بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف. المحاضرة السابقة أنهينا الحديث عن التابع الثاني من التوابع، ألا وهو التوكيد. اليوم موعدنا مع التابع الثالث والرابع بإذن الله، ألا وهو العطف بنوعيه: عطف البيان وعطف النسق.
قال ابن مالك رحمه الله: العطف إما ذو بيان أو نسخ.
والغرض الآن بيان ما سبق، أي ما سبق ذكره ألا وهو عطف البيان. فذو البيان ما تعريفه؟ تابع هو تابع من التوابع، تابع شبه الصفة حقيقة القصد به منكشفة. وذو البيان تابع شبه الصفة، أي مشابه للصفة حقيقة القصد به منكشفة. ما معنى هذه المفردات الثلاث التي بها يتضح معنى عطف البيان؟
يقول الأشموني في تحليله لهذا التعريف الذي قدمه ابن مالك لعطف البيان: "فقوله تابع"؛ قال هذا الجنس، وهذا هو جنس التعريف دائمًا، أول كلمة في التعريف عند المناطقة هي جنس التعريف. قال: "فقوله تابع" هذا جنس يشمل جميع التوابع، لما تقول تعريف عطف البيان إنه تابع، هذه الكلمة ليست جامعة ولا مانعة، فكلمة تابع تشمل جميع التوابع الأخرى.
ثم قال: "وشبه الصفة"، أي مشابه للصفة أي مشابه للنعت. قال هذا الفصل الأول أخرج عطف النسق والبدل والتوكيد؛ لأن عطف النسق، وما معنى "أخرج" قبل ما نقول؟ شبه الصفة يعني أن الغرض من عطف البيان هو نفس الغرض من النعت. ما هو الغرض الأساسي من النعت؟ إما توضيح المعارف أو تخصيص النكرات، وكان الغرض البياني الأساسي من النعت هو نفسه الغرض كذلك لعطف البيان: توضيح المعارف وتخصيص النكرات.
فهذا معنى قولي إن عطف البيان تابع مشابه للصفة، أي للنعت في ماذا؟ في مقصده؛ أي أن المقصد من النعت هو توضيح المعارف وتخصيص النكرات، كذلك المقصد من عطف البيان توضيح المعارف وتخصيص النكرات. فإذا عرفنا أن عطف البيان هو مشابه للصفة في المقصد، إذًا خرج بذلك التوكيد؛ لأن التوكيد ليس غرضه توضيح المعارف أو تخصيص النكرات. كذلك البدل فليس غرضه توضيح المعارف ولا تخصيص النكرات، وكذلك عطف النسق فليس غرضه توضيح المعارف ولا تخصيص النكرات، وإنما لها مقاصد أخرى. فبقوله "شبه الصفة" قال: خرج بذلك عطف النسق والبدل والتوكيد لأنها ليس مقصدها هو مقصد الصفة.
إذًا عطف البيان هو تابع شبيه بالصفة. الآن بقي علينا أن نحترز ونفرق بين عطف البيان وبين النعت، فسنحتاج إلى الفصل الثالث، فقال: "حقيقة القصد به منكشفة". يقول الأشموني وقوله "حقيقة القصد" إلى آخره: قال هذا القيد الثالث والأخير لإخراج النعت؛ أي إنه مفارق للنعت من حيث إنه يكشف المتبوع. هذا معنى حقيقة القصد، والقصد يعني هو المقصود، المقصود هو المتبوع، "حقيقة القصد به منكشفة" أي إنه يكشف المتبوع بنفسه، يكشف نفس المتبوع، لا بمعنى فيه أو في سببية.
ما معنى هذا الكلام؟ هذا كلام دقيق يحتاج لتوضيح. الآن أحبابي الكرام، لما نقول: "جاء عمر أبو حفص"، بينما نقول: "جاء عمر الشجاع"، الآن هذا المثال نعت، وهذا المثال عطف بيان. من الفوارق الأساسية التي ستأتي معنا إن شاء الله، أن عطف البيان يكون عبارة عن جامد وليس مشتقات، أما النعت فيكون عبارة عن مشتقات. هذا فرق أساسي وجوهري حتى تستطيع التمييز بين عطف البيان والنعت؛ فالنعت المفرد يكون مشتقًا: اسم فاعل، اسم مفعول، صيغة مبالغة، وصفة مشبهة، أما عطف البيان يكون جامدًا من الأسماء الجامدة وليس من المشتقات، هذا من ناحية تصريفية.
لكن نحن الآن من الناحية المعنوية، ما هو الفرق بين عطف البيان والنعت؟ من ناحية المعنى يقولون: عطف البيان يبين نفس متبوعه من دون ذكر أو إضافة معنى فيه، لكن النعت يبين متبوعه بذكر معنى فيه وهو الشجاعة. الآن لما قلنا: "جاء عمر أبو حفص"، أبو حفص هذه عطف بيان، أبو حفص لم تضف معنى داخل عمر، بل بينت عمر بنفسها، أن عمر هو نفسه أبو حفص. أعيد: عطف البيان يبين حقيقة المتبوع، ذاته من دون إضافة معنى فيه، بينما "جاء عمر الشجاع"، الشجاع وضحت وعينت عمر، لكن من خلال ذكر معنى في عمر وهو الشجاعة؛ من خلال ذكر معنى في عمر تم التوضيح، أما هنا لم يتم ذكر معنى داخل عمر، بل هو فقط مرادف من المرادفات؛ عمر هو نفسه أبو حفص، فأبو حفص هو نفسه عمر، فلما ذكرت الكنية ازداد عمر وضوحًا من دون ذكر معنى فيه.
أما في النعت، فلا بد أن توضح من خلال ذكر معنى في المتبوع، هذا إذا كان النعت حقيقيًا، وإذا كان النعت سببيًا قد تذكر سببية فتقول: "جاء عمر القائم أبوه"، فهنا نعت سببي، تم التوضيح من خلال ذكر معنى ليس قائمًا في المتبوع بل قائم في سببية المتبوع وهو الأب، فهنا القيام ليس معنى قائمًا في المتبوع بل هو معنى قائم في سببية. لكن عمومًا النعت إنما فلسفته تقوم على ذكر معنى في المتبوع أو في سببيته، سواء كان حقيقيًا أو سببيًا. أما عطف البيان، فأنت تكشف نفس المتبوع من دون إضافة معنى فيه، أنت تكشف حقيقة المتبوع كما قال الأشموني؛ لذلك قال: يكشف المتبوع بنفسه لا بمعنى فيه ولا في سببيته. أنت كيف وضحت عمر هنا؟ لما ذكرت "الشجاع" في "عمر الشجاع"، لكن لما قلت "جاء عمر أبو حفص"، أبو حفص ليس معنى قائمًا في عمر توضح عمر من خلاله، بل أبو حفص هو نفسه عمر وعمر هو نفسه أبو حفص، كأنه نوع من الترادف. فإذًا هكذا يقولون إنه يفارق النعت من حيث إنه يكشف المتبوع بنفسه، لا بمعنى فيه ولا في سببيته. فإذًا هذا هو عطف البيان.
مشابه للصفة في أن مقصده توضيح المعارف وتخصيص النكرات، احفظوها. الغرض من عطف البيان التوضيح للمعارف والتخصيص بالنكرات، ويفارق النعت في أن عطف البيان يبين حقيقة المتبوع من دون إضافة معنى فيه، وأما النعت فيبين المتبوع من خلال ذكر معنى فيه أو في سببه.
وهناك فرق آخر؛ هذا فرق معرفي، لكن الفرق اللفظي بين النعت وعطف البيان هو أن عطف البيان يكون جامدًا والنعت يكون مشتقًا. هذا والله تعالى أعلم.
ثم قال: «فأولينه»، يعني أعطيه من وفاق الأول، الأول هو المتبوع، «فأولينه من وفاق الأول»، ما من وفاق الأول، أن نعتًا ولي يريد أن يقول لك إن العلاقة بين عطف البيان وبين متبوعه هي مشابهة للعلاقة بين النعت الحقيقي وبين متبوعه. النعت -قلنا يجب أن يتبع منعوته، والكلام عن النعت الحقيقي وليس عن النعت السببي- يجب أن يتبع النعت منعوته في أربعة من عشرة.
إذا تتذكروا هذه الأربعة: النعت يتبع منعوته في الرفع أو النصب أو الجر، وفي التذكير أو التأنيث، وفي التعريف أو التنكير، وفي الإفراد أو التثنية أو الجمع. النعت يتبع منعوته في أربعة من عشرة، وكذلك عطف البيان يتبع متبوعه في أربعة من عشرة. فإذا كان المتبوع معرفة، فعطف البيان معرفة، وإذا كان مذكرًا يجب أن يكون مذكرًا، وإذا كان مؤنثًا يجب أن يكون مؤنثًا، وإذا كان مرفوعًا يكون مرفوعًا، وإذا كان مفردًا يكون مفردًا، وهكذا.
فما يتبع فيه النعت الحقيقي متبوعه وهو الأربعة من عشرة، يتبع فيه عطف البيان متبوعه أيضًا؛ فإذا كان المتبوع معرفة يكون عطف البيان معرفة، وإذا كان نكرة يكون عطف البيان نكرة، وإذا كان مذكرًا يكون مذكرًا، وإذا كان مؤنثًا يكون مؤنثًا، وإذا كان مفردًا يكون مفردًا، وإذا كان مثنى يكون مثنى، وإذا كان جمعًا يكون جمعًا، ونفس الشيء في الرفع والنصب والجر. فلابد إذًا من هذا الاتباع وهذه العلاقة، فلذلك اختص ينصر على نفسه ابن مالك فقال: «فأولينه»، أي أعطين عطف البيان من وفاق الأول، يقصد به متبوعه، أعطه من موافقة متبوعه ما كنت تعطي النعت في موافقة متبوعه؛ أنا كنت أعطي النعت في موافقة متبوعه أربعة من عشرة، فالنعت الحقيقي كذلك، فكذلك عطف البيان.
طبعًا عطف البيان أيضًا نريد أن نذكر مثلاً فرقًا ثالثًا بينه وبين النعت، وهو أن عطف البيان لا ينقسم إلى حقيقي وسببي، بل هو كله حقيقي، أما النعت ففيه حقيقي وفيه سببي. هذا فرق ثالث. إذاً انظروا كيف نحن نستنتج الفروق: عطف البيان جامد فالنعت مشتق، عطف البيان كله حقيقي فليس فيه سببي، وعطف البيان يبين حقيقة المتبوع من خلال ذكره هو نفسه، كأن نقول: «إن عمر هو نفسه أبو حفص»، فأبو حفص ليست جزءية في عمر، بل أبو حفص هو عمر وعمر هو أبو حفص، لكن النعت يبين من خلال ذكر معنى فيه كالشجاعة أو الكرم أو الرجولة، أو معنى في سببه. فهذه أفكار جيدة أن تكون حاضرة عند الطالب ليحسن التمييز بين البابين.
«فأولينه من وفاق الأول» وهو متبوع، أي من وفاق الأول، النعت ولي ذلك أربعة من عشرة: أوجه الإعراب الثلاثة وفروعه، والإفراد وفروعه، والتذكير وفروعه. أما قول الزمخشري -وأنا سأخرج عن الموضوع قليلاً- فالزمخشري مثلاً ماذا يقول؟ يقول إن قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، إن قوله: «مقام إبراهيم» هو عطف بيان على قوله تعالى: «آيات بينات». فالزمخشري يقول: «مقام إبراهيم» عطف بيان لـ«آيات»، ولكن «مقام» مفرد و«آيات» جمع؛ فهل يجوز عندك يا زمخشري أن يختلف عطف البيان عن متبوعه في الإفراد والجمع؟
نعم، الزمخشري يرى جواز ذلك، فيقول الأشموني: إن قول الزمخشري هذا مخالف لإجماع النحاة. إذاً إذا كانت «آيات» جمعًا، فما سيكون إعراب «مقام إبراهيم»؟ بدل، فنقول: «فيه آيات بينات مقام إبراهيم»، نعرب «مقام» بدلًا ولا نعربها عطف بيان.
وقول الزمخشري والجرجاني اشترط أن يكون عطف البيان أوضح من متبوعه؛ فمثلاً إذا كان متبوعه علمًا، يجب أن يكون عطف البيان أوضح، وطبعًا تكون صعبة، إذ يجب أن يكون ضميرًا وهذا لا يصلح، إذا تتذكرون ترتيب المعارف. لنأخذ مثالًا آخر؛ إذا كان المتبوع معرفًا بـ«أل»، فإن رأي الزمخشري والجرجاني أنه يجب أن يكون عطف البيان شيئًا أوضح من المتبوع، أي أكثر تعريفًا، فيكون اسم إشارة أو اسم موصول أو علمًا. مثلاً إذا كان المتبوع اسم موصول، يجب أن يكون عطف البيان علمًا حتى يكون أوضح من متبوعه. هل هذا الكلام صحيح؟
الزمخشري يقول إن عطف البيان يجب أن يكون أوضح من متبوعه، وكيف تفهم هذا بأن تتذكر مراتب المعارف؛ فإذا كان المتبوع على مرتبة من مراتب المعارف يجب أن يكون عطف البيان على مرتبة أعلم، هكذا يقول الزمخشري. لكن هنا ماذا يقول الأشموني؟ قال: الزمخشري والجرجاني أيضًا مخالفان لقول سيبويه في: «يا هذا ذا الجُمَّةِ»، حيث يقول سيبويه إن «ذا الجُمَّةِ» (أي صاحب الجُمَّة) إعرابها عطف بيان لـ«هذا».
لو أتينا لنحللها: «يا هذا ذا الجُمَّةِ»، لو قلنا إن «هذا» هو المتبوع وهو اسم إشارة، و«ذا الجُمَّةِ» معرف بماذا؟ معرف بالإضافة لما فيه «أل»، وبالتالي اسم الإشارة وهو المتبوع أوضح وأعرف من عطف البيان، ومع ذلك جوزه سيبويه. سيبويه قال إن «ذا الجُمَّةِ» إعرابها عطف بيان لـ«هذا»، وإذا أخذنا أن اسم الإشارة أقوى من المعرف بـ«أل»، وبالتالي هو أقوى من المعرف بالإضافة لما فيه، فهنا عطف البيان على رأي سيبويه يجوز أن يكون أقل تعريفًا من متبوعه، وبالتالي كلام الزمخشري ليس دقيقًا.
ما بيزبطش اللي عنده لازم يكون أعز في البيان أوضح من متبوعه، هنا لا؛ لأن المتبوع جاء اسم إشارة، وعطف البيان جاء أقل منه معرفة بالإضافة لما فيه، ومع ذلك جوزه سيبويه، وسيبويه حجة في هذا الباب.
ثم قال: «وإذا كان له مع متبوعه ما للنعت مع منعوته»، فحينئذ هذا السطر يتعلق بالبيت الذي يليه. قال: «وإذا كان له» أي لعطف البيان مع متبوعه ما أعطينا للنعت مع منعوته، فبالتالي فقد يكونان -هذه الفاء فاء تفريعية- إذا عرفت ذلك فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين. فعطف البيان يمكن أن يكون متبوعه نكرة، بالتالي يكون عطف البيان نكرة، ويمكن أن يكون متبوعه معرفة، بالتالي يكون عطف البيان معرفة.
قال: «فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين»، قال: «لأن النكرة تقبل التخصيص بالجامد كما تقبل المعرفة التوضيح به»، نحو: «لبست ثوباً جبة». الآن لماذا ينص الأشموني على هذا؟ هو وقع خلاف: هل عطف البيان يختص فقط بالمعارف أم يدخل عطف البيان على النكرات مثله مثل النعت الصحيح؟ هل يدخل عطف البيان على النكرات كما يدخل على المعارف؟ هذه هي الفكرة التي يدندن حولها ابن مالك الآن؛ لأن بعض النحاة قالوا: عطف البيان لا يكون إلا في المعارف، جاء عمر أبو حفص وقال: لا يوجد عطف بيان في النكرات.
لكن هنا ابن مالك يقول: لا، في عطف بيان في النكرات كما يوجد عطف بيان في المعارف، «فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين». كان هنا في قياس قاسَ حالة التنكير على حالة التعريف، أن حالة التنكير هي الواقع فيها خلاف. ومثال النكرة: «لبست ثوباً جبة»، فما المانع أن تقول: «جبة» عطف بيان لـ «ثوباً» مع أنه كلاهما نكرة؟
قال: هذا هو مذهب الكوفيين والفارسي وابن جني والزمخشري وابن عصفور، بل وجوزوا أن يكون منه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، «كفارة» نكرة و«طعام» عطف بيان وهو نكرة أيضاً. قال: فيمن لون «كفارة» لأنه البعض تراها «أو كفارة طعام» بالإضافة، ويقول لك «أو كفارة طعام مساكين» وهي قراءة صحيحة. ونحو قوله تعالى: ﴿يُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16]، «صديد» نكرة والمتبوع هو «ماء» أيضاً نكرة.
قال: وذهب غير هؤلاء الذين ذكرهم إلى المنع، وأوجبوا ما سبق البدلية وخصصوا عطف البيان بالمعارف. إذاً المخالفون لهذا التيار الذين يقولون إن عطف البيان لا يكون إلا في المعارف، بماذا وجهوا الآيات السابقة مثل «أو كفارة طعام مساكين» أو مثلاً «ماء صديد»؟ قالوا: هذه كلها بدليات وليست عطف بيان، هذا كل بدل وليس من قبيل عطف البيان، فكان هذا حلهم للقضية ومنعوا أن يدخل عطف البيان على النكرة، وقالوا هو خاص بالمعارف.
وقال ابن عصفور: «وهذا القول الذين يمنعون دخول عطف البيان على النكرات»، قال: هذا قول أكثر النحويين، بل زعم الشلوبين أنه مذهب البصريين. قال الناظم في بعض مصنفاته، ولم أجد هذا النقل من غير جهته؛ فالشلوبين هو الوحيد الذي وجدنا ينسب هذا الرأي إلى البصريين، ولم نجد أحداً نسب هذا المذهب إلى البصريين سوى الشلوبين. وقال الشارح ابن الناظم: «ليس قول من منع بشيء»، يعني ابن الناظم يقول قول أكثرهم ليس بشيء، بل الصحيح جواز دخول عطف البيان على النكرات كما يدخل على المعارف.
طيب، وقيل يختص عطف البيان بالعلم؛ اسماً أو كنية أو لقباً، هذا قول ثالث في المسألة متطرف جداً، يرى أن عطف البيان لا يدخل على كل المعارف، بل يدخل فقط على الأعلام، هكذا يرى أصحاب هذا القول، لكن ضعفوا الأشموني، قال: «وقيل»، فلذلك لا نحتاج إلى هذا الرأي.
ثم قال: «وصالحاً للبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمر، ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضيين». في هذين البيتين الختاميين يقول ابن مالك -رحمه الله-: كل ما جاز إعرابه عطف بيان جاز إعرابه بدل؛ هذه هي القاعدة. طبعاً سيختلف المعنى، ولذلك في الحقيقة عند معالجة هذا البيت عند النحاة أجد بعض الإشكالية، أن بعض النحاة هكذا يقول: كل ما إعرابه عطف بيان يجوز أن يكون بدلاً، فعندما يعلم هذه القاعدة لتلاميذه، يصبح التلميذ إذا جاء إلى إعراب عطف بيان يقول: عطف بيان ويجوز أن يعرب بدلاً، بس هذا في الحقيقة هذا الإطلاق مش دقيق.
أصل نعم، كقاعدة نحوية أن عطف البيان يصح أن يكون بدلاً، والبدل يصح أن يكون عطف بيان، هذه كقاعدة نحوية، بس أنت الآن بدك تنتبه على المعنى؛ لأنه معنى البدل يختلف عن معنى عطف البيان. البدل يكون فيه البدل هو المقصود بالحكم، لكن معنى عطف البيان هو مجرد توضيح لما قبله أو تخصيص له، فالمعنى يختلف بين البدلية وعطف البيان.
فنحن كناحية نحوية نعم نقول: كل ما جاز إعرابه بدل جاز إعرابه عطف بيان، لكن لما أنا أسقط هذا على بيت شعري أو على منثورات العرب وأبدأ أحلل، ما ينفعش أقول للطالب خلص أعربه زي ما بدك، بدل أو عطف بيان؛ لأنه إذا أعربه بدلاً فمعناه أنه فهم المقطع أو النص بطريقة معينة، وإذا أعربه أنه عطف بيان فمعناه أنه فهم النص والمقطع على طريقة أخرى. بالتالي أنت بدك تكون متحرس جداً في إسقاط هذا البيت، أنه نعم كل بدل إعرابه عطف بيان صحيح، وكل عطف بيان إعرابه بدل صحيح، لكن يجب مراعاة المعنى. فالمعنى إذا كان يأخذك إلى عطف البيان تعرب عطف بيان ولا تعرب بدلاً، وإذا كان المعنى يأخذك إلى البدلية تعرب بدلاً ولا تقول عطف بيان، فالمعنى يحكمك في النهاية حقيقة. بس نحن الآن كونا في النحو خلينا على موضوعنا.
قال: «وصالح للبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمر». الآن نحن حكينا كل عطف بيان يجوز إعرابه بدل إلا في أمثلة يجب إعراب عطف البيان ولا يجوز إعراب البدلية؛ لأن الإعراب بالبدلية سيسبب إشكالاً نحوياً، لأنك إذا أعربته بالبدلية يعني هناك أمثلة يكون فيها الإعراب عطف بيان ولا يجوز من حيث الصناعة النحوية أن يكون الإعراب بدلاً، فقط عطف بيان، ليه؟ لأنك إذا عرفته بدلاً ستسبب إشكالاً نحوياً، وهذا من اهتمام النحويين بالصناعة النحوية، ويقولون في بعض الأمثلة إعراب البدلية سيسبب إشكالاً نحوياً فنمنع منه. مثال الأشياء هذه قال في غير نحو يا غلام يعمر.
ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي. الآن نحن حكينا أن كل عطف بيان يجوز أن يكون بدلاً من ناحية نحوية، إلا إذا كانت هناك إشكال نحوي.
ما هو الإشكال النحوي؟ قالوا مثل: «يا غلامُ يعمرُ». يعمر اسم شخص. الآن أحبابي الكرام، يعمر عطف بيان، روعي فيها محل المنادى. المنادى هنا «غلام» سيأتي معنا أنه منادى مبني على الضم في محل نصب. فلما جاء عطف البيان جاء منصوباً مراعاة للمحل. ماذا سيأتي معنا إن شاء الله؟ عطف البيان منصوب مراعاة للمحل.
هل يجوز أن نقول بهذا العطف البيان إنه يعمر بدل؟ قالوا لا ينفع. لماذا؟ لأنه سيأتي معنا فكرة في باب البدل، وهي أن البدل علانية تكرار العامل، وهاي كثير حكيتها في شرعية أو في هذه الدورة. البدل علانية تكرار العامل. إذا قلت إنه يعمر بدل، إذاً هناك نداء أخرى مقدرة، فكأنه: «يا غلام، يا يعمر».
يعمر اسم شخص كما حكينا، لما يأتي عندي «يا يعمر» في باب المنادى، سيأتي أن الاسم المفرد يكون مبنياً على الضم في محل نصب، ولا يجوز أن يكون منصوباً مباشرة. فلو قلت «يا يعمرُ» يجب أن تكون مبنية على الضم في محل نصب، ولا يجوز أن تكون منصوبة. فإذا أعرِبت «يعمر» هنا منصوبة؛ إذا أردت أن يكون يعمر بدلاً فلن يمشي الحال وسيكون خطأ. لماذا؟ لأن البدل على نية تكرار العامل، فإذا كان هناك «يا» مقدرة قبل «يعمر»، يجب أن تكون «يعمرُ» مبنية على الضم أيضاً وليست منصوبة، وهي هنا منصوبة، فلا يصح البدلية ويجب البيان. هذا مثال أول على إشكال نحوي.
نأخذ مثالاً آخر؛ قال: «ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي». يشير هنا إلى المثال الثاني: «أنا ابن التاركي البكري بشر». الآن أحبابي الكرام، التاركي اسم فاعل مضاف، والبكري مضاف. نلاحظ أن اسم الفاعل هنا اقترن بـ «ال»، ومر معنا أنه إذا كان اسم الفاعل المضاف مقترناً بـ «ال» -وهي الإضافة اللفظية- فيجب أن يكون المضاف إليه مقترناً بـ «ال» أو مضافاً لما فيه «ال»، ووصل قلبي ذا المضاف مغتفر إن وصلت بالثاني، كالجعد الشعر، أو الذي له، أضيف الثاني كزيد الضارب رأس الجاني، وكونها في الوصف كافٍ إن وقع مثنى أو جمعاً سبيله أتبع.
مرت معنا الأحوال الخمسة حقيقة التي يجوز دخول المضاف فيها، ومن تلك الأحوال أن تدخل على المضاف بشرط أن تدخل أيضاً على المضاف إليه. وهذا حاصل هنا: «التاركي البكري بشر». «بشر» إعرابها عطف بيان للبكري، ومن هو البكري؟ هو بشر.
هل يجوز إعراب بشر بدلاً كخيار آخر؟ قالوا إذا قلنا بشر كخيار آخر بدل، ينتج عندي إشكال نحوي فيكون هنا خطأ. ما هو الإشكال؟ قالوا الإشكال أن البدل على نية تكرار العامل. البكري، ما هو العامل فيه؟ المضاف وهو «التاركي»، فهذا العامل يجب أن يتكرر أيضاً مع البدل. نحن قلنا إننا نريد أن نحاول إعرابها على البدلية، فإذا قلنا «بشر» بدل، فالعامل في البدل يتكرر، فمثلاً لو قلنا البكري هو المبدل منه، شو العامل فيه؟ المضاف، فهذا المضاف يجب أن يكون مكرراً أيضاً قبل «بشر». فنقول كان التقدير: «أنا ابن التاركي البكري التاركي بشر».
هل يجوز أن تكون «التاركي بشر»؟ لا ينفع، لأن هنا ألف المضاف موجودة، لكن المضاف إليه ليس فيه «ال» ولا هو مضاف لما فيه «ال»، فوقع إشكال. «التاركي» وجدت فيها ألف المضاف ولم توجد في المضاف إليه (بشر)، بالتالي لن يصلح إعراب البدلية؛ لأننا قلنا البدلية علانية تكرار العامل، فالعامل في المبدل منه وهو كلمة «التاركي» ستكون مقدرة أيضاً قبل البدل، وسيصبح التقدير: «أنا ابن التاركي البكري التاركي بشر».
«التاركي بشر» هنا ألف المضاف موجودة لكنها ليست موجودة في المضاف إليه، ولا بالإضافة إلى المضاف لما فيه «ال»، ليست حالة من حالات جواز الإضافة في هذه الصورة، فبالتالي لا يصلح البدل وأنت مجبر على عطف البيان. فإذا كان الإشكال النحوي يمنع من البدالية فنبقى على عطف البيان وينتهي الأمر.
قال: «فبشر عطف بيان من البكري وليس أن يبدل بالمرضي». قد امتنع «أنا الضارب زيدٌ» لامتناع «أنا الضارب زيداً». ما معنى الامتناع عن «الضارب زيد»؟ لأنه مر معنا أنه إذا وجدت ألف المضاف في الإضافة اللفظية يجب أن تكون أيضاً في المضاف إليه أو المضاف إلى المضاف إليه، ولا يجوز «أنا الضارب زيداً» لأن هنا وجدت ألف مضاف ولم توجد في المضاف إليه. قال: نعم، الفراء يجيزه. إذاً الفراء يجيز دخول ألف المضاف مع عدم وجودها في المضاف إليه مطلقاً في الإضافة اللفظية، فبناءً على رأي الفراء يجوز البدل هنا، بس رأي غيره لا يجوز.
قال تنبيه: يتعين أيضاً العطف ويمتنع الإبدال في نحو قولك: «هند ضربت زيداً أخاها»، و«زيد جاء الرجل أخوه». لماذا؟ لأن البدل في التقدير يعتبر كأنه جملة أخرى منفصلة عن الجملة السابقة، فيفوت الربط، بخلاف عطف البيان. لأن البدل بني على نية تكرار العامل، لازم تنوي أنك كررت العامل الذي عمل في المبدل منه، تنوي تكراره مع البدل، فيجعلون البدل كأنه عبارة عن جملة أخرى جديدة منفصلة عن الجملة السابقة.
ماذا ينبني على هذا؟ لو قلنا: «هند ضربت زيداً أخاها». الآن لو قلت: «هند ضربت زيداً»، هند مبتدأ، و«ضربت زيداً» جملة فعلية. هل تصلح هذه الجملة الفعلية أن تكون خبراً للمبتدأ؟ نحن قلنا إن الجملة الفعلية حتى تصلح أن تكون خبراً يجب أن تحتوي على رابط. «هند ضربت زيداً»، أين الرابط؟ أين الضمير الذي يعود من هذه الجملة على هند؟ لا يوجد، «هند ضربت زيداً» ليس في هذه الجملة ضمير في «ضربت زيداً» يعود على هند.
بالتالي أحبابي الكرام لن تصلح، فلما قال: «هند ضربت زيدًا أخاها»، تعال: «هند ضربت زيدًا أخاها»، لأن «أخاها» شو يعربها؟ قال عطف بيان، ممتاز. وهذا في البيان فيه ضمير يعود على هند، فهنا أصبحت جملة «ضربت زيدًا أخاها» تصلح أن تكون جملة خبرية لهند؛ لأنها تحتوي على ضمير يعود عليها.
ونفس الشيء: «زيد جاء الرجل أخوه»، نفس الفكرة، أن عطف البيان هو الذي اشتمل على الضمير الذي يعود على المبتدأ فتحصل به الفائدة. فلو أني أنا قلت: «هند ضربت زيدًا أخاها» وأعربت «أخاها» بدلًا، قلنا البدل يعتبر كأنه من جملة أخرى، فكأن «أخاها» أصبحت منفصلة من جملة أخرى، وعادت الجملة «هند ضربت زيدًا» ولا تحتوي على رابط، فلا تصلح للخبرية. كذلك «زيد جاء الرجل أخوه»، لو قلنا «أخوه» بدلًا خلص كأنه من جملة أخرى، فكأن الجملة أصبحت «زيد جاء الرجل»، وهذه لا تحتوي على رابط، فبالتالي لا تصلح. هنا إعراب البدلية، ويتعين عطف البيان حفاظًا على وجود الرابط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ.
تمام؟ الآن ختامًا، قال الفرق بين عطف البيان والبدل خاتمة؛ يفارق عطف البيان البدل في ثمان مسائل، أي فائدة نفيسة حقيقة اعتنوا بها. الفوارق بين عطف البيان وبين البدل:
واحد: أن عطف البيان لا يكون مضمرًا ولا تابعًا لمضمر، مثله مثل النعت؛ مش نحن ما رفعنا النعت لا يكون ضميرًا والمنعوت لا يكون ضميرًا، كذلك عطف البيان، عطف البيان لا يكون ضميرًا والمتبوع لا يكون ضميرًا، فالعطف عطف البيان مثله مثل النعت في هذه الجزئية. لكنهم يفارقون ماذا؟ لكن هذا يخالف البدل؛ لأن البدل يجوز أن يكون ضميرًا، ويجوز أن يبدل من ضمير. فبالتالي عطف البيان لا يكون مضمرًا ولا تابعًا لمضمر؛ لأنه في الجوامد، نظير النعت في الصفات، يعني هي الفرق التي مرت معنا أن عطف البيان لا يكون إلا جامدًا، والنعت لا يكون إلا مشتقًا، لكنهما متشابهان في أصل الفكرة، فلا يكون عطف البيان ضميرًا ولا تابعًا لضميره، أما البدل فيجوز أن يكون ضميرًا ويجوز أن يكون مبدلاً من ضمير. وذكر هنا قولًا، شيء هيك الشاهد للزمخشري رحمه الله، فهذا دعوكم.
التنبيه الثاني: أن البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره، كعمر مر معنا أن عطف البيان يكون مطابقًا لمتبوعه تعريفًا وتنكيرًا. وأما البدل فلا يشترط فيه أن يكون موافقًا متبوعه تعريفًا وتنكيرًا، فيجوز أن يكون المبدل منه معرفة والبدل نكرة أو العكس.
الثالث: أنه لا يكون جملة، بخلاف البدل فإنه يكون جملة. عطف البيان ما يأتي جملة، وأما البدل يأتي جملة، والنعت يأتي جملة، فهذا فرق بين عطف البيان والنعت؛ أن النعت يمكن أن يأتي جملة، وأما عطف البيان فلا يأتي إلا مفردًا. فهنا خالف عطف البيان النعت والبدل، إذ لا يكون جملة بخلاف البدل والنعت فإنهما يصلحان أن يأتي جملة.
الرابع: أنه لا يكون تابعًا لجملة؛ أي هل يكون المتبوع جملة؟ قالوا لا، عطف البيان لا يكون متبوعه جملة، وأما البدل فيجوز أن يكون متبوعه جملة.
الخامس: قال إنه لا يكون فعلًا تابعًا لفعل؛ عطف البيان يكون في الأسماء ولا يكون في الأفعال، أما البدل يدخل على الأسماء ويدخل على الأفعال.
السادس: أنه لا يكون بلفظ الأول بخلاف البدل؛ يعني عطف البيان لا يمكن أن يكون لفظه مطابقًا للفظ متبوعه، وأما البدل فيجوز أن يكون البدل لفظه مطابقًا للفظ متبوعه بشرط، وهو أن يحتوي البدل على زيادة تجعله مقصودًا. كقوله تعالى مثلا: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ جَافِيَةٍ * إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ [الرعد: 9]، ذهبت الآية عن ذهني سبحان الله، ﴿كُلُّ أُمَّةٍ جَافِيَةٍ﴾، هناك من قرأ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ جَافِيَةٍ * كُلُّ أُمَّةٍ تَدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، البعض قال «كل الثانية» هي بدل من «كل الأولى». هذا بالضبط، «كل أمة جافية كل أمة»، البدل والمبدل من نفس اللفظ، ولكن هناك توابع هي التي يقع فيها الاختلاف؛ ﴿كُلُّ أُمَّةٍ جَافِيَةٍ * كُلُّ أُمَّةٍ تَدْعَىٰ﴾، فهذه كلمة «تدعى» هي الإضافة التي جوزت البدلية في هذه الحالة، أنها عملت نوعًا من الفرق، لكن كإعراب، كل أمتنا الأولى البدل منها كل أمة الثانية، فيجوز أن يكون البدل لفظه مطابقًا للفظ المبدل منه، أما عطف البيان هذا لا يمكن فيه البتة، وإن كانت هذه الفكرة التي قال الأشموني فيها نظر يحتاج إلى تروٍ أكثر.
الفرق السابع: أنه ليس في نية إحلاله محل الأول بخلاف البدل؛ سيأتي معنا أن البدل هو المقصود بالحكم والمبدل منه كأنه يصبح في طي النسيان، ويصبح البدل التركيز والأضواء متجهة عليه، والمبدل منه في حكم النسيان. أما عطف البيان فلا، عطف البيان ما زالت الأضواء على المتبوع، جاء عمر، الأعين كلها على عمر، وأبو حفص، المراد منها مجرد التوضيح والتبيين، إذ إنه ليس في نية إحلاله محل الأول بخلاف البدل.
الثامن: أنه ليس في التقدير من جملة أخرى بخلاف البدل؛ ما مر معنا قبل قليل أن البدل يعتبر كأنه بسبب نية التكرار، العامل في البدل أصبح من جملة أخرى منفصلة، وأما عطف البيان فهو ليس على نية تكرار العامل، بالتالي يعتبر من نفس مضمون الجملة.
هكذا نكون انتهينا أحبابي الكرام من ذكر عطف البيان، ننتقل إلى التابع الرابع: عطف النسق. طبعًا كلمة النسق تعني التتابع، لو سألك أحد ما معنى النسق؟ النسق يعني التتابع. عطف النسق يعني عطف التتابع. قال ابن مالك: «تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبَعٌ»، عطف النسق هذا هو التعريف باختصار. «تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبَعٌ»، عطف النسق؛ هو التالي الذي يأتي بعد حرف من حروف الاتباع، باختصار هو التالي لحرف من حروف الاتباع. ما هي حروف الاتباع؟ هي التي سنتعلمها إن شاء الله طوال هذا المبحث. إذن الاسم أو الكلمة أو الجملة، عشان نقول أي كلمة تالي، حتى يشمل كل شيء؛ التالي لحرف من حروف الاتباع، هذا هو عطف النسق.
«بِوٍّ وَثَنَاءٍ». فالكلمة "ثناء" هي التالية لحرف من حروف الاتباع وهو الواو هنا.
يقول الأشموني: «أي تابع جنس يشمل جميع التوابع»، فتعلّم أي تابع جنس يشمل جميع التوابع. ولو قال: «التالي»، أي الذي يأتي بعد حرف، لكان أفضل؛ قوله: «فالتالي» أي تابع، أظنها تحتاج إلى نظر أكثر، لماذا قال: «التالي»؟ أي تابع هو التالي لحرف متبع، وبحرف، يخرج ما عدا عطف النسق منها؛ لأن جميع التوابع -إن فكرت فيها- هي تالية لمتبوعها.
إذا كان هذا الذي يقصده الأشموني، فعندما تقول عطف البيان أضعف من عطف النسق، هو تالٍ. والنعت مش تالٍ لمتبوعه، وعطف البيان مش تالٍ لمتبوعه، والتوكيد مش تالٍ لمتبوعه؛ كل التوابع هي تالية، وهذا الكلام صحيح. كل التوابع هي تالية لمتبوعيها، ولكن ما الفرق بين عطف النسق وبين باقي التوابع؟
الفرق هو أن عطف النسق هو تالٍ ولكن بواسطة حرف اتباع، بخلاف التوابع الأخرى التي هي تالية بدون واسطة حرف؛ فكل التوابع تالية بدون حرف عطف أو حرف اتباع، أما عطف النسق فميزته أنه تالٍ بواسطة حرف اتباع.
وقوله: «بحرف يخرج ما عدا عطف النسق منها»، فقوله: «بحرف يخرج ما عدا عطف النسق منها» لأن كلها توالٍ لكن ليست بحرف. ومتبع يخرج نحو قولك: «مررت بغضنفر أي أسد». وقوله: «متبع يخرج نحو قولك مررت بغضنفر أي أسد»، فإن "أسد" هنا تالية وأيضًا بعد حرف وهو "أي"؛ فكلمة "أسد" تالية وبعد حرف. لكن هذا الحرف "أي" ليس من حروف الاتباع على الصحيح، لأن في خلاف؛ البعض جعل من حروف الاتباع فيعتبر هذا عطفًا، لكن عند جمهور البصريين وما مشى عليه ابن مالك، "مررت بغضنفر أي أسد" هنا "أسد" تالية، لكن هل هي تالية بحرف اتباع؟ لا، ليس حرفًا من حروف الاتباع؛ فحروف الاتباع هي أحرف العطف التي ستأتي معنا، و"أي" ليست من حروف العطف.
إذن ماذا سيكون إعراب "أسد" في "مررت بغضنفر أي أسد"؟ تقول "أسد" إعرابها بدل أو عطف بيان، ما عندنا مشكلة وإن كانت البدلية أوضح هنا. وقد اعتبر البيان أوضح، فقال: «فإن أسدًا تابع بحرف وليس معطوفًا عطف نسق»، أي أن "أسد" تابع بواسطة حرف، لكنه مع ذلك لا يعتبر معطوف عطف نسق بل عطف بيان كما قلنا، تعرب عطف بيان أو تعرب بدلًا. لماذا لم يعتبروه عطف نسق؟ قال لأن "أي" ليست حرفًا من حروف الاتباع على الصحيح، بل هي حرف تفسير فقط، وهكذا هو التعريف للعطف بالحروف التي ستأتي معنا.
ثم ذكر من ذلك: «بِوٍّ وَثَنَاءٍ»، «مِنْ صِدْقٍ». إذن أحبابي الكرام، الخلاصة أن عطف النسق هو العطف بحرف متبع، وبالتالي لمتبوعه، لكن تلوه يكون بواسطة حرف من حروف الاتباع وليس أي حرف، فلابد أن يكون تاليًا بحرف من حروف الاتباع. وما هي حروف الاتباع؟ هي حروف العطف التي ستأتي معنا. فقولك: "مررت بغضنفر أي أسد"، هنا "أسد" جاءت بعد "غضنفر" وهناك حرف في المنتصف بينهما، لكن هذا الحرف ليس حرف اتباع، هو حرف لكنه ليس حرف اتباع على الصحيح، بالتالي يكون ما بعد "أي" إعرابه بدل أو عطف بيان لما قبل "أي"، وأرجو أن يكون التعريف قد وضح.
إذن: التالي بواسطة حرف اتباع لمتبوعه هذا يسمى عطف النسق. ثم بدأ الآن بتعداد الحروف، قال: «فالعطف مطلقا بواو، فـ فاء، ثم، حتى، أم، أو، كفٍّ، صدق، ووفاء». قال: «فالعطف مطلقا»، الآن حروف العطف سيقسمها إلى قسمين.
حروف العطف تنقسم -أحبابي الكرام- إلى قسمين: القسم الأول هي حروف العطف التي تشارك ما بعدها لما قبلها لفظًا ومعنى. هذه الحروف تجعل ما بعدها مشاركًا لما قبلها من الناحية اللفظية -أي الإعرابية- ومن الناحية المعنوية أيضًا، فيكون مشتركًا في الحكم. ما بعد الحرف مشارك لما قبل الحرف في الحكم، مثلاً: "جاء زيد وعمرو". الآن هذه الواو ما بعدها "عمرو" وما قبلها "زيد"، نقول ما بعد الواو مشارك لما قبلها من الناحية اللفظية؛ فـ "عمرو" جاء مع "زيد" اثنان، ومن الناحية المعنوية أيضًا فإن "عمرو" مشارك لـ "زيد" في حكم الجملة وهو المجيء، كلاهما جاء. كذلك: "جاء زيد ثم عمرو"، لاحظ نفس الفكرة؛ "عمرو" مشارك لـ "زيد" من الناحية اللفظية ومن الناحية المعنوية في حكم الجملة، فحكم الجملة كما ينطبق على "زيد" ينطبق على "عمرو". وهكذا في سائر ما ذكر؛ فهذه هي المجموعة الأولى من حروف العطف، وهي الحروف التي تجعل ما بعدها مشاركًا لما قبلها في اللفظ وفي المعنى، فيكون ما بعدها مشاركًا في حكم الجملة لما قبلها.
ما هي حروف العطف التي تتسم بهذه السمة؟ قال: «فالعطف مطلقا بواو، والفاء، وثم، حتى، أم، أو». صحيح، هي ستة أحرف: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأم، وأو؛ ما بعدها مشارك لما قبلها في الحكم الإعرابي وفي حكم الجملة. وطبعًا سيذكر هنا إشكالية في "أم" و"أو" بالتحديد، سننتظر لنتطرق إليها بعد ما نقرأ كلام الأسبوع.
قال: «فهذه الستة تشرك بين التابع والمتبوع لفظًا ومعنى»، وهذا معنى قوله: «مطلقًا». إذن ما معنى قول ابن مالك: "فالعطف مطلقًا"؟ معنى الإطلاق هنا أي العطف لفظًا ومعنى. وقال: «وهذا ظاهر في الأربعة الأول»، ويقول الأشموني: «وهذا الاشتراك في اللفظ وفي المعنى ظاهر في الأربعة الأول: الواو، والفاء، وثم، وحتى».
أما "أم" و"أو"، فقد قال المصنف -رحمة الله عليه- في بعض كتبه إن أكثر النحويين على أنهما يشركان في اللفظ لا في المعنى، والبعض جعل "أم" و"أو" من القسم الثاني. القسم الثاني هو الحروف التي تشارك ما بعدها لما قبلها في اللفظ وليس في الحكم والمعنى. لكن الأشموني ماذا يقول؟ قال: «والصحيح أنهما يشتركان لفظًا ومعنى ما لم يقتضيا إضرابًا». الآن سيأتي معنا أن "أم" و"أو" لهما معانٍ في حروف العطف، ومن معانيها التي تأتي "الإضراب".
والإضراب سيأتي معناه؛ أن يكون ما قبل "أم" أو "أو" مسكوتًا عنه من حيث الحكم، وما بعد "أم" أو "أو" هو المحكوم عليه. يسكت عما قبل "أم" أو "أو" ويحكم على ما بعدهما؛ إذاً يسكت عما قبلها ويحكم عما بعدها. فإذا كانت للإضراب، نقول صح.
تكون (أو) من القسم الثاني، وهي الحروف التي تشرك ما بعدها لما قبلها في اللفظ فقط، لكن إذا جاءت "أو" لمعانٍ أخرى غير الإضراب -وسيأتي معناها- فهي في الحقيقة مع هذا القسم. وكذلك "أم" إذا جاءت لغير الإضراب فهي أيضًا مع هذا القسم. لذلك قال: «والصحيح أنهما أم وأو يشركان لفظًا ومعنى بشرط ما لم يقتضيا إضرابًا».
لماذا؟ قال: لأن القائل "أزيدٌ في الدار أم عمرو؟" عالم بأن الذي في الدار أحد المذكورين. الأب يريد أن يفهمك كيف "أم" و"أو" تدلان على مشاركة ما بعدها لما قبلها في المعنى. لنفكر فيها؛ في هذه الجملة: "أزيدٌ في الدار أم عمرو؟"، تأتي "أم" بعد همزة الاستفهام مثلاً. كيف يكون عمرو مشاركًا لزيد في المعنى مع أنك شاك؟ لأن القائل عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين، واحد منهم وغير عالم بتعيينه.
بالتالي، الذي بعد "أم" مساوٍ ومشارك للذي قبلها في صلاحية ثبوت الاستقرار في الدار أو انتفائها؛ يعني كلاهما صالح أن يكون هو الثابت في الدار، وكلاهما قابل لأن يكون هو الذي لم يثبت فيها. فالذي بعد "أم" مساوٍ للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار أو انتفائه، وحصول المساواة إنما حصل بـ "أم".
وكذلك "أو" تكون مشركة لما قبلها وما بعدها فيما يجاء من أجله من شك أو غيره. عندما تقول: «كل التفاحة أو البرتقالة»، فالبرتقال والتفاحة كلاهما صالح لانطباق الحكم عليه، فهذا وجه التشريك، وقس على ذلك.
قال: «أما إذا اقتضيا إضرابًا فإنهما فعلاً يشركان في اللفظ فقط». لماذا لم ينبه عليه ابن مالك بما أنهما في حالة الإضراب ليستا من هذا القسم؟ قال: لم ينبه عليه لأن مجيء "أم" و"أو" للإضراب قليل، فتكلم عنهما مع هذا القسم باعتبار الشائع الغالب. ثم قال: «واتبعت لفظًا فحسب»، وهذه الفاء تعتبر زائدة، "واتبعت لفظًا" أي فقط.
الآن النوع الثاني من حروف العطف: حروف تشرك ما بعدها لما قبلها في اللفظ، يعني الناحية الإعرابية دون المعنى؛ بحيث يكون ما بعدها مشاركًا لما قبلها في الناحية الإعرابية، كأن يكون مرفوعًا أو منصوبًا، لكنه لا يشارك من حيث المعنى، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها في الحكم.
ما هي هذه الأحرف؟ قال: «واتبعت لفظًا فحسب»، أي فقط؛ وهي: "بل، ولا، ولكن". سيأتي معنا تفصيل هذه الأحرف واحدة واحدة بإذن الله، لكن الكلام الآن جملة. المثال قوله: «لم يبدُ امرؤٌ لكن طلا». "الطلا" هو ولد الغزلان، أو ما يقولون البقر الوحشي.
في هذه الجملة "لم يبدُ امرؤٌ لكن طلا"، يجب أن تركز على العناصر الثلاثة في أسلوب العطف: المعطوف عليه، والمعطوف، وحرف العطف. "لم يبدُ امرؤٌ" هو المعطوف عليه، و"لكن" هو حرف العطف، و"طلا" هو المعطوف. المعطوف عليه حكمه النفي، أما المعطوف فحكمه الإثبات؛ لأنه هو الذي بدا، فالمعطوف عليه نفيناه والمعطوف أثبتناه، وهنا حدث الاختلاف في المعنى؛ واحد مثبت وواحد منفي.
ونفس الشيء سيأتي معنا؛ كقولك: «جاء زيدٌ لا عمرو»، هنا المعطوف عليه مثبت وهو "زيد"، والمعطوف الذي بعد "لا" منفي وهو "عمرو". هما مشتركان من حيث الحكم الإعرابي، لكن من حيث المعنى مختلفان تمامًا. وكذلك عندما تقول: «لم يأتِ زيدٌ بل خالدٌ»، هنا "بل" للإضراب، فما بعد "بل" مخالف لما قبلها.
اختلف في ثلاثة أحرف مما ذكره هنا، وهي: "حتى، أم، ولكن". قال: «أما حتى» فمذهب الكوفيين أصلاً أنها ليست حرف عطف، ونحن الآن عددنا حروف العطف ستة، وهنا ثلاثة، فكم صارت؟ تسعة، وهذا الذي عده ابن مالك في الألفية. في خلاف في "حتى"؛ فمذهب الكوفيين أنها ليست حرف عطف، وإنما يعربون ما بعدها بإضمار عامل، وتعتبر "حتى" ابتدائية، مثل: «أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها».
عندنا نحن نعتبرها "حتى" عاطفة بشروطها التي ستأتي، لكن عند الكوفيين في هذه الجملة "حتى" لا تأتي عاطفة أصلًا، بل هي حرف ابتداء، و"رأسها" مفعول به لعامل مضمر، والتقدير: أكلتُ السمكة حتى أكلتُ رأسَها.
حتى أكلت رأسها. هيكل التقدير، فتضمر عاملاً هو الذي نصب رأسها، وليس رأسها منصوباً بالعطف على السمكة عندنا: «أكلت السمكة حتى رأسها»، رأسها منصوب لأنه معطوف على السمكة، إنه معطوف على السمكة. لكن عند الكوفيين يقول لك: لا، يقول لك حتى هذه ليست عاطفة، حتى ابتدائية. طيب رأسها ما الذي نصبه؟ عامل محذوف يفسره العامل المذكور، هكذا وجهة نظرهم.
قال: وأما «لكن»، فذكر النحاس فيها خلافاً، وإن أبا عبيدة ذهب إلى أنها مجرد حرف بمعنى همزة الاستفهام، فإذا قلت: «قائمٌ زيدٌ أم» عامل، فالمعنى «أقائمٌ زيدٌ»، فتصير على مذهبه بالتالي استفهامياً. قال: وأما «لكن»، فذهب أكثر النحويين إلى أنها من حروف العطف.
هيك ممتاز. طيب وين الخلاف فيها؟ قال: ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال. إذاً «لكن» راح تعرف أن أولاً أكثر النحويين على أنها حروف عطف، ومقابلهم يونس بن حبيب سيذهب إلى أنها مجرد حرف استدراك. خلونا عند أكثر النحويين على أنها حرف عطف، الذين قالوا إنها حرف عطف اختلفوا على كم قول؟ قال: على ثلاثة أقوال.
القول الأول: أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو، وهذا مذهب الفراء وأكثر النحويين وهذا المشهور عليه، أنه «لكن» لا تكون حرف عطف إلا إذا تجردت من الواو قبلها، إذا جاء قبلها الواو ما عادت حرف عطف، إذا تجردت من الواو قبلها بتكون حرف عطف.
القول الثاني: أنها عاطفة ولا تستعمل إلا بالواو، يعني هذا عكس القول الأول تماماً، أنه هي حرف عطف بشرط أن تقترن بالواو قبلها، جاء زيد مثلاً لم يأتي زيد ولكن عمرو، ولكن جاءت الواو: «ولكن عمرو». القول الثاني يقول لك هذه «لكن» العاطفة، طيب إذا كانت هذه «لكن» العاطفة، هذه الواو ما محلها من الإعراب؟ قالوا: لا تكون عاطفة إلا مع الواو، والواو حينئذ تكون زائدة، وصحح هذا الرأي ابن عصفور.
قال: وعليه ينبغي أن يوافق مذهب الأخفش، لأنه ما قال إن الواو، عفواً، إن «لكن» عاطفة، ولما مثل للعطف بـ «بلاك» مثل لها مصاحبة للواو، هكذا قال ابن عصفور. وأما القول الثالث: أن العطف بها وأنت مخير في الإتيان بالواو وعدم الإتيان بها، هو مذهب ابن كيسان. ابن كيسان يقول لك «لكن» عاطفي، سواء جاءت معها الواو أو ما جاءت معها الواو، فهذا يعني يا حبال بن كيسان رحمة الله تعالى عليه.
لكن نحن ماشيين على الرأي الأول، حقيقة أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تسبق بواو العطف، أما إذا سبقت بالواو فهنا الواو تكون هي حرف العطف ولكن تكون مجرد حرف استدراك، فلو قلت: «لم يأتِ عمرو لكن وزيد»، هنا نقول الواو حرف عطف ولكن مجرد حرف استدراك، وزيد معطوف، لكن بالواو وليس بذلك.
القول الأول قول جمهور النحويين أنها عاطفة، بس الذين قالوا إنها عاطفة اختلفوا على ثلاثة اتجاهات. القول الثاني الذي يرى أنه «لكن» لا تأتي أصلاً عاطفة في العربية، وهو يونس بن حبيب شيخ سيبويه، ويرى أن «لكن» مجرد حرف استدراك وليست عاطفة، والواو قبلها عاطفة لما بعدها على ما قبلها، هكذا ذهب، قال: وليست عاطفة، والواو قبلها هي العاطفة، عطف مفرد على مفرد وليس عطف جمل.
ففي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40]. الآن على رأي يونس بن حبيب، «لكن» هنا مجرد حرف استدراك، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله، «لكن» مجرد حرف، والواو حرف عطف، ورسولاً معطوفة على أبا، عطف مفرد على مفرد، يعني ليس عطف جملة على جملة، البعض ممكن يفكر أن التقدير: «ولكن كان رسول الله»، وجملة «كان رسول الله» معطوفة جملة على جملة، لا، يونس بن حبيب يقول هي مجرد عطف مفرد على مفرد، رسولاً معطوف عطف مفرد على أبا وخلصت القضية.
وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك وليست بعاطفة، والواو قبلها عاطفة لما بعدها على ما قبلها عطف مفرد على مفرد، ووافق الناظم هنا، ووافق في كتابه السيد يونس بن حبيب على أنها مجرد حرف استدراك، فقال في التسهيل: «وليس منها لكن وفاقا». ابن مالك نفسه رأيه اختلف في «لكن»، في التسهيل جعل «لكن» حرف استدراك فقط ليست عاطفة، مثله مثل يونس بن حبيب، لكن هنا عدها عاطفة وهذا هو الرأي الأكثر نحوياً.
الآن بعد ما خلصنا من كلام الجملة، سنبدأ بالتفصيل في واحد واحد من حروف العطف، سنبدأ على الترتيب، ثم بالفاء، ثم ثم، وهكذا حتى نمر عليها جميعها. قال: «فاعطف بواو لاحقاً أو سابقاً في الحكم أو مصاحباً موافقاً». يقولون أحبابي الكرام: الواو لمطلق الجمع، هذه عبارة مشهورة، الواو كحرف عطفية لمطلق الجمع، يعني مطلق الجمع يعني لمطلق الضم، سواء كان ما بعدها سابقاً لما قبلها أو ما قبلها سابقاً لما بعدها أو حصلا معاً.
إيش يعني؟ يعني لما نقول: «جاء زيد وعمرو»، هنا الواو دلتني على مجرد الانضمام، انضمام زيد وعمرو في المجيء، لكن من الذي جاء أولاً؟ هل زيد الذي جاء أولاً؟ أم عمرو الذي جاء أولاً؟ أم الاثنان جاءا مع بعضهما؟ الواو لا تفيد شيئاً من ذلك. طيب يا شيخ هي «جاء زيد وعمرو»، إذاً زيد هو الذي جاء أولاً ثم عمرو، يقول: لا، الواو لا تدل على الترتيب. صح هم هكذا في الجملة، لكن هذا لا يدل على أن هذا هو الترتيب في الواقع الحقيقي، لما أقول: «جاء زيد وعمرو»، ممكن في الواقع عمرو جاء أول شيء بعدين جاء زيد، بس أنا لما حكيت الجملة ما رتبت، قلت: «جاء زيد وعمرو»، هل الواو تدل على ترتيب معين؟ الصحيح لا.
فلذلك فاعطف بواو لاحقاً أو سابقاً في الحكم أو مصاحباً موافقاً، فالواو هي مجرد تشريك انضمام، ضم ما بعدها لما قبلها في الحكم، لكن هل تفيد ترتيباً معيناً؟ أبداً. قال: فالأول نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الإسراء: 3], فهنا إبراهيم فعلاً من حيث الواقع الزمني هو بعد نوح.
إبراهيم من حيث الواقع عليه السلام، من حيث الواقع العملي هو بعد نوح؛ ففعلاً ما بعد الواو هو متأخر زمنياً عما قبل الواو. لكن هل التأخر عرفناه من نفس الواو أم من الواقع التاريخي؟ من الواقع التاريخي، وليس الواو هو الذي أفاد.
فهذا هو المثال الأول. عن الأول؟ أن عطف الواو سابق، يعني الترتيب الطبيعي أن تعطف الواو متأخر زمنياً على متقدم زمنياً، فالواو متأخر زمنياً على المتقدم زمنياً. وأما الثاني وهو العكس، أن تعطف الواو متقدم زمنياً على متأخر. مثال ذلك: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ فالذين من قبلك هم متقدمون على النبي ﷺ، ومع ذلك ذكر النبي ﷺ ثم عطف عليه من قبله.
وأما الثالث وهو الذي يكون فيه المعية، قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ هنا الاثنين مع بعض نجوا، سيدنا نوح وأصحاب السفينة في نفس الوقت نجوا، وهذا معنى قوله: «مصاحباً موافقاً»، الاثنين نجوا مع بعضهما البعض: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، وهذا معنى قولهم: «الواو لمطلق الجمع».
فإذاً الواو باختصار قد يكون ما بعدها متأخر زمنياً عما قبلها، وقد يكون العكس ما بعدها متقدم زمنياً عما قبلها، وقد يكون الأمر على المعية. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تفيد الترتيب، وحُكي ذلك عن قطرب وثعلب والربعي، وبذلك يُعلم أن ما ذكره في خلاف البعض قال: لا، الواو تفيد ترتيباً. هذا مذهب بعض الكوفيين.
بالتالي نعرف أن ما ذكره السيرافي والسهيلي في كتبه من أن إجماع النحاة -مصرييهم وكوفيهم- على أن الواو لا ترتيب فيها، هذا الإجماع ليس صحيحاً؛ لأن بعض الكوفيين خالف وقال: الواو تفيد الترتيب.
تنبيه: قال في التسهيل: «وتنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة». ما معنى هذا الكلام؟ هذه جملة رشيقة في التسهيل، يقول لك الواو إذا جاءت -وصحيح هي بمطلق الجمع، وهذا اتفقنا عليه- لكن من حيث بادئ الأمر أو كنظرة مبدئية، إذا جاءت: «جاء زيد وعمرو» بدون أي شيء، فالراجح في العادة أن يكون «جاءا معاً»، هذا هو الراجح، الواو لم تفد، لكن هذا هو الرجحان. وهناك احتمالية أن يكون ما بعدها متأخر زمنياً عما قبلها، وهذا وارد أيضاً، وأن يكون ما بعدها متقدماً زمانياً عما قبلها، وهذا قليل.
فلو جئنا للترتيب الذهني، فإن أكثر شيء هو المعية، ثم بعد ذلك أن يكون ما بعدها متأخراً عما قبلها، ثم بعد ذلك أن يكون ما بعدها متقدماً عما قبلها. فأكثر شيء: المعية، ثم التأخر، ثم التقدم.
ثم قال: «وأخص بها عطف الذي لا يغني متبوعه»، كقوله: «اصطف هذا وابني». الآن الواو يلزم الإتيان بها كحرف عطف في حالٍ لا يجوز العدول عنها، لازم تجلب الواو دون سائر الحروف الأخرى. متى يلزم عليَّ الإتيان بالواو كحرف عطف من بين سائر الحروف؟ متى يجب ذلك؟ قال: «وأخص بها عطف الذي لا يغني متبوعه».
لما يكون المتبوع -وهو المعطوف عليه- لا يمكن الاستغناء به عن المعطوف، هنا يجب الإتيان بالواو. هذه قاعدة: عندما لا يمكن الاستغناء بالمعطوف عليه، بل لا يتم المعنى إلا بالجمع بينهما، حينئذ يجب الإتيان بالواو كحرف عطف. في بعض السياقات والجمل المعنى لا يحتمل الاستغناء بالمعطوف عليه، لازم حتى يكتمل معنى الجملة أن تأتي أيضاً بالمعطوف. في الجمل التي لا يمكن أن نستغني ونكتفي بالمعطوف عليه، بل لابد أن نأتي بمعطوف أيضاً، في هذه الحالة أنت مضطر أن تأتي بالواو دون غيرها من حروف العطف.
رابطة في هذه الجملة مثلاً؛ لا أتذكر لك مثالاً الآن، «اصطف» هذا الفعل يدل على وجود أكثر من عنصر، وكذلك الفعل «اختصم». نقول: «اصطف محمد»، طيب وإيش يعني؟ اصطف مع مَن؟ تقول: «اصطف هذا وابني»، «اصطف محمد وزيد». ففعل الاصطفاف قالوا لابد فيه من اثنين، فلو قلت: «اصطف محمد» وسكتَّ، فهذا فيه إشكالية، المعنى لم يتم. مع مَن اصطف محمد؟ هل تريد أن تقول اصطف محمد والجيش؟ اصطف محمد وبكر؟ اصطف محمد والساري؟ يعني بدك تدبر لك شغلة اصطف معها محمد، فتقول: «اصطف محمد»؛ لا، لا يمكن أن تستغني بالمعطوف عليه وتقول: «اصطف محمد»، بل يجب الإتيان بالمعطوف. في هذه الحالة التي تكون فيها الجملة لا تتم إلا بذكر المعطوف، أنت مجبر أن تأتي بالواو فتقول: «اصطف هذا وابني».
نفس الشيء في «اختصم»، ينفع أقول: «اختصم محمد» وأسكت؟ لا، هذا لا ينفع، لازم تقول: «اختصم محمد وزيد»، «اختصم محمد وبكر»، أنت محتاج إلى ذكر معطوف.
وقال في التسهيل: «وتنفرد الواو... وأخص بها عطف الذي لا يغني متبوعه... كاصطف هذا وابني»، وتخاصم زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو مثلاً؛ لو قلت: «جلست بين زيد» وأسكت، الجملة لم تكتمل، لازم تقول: «جلست بين زيد وعمرو»، ولا يجوز في هذه الأمثلة غير الواو.
طيب، انظر في قول امرئ القيس: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
لاحظ أنه في كلمة «بين الدخول فحومل» جاء العطف بالفاء. ألم تقل هنا إن كلمة «بين» تقتضي وجود اثنين، ولازم يكون العطف بالواو؟ لماذا هنا عطف بالفاء؟
فقال: هنا في تقدير «بين الدخول»، أي بين مواضع الدخول وبين مواضع حومل؛ فلذلك قال التقدير: بين أماكن أو مواضع الدخول فأماكن حومل. هذا هو، فهو بمثابة «اختصم الزيدون فالعمرون»، وبمثابة قولك «اختصم الزيدون فالعامرون». إذاً «بين الدخول» أي بين أماكن الدخول، لو كنت بين أماكن الدخول، جملة صحيحة وانتهت ولا تحتاج بعد ذلك إلى معطوف، فقولك بعد ذلك «فحومل» يكون التقدير: بين أماكن الدخول فـأماكن حومل.
فيكون هذا التقدير، وهي بالتالي كقولك: اختصم الزيتون فالعمرون. ثم قال: والفاء للترتيب باتصال، وثم للترتيب بانفصال.
بعد ما خلصنا من الواو، نأتي إلى الفاء وثم. الفرق بين الفاء وثم أن الفاء أحبابي الكرام تفيد الترتيب، وثم تفيد الترتيب، لكن ما الفرق بينهما؟ الفاء للترتيب زائد التعقيب، يعني الترتيب بدون مهلة زمنية، وأما ثم فهي للترتيب زائد التراخي، فهي تفيد الترتيب لكن مع تراخٍ بين ما قبلها وما بعدها.
الفاء فيها تعقيب، وثم للتراخي؛ إذاً الفاء للترتيب باتصال أي بلا مهلة، وهو المعبر عنه بالتعقيب، كقوله: «أماته فأقبره»؛ لأن الموت والقبر بينهما مدة زمنية قصيرة. وكثيراً ما تقتضي أيضاً التسبب إن كان المعطوف جملة. هذا المعنى الثالث، أضيفوا أن الفاء كثيراً ما تفيد السببية، سببية ما قبلها لما بعدها؛ بحيث يكون ما قبلها -وهو المعطوف عليه- سبباً، ونتيجته ما بعدها.
متى يكون ذلك؟ كثيراً ما تفيد السببية في عطف الجمل. لقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 54]. لاحظوا أن ما قبل الفاء سبب لما بعدها؛ الوكز هو الذي أثمر الموت، وهذا كثير، إذاً الفاء أيضاً كثيراً ما تفيد السببية، لكن أين؟ في عطف الجمل.
أما نحو قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: 137]، ونحو: «توضأ فغسل وجهه». فالمعنى: أردنا إهلاكها، وأراد الوضوء. ليس الإشكال في هذين المثالين أن هنا عكس أنه: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾؛ من الأول ومن الثاني؟ الهلاك هو نتيجة البأس هنا، ملاحظين أنه الأمر صار بالعكس؛ أنه قال: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾، ونحن قلنا الفاء تفيد السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، وفي الآية الأمر بالعكس؛ ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ما قبلها نتيجة وما بعدها سبب، وهذا معاكس.
كذلك «توضأ فغسل وجهه»، الآن هي أصلها أن الوضوء هو الثمرة النهائية لغسل الوجه والأعضاء، فلما تقول: «توضأ فغسل»، هذا معاكس؛ الناس تقول: «غسل وكذا وكذا فتوضأ»، لأن الوضوء هو الثمرة النهائية، أنت قدمت وقلت: «توضأ فغسل». فقالوا في مثل هذه الأمثلة يكون هناك شيء مقدر، والتقدير: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، ونفس الشيء: أراد الوضوء فغسل. لو قلنا هذا التقدير: أردنا إهلاكها فجاءها، هكذا يصير الترتيب صحيحاً؛ أنه في إرادة للإهلاك، وبسبب الإرادة نتج إرسال البأس، هنا رجعنا لعلاقة السببية بشكل منطقي. ونفس الشيء: أراد الوضوء فغسل، فالغسل هو نتيجة وثمرة السبب وهو إرادة الوضوء.
قال: وأما نحو قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾ [الأعلى: 5]، في التقدير: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾. الآن ما بين إخراج المرعى وما بين الغثاء الأحوى هناك مدة زمنية، أليس كذلك؟ ما بين إخراجه إلى إهلاكه واسوداده هناك مدة زمنية، فكيف جاءت الفاء؟ أليست الفاء للتعقيب؟ وهنا في تراخٍ.
فقال: وأما نحو قوله: «فجعله غثاء»، فالتقدير: فمضت مدة فجعله غثاء؛ يعني هناك جملة محذوفة، الذي أخرج المرعى فمضت مدة فجعله غثاء. هناك جملة «فمضت مدة» مقدرة في السياق هي التي بها يتم التعقيب، هذا لازم تقدره حتى يكون التعقيب حاصلاً. أو أن الفاء -كما قال- هناك احتمال آخر، وهو أن تقول الفاء هنا بمعنى «ثم»، وهذا يجوز؛ أن تأتي «ثم» أيضاً بمعنى الفاء، فيجوز أن تأتي الفاء تفيد التراخي مكان «ثم»، وقد تأتي «ثم» تفيد التعقيب مكان الفاء، عكس الأدوار.
قال: وثم للترتيب بانفصال، أي بمهلة وتراخٍ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 22]؛ لأنه القبر ثم بعد مدة يأتي يوم القيامة. وكذلك قوله: «تحت العجاج جرى في الأنابيب ثم الطرب»، ونحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: 189]، وقوله: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، ثم: ﴿ثُمَّ أَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: 145].
تمام، قوله: «إن من ساد ثم ساد أبوه»، ثم قد ساد قبل ذلك جده. فقيل: إن «ثم» فيه لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم. ما المشكلة؟ هو قال: هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها، وكذلك: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ أَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾. هنا الترتيب مختل من حيث الظاهر؛ لأنك لما تقول: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ثم ﴿ثُمَّ أَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، إيتاء موسى الكتاب هذا قبل ما يوصينا، هذا قبل ما تتوجه التوصية إلينا أمة محمد ﷺ. لاحظ: «ثم أتينا موسى الكتاب»، إتيان موسى الكتاب أليس سابقاً على الوصية لنا؟ فكيف تقولون إن «ثم» تفيد الترتيب؟ الأمور هنا معكوسة.
كذلك قولك: «إن من ساد ثم ساد أبوه»؛ كيف يعني هو ساد ثم ساد أبوه؟ ثم قد ساد قبل ذلك جده. ما هي الأمور بالعكس؛ هو يسود الجد ثم يسود الأب ثم يسود الابن، لكن هنا في عكس في البيت تماماً: «إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده». فقيل: إن «ثم» فيه لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم، وهذا بدكم تنتبهوا عليه.
إنه «ثم» أحياناً يكون المراد بها الترتيب ولكن ليس ترتيب الوقائع الزمنية، وإنما ترتيب سرد الأخبار فقط، هذا يسمى أيضاً ترتيب سرد الأخبار؛ أن أخبرت بهذا ثم أخبرت بهذا ثم أخبرت بهذا، مع أن الخبر الثاني زمنياً قبل الخبر الأول، ولكن الإتيان بـ«ثم» فقط هو لترتيب سرد الأخبار وليس ترتيباً للوقائع الزمنية. فيمكن يكون ما بعدها مخالف لما قبلها زمنياً، فـ«ثم» فيه لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم، كأن يقال: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس.
«ثم ما صنعت أمسِ أعجبُ». هذا بصير، وثم هنا فقد ترتيب ذكر الأخبار وليس لترتيب المدة الزمنية، أي ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب. وقيل إن «ثم» هنا بمعنى الواو، هذا خيار آخر؛ أنه في مثل هذه الحالات لا تقول «ثم» للترتيب، بل «ثم» هنا بمعنى الواو، تتعاقب حروف العطف كذلك كما تتناوب حروف الجر.
وقيل غير ذلك، وأجاب ابن عصفور عن البيت بأن المراد أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن. هكذا ابن عصفور حل المشكلة في البيت، حلها من جذرها؛ قال لك لا يا عمي، «ثم» على حقيقتها هي لترتيب الوقائع الزمنية. كيف أن من ساد ثم ساد أبوه؟ يقول لك ابن عصفور معنا البيت أنه هذا الشخص ساد، فلما ساد شرف أبوه فساد أبوه، فلما ساد أبوه الذي تشرف بذلك الجد فساد الجد، فسيادة الابن هي التي كانت سبباً لزيادة أبيه، ثم كانت سيادة أو سبباً لسيادة الجميع، فهذا ترتيب زمني طبيعي صحيح، وإن كان هذا المعنى يحتاج أيضاً إلى النظر في القصيدة.
تنبيه: زعم الأخفش والكوفيون أن «ثم» تقع زائدة أحياناً فلا تكون عاطفة البتة في بعض السياقات، وعملوا على ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 118]. جعلوا «تاب عليهم» هو الجواب؛ لماذا؟ إذاً حتى إذا ضاقت عليهم أنفسهم، حتى إذا ضاقت عليهم وضاقت عليهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، «تاب عليهم»، فقالوا «تاب عليهم» هو جواب للشرط غير الجازم، و«ثم» زائدة. فجعلوا «تاب عليهم» هو جواب الشرط و«ثم» زائدة.
وقول زهير: «أراني إذا أصبحت ذا هوىً... فثم إذا أمسيت أمسيت غاديا»، وخرجت الآية على تقدير جواب محذوف مقدر، و«ثم» على حقيقتها، والبيت على زيادة الفاء. وقال: «أراني إذا أصبحت ذا هوىً... فثم»، هنا قالوا الفاء هي العاطفة و«ثم» هي الزائدة. الذين قالوا لا، يعني الإجابة أنه ليست «ثم» زائدة هنا، الزائد هو الفاء، والفاء كثيراً ما تأتي زائدة تزيينية فيقبل زيادتها، أما «ثم» فلا تأتي زائدة. وهذا ظاهر يدافع عن أن «ثم» لا تقع زائدة، والله أعلم.
ثم قال: «واخص بفا عطف ما ليس صلة، على الذي استقر أنه الصلة». نختم بهذا البيت. قال: «واخص بفاء عطف ما ليس صلة، على الذي استقر أنه الصلة». في الحقيقة هذا البيت صحيح، ظاهره يتكلم عن جملة صلة الموصول لكنه عام، كما سيبين الأشموني رحمه الله تعالى عليه، وسيضع قاعدة عامة، وهي كأن الأولى أن يقول كما قال ابن مالك في التسهيل: «وتنفرد الفاء بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمنا جملتين من صلة أو صفة أو خبر أو حال»، كما سيأتي معنا الحال كصورة رابعة.
الآن أحبابي الكرام، كما أن الواو تنفرد في صورة معينة يجب الإتيان فيها -مرت معنا قبل قليل- كذلك الفاء تنفرد بصورة معينة يجب الإتيان بها، في باب صلة الموصول، وفي باب جملة النعت، وفي باب جملة الخبر، وفي باب جملة الحال. مر معنا أن هذه الأربعة: جملة صلة الموصول، وجملة النعت، وجملة الخبر، وجملة الحال، لازم يكون في الجملة رابط يربطها بما قبلها؛ ففي صلة الموصول لازم هناك رابط يعود للاسم الموصول، وفي جملة النعت لابد من رابط يعود على المنعوت، وهو نفس الشيء في جملة الخبر لابد رابط يعود على المبتدأ، وفي جملة الحال لابد رابط يعود على صاحب الحال. فأي جملة صلة موصول أو جملة نعت أو جملة خبر أو جملة حال لازم تحتوي على رابط يربط كل بحسب سياقه.
الآن إذا جاءت جملة صلة موصول وعطف عليها جملة أخرى، أو جاءت جملة نعت وعطف عليها جملة أخرى، أو جاءت جملة خبر وعطف عليها جملة أخرى، أو جاءت جملة حال وعطف عليها جملة أخرى؛ هنا إذا كانت هذه الجملة المعطوفة خالية من رابط، فيجوز الإتيان بها بشرط أن يكون العطف بالفاء فقط. يعني إذا عطفت جملة خالية من الرابط على جملة صلة موصول تحتوي على رابط، يصير هذا العطف ولا ما يصير؟ قالوا يصير بشرط أن يكون الرابط بين الجملتين هو الفاء وحدها. كذلك إذا كان عندي جملة نعت وعطفت عليها جملة أخرى إذا كانت هذه الجملة الأخرى خالية من رابط، فالأصل أنها لا يجوز، لكن يجوزونها إذا كان الرابط هو الفاء بين الجملتين. كذلك عندي جملة خبر فيها رابط وعندي جملة معطوفة عليها ليس فيها رابط، فيجوز بشرط أن يكون الرابط بين الجملتين الفاء، وكذلك الحالة الرابعة في جملة الحال، فيجوز أن أعطف جملة خالية من رابط على جملة تحتوي على رابط بشرط أن يكون العطف بالفاء وليس بحرف آخر.
وهذا معنى قول ابن مالك رحمه الله: «واخص بفا عطف ما ليس صلة». شو يعني ما ليس صلة؟ يعني عطف جملة لا تصلح أن تكون صلة الموصول؛ ليش لا تصلح؟ لأنه ما فيها رابط. أخص بفاء عطف جملة لا تصلح أن تكون صلة للموصول لعدم احتوائها على الرابط، تعطف هذه الجملة التي لا تصلح على الجملة التي تصلح لاحتوائها على الرابط من خلال الفاء. ونفس الشيء تقول في النعت، تعطف جملة لا تصلح أن تكون نعتاً لأنها لا تحتوي على رابط على جملة تصلح أن تكون نعتاً من خلال الفاء، ونفس الشيء في الخبر ونفس الشيء في الحال. لذلك قال: «واخص بفا عطف ما ليس صلة»، لخلوه من العائد على الذي استقر أنه الصلة لاحتوائه على العائد، نحو: «اللذان يقومان فيغضب زيد». شف، «اللذان يقومان»، «يقومان» جملة صلة موصول صحيحة فيها رابط يعود على الاسم الموصول، طيب شوفوا الآن شو الجملة التي بعدها؟ «يغضب زيد»، ما فيها رابط يعود على الاسم الموصول «اللذان». طيب كيف بدي أعطف «يغضب زيد» على «يقومان»؟ بالفاء ليس غيرها: «اللذان يقومان فيغضب زيد».
وعكسه ممكن يكون، مثلاً: «الذي يقوم إخوتك فيغضب هو زيد»، هنا الجملة الأولى، العكس برضه ينفع، أن تكون الجملة المعطوف عليها هي التي لا تصلح، والجملة المعطوفة هي التي تصلح، مثل هذا المثال لما قال: «فسيقوم أخواتها»، هذه الأولى ما تضبط أن تكون صلة لـ«الذي يقوم إخوتك»، وين الرابط؟ ما في رابط، طيب خلينا نشوف: «فيغضب هو».
فيغضب هو، هي التي تعود على إيش؟ الذي فيغضب هو؛ هذه الثانية تصلح أن تكون صلة موصول لاحتوائها على الرابط، فالثانية اعطفها على الأولى من خلال الفاء، وهكذا بالضبط.
إذاً ممكن تكون الجملة المعطوف عليها هي التي تصلح والجملة المعطوفة هي التي لا تصلح، وممكن العكس؛ أن تكون المعطوف عليها هي التي لا تصلح والمعطوف هي التي تصلح. فبشكل عام، كما ختم، قال: فكان الأولى أن يقول، إن هو في انتقاد من الأشموني أنه أنت؛ قلت ظاهر كلامك في الألفية حصرتنا في الحالة الأولى. الحالة الأولى هي أن تكون الجملة المعطوف عليها صالحة والجملة المعطوفة هي غير الصالحة، بس في الحقيقة لا، كلاهما موجود.
أنه في صورة ثانية أن تكون المعطوف عليها هي التي لا تصلح والمعطوفة هي التي تصلح، فكلامك في بيت هنا يختص بحالة واحدة. قال: فلو أنه قال كما في التسهيل: «وتنفرد الفاء بتسويغ الاكتفاء بضمير فيما تضمن جملتين» لكان أفضل. شف عبارته في التسهيل فعلاً متقنة؛ قال: «وتنفرد الفاء من بين سائر حروف العطف بأنها تسويغ لنا الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين».
يعني نربط جملتين ما فيهم إلا ضمير واحد يعود على اسم الموصول، أو على الخبر، أو على المبتدأ، أو على المنعوت، أو على صاحب الحال. وتنفرد الفاء بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صلة أو صفة أو خبر؛ ليشمل مسألتي الصلة المذكورتين، وكذلك الصلة في قولك: ما رويتهم امرأة تضحك فيبكي زيد، أو العكس بامرأة يضحك زيد فتبكي.
والخبر نحو: زيد يقوم فتقعد هند، تاني غير صالح، الأولى صالحة، وبالعكس: زيد تقعد هند فيقوم؛ الأولى غير الصالحة والثانية الصالحة. ومن هذا قول الشاعر: «وإنسان وعينه يحشر الماء تارة يبدو وتارات يجم فيغرق وتارات يجم فيغرقوا».
ويشمل أيضاً هذا مسألتي الحال؛ كما حكينا في صورتين: أن يكون الأولى صالحة أو الأولى غير صالحة. ولم يذكر ابن مالك في التسهيل لكن أنت تضيفه: نحن جاء زيد يضحك فتبكي هند، أو بالعكس جاء زيد تبكي هند فيضحك، فهذه ثماني مسائل يختص العطف فيها بالفاء دون غيرها.
طيب ليش بالفاء دون غيرها؟ قال: «وذلك لما فيها من معنى السببية». ليش اخترنا الفاء دون غيرها؟ قالوا لأن الفاء هي التي فيها معنى السببية، فتصلح لربط الجمل؛ لما فيها من ربط الأولى بالثاني بالسببية التي تتضمنها.
طبعاً شو هم الثمان مسائل قصده؟ الثمان مسائل زي ما حكينا. مثلاً عندك صلة الموصول فيها حالتين: الحالة الأولى أن تكون المعطوف عليه هو الصالح والمعطوف هو الذي لا يصلح، أو العكس؛ المعطوف عليه هو الذي لا يصلح والمعطوف هو الذي يصلح. نفس الشيء بالنسبة للنت؛ عندك حالتين: الحالة الأولى أن يكون المعطوف هو الذي يصلح والمعطوف عليه لا يصلح، والعكس؛ هذه أربعة.
نفس الشيء في المبتدأ والخبر؛ عندك جملة الخبر أن تكون هي التي تصلح والمعطوف عليها لا يصلح، وبالعكس، هذه ستة. ونفس الشيء جملة الحال؛ في عندك الحالتين، هذه صاروا ثمانية؛ فهنا اثنان، وهنا اثنان، وهنا اثنان، وهنا اثنان، وهكذا يتم الأمر إن شاء الله.
في المحاضرة القادمة أحبابي الكرام نكمل ما بقي علينا في هذا الباب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل