني: أحمد ربي الله حالة كونه خير مالك، كما تقول: دعوت الله حالة كونه سميعاً لدعائي. طبعاً ليس المراد حالة كونه سميعاً للدعاء التقييد، بل هو دائماً جل في علاه سميعاً للدعاء. إذاً، إذا دعوت الله سميعاً، وموضع الجملة، الجملة يقصد جملة «أحمد ربي الله خير مالك»؛ هذه الجملة كليتها ما إعرابها أيها السادة؟ على أنها مقول القول، منصوب على أنه مفعول به، أحسنت. إذاً هذه جملة مقول القول منصوب على أنه مفعول به للفعل «قاله»: «قال محمد: أحمد ربي الله خير مالك»، وابن مالك -أو هو ابن مالك- هذه جملة معترضة فقط.
لاحظوا الجملة الأخيرة قال: «ولفظها الخبر ومعناها الإنشاء». الآن كثيراً أحبابي ما تكون كلمة الحمد أو جملة الحمد، سواء أتى بها بالجملة الاسمية أو بالجملة الفعلية، ركزوا معي؛ نحن كثيراً ما نستعمل جملة الحمد لله، أو حمدت الله بالماضي، أو أحمد الله في أغلب استعمالاتنا، هي الآن الجملة الاسمية هي جملة خبرية، والجملة الفعلية «أحمد الله» جملة خبرية، و«حمدت الله» جملة خبرية ماضية، لكننا في العادة وفي الشارع في استعمالنا نستعملها كجمل خبرية ليست إنشائية من حيث الصيغة، لكننا ننوي ونقصد بها الإنشاء.
الآن ما الفرق؟ الكلام أحبابي وهذه قاعدة عامة، الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء. هذه كلها معلومات قديمة لكن يلا نراجع مع بعض سريعاً. الخبر ما هو؟ باش تكون لنا نعرف الخبر، أحسنت، الجملة التي تحتمل الصدق والكذب لذاتها. والإنشاء هي كل جملة لا تحتمل الصدق والكذب، لا يمكن أن تقول لصاحبها أنت صادق أو أنت كاذب، مثلاً مثل جملة الاستفهام: واحد قال لك: هل جاء زيد؟ ما ينفع تقول له أنت صادق أو أنت كاذب، يقول لك أنا بسألك. ومن جمل الإنشاء التي ذكرناها سابقاً: الدعاء، إذا رجل قال: ربي اغفر لي، هو يدعو ربه، ما ينفع تقول له أنت صادق أو كاذب، هذه جملة إنشائية لا تصدق ولا تكذب، المراد منها إنشاء طلب.
وأما الجمل الخبرية فهي التي يتوجه إليها الصدق والكذب؛ إذا قلت لك: جاء زيد، يصير تقول لي أنت صدقت أو كذبت، أو لم يأتِ زيدون، تقدر تقول لي صدقت أو كذبت، السماء فوقنا تقدر تقول لي صدقت أو كذبت، جملة اسمية خبرية. وهكذا. الآن لما أقول: «الحمد لله» ابتداءً، أنت إذا نظرت إليها وحدها عبارة عن مبتدأ وخبر، فالأصل أنك تصنفها جملة خبرية، الثناء على الله فالأصل أنه يمكن أن يوجه إليها الصدق والكذب. وكذلك لو كانت بالفعل المضارع أو الماضي: «أحمد الله» أو «حمدت الله»، ممكن تقول لي أنت صادق أو كاذب، صحيح.
لكن في العادة، وهذا كثير في اللغة العربية، ما نستعمل جملاً ظاهرها ومبناها أنها خبرية ولكننا نقصد بها الإنشاء. فعندما دائماً ما تقول بعد شخص توفاه الله: «فلان رحمه الله»، الآن «رحمه الله» جملة خبرية، لكن أنت ماذا تقصد بها؟ إنشاء الدعاء. «فلان غفر الله له» هي جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب، لكن أنا لم أقصد بها الخبر، قصدت بها الإنشاء. لما تحكي اسم صحابي تقول: «رضي الله عنه»، هو دعاء أن يرضى الله عز وجل عنه.
ونفس الشيء هنا؛ لما تقول أنت في بداية المنظومة: «الحمد لله»، أو يقول الناظم كما فعل ابن مالك: «أحمد ربي الله خير مالك»، هل هو أن يخبرنا خبراً ابن مالك لما قال: «قال محمد: أحمد ربي الله خير مالك»؟ هل نحن نوجه إليه أنك أنت صادق أو كاذب؟ لا، بل يريد أن يدعو الله وأن ينشئ هذا الثناء والدعاء على ربه سبحانه وتعالى، فليس لك أن تقول له أنت صادق أو كاذب، فهي من حيث الصيغة خبرية لكنها من حيث المعنى والمضمون أراد بها الإنشاء. لذلك قال: «ولفظها الخبر ومعناها الإنشاء»، أي أنا أنشئ الحمد. فهو...
الحمد لله، ممكن تسمى دعاء، وممكن تسمى ثناء؛ والثناء يعني هو شكل من أشكال الدعاء، الثناء والتبجيل لله، وإن كنا في المفهوم الشرعي نسميه في العموم دعاءً. لكن ما اسمه الخاص؟ حتى تكون مدركًا لهذه القضية.
ثم قال البيت الثاني مصليًا؛ دعونا نرفع هذا المعنى، قال مصليًا، إذا بعد أن حمد ربه سبحانه وتعالى قال مصليًا على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفًا. «مصليًا» هي مطلع البيت الثاني، وإعرابها حال. أحمد ربي الله مصليًا؛ سأعلق عليها وسأعود إلى كلمة مصليًا بعد قليل حتى أبين أنها حال مقدرة وليست حالًا مطابقة، وسأعرفكم الفرق بين الحالة المقدرة والحالة المطابقة.
لكن ما معنى الصلاة؟ هذا أول ما سنبحثه. ما معنى الصلاة؟ الصلاة من الله سبحانه وتعالى هي الثناء على عبده في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة هي الاستغفار، والصلاة من العبد؛ نقول صلى محمد في اللغة: الدعاء. وفي الشرع: أفعال مخصوصة وأقوال مخصوصة مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
إذًا الصلاة من الله؛ نقول صلى الله على محمد عليه الصلاة والسلام، معنى هذا: أثنى الله عليه في الملأ الأعلى، هذه معنى الصلاة من الله. الصلاة من الملائكة؛ صلت الملائكة عليك، يعني استغفرت لك. صلى محمد الآن، إذا كنت تقوم صلى محمد بالمعنى اللغوي فمعناه دعا، وبالمعنى الشرعي -وهو المتبادر لآذانكم- أنه فعل الأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.
إذا عرفنا ما معنى الصلاة، ومن الصلاة، إذ أعود إليها فأقول: الصلاة جاءت حالًا، ممتاز، هذا إعرابها. أحمد ربي الله؛ يجب أن تربط هذا البيت مع البيت السابق، وهذا اسمه تضمين أيضًا. في اللغة أو في العرف البلاغي، هذا اسمه تضمين؛ أن يكون البيت السابق لم ينتهِ معناه حتى التحق به البيت اللاحق. فالبيت السابق: أحمد ربي الله خير مالك، مصليًا على النبي. وهذا هو التضمين.
والتضمين إذا كثر في الشعر يعتبر شكلًا من أشكال الضعف، وأما إذا جاء مرة أو مرتين أو ثلاث فلا حرج فيه، ولكن هذا الكلام -أي إذا كثر وإذا قل- هو على الشعر العربي الفصيح الأصيل، أشعار العرب. أما في المنظومات العلمية فلا يلتفت إليه؛ لأن المقصود من المنظومة العلمية أن تذهب فتقرأها في سوق عكاظ، ولا أن تباهي بها الشعراء الفحول، لا؛ المراد بها حفظ المنظومات وضبطها. علماؤنا -رحمة الله عليهم- علماء النحو والأصول ما كانوا يهتمون كثيرًا لموضوع التضمين، كون المقصود في النهاية هو ضبط العلم.
جيد، إذا قال: أحمد ربي الله خير مالك مصليًا، نعرب "مصليًا" حالًا، ممتاز. أين دائمًا الحال؟ لابد أن تبحث عن شيئين معها: عامل الحال وصاحب الحال. هذه قاعدة عامة؛ أي حال تريد أن تبحث عن شيئين معها: عامل الحال وصاحب الحال. أين عامل الحال؟ العامل في العادة يكون الفعل، وإذا لم يكن فعلًا يكون من المشتقات التي تعمل. فهنا عندنا فعل، أليس كذلك؟ وهو الفعل "أحمد"، هذا هو عامل الحال. أين صاحب الحال؟ الفاعل المستتر وجوبًا الذي تقديره "أنا"، هذا هو صاحب الحال.
الآن أحبابي الكرام، الأصل في الحال أن تكون مقارنة للعامل في الوقت، احفظوا هذه المعلومة المهمة: الأصل في الحال أن تكون مقارنة لعاملها في الوقت. كيف يعني؟ لما أقول: جاء زيد راكبًا؛ "راكبًا" حال، وجاء عامل الحال وهو "المجيء" والركوب مقترنان في الزمن، فأثناء مجيئي كنت راكبًا. أكلت الطعام سريعًا؛ السرعة والأكل كانا مقترنين في نفس الوقت.
إذا كان الحال متأخرًا عن عامله في الوقت، هذا لا يسمى حالًا مقارنًا، يسمى حالًا مقدرة، وهذه حالة استثنائية تكون عندما لا يمكن أن يجتمع الحال مع عامله في نفس الوقت. إذًا الأصل في الحال أن تكون مقارنة لعامل الحال، والحال وعامل الحال يحدثان في نفس الوقت، فإذا تعذر حدوث الحال مع عاملها في نفس الوقت تصبح الحال مقدرة.
خلونا نأتي لهذه الجملة التي أتى بها ابن مالك: "أحمد ربي الله خير مالك مصليًا". أين عامل الحال؟ قلنا "أحمد"، ممتاز. السؤال الآن: هل يمكن أن تأتي بالصلاة على النبي ﷺ في نفس الوقت الذي أنت تحمد فيه الله عز وجل؟ أحمد هو عامل الحال، والحال هي الصلاة، فهل يمكن أن يجتمعا في نفس الوقت؟ اللسان إما يحمد أو يصلي، الاثنين في نفس الوقت على اللسان مش ممكن.
إذًا هنا الحال تسمى مقدرة؛ لأنه لا يمكن أن يؤتى بالحال في نفس الوقت الذي يحدث فيه عامل الحال، فتسمى الحال هنا مقدرة لأنها لن تحدث فعليًا إلا بعد الانتهاء من العامل، فأنت تحمد ثم تصلي، لذلك أنت حتى في خطبك العامة تبدأ بالحمد: الحمد لله نحمده ونستعينه، بعد ذلك تصلي على النبي ﷺ. فهذا هو الترتيب الواقعي بين الحمد وبين الصلاة. إذا عرفنا ما الفرق بين الحالة المقارنة والمقدرة، وهذه الحال أي نوعها؟ مقارنة أم مقدرة؟ هي حال مقدرة، ويسميها البعض "الحال المنيّة" أيضًا.
الآن سأعلق على الأبيات. قال "مصليًا" أي طالبًا من الله الصلاة. أنت ماذا تقول في العادة؟ أنت تقول: اللهم صل على محمد، فأنت تطلب من الله أن يثني على سيدنا محمد في الملأ الأعلى، أنت تطلب من الله أن يوقع صلاته على النبي الكريم.
نيجي على كلمة "النبي"، ترى هنا في نسخكم من دار الكتب العلمية سقط، الآن سأقرأه عليكم، اكتبوا: نسخة دار الكتب العلمية فيها سقط: "على النبي". النبي، ما أصلها من حيث الاشتقاق؟ البعض يقول إن النبي مأخوذة من "النبوة"، والنبوة هي المكان المرتفع من الأرض، فتأتي بكلمة "نبوة" في قالب "فعيل"، كلمة "نبوة" إذا فُرغها في "فعيل" تصبح "نبيو"، تم اجتماع الياء مع الواو فتقلب الواو ياء وتدغمان فتصبح "نبي"، هذه قاعدة اجتماع الياء مع الواو.
القول الآخر أنها مشتقة من "النبأ" وهو الخبر؛ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2]. طب إذا كانت النبي أصلها من النبأ، فما الذي حدث؟ كيف أصبحت نبيًا؟ إذا فرغنا كلمة "نبأ" في "فعيل" تصبح "نبي"، صحيح؟ أشهد ما كتبته.
الآن أحبابي الكرام، النبي كيف أصبحت نبي؟ حذفت الهمزة وقلبت ياء، حذفت الهمزة وقلبوها إلى ياء وأصبحت نبي. فإذاً النبي هناك احتمالان لها: إما أن تكون من النبوة، ونأتي بالفعل نبو فنضعه في قالب فعيل فتصبح نبوي ثم تصبح نبي، وإما أن تكون مأخوذة من النبأ، فتفرغ النبأ في فعيل فتصبح نبيئ ثم تحول الهمزة إلى ياء فتدغمها فتصبح نبي.
إذا قلنا نبي مأخوذة من النبوة ثم أصبحت نبي، بعد ذلك هنا فعيل في اللغة العربية أحبابي الكرام؛ هذا الوزن يأتي نائباً عن مفعول ويأتي نائباً عن فاعل. وزن فعيل يأتي نائباً عن مفعول ويأتي نائباً عن ماذا؟ عن فاعل. وعادة ما يستعمل للدلالة على المبالغة أو الصفة المشبهة، فإذا عندك شيء على وزن فاعل أردت أن تدل به على مبالغة أو على صفة مشبهة بتحوله إلى ماذا يا قصي؟ إلى فعيل. وإذا عندك شيء أيضاً على وزن مفعول تريد أن تدل به على مبالغة أو صفة مشبهة بتحوله إلى أي صيغة؟ فعيل. ففعيل في اللغة العربية نائبة عن مفعول أو نائبة عن فاعل.
كيف بدي أعرف أنا كلمة نبي هنا هي على وزن فعيل، وهي نائبة هنا، هل هي فعيل نائبة عن فاعل ولا عن مفعول؟ في الحقيقة هنا أنت بدك تقدر كل الاحتمالات، بدك تقدر كل الاحتمالات. دعني أقرأ لكم الكلام لأن النسخ بين أيديكم فيها سقط، سأقرأ الكلام ثم أعود وأعلق، اكتبوا بين أيديكم ما وقع من السقط في نسخة دار الكتب العلمية.
قال: «على النبي بتشديد الياء من النبوة»، أي اكتبوا بعد كلمة من النبوة: «أي الرفعة لرفعة رتبته على غيره من الخلق»، «أو بالهمز من النبأ وهو الخبر». بعد ذلك أعود إلى نسخة دار الكتب العلمية التي قرأتها، الموجودة عندكم؛ إذاً أنا عندي في نسختي القديمة الظاهر أنها كانت محذوفة، موجودة عندكم، اقرأوا من عند قوله: «على النبي بتشديد الياء»، ماذا قال عندكم؟ «من النبوة أي الرفعة لرفعة رتبته على...» موجودة عندكم، إذن لا، إذن أنتم تعتمدون حاشية الصبان وليست نسخة دار الكتب العلمية بدون حاشية الصبان. أنا لا أتكلم عمن معه نسخة دار الكتب العلمية بدون حاشيات الصبان، عندهم سقط فيها: «من النبوة أي الرفعة لرفعة رتبته على غيره من الخلق، أو بالهمز من النبأ وهو الخبر لأنه مخبر عن الله».
قال: «فعل الأول»، فقال: "فعل الأول؟" نعم، فهو فعيل بمعنى مفعول. وعلى الثاني إذا قلنا إنها مأخوذة من النبوة، فهو فعيل بمعنى اسم المفعول، فبالتالي هو قدره على أنه مرفوع، أي أن الله رفعه عنده. وعلى الثاني إذا قلنا إن نبي مأخوذة من النبأ، فهو قال بمعنى اسم الفاعل، أي أنه منبئ أي مخبر. لكن في الحقيقة يصح أن نقول إنه حتى لو كانت فاعلاً مأخوذة من النبأ فيصح أن تكون بمعنى اسم المفعول ويكون منبأً، لأنه أيضاً كما هو منبئ أي مخبر للناس فهو منبأ أي مخبر من الله.
فإذا كانت مأخوذة من النبأ يصح أن تكون فعيل بمعنى اسم الفاعل ويصح أن تكون بمعنى اسم المفعول، وإذا قيل إنها مأخوذة من النبوة، فالذي يظهر لي والله تعالى أعلم أيضاً أنه يجوز أن يكون من اسم الفاعل، أي أنه مرتفع بنفسه، ويجوز أن تكون أيضاً من اسم المفعول أي أنه مرفوع عند الله سبحانه وتعالى في مقامه. فالكلام الأشواني يوهم ماذا؟ أنه إذا كانت نبي مأخوذة من النبأ فهذا معناه أنها مأخوذة من اسم الفاعل فقط، وإذا كانت نبي مأخوذة من النبوة فهذا معناه أنها مأخوذة من اسم المفعول فقط.
والذي يظهر والله أعلم أنه على كلا الاشتقاقين، سواء قلنا إن النبي مأخوذة من النبأ أو إن نبي مأخوذة من النبوة، كلاهما يحتمل أن يكون من اسم الفاعل ويحتمل أن يكون من اسم المفعول. فإذا قلنا النبي مأخوذة من النبوة تكون اسم فاعل بتقدير أنه... وتكون اسم فاعل من فوق الثلاثي، وإذا قلنا إنه اسم مفعول فيكون اسم مفعول من الثلاثي أي مرفوع. وإذا قلنا إن النبي مأخوذ من النبأ، فإما أن تقول إنه منبئ اسم الفاعل، وإما أن تقول إنه باسم المفعول منبأ، وكلاهما جائز، فالأصل جواز الاحتمالات الأربعة والله تعالى أعلم.
جيد، ثم عاد إلى كلمة «مصلياً»، فقالوا: «مصلياً حال من فاعل ايش؟» أحمد، أي أن صاحب الحال فيها كما ذكرت لكم، صاحب الحال من هو؟ الضمير المستتر في أحمد وتقديره "أنا"، وأما عامل الحال فهي نفس الفعل "أحمد". صحيح، إذاً «مصلياً» حال من فاعل أحمد، أي أن صاحب الحال هو فاعل الفعل "أحمد" وهو الضمير المستتر "أنا"، لكنه قال حال ماذا؟ «منوية»، يعني مقدرة لاشتغال... ليش مقدرة؟ ليش ما جعلتوها مقارنة؟ قال: «الاشتغال مورد الصلاة بالحمد»، أي المكان الذي ترد به الصلاة، ما هو؟ اللسان، فاللسان لا يمكن في نفس الوقت أن يجمع بين الصلاة والحمد؛ لأنه كان مشغولاً بالحمد اعتبرنا هذه الحال مقدرة، يتأخر حصولها إلى أن ينتهي انشغال اللسان بالحمد لتأتي الصلاة بعد ذلك. واضح الكلام؟
أي: «ناوياً الصلاة على النبي ﷺ»، هكذا قدرها؟ أي أنني «مصلياً» أي ناوياً الصلاة على النبي ﷺ بعد فراغي من الحمد، هذا هو التقدير: ناوياً الصلاة على النبي ﷺ بعد فراغه من الحمد، على النبي المصطفى.
المصطفى، لاحظوا التحليل، هكذا الأبيات تشرح، لا بد تحلل كل كلمة فيها. المصطفى مأخوذة من ماذا؟ قال: المصطفى مأخوذة هي أصلاً من الفعل الثلاثي: صفى يصفو، والمصدر -إذا قلنا المصدر هو أصل الاشتقاق كما عند البصريين- فهي من الصفوة، فالصفوة هي المصدر، وصفا يصفو هو الفعل. وأُخذت مصطفى من هذه الأفعال، اشتقاقاً ووصلنا الآن الفعل "صفى"، لما تصوغه على وزن "افتعل" ماذا يصبح؟ الفعل صفا، لما تصوغه على وزن "افتعل" -طبعاً الذين درسوا معنا هم المقصودون، هم يعرفون ما هي صيغة الأفعال الثلاثية وصيغ الثلاثي المزيد بحرف والثلاثي المزيد بحرفين والثلاثي المزيد...
وتقرن هذه من الثلاثي المزيد بكم حرف؟ بحرفين؛ الهمزة والتاء، ذكرناها سابقًا. لذلك أنا أقول للإخوة: من لم يدرس شيئًا في الصرف، ولم يدرس شيئًا في النحو، ولم يدرس شيئًا في البلاغة، أظن أن الشرع سيكون ثقيلًا، وأقول الشخص سيكون ثقيلًا. لابد أن يكون عندك أرضيات تبني عليها هذا العلم، وإلا تقحم نفسك في أبواب عليا من العلم فيضيع الوقت. اشتغل بقدراتك وما أنت تحسنه.
إذا الفعل "صفا"، لو فرغته "افْتَعَلَ" كيف يصبح؟ "اصطفى". هناك قاعدة درسناها في نظم المقصود، وهي أن التاء في "افْتَعَلَ" لما يكون قبلها حرف من أحرف الإطباق، فإن التاء تنقلب طاءً. "اصطفى" رد "أثر"؛ فالمطبق هو التاء في صيغة "افْتَعَلَ" إذا كان فاء الكلمة حرفًا من أحرف الإطباق. ما هي أحرف الإطباق يا شيخ؟ الصاد والضاد والطاء والظاء. إذا كان فاء الكلمة حرفًا من أحرف الإطباق، فإن التاء مباشرة في العربية تنقلب طاءً، فتصبح "اصطفى".
ممتاز، والواو أخذنا قاعدة أيضًا شهيرة في الصرف؛ إذا تحركت الواو بأي حركة وانفتح ما قبلها، تنقلب الواو ألفًا، فأصبحت "مصطفى". تمام، جميل، الآن "اصطفى" هذا هو الفعل، يعني ماذا عندنا هنا؟ الفعل "اصطفى"، الآن حولها لاسم الفاعل "مصطفي"، وحولها لاسم المفعول "مصطفى". نحن عندنا في البيت "مصطفى"، صحيح اسم المفعول هذه ما زالت معنا، رجعنا "مصطفى". ممتاز، وأدخل عند التعريف عليها، فهمتم كيف؟ "مصطفى" جاءت؟ شايفين كل هذه القصص؟ هذه مع كثرة الممارسة تصبح عندكم مهارات سهلة بإذن الله.
لذلك قال: "المصطفى". والآن "مصطفى" ما وزنها؟ "مُفْتَعَل"، بناءً على كل هذا الكلام؛ لأنه فعلها "اصطفى" على وزن "افْتَعَلَ"، تحوله إلى اسم المفعول تأتي بميم في البداية مضمومة مع فتح ما قبل الآخر، إذاً "مصطفى" على وزن "مُفْتَعَل". فالطالب لما يطلع في الأشموني: كيف "مصطفى" يا شيخ "مُفْتَعَل"؟ أين التاء هذه؟ وكيف أداة التاء؟ تقول له: لا يا عمي، هذه الطاء، التاء هذه قلبت طاءً لأن ما قبل التاء حرف من أحرف الإطباق.
فهمتم؟ إذاً "مُفْتَعَل" من "الصفوة"، والصفوة في اللغة هي الخلاص من الكدر. هذا معناها في اللغة، قلبت تاؤه طاءً لمجاورة الصاد، ولامه وهي الواو قلبت ألفًا لانفتاح ما قبلها. ما معنى "المصطفى" باختصار؟ هنا أصبح معناها "المختار". فالصفوة معناها الخلاص من الكدر، وأما المصطفى فهو المختار الذي اختاره ربه وخلصه من الأكدار، هذا هو التناسب بينها.
ثم قال: "وآله". إذاً، مصليًا على النبي المصطفى، فنحن نصلي أولًا على النبي ﷺ الذي اختاره الله، ثم نصلي على من؟ على آله. والآل في الدعاء، شوفوا، الآل في الدعاء الصحيح أن المراد بها كل من اتبع النبي ﷺ على نهجه إلى يوم القيامة، ولا نخصها بـ "آل النبي ﷺ" بالمصطلح العقدي. قال النبي ﷺ: «الحسن والحسين وعلي وفاطمة»، أو على قول من قال إنهم بنو هاشم بن المطلب، أو على من أدخل أزواج النبي ﷺ، لا، لا نحصرها في ذلك، بل نقول في مقام الدعاء إنها تطلق على كل من اتبع النبي ﷺ على نهجه.
جيد، إذا قال "وآله" هنا، الأشموني لم يتبع هذا النهج، فماذا قال؟ "وآله" أقاربه من بني هاشم وبني المطلب. الآن برأيكم هل هناك مسوغ لهذا الكلام؟ لماذا ابن الأشموني لم يحملها على عمومها؟ الذي يظهر لي أنه لم يحملها على عمومها لكل من اتبع النبي ﷺ لما جاء بعد ذلك؛ لأنه لما قال "وآله المستكملين الشرف"، إذاً ظاهر سياق ابن مالك أن ابن مالك فعليًا يقصد "آل النبي ﷺ" بالمعنى الضيق، وليس أهله بالمعنى الواسع الذي يشمل كل مؤمن؛ لأنه قال "وآله" ثم أثنى عليهم "المستكملين الشرف"، وليس كل المؤمنين إلى يوم القيامة استكملوا الشرف. فبالتالي رجح هذا، ونحن نقبل هذا الترجيح، في الحقيقة أنه قصد بالآل هنا المعنى الضيق وهم بنو هاشم وبنو المطلب. لكن هل هم بنو هاشم بن المطلب والحسن والحسين وعلي وفاطمة فقط؟ ولم ترجع للتحرير العقدي لمفهوم "الآن".
نعود إلى التحرير العقدي لمفهوم "الآن" في علم العقائد. المهم، "وآله المستكملين الشرف"، ما إعراب "المستكملين" يا شيخ؟ "المستكملين" مفعول به، و"الشرف" مفعول به أيضًا، والفاعل وعامله هو اسم الفاعل. اسم الفاعل هنا عمل، وقد اتصل بالواو، وإن تكون صلة ألف في الماضي وغيره، اعملوا. اسم الفاعل إذا اتصل بالواو يعمل بدون شروط، مباشرة يعمل بدون شروط، ولذلك "الشرف" مفعول به لاسم الفاعل. والألف هذه للإطلاق، "الشرفاء"، هذه الألف للإطلاق.
الآن سنعود لكلمة "ال"، لأن الأشموني عاد إليها، فقال في تنبيهه: "تنبيه: أصل الآل فيه خلاف". فسيبويه وماذا؟ طبعًا كلمة سيبويه هذه إضافة مني، يرى أنها مأخوذة من "الأهل". وأما الكسائي فيرى أنها مأخوذة من ماذا؟ من "أول". سيبويه يرى أنها مأخوذة أصلها من "الأهل"، والكسائي يرى أن أصلها "أول".
تمام، كيف كلمة "ال" أصلها "أهل" يا شيخ؟ ما التقلبات التي حصلت في كلمة "أهل" حتى تحولت إلى "آل"؟ هكذا أنت تفكر الآن، أحسنت، تقول: إن الهاء قلبت إلى همزة، وهذه الهمزة ما قبلها متحرك بالفتحة، فماذا سيحدث بهذه الهمزة؟ ستنقلب إلى حرف من حروف العلة يجانس الفتحة التي قبلها. ما الحرف الذي يجانس الفتحة؟ الألف، فأصبحت "آل" بهذه الطريقة، هكذا أصبحت تكتب، ثم أصبحنا نكتبها على صورة مدة. إذاً هكذا أصبحت "آل"؛ الهاء انقلبت إلى همزة، وكثيرًا في اللغة تنقلب الهاء إلى همزة والعكس كذلك. اجتمعت الهمزتان والأولى مفتوحة، فقلبت الهمزة الثانية حرفًا من جنس الفتحة التي قبلها وهو الألف، فأصبحت "آل"، ثم وضعناها على هذه الصورة النهائية.
الكسائي قال: لا، أصلها "أول". لماذا الكسائي قال أصلها "أول"؟ قال: "أول" هو الرجوع؛ فمعشرك وأقاربك أنت ترجع إليهم في الملمات والمهمات. فلاحظوا، الكسائي هذا المعنى، فقال إذاً الآل مأخوذة من "أول". تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فأصبحت -ما هي القاعدة الصرفية التي ذكرناها قبل قليل؟ إذا تحركت الواو وانفتح ما قبلها تتحول الواو إلى ماذا؟ إلى ألف، فلذلك أصبحت.
عندنا أولاً اجتمعت الواو تحركت وفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، ثم اجتمعت الهمزة والألف فأصبحت تكتب على صورة مدة، فعادت إلى أصلها، فهمتم؟ إذاً الكسائي يقول أصلها إيش؟ لا، الكسائي يقول قال أصلها أول، وسيبويه يقول قال أصلها أهل، وهذا رأي وهذا رأي.
ماذا يقول الأشموني؟ قال أصل أهل قلبت الهاء همزة، كما تقلب الهمزة هاءً في مكان آخر في كلمة مثلاً حراق. الأصل الآن في اللغة العربية كلمة أراق، أراق محمد الماء، لكن في اللغة يجوز أن تبدل الهمزة هاءً فتصبح هراق، أراق محمد الماء هكذا، لكن في اللغة يجوز أن تبدل الهمزة هاءً فتصبح هراق. يجوز، فالهمزة والهاء الحمد لله العلاقة بينهما وطيدة.
والعلاقة بينهما وطيدة أصلاً من أين؟ من أصل المخرج، ففي التجويد مش كانوا يعلمونا هنا أن الهمز والهاء متقاربان في المخرج، فبما أن الهمز والهاء لتقارب مخرجهما يقبلان التبادل، طبعاً على ما سمعته العرب، يعني مش أنت على كيفك، بكرة تلاقيه قال الهمزة هؤلاء، لا، الله يرضى عليك، على ما سمع عن العرب في هذا.
إذاً كما قلبت الهمزة هاءً في هراق، طبعاً إذا هرائق الأمر فيها بالعكس، يعني هنا أراق قلبت الهمزة هاءً فأصبحت هراق، إحنا عندنا هنا بالعكس، إحنا عندنا هنا هاء أهل، هذا رأي سيبويه، قلبت الهاء همزة، فهو نظر للفكرة المعاكسة، انتبهوا، نظر لهمزة قلبت هاءً، بس في كلمة قال إحنا عندنا عكس اللي حدث عندنا هاء قلبت همزة، فهو نظر للمعاكس حتى يبين لك إيش؟ قابلية التبادل.
طب انتبهوا على الوقت، المشايخ بلاش نثقل على المشايخ، كم ذهب قاع أوروبا؟ ذهبت، بسم الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل