ثم قال: إذاً أصل "أهل" قلبت الهاء همزة ثم قلبت الهمزة ألفًا. لاحظوا هذا تكملة للجملة، إنه استطرد بعدين رجع. قلبت الهاء همزة، كما قلبت الهمزة في "أراق" أصلها "أراقه". المهم هذا انتهينا منها، ثم عاد: ثم قلبت الهمزة ألفًا لسكونها، الهمزة ساكنة، مش قلنا الهمزة ساكنة وقبلها مفتوح؟ فتقلب الهمزة من جنس الحركة التي قبلها وهي الفتحة، فتقلب الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، كما حدث في "آدم" و"آمن". وهذا مذهب سيبويه، إذاً هذا مذهب سيبويه أن "أهل" مأخوذة من "أهل". واضحة؟
وقال الكسائي، المذهب الآخر -إمام الكوفيين-: أصلها "أَوَلَ" كجمل، حركوها حتى لا تقرأها "أَوَلَ" كجمل لأنها فتحتين، إذاً "أَوَلَ" فتحتين. قال: من "آل" يؤول، تحركت الواو والقاعدة الصرفية أن انفتح ما قبلها فكتبت ألفًا، وقد سمع عند العرب تصغيرها على "أُهيل". إذا قلنا إنه قال تصغر على "أُهيل"، هذا ينصر قول مين؟ ينصر قول سيبويه؛ هم يقولون: التصغير وجموع التكسير ترد الأشياء إلى أصولها، فإذا كلمة احترت أنت شو أصلها شوف شو مصغرها أو جمعها.
فهنا لاحظوا لما سمع تصغيرها على "أُهيل" قالوا: هذا دليل على أن الهمزة أصلها هاء كما قال سيبويه. ولكن المشكلة أيضًا هي أنه زعم تصغيرها على "أُويل"، وهذا يشد إلى قوانين الكسائي.
وقال: ولا تضاف "أل" إلا إلى ذي شرف، بخلاف "أهل". الآن من الأمور التي كثرت عند العرب أن كلمة "أل" لا تضاف إلى أصحاب الخسة، سواء خسة في مهنة أو خسة في أخلاق أو خسة في طباع. قال: فلا تقول العرب "أل الإسكافي"؛ لأن الإسكافي ليست تلك المهنة الشريفة حتى نقول نضيف إليها كلمة "أل"، فلا تقول "أل الإسكافي"، وإنما تستعمل كلمة "أهل"، كلمة "أهل" ليس فيها مشكلة عندهم؛ "أهل" يستعمل في الشريف وفي الوضيع، فتقول "أهل الإسكافي" و"أهل الملك".
أما "أل" فقال: لا تستعمل إلا في الأمور الشريفة، فتقول: الوزير، و"آل الملك"، و"آل محمد" ﷺ، و"أهل الصحابة"؛ تستعمل في الأسماء يعني لا تضاف إلا إلى الأسماء الشريفة الرفيعة وأصحاب الأبهات. وأما الأسماء الوضيعة، سواء وضيعة بسبب المهنة أنها وضيعة أو وضع بسبب الأخلاق أو الطباع، فلا تستعمل فيها كلمة "أل"، بخلاف كلمة "أهل" فإنها تستعمل في كلا النوعين.
انتقدت هذه القاعدة؛ فربنا عز وجل قال: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وهل فرعون كان صاحب وضاعة؟ في أذهانكم.. أحسنت، يعني هذا لا ينتقد به لأن فرعون هو في النهاية ملك، هو وضيع من الناحية الدينية، لكن من الناحية الدنيوية كان ملكًا. ونحن إنما نتكلم عن الاستعمال العربي؛ لأن العرب ما كانوا يستعملون "أل" لصاحب الديانة فقط، بل كل من له منصب وشرف ولو كان كافرًا. فالكلام هنا عن الاستعمال العربي وليس الاستعمال الشرعي، بالتالي لا ينتقد علينا "آل فرعون" لأن فرعون كان ذا شرف وذا مكان في النهاية في أمور الدنيا، لأنه شرفًا باعتبار الدنيا كما قال الأشموني.
واختلفوا في مسائل الخلاف، اختلفوا: هل يجوز إضافة "أل" إلى الضمير؟ هل يجوز أن نقول "آله"؟ الكسائي لا يجوز عنده أن تقول "آله"، الكسائي منع إضافة كلمة "أل" إلى الضمير، فقال لا يجوز أن تقول "آله"، وزعم ذلك، فمنعه الكسائي والنحاس أيضًا تبعه. وزعم أبو بكر الزبيدي أيضًا أنه من لحن العوام، تصور البعض جعل هذا لحنًا والصحيح جوازه. والصحيح أنه يجوز. قال عبد المطلب جد النبي ﷺ: وانصر على الصليب وعابديه اليوم إلك
لما جاء أبرهة ليهدم الكعبة فقال قصيدته، ومنها يستنصر بالله فقال: "وانصر على الصليب وعابديه اليوم إلك"، أضاف كلمة "آل" للكاف وهي ضمير، فهذا شاهد على جواز إضافة كلمة "آل" إلى الضمير. فهمتم ما مقصد هذا الشاهد؟ اكتبوا مقصد هذا الشاهد: إثبات جواز إضافة "آل" إلى الضمير والدليل هو ما ختم به البيت: "وعابديه اليوم إلك". وفي الحديث النبي ﷺ علمنا أن نقول: «اللهم صل على محمد وآله». فلاحظوا الأشموني إذًا يستدل بالحديث النبوي ويستشبه على القواعد النحوية، فاستشهد بشعر عربي وبحديث نبوي؛ لأنه قال: وفي الحديث «اللهم صل على محمد وآله». والصحيح إذًا فعلاً هو أنه يجوز إضافة "آل" إلى الضمير.
ثم قال البيت الثالث: واستعين الله في ألفية ... مقاصد النحو بها محوية
"واستعين الله" هو يطلب المعونة من الله في ماذا؟ في ألفية. واضح أن البيت لابد تقدر فيه شيء ليستقيم المعنى؛ يعني ماذا "واستعين الله في ألفية"؟ أنت تستعين بالله على الأعمال، فمعنى ذلك أن هناك شيئًا مقدرًا، "هذه الألفية" ليس عمل الألفية، هذا شيء هو المكتوب، فلابد أن نقدر شيئًا محذوفًا ليتم به السياق، وقدره الأشموني فماذا قال؟ "واستعين الله في نظمي قصيدة ألفية". فاهِمًا ماذا المقدر يا شيخ قصي؟ "نظم" كلمة "نظم قصيدة ألفية".
قال: ما معنى ألفية؟ عدد أبياتها ألف أو ألفان. كيف ألف وألفان؟ قال: بناءً على أنها من كامل الرجز أو من مشطور الرجز. إذا قلنا إن ابن مالك اعتمد على بحر كامل الرجز فمعناته هي ألف وألفان طبعًا، وإذا قلنا لا، القصيدة على مشطور الرجز فمعناتها كل شطر يعتبر بيتًا مستقلًا، فبتضرب في اثنين فتصبح على ألفين. فهمت؟ إذا هو الخلاف: هل القصيدة من كامل بحر الرجز أو من مشطوره؟ إذا قلنا هي من كامل الرجز فالقصيدة ألف بيت، خلص كل شطرين بيت. إذا قلنا من مشطور الرجز معناته كل شطر بيت، فتصبح تضرب في اثنين فتصبح ألفين. ممتاز.
ومحل هذه الجملة أيضًا، إذا جملة "واستعين الله في ألفية" ما محلها من الإعراب؟ تقول هذه معطوفة على الجملة الأولى التي بدأ بها ابن مالك ألفيته. ما هي الجملة الأولى؟ "أحمد ربي الله خير مالك"، كل الجمل الأخرى التي ستأتي معنا في الألفية هي معطوفة على جملة "أحمد ربي الله خير مالك". فهمتم؟ كل الجمل التي ستأتي معنا إلى نهاية الألفية هي عطف على الجملة الأولى التي بدأ بها ابن مالك، واضح؟ لذلك قال ومحل هذه الجملة أنها منصوبة، ليش منصوبة؟ "استعين الله في ألفية" في محل نصب لأنها معطوفة على جملة منصوبة وهي مقول القول في "أحمد ربي الله خير مالك". واضح؟
والظاهر الآن سيذكر خلاف في تقدير هل البيت فيه تضمين أم نيابة حرف عن حرف؟ انظروا ماذا قالوا: «والظاهر أن فيه بمعنى على؛ لأن الاستعانة وما تصرف منها إنما جاءت في لسان العرب متعدية بـ "على"». استعن الله على هذا الشيء. أنت تقول في عادتك: استعينوا الله على شرب الماء، استعينوا الله على قضاء هذا الأمر، وليس من العادة أن تقول: استعينوا الله في شرب الماء؛ فحرف الجر باختصار المناسب للفعل "استعان" هو "على" وليس "في".
هكذا القاعدة. امشوا معي بخطوات الحرف الذي في العادة يستعمل مع الاستعانة؛ إذا أردت أن تبين أنك استعنت به على ماذا، تستعمل "على": استعين الله على قراءة، على طلب العلم، على الصلاة، على العبادة. إذا أردت أن تبين الشيء الذي تستعينه عليه فإنك تستعمل "على"، تقول: تستعين عليه، إذا استعين على الصلاة على كذا على كذا.
لذلك قال: «والظاهر الآن»، هل في الألفية هنا أتى ابن مالك بحرف الجر "على"؟ لا، ما قال استعينوا الله على نظم الألفية، بل قال: «استعين الله في نظم الألفية». فهونًا، نريد أن نحل هذه المشكلة الآن. العرب عندهم طريقتان في الحل، خلاف بين البصريين وبين الكوفيين.
ما هي المسألة؟ إذا وجدنا فعلاً استعمل معه حرف جر ليس في العادة مستعملاً معه، فكيف نحل هذا الإشكال؟ وهذا كثير في لساننا العربي، ليس قليلاً أن يكون عندك فعل في العادة يستعمل معه حرف جر معين، فنجد في الجملة استعمال حرف جر آخر ليس هو المناسب للسياق.
هناك طريقتان لحل الموضوع: الطريقة الأولى طريقة الكوفيين. الكوفيون ماذا يفعلون؟ يقولون: حرف الجر الذي هو موجود عندنا في الجملة هو نائب عن الحرف الأصلي، فيفسرون الحرف الموجود في الجملة بالمعنى الحرف الأصلي، فيقولون مثلاً هنا "في" بمعنى "على". ثم يبحثون بعد ذلك عن النكت المجازية. مثال ذلك في القرآن الكريم: ﴿وَالْأَخْشَابُ الَّتِي اسْتُودِعَتْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [النساء: 78]، أو في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]. أنت تصلب الشخص في جذع النخل؟ الأصل: «ولأصلبنكم على جذوع النخل»، لكن القرآن جاء فيه "في". فالكوفيون ماذا يقولون؟ "في" نائبة مناب "على"، وإنما استعملت فيه للدلالة على معنى بلاغي وهو أنه سيمكن صلبهم تمكيناً كأنهم دخلوا في جذوع النخل. فالبحث عن المعنى البلاغي يأتي بعد ذلك، فتقول: "في" نائبة مناب "على" والمعنى البلاغي هو كذا وكذا، وتدرس علم البلاغة.
أما البصريون، فيقولون: حروف الجر لا تتناوب. حرف الجر هنا أصلي، ما يصير أقول "في" معناها "على"، وإنما نذهب إلى الفعل؛ يذهبون إلى الفعل فيضمنونه معنى فعل آخر يناسب حرف الجر. فالبصريون يلعبون بالفعل، والكوفيون يلعبون بحرف الجر. البصريون يقولون: لا، نحن لا نلعب بحرف الجر، فحروف الجر لا تتناوب، وإنما نأتي للفعل الذي فيه المشكلة فنضمنه ونعطيه معنى فعلاً آخر يتناسب مع حرف الجر الموجود عندنا في السياق.
فهنا ماذا فعلوا؟ قال البصريون في "استعينوا": نضمنه معنى فعل آخر، وكلمة "استعين" هنا من ضمنها معنى فعل آخر وهو "استخار"، والاستخارة تعمل معها "في"، تقول: استخرت الله في هذا الشيء، فالاستخارة تتناسب مع حرف الجر "في". فقالوا: حرف الجر "في" يبقى على حاله، ونأتي للفعل "استعين" فنضمنه معنى فعل آخر هو "استخير"، فكأنك قلت: "استخير الله في نظم الألفية". حلوا هذا، وهذا يجب أن تحفظوه لأنه كثير جداً في اللغة.
إذن؛ الكوفيون يقولون: حروف الجر تتناوب. البصريون يقولون: لا تتناوب، فبنشتغل بالفعل. وشيخ الإسلام ابن تيمية رجح قول البصريين في هذا الموضوع؛ رجح التضمين، وإن كان في الحقيقة قول الكوفيين أسهل على الطالب، لكن قول البصريين كثير من المحققين رجحوه.
طريقة البصريين أنهم قالوا: المعنى "استخير الله في الألفية". أما الكوفيون فقالوا: لا، اجعل "استعين" على حالها و"في" بمعنى "على"؛ لذلك قال: «والظاهر أن فيه بمعنى على». طبعاً هذا يقول الظاهر على كلام الكوفيين، لأن الاستعانة وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بـ "على". قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 87]. لاحظوا، أو على قول البصريين أنه ضمن "استعين" معنى فعل آخر وهو "استخير" ونحوه. ونحوه يعني يمكن أن تقول لا ليس "استخير"، بل أقدر فعلاً آخر أنسب؛ أنت حر، ضمن الفعل الذي تريده، المهم أن تأتي بفعل يتعدى بـ "في". البصري لا يجبرك على كلمة "استخير"، هو يقول لك "استخير" أو أي فعل تجده مناسباً للسياق ويتعدى بـ "في".
قال: «واستعين الله بنظمي قصيدة الألفية». الآن سينعت لنا هذه الألفية فقال في نعتها: «مقاصد النحو محوية». المقاصد جمع مقصد وهو الغاية والهدف. نعت الألفية بهذه الجملة: "مقاصد النحو محوية"، إعرابها: "مقاصد" مبتدأ، و"النحو" مضاف إليه، و"محوية" هي الخبر. "محوية" بها؛ والباء بمعنى "في" على رأي الكوفيين، أي محوية فيها، وإلا فعلى رأي البصريين بدك تضمن فعلاً يتناسب مع هذا الموضوع. إذن، ابن مالك يمدح ألفيته فيقول إن الجمل الأساسية في النحو ستجدها بحمد الله مستوفاة في هذه الألفية.
والسؤال الآن: ما معنى كلمة النحو؟ "مقاصد" هنا ستكون لنا وقفة. هذه الألفية يا أحبابي الكرام ليست في أي علم فقط، يجب أن ينتبه الطالب؛ فكثير من الطلاب يقول لك: علمي أنه غلط، بينما ابن مالك في النحو وفي الصرف، هناك ثلاثمئة بيت في الصرف، إذن هذه الألفية في النحو وفي الصرف.
سأعود أولاً إلى كلمة النحو في اللغة، بعد ذلك سنعود إلى معناها في الاصطلاح عند العلماء. النحو في اللغة كثيراً ما ذكرته لكم في الآجرومية وأظن في قطر الندى، ذكرت لكم معانيها اللغوية. ومعاني كلمة النحو يجمعها بيت: حتى يذكر قصد ومثل جهة ... مقدار قسم وبعض قاله الأخيار
وقد قال الأخيار: إن هناك ستة معاني لكلمة النحو في اللغة، وطبعاً هنا عُدَّت خمسة، وأنا عددتها ستة بإضافة كلمة "بعض".
فالنحو في اللغة إذا جاء بمعنى القصد، كقولنا: "نحوتك يا شيخ حسين"، أي قصدتك. ومثل: "محمد نحو زيد" أي مثله، وقصد: "نحو جهة المشرق" أي اتجهت جهة المشرق. ومثل: "نحو الجسد" أي مقداره، وهذا الإناء "نحو صاع" أي مقداره صاع. ثم قلنا: "كان النكاح في الجاهلية كما قالت السيدة عائشة على أربعة أنحاء"، فجمعنا "أنحاء" وهي جمع "نحو"، أي أقسام. وهذا نحو من هذا، أي بعض منه. فالنحو يأتي بمعنى البعض، وهذا المعنى الأخير ما ذكره الأشموني، أي هذا بعض من هذا. المهم أن هذه هي معاني النحو في اللغة.
أما هذه الكلمة في عرف علماء الإعراب والبناء، وفي عرف علماء العربية عموماً، فخليني أعود إلى البدايات. في البدايات كانت كلمة النحو تُطلق عند المتقدمين بما يشمل علم الصرف أيضاً. فكان تعريف النحو عند المتقدمين هو: العلم الذي يدرس الكلمة العربية إفراداً وتركيباً.
إذا يا أحبابي الكرام، بدكم تفهموا شغلة: الكلمة العربية تُدرس على مرحلتين؛ المرحلة الأولى قبل أن تُركب في الجمل، وهذا شغل علم الصرف، والمرحلة الثانية تُدرس لما تُركب في جملة، وهذا عمل علم النحو. فإذا قلنا: علم النحو هو العلم الذي يدرس الكلمة العربية إفراداً (أي قبل أن تُركب) وتركيباً (أي بعد أن رُكبت)، فهذا التعريف للنحو عند المتقدمين يدخل فيه علم الصرف.
مع تقدم كتب النحو والصرف، أصبح كل علم يُدرس في كتب مستقلة، فالمتأخرون فصلوا بين العلمين؛ فصار الصرف له تعريفه الخاص ويدرس الكلمة قبل أن تُركب، وصار للنحو تعريفه الخاص ويدرس الكلمة بعد أن رُكبت. فأصبح تعريف علم النحو عند المتأخرين هو: العلم الذي يدرس أحوال أواخر الكلم من حيث الإعراب والبناء.
إذن، ما هو عند المتأخرين أصبح متخصصاً بدراسة الإعراب والبناء، وهو علم النحو المتعارف عليه الآن. وأما عند المتقدمين، فلا كان يشمل دراسة الكلمة إفراداً وتركيباً. ولعلمكم أيضاً، هذا التعريف للنحو عند المتقدمين كان هو تعريف "علم اللغة العربية" ابتداءً؛ فكان يقصد به علم الصرف والنحو فقط. ثم عند المتأخرين وسعوا كلمة علم اللغة العربية وأوصلوا علومها إلى اثني عشر علماً، لاحظوا هذا بسموه تطور المصطلحات.
فكلمة علم اللغة العربية كان يقصد بها ما يُقصد بعلم النحو عند المتقدمين: النحو والصرف. فصار مع تطور المصطلحات كلمة علم اللغة العربية تشمل اثني عشر علماً، وصار كلمة النحو تدل على علم خاص، وكلمة الصرف تدل على علم خاص.
هل فهمتم كل هذه القصة؟ لأن ابن مالك لما قال: «مقاصدُ نحوٍ بها محويةُ»، استعمل كلمة النحو هنا على طريقة المتقدمين لا على طريقة المتأخرين؛ لأن في ألفيته لم يقتصر على النحو فقط بالمعنى المتأخر (الإعراب والبناء)، بل شمل أيضاً الصرف. فهذا يدل على أن ابن مالك لما قال "مقاصد النحو" يقصد معنى النحو عند المتقدمين، وهو دراسة الكلمة العربية إفراداً وتركيباً. وأتيت من أجل هذه الفكرة: مقاصد النحو، أي كلمة النحو بالمعنى المتقدم الذي يشمل علم الصرف، محويةٌ فيها.
ولماذا سمي هذا العلم "نحواً"؟ سواء علم الصرف أو علم الإعراب والبناء؟ قالوا إن سيدنا علي بن أبي طالب لما أتاه أبو الأسود الدؤلي -والقصة طويلة- قال له: «انحُ نحو هذا»، أي اقصد مثل هذا. فكلمة "نحو" ابتداءً استُعملت بمعنى القصد، ثم بغلبة الاستعمال أصبحت تُطلق على النحو والصرف بمعناهما عند المتقدمين، ثم فُصلت وأصبحت تُطلق على الإعراب والبناء عند المتأخرين. فالكلمة أخذت من قول علي بن أبي طالب لأبي الأسود: «انحُ نحو هذا»، ثم قلبت الاستعمال، سبحان الله، قدر الله أن تصبح هذه الكلمة على هذا الفن.
إذاً ماذا قال الأشموني في تنبيهه؟ قال: "النحو في الاصطلاح: هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه". والمراد بأحكام الأجزاء: أحكام الصرف والنحو كلاهما. وهذا ما يقصده صاحب "المقرب" -رحمه الله-؛ قال إن المراد هنا بالنحو، أي في كلام ابن مالك في هذا البيت، ما يرادف قولنا "علم العربية". فكلمة النحو عند ابن مالك يراد بها ما يراد في علم العربية، وعلم العربية بالمعنى القديم يدل على النحو والصرف. فكلمة النحو عند المتقدمين وكلمة علم اللغة العربية عند المتقدمين هما بمعنى النحو والصرف، لذلك قال: «فهو مرادف لقولنا علم العربية وليست قسيماً للصرف». يعني ليس المراد بالنحو في كلام ابن مالك هنا ما يقابله الصرف، بل الصرف داخل تحت مفهوم كلمة النحو وتحت مفهوم كلمة علم العربية بناءً على الاصطلاح المتقدم.
وهو مصدر؛ فكلمة "نحو" مصدر، أصلها "نحوتُ نحواً". لكن في إطلاقه على هذا العلم أريد به اسم المفعول. كما يُطلق المصدر "خلق" ويُراد به اسم المفعول، كقولك: "هذا خلق الله"، فكلمة "خلق" مصدر ولكن المراد بها "مخلوق". فكذلك "النحو" يُطلق على هذه المسائل مع أن معناه في الأصل مصدر، لكن المراد به اسم المفعول، أي: هذا "منحُوٌّ" أي مقصود، وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم.
كل علم من علوم الدنيا هو نحو. لماذا هذا العلم بحد ذاته جعلتموه نحوًا؟ غلبة الاستعمال وبعض الأمور القدرية.
قال كما خص الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية، وإن كان بده أن يعطيك تنظيرًا؛ فكما أن الفقه ما هو الفقه؟ هو أي فهم، فالفيزياء فقه، والكيمياء فقه، لكن سبحان الله بغلبة الاستعمال أصبح الفقه خاصًا بعلم الأحكام الشرعية العملية، وإن كان الفقه في أصل اللغة لكل فهم مهما كان. فنفس الشيء حدث مع كلمة النحو؛ إذ إن المعنى النحوي في اللغة -وإن كان الأصل يقدم معنى النحو في اللغة ثم يأتي بالمعنى الاصطلاحي- هو تنبيه سريع منه.
قال وجاء في اللغة كلمة نحو: نَحَوْتُ نَحْوَكَ أي قصدت قصدك، والمثل: مررت برجل نحوك أي مثلك، توجهت نحو البيت أي لجهة البيت، والمقدار: له عندي نحو ألف أي مقدار ألف. والقسم هذا على أربعة أنحاء، أي على أربعة أقسام.
قال وسبب تسمية هذا العلم بالنحو بذلك؟ قالوا ما روي أن عليًا رضي الله عنه لما أشاره على أبي الأسود الدؤلي أن يضعه -أي أن يضع هذا العلم- أن الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف وشيء من الإعراب، قال له: «انحُ نحو هذا» أي اقصد نحو هذا، فيا أبا الأسود، فهذا يعني من المناسبات القريبة، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
ثم قال تقرب الأقصى بلفظ موجز، وكل هذا مدح للألفية. مدحها أولًا بأن مقاصد النحو بها محوية، فانتبهوا، من لا يحفظ الألفية يضيع وقته بدراستها إلا اللهم معلومات عامة تبقى راسخة في الذهن، أما التحقيق فلا يكون إلا بالحفظ.
«تقرب» ثم المدح الثاني لها: «قد تقرب الأقصى». الأقصى البعيد، أي الإنسان الذي هو ضعيف في هذا العلم وبعيد عن قواعده، إذا درس الألفية بتقربك من أجواء هذا العلم. «تقرب الأقصى بلفظ موجز»، واللفظ الموجز هو الذي قل لفظه وغزر معناه؛ ليس هذا الإيجاز أن تقلل الألفاظ لكن تكثف المعاني. هذا الوصف الثاني للألفية بعد أن قال مقاصد النحو محوية.
الوصف الثالث قال: «وتبسط»، أي توسع البذلة أي العطاء، بـ «الباء» للسببية، أي بسبب «وعدٍ منجز»، أنا قطعته على نفسي وسأنجزه لك، فيقول توسع العطاء. وأي العطاء يقصد؟ هل العطاء المادي المحسوس أم العطاء المعنوي؟ العطاء المعنوي؛ فيقول هذه الألفية ستبسط لك عطاءً كثيرًا بوعد، أي عاهدته على نفسي وها أنا الآن أنجزه بوعد منجز.
يقول «تقرب هذه الألفية للأفهام الأقصى»، أي الأبعد من المعاني، هو حمل الأقصى على المعاني، وأنا حملت الأقصى على الأشخاص. وقال: تقرب الأقصى، أي تقرب المعاني البعيدة عن الفكر إليك، وأنا قلت لكم قبل قليل تقرب الأقصى أي تقرب الضعيف في علم النحو إلى أجواء علم النحو، فالأقصى يمكن أن تحمله على الأقصى من الأشخاص أو الأقصى من المعاني.
«تقرب الأقصى بلفظ موجز»، الباء هنا بمعنى «مع»، أي هي تقرب والمعاني البعيدة مع لفظ موجز؛ لعل تقدير الأشموني أدق من تقديري، وقد يكون أنسب في الحقيقة؛ لأنه يقول ابن مالك إن هذه الألفية تقرب المعاني البعيدة وفي نفس الوقت لا تأخذ وقتًا طويلاً، بل يستعمل الألفاظ الموجزة، وهذا في قمة الفخامة؛ أن تستطيع تقريب البعيدة بدون كثرة كلام، أنعم به وأكرم به.
وفي نفس الوقت «وتبسط البذلة» توسع العطاء، وهي إشارة إلى تمنحه لقرارها من كثرة الفوائد، «بوعد منجز» أي بوعد موفى سريعًا. فإذا قال الجوهري «أوعد»، ما الفرق بين «أوعد» و«وعد»؟ هذه فائدة سريعة: «أوعد» تكون للشر، و«وعد» تكون بالخير، هذه عادتهم في الاستعمال. ثم أنشد الجوهري: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لنخلف إيعاده ومنز موعدي
وهذه من كريم الخصال؛ أن الإنسان إذا أوعدته أو وعدته، فبالنسبة للذي أوعدته قد يخلفه، ولكن بالنسبة للذي وعدته لا يخلفه، فهو يدل على أن الخير لا يمكن أن يمنعه، لكن الشر الذي أوعد به قد يخلفه من باب كريم الخصال أيضًا.
ثم قال: «وتقتضي» أي تطلب هذه الألفية منك يا قارئها ويا دارسها «رضا بغير سخطي». ولاحظوا التأكيد؛ «تقتضي منك الرضا وإلا تسخط»، ما قال «وتقتضي رضا» وسكت، بل يريد أن يؤكد أنه لا أحد يسخط على هذه الألفية، فهي تقتضي منك الرضا. ويُحد التنكير هنا؛ لماذا استعمل التنكير؟ كان للتنكير معانٍ عديدة، من بينها التعظيم والتفخيم؛ أي أنها تقتضي منك رضا عظيمًا كبيرًا بدون أي شكل من أشكال السخط يتداخل مع هذا الرضا، إياك أن تسخط عليها فهي فائقة.
«فائقة» ما إعرابها؟ حال، وعامل الحال الفعل «تقتضي»، أي هي تقتضي منك الرضا التام بدون سخط، في حالة كونها فائقة، أي سبقت ألفية الإمام العلامة أبي الحسن يحيى بن معطي الزواوي، رحمه الله، الإمام الحنفي، وقيل إنه كان مالكيًا وليس حنفيًا، المهم الله أعلم. هذا الإمام يحيى بن معطي ألف ألفية قبل ابن مالك في القرن السادس الهجري، وابن مالك يزعم أن ألفيته فائقة بألفية ابن معطي.
فائقة في ماذا؟ قالوا إن ألفية ابن معطي جاءت على بحرين: بحر السريع وبحر الرجز، بينما ألفية ابن مالك جاءت على بحر واحد، فهذه ميزة لابن مالك. ثانيًا الأحكام؛ فهناك كثرة في الأحكام والمسائل عند أبي معطي فاقت ما عند الإمام ابن معطي رحمه الله تعالى عليه، فهذا وجه أنها فائقة لألفية ابن معطي. وهو هنا سرد ذكر ابن معطي، فانتم اقرأوا ما ذكروا عن أبي معطي رحمه الله تعالى عليه.
ومن باب التنكيت يقولون إن السيوطي رحمه الله تعالى عليه ألف ألفية -أظنه قال- «فائقة ألفية ابن مالك في النحو»، ثم جاء بعده شخص آخر فألف ألفية، قالوا «فائقة الألفية في النار»! صار كل واحد يؤلف ألفية ويشعر في تقدمها على من سبقه، وهذا شأن الإنسان أنه يحب أن يظهر صنعته في أحسن حال.
ثم قال تنبيه: يجوز في «فائقة» النصب على الحال من فاعل «تقتضي»، ويجوز أن ترفعها فتقول «فائقة» ويكون الرفع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «وهي فائقة»، ويجوز أن تجرها فتقول «فائقة» ويكون نعتًا للألفية.
قمة الألفية التي مرت معنا قبل بيتين، ألفية فائقة، فكأنها نعت متأخر، وهذا ضعيف. وهذا أضعف الوجوه في الحقيقة؛ لأنك فصلت بين المنعوت والنعت بأبيات، على حد قوله. ولكنه نظر لا على حد قوله: ﴿هَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾.
في النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة؛ لأنك إذا قلت "فائقة" نعت الألفية، تكون الألفية نعتت أولًا بالجمل، ثم نعتت بعد ذلك بالمفرد. والأصل أن النعت إذا اجتمع فيه نعت الجمل مع المفردات أن يتقدم نعت المفردات ثم يأتي بعد ذلك نعت الجمل.
لكن جائز في العربية بشكل عام أن تأتي بنعت الجمل ثم تأتي بنعت المفردات، جائز ولكنه ليس بذاك القوي. لذلك مثل له بقوله: ﴿هَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، على اعتبار "مبارك" أنها نعت لكتاب بعد أن فصل بينها وبين المنعوت بالجملة "أنزلناه". في النعت بالمفرد بعد أن نأتي بالجملة، والغالب -لاحظوا ماذا قال- والغالب العكس؛ فالعادة عند العرب أن نعت المفردات يأتي ثم نأتي بنعت الجمل.
فبالتالي، إما أوجه الأقوال أن نقول إنها "فائقة" وهذا هو المشهور عندكم، أو "فائقة" وما "فائقة" فهو أضعفها. لذلك قال: "والغالب العكس"، وأوجب بعضهم تقديم المفرد على الجمل، يعني البعض قال أصلًا لا يجوز تأخير نعت المفرد بعد نعت الجملة، فبالتالي كما قلت لكم القول هذا عليه علامات استفهام.
ثم قال: «وهو بسبق حائز تفضيلًا». انظروا الأدب، بعد أن ذكر تفوقه عاد فاستدرك، قال لها: لكن اسمعوا، ابن معطى بسبقه لي في التصنيف، هذا الفضل هو الذي فتح لنا الباب، وهو بسبق أي بسبب سبقه. "حائز" خبر أول، و"مستوجب" خبر ثاني، أي هو حائز تفضيلًا بسبب سبقه، والخبر الثاني "مستوجب ثنائي الجميل".
"الجميل" مفعول به للمصدر "ثنائي"، وهذا يدل: هل الثناء يكون بالجميل وبغير الجميل؟ هذه مسألة ذكرناها قبل قليل في تعريفنا للحمد، وقلنا الصحيح أو الأقرب أن الثناء يكون بالجميل ويكون بالقبيح. فهنا ابن مالك لما قال "مستوجب ثنائي الجميل" أراد أن يبين أن ثناؤه لن يكون إلا بالجميل.
ثم "ثنائية" هي مصدر، ممكن أن تكون نعتًا لها وهذا لا حرج فيه، ما دمنا حافظنا على أن هذا معرفة وهذا معرفة. وهو ابن معطى بسبق الباء للسببية، حائز تفضيلًا عليّ ومستوجب ثنائي الجميل، لما يستحقه السلف من ثناء الخلف عليهم. و"ثناء" مصدر مضاف إلى فاعله وهو الياء، و"الجميل" إما صفة للمصدر نعت كما قلت، أو معمول له.
ثم قال: «والله يقضي أن يحكموا». هذا البيت الأخير في المقدمة، به هبات، جمع هبة وهي العطية، بهبات وافرة أي تامة لي وله في درجات الآخرة. والدرجات هي المراتب. وقال أبو عبيدة: الدرج أعلى والدرك إلى أسفل؛ لذلك الجنة درجات والنار دركات. والمراد مراتب السعادة في الدار الآخرة. ولفظ الجملة خبر، ومعناها الطلب لأنه في مقام الدعاء "الله يقضي"، فهي جملة خبرية في الظاهر، لكن معناها الدعاء فهي جملة إنشائية من حيث المعنى.
نختم بهذه الفائدة وهي الإشكالية التي دار عليها هذا البيت في قوله: "بهبات وافرة". الآن أحبابي الكرام، إعادة لسان العرب: إذا كان الجمع لعاقل، سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة، إذا كان عندنا إنسان عاقل، يجمع على جمع قلة مثل "مسلمون" -وهو جمع مذكر سالم- أو جمع كثرة مثل "رجال".
هنا فائدة سريعة: جموع القلة سنأتي إليها إن شاء الله بالتفصيل إذا كان في العمر بقية، عندما نتكلم عن جمع التكسير. جموع القلة هي ستة أوزان: أفعِلَة، وأفعُل، وفعْلَة، وأفعال، زائد جمع المذكر السالم، وزائد جمع المؤنث السالم. هذه الستة: أفعيلة، أفعُل، فِعْلة، أفعال، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم؛ احفظوها مثل أسمائكم لأنها تعتبر جمع قلة عند كثير من النحاة.
ما الفرق بين جمع القلة وجمع الكثرة؟ جمع القلة فيه خلاف في تحريره، المشهور أنه يدل على ثلاثة إلى عشرة، وجمع الكثرة ما زاد عن ذلك. جمع القلة ما دل من ثلاثة -والبعض يقول إلى تسعة والبعض يقول إلى عشرة- وجمع الكثرة ما زاد عن ذلك.
فإذا كان عندي كلمة تدل على عاقل وجمعتها جمع قلة مثل كلمة "مسلم"، المسلم يدل على عاقل، فجمعتها جمع مذكر سالم "مسلمون"، أو جمعتها جمع كثرة على وزن "رجال"؛ فكل أوزان جمع التكسير التي ليست من هذه الأربعة فهي جموع كثرة، لترتاحوا. فمثلاً كلمة "رجال" على وزن "فعال" ليست من الأربعة، بالتالي هي جمع كثرة.
فإذا كان عندي اسم يدل على عاقل، سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة، فإن النعت ينبغي أن يكون مطابقًا للمنعوت في الجمع. فماذا أقول؟ أقول: "مسلمون نجباء"، ولا أقول "مسلمون نجيب"؛ لأننا لو قلنا "نجيب" فقد اختلفت في الجمع، فكلمة "مسلمون" لا تنفع مع "نجيب" لأنه لم يطابق الجمع بالجمع. ولا يصير أن أقول "رجال نجيب"؛ لأن "نجيب" وصف الواحد، فيجب أن نطابق بينهم من حيث الجمع.
أما إذا كان الاسم يدل على غير عاقل، كحيوان أو جماد، فإذا جُمع جمع قلة -ويمكن طبعًا أن يجمع جمع كثرة- فإنه يلزم المطابقة أيضًا. فمثلاً كلمة "هبة" التي وردت عندنا في البيت، جمعها على ماذا؟ "هبات". وهبة ليست اسم عاقل، هي بمعنى العطية، وهي غير عاقل. جمعناها جمع قلة أم كثرة؟ "هبات" جمع مؤنث سالم، وجمع المؤنث السالم من جموع القلة، فينبغي أيضًا المطابقة، فلا بد أن تقول: "هبات وافرات"؛ هكذا ينبغي أن تقول لأنه جمع قلة لغير عاقل، فتنبغي أيضًا المطابقة.
هنا لابد من مطابقة، وهنا لابد من مطابقة، أما إذا كان جمع كثرة لغير العاقل فلا تلزم المطابقة. ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَسُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾، فكلمة "سرور" هل قال "مرفوعات"؟
لا، "سرر" مرفوعة. "سرر" جمع "سرير" أولًا، هي عاقل ولا غير عاقل؟ غير عاقل. طب جمعت على ماذا؟ "سرر". هل هي من جموع الكثرة ولا جموع القلة؟ خلص، أنت إذا حفظت جموع القلة الستة راح تكتشف أنها ليست من جموع القلة بل هي من جموع الكثرة؛ إذًا يجوز عدم المطابقة، فتقول: "سرر مرفوعة"، ما قال مرفوعات.
أعطيك مثالًا آخر؟ جبال، ماذا تقول؟ جبال على وزن أفعال. جبال جمع "جبل"، تقول جبل عاقل ولا غير عاقل؟ غير عاقل. طب جمعناها على جبال، جبال جمع كثرة وجمع قلة جمعك "أثْرٍ" صح؟ إذًا يصير أقول: جبال راسية، وتقول: راسيات، صح؟ ما عندنا مشكلة لأن هذه جمع كثرة لغير عاقل.
الآن ما المشكلة؟ المشكلة أننا في البيت يا شيخ قصي؛ ما هو أنه قال: "والله يقضي به هباتٍ وافرة"، هذا جمع قلة بغير عاقل، فكان ينبغي أن يقول ابن مالك بالمطابقة: "والله يقضي بهبات وافرات"، بس هو ماذا قال عندنا؟ "وافرة". فهنا سنضطر أن نؤول لابن مالك حتى نعذره؛ فأولوا له البيت. قالوا يقصد ابن مالك يعني لابد أن نقدر كلمة مفردة قبل "هبات" نجعل كلمة "وافرة" نعتًا لها، لازم تقدر كلمة قبل كلمة "هبات" تكون هذه الكلمة هي المنعوتة حقيقة بالنعت المفرد "وافرة".
فماذا قدروا؟ قالوا نقدر البيت: "والله يقضي بجماعة هبات وافرة"، فكلمة "وافرة" ليست نعتًا لـ "هبات" كما حكوا، بل هي نعت لكلمة "جماعة" أو "جمع". كلمة "جماعة" أو "جمع" مفردة ولا ليست مفردة؟ هي معناها جماعة، لكن أنت تنظر إليها كلفظة، كلمة "جماعة" أو "جمع" مفردة، والقصة بتجمعها؛ جماعة تجمع على جماعات، فكلمة "جماعة" أو "جمع" مفردة، فقالوا خلص نقدر هذه الكلمة قبل "هبات"، فتقدير البيت: "والله يقضي بجماعة هبات وافرة"، فـ "وافرة" نعت لـ "جماعة" أو لـ "جمع"، وهكذا انتهينا.
طبعًا هذا كله تأويل من باب أننا نتدلل من مالك، ولا هل كان ابن مالك يقصد هذا التقدير أم وقع سهوًا؟ الله تعالى أعلم. لكن عادة العلماء أنهم يعتذرون خاصة عندما يكون الأمر مع إمام كبير مثل ابن مالك، صعب تخطئه، هو إمام كبير رحمه الله، فدأب العلماء الذين يحترمون السلف رحمة الله عليهم أنهم يعتذرون لهم مثل هذه الاعتذارات.
فهمتم؟ لذلك هو قال في وصف "هبات" وهو جمع، "وافرة" وهو مفرد؛ لتأوله بـ "جماعة"، أي قدرنا قبل "هبات" كلمة "جماعة هبات". لماذا أولوا هذا التأويل وأتيتم بتقدير كلمة "جماعة"؟ قال: وإن كان الأفصح... هو يريد أن يقول لك الأفصح يا عمي أنه الآن أول شيء نقول: "هبة وافرات" لأن "هبات" جمع قلة لغير عاقل.
والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل، وفي جمع العاقل مطلقًا سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة -كما قلت لكم على الشاشة- أنه المطابقة، نحو: "الأجداع انكسرت" و"المنكسرات"، و"الهندات الهنود انطلقن" و"المنطلقات". والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الإفراد؛ يعني الأفصح أن تقول يا حسين: "جبال راسية" و"سرر مرفوعة"، وقولك "جبال راسيات" يجوز لكنه خلاف الأفصح.
والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الإفراد؛ تقول "الجذوع انكسرت" ما تقول "انكسرن". طب لماذا "الأجداع انكسرت"؟ الأجداع على وزن أفعال، وهي من جموع القلة، فالأصح تقول: "الأجداع انكسرت". لكن إذا جمعت على "جذوع"، جذوع جمع كثرة لغير عاقل، فالأفصح فيه الإفراد، فتقول: "الجذوع منكسرة"، ومن غير الأفصح أن تقول "منكسرات" وإن كان جائزًا.
خاتمة، بدأ بنفسه في الدعاء؛ لاحظوا ابن مالك كيف التزم بآداب الدعاء، فقال: «والله يقضي بهبات وافرة لي وله»، أي لابن معطي، لماذا قال "لي"؟ لأن الأدب في الدعاء أن تبدأ بنفسك ثم تدعو لغيرك؛ لذلك بدأ بنفسه، كما في الحديث: «كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدأ بنفسه» رواه أبو داود في سننه. وقال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28]، وعن موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: 151].
وكان الأحسن أن يقول رحمه الله تعالى حتى يخلص من كل المشكلة: "والله يقضي بالرضا والرحمة لي وله ولجميع الأمة". لكن ابن مالك رحمه الله أراد أن يقول لهم: "اسمعوني"، كأنه يريد أن يريحنا من كل هذه الإشكالات: "جماعة وجمع ووافراته"، خلص: "والله يقضي بالرضا والرحمة لي وله ولجميع الأمة". وهو فوق أنه خلص من الإشكال الذي ورد عليه، دعا لجميع الأمة. كأنه يريد أن يقول: يا ابن مالك أنت قصرت فينا، والدعوة دعيت لنفسك وللمعطي، ونحن الذين نقرأ ونتعلم، كان الأفضل أن تشملنا بهاي الدعوة أو المباركة، فكان حكيًا دوليًا: "لجميع الأمة". رحمة الله على الأئمة جميعًا.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. ونلتقي بكم إن شاء الله في المحاضرة القادمة في بداية الموضوع الأول، هذا كله تحليل للمقدمة، وفي الدرس القادم نبدأ بالموضوع الأول، وموضوع الكلام والكلمة والفرق بينهما إلى غير ذلك من المسائل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل