بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، الأمين ومحجة السالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ونسأل الله الإعانة دومًا. في المحاضرة السابقة، أحبابي الكرام، شرعنا في عطف البيان وشرعنا في عطف النسق، وهذا هو التابع الرابع؛ لأن التوابع خمسة: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل. أنهينا النعت والتوكيد وعطف البيان.
وعطف النسق مهدنا فيه تمهيدًا: أحرف العطف التي تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظًا ومعنى، وأحرف العطف التي تعطف ما بعدها على ما قبلها دون المعنى. وبعد ذلك شرعنا في تفاصيل حروف العطف واحدًا تلو الآخر، فتكلمنا عن الواو وعرفنا متى تأتي الواو بالتحديد، وتكلمنا عن ثم وعرفنا متى تأتي الفاء بالتحديد، وأنهينا هذه الأحرف الثلاثة: الواو، والفاء، ثم. اليوم بإذن الله نكمل المسير.
ابتدأ بحتى، فقال ابن مالك رحمه الله في تعليقه عليها بعضًا: بِحَتَّى أَعْطِفُ عَلَى كُلٍّ ... وَلَا يَكُونُ إِلَّا غَايَةَ الَّذِي تَلَى
ابن مالك رحمه الله تعالى هنا دخل في موضوع "حتى". وحتى أحبابي الكرام تأتي في العربية على ثلاثة أنواع، أرجو أن تفهموا ذلك: هناك حتى الجارة، وهذه مرت معنا سابقًا، وهناك حتى العاطفة، وهذه تمر معنا الآن، وهناك حتى الابتدائية.
لأريحك بالموضوع: حتى الابتدائية هي حرف ابتداء يأتي بعدها جمل، ويكون ما بعدها جملًا. وأما حتى الجارة وحتى العاطفة فيكون ما بعدها مفردات. هذا هو الفرق الأساسي الذي يسهل عليك استثناء حتى الابتدائية؛ فهي حرف من حروف الابتداء ويأتي ما بعدها جملًا، ولا تؤثر فيما بعدها، فهي حرف ابتداء لا محل له من الإعراب ولا تؤثر في الجمل بعدها. أما حتى الجارة وحتى العاطفة فإنما يأتي بعدها مفردات لا جمل.
لكن يا ترى ما الفرق بين حتى العاطفة وحتى الجارة؟ حقيقة الأصل في حتى أنها جارة، وإتيانها عاطفة هذا أصلًا محل نقاش، لكن ابن مالك وكثيرًا من النحاة فرقوا بينهما، فلزمنا أن نقول إن حتى تأتي جارة، وحتى تأتي عاطفة. وسيأتي معنا أن حتى الجارة أعم من حتى العاطفة؛ يقولون كل موضع فيه حتى عاطفة يصلح أن تجعلها حتى الجارة، لكن ليس كل موضع لحتى الجارة يصلح أن تكون فيه حتى عاطفة. تقرير لبعضهم يقول إن حتى الجارة أعم من حتى العاطفة؛ فكل موطن جاءت فيه حتى العاطفة يمكنك أن تبدلها وتعتبرها حتى الجارة وتجعلها حرف جر، لكن المواطن التي تأتي فيها حتى الجارة ليس كل موطن تأتي فيه حتى الجارة يمكنك أن تقلبها وتجعلها حتى العاطفة.
كيف سنفرق بينهما؟ دعونا الآن نذكر شروط حتى العاطفة، وهذا سيساعدنا أكثر على التمييز بينها وبين حتى الجارة. ابن مالك ذكر في هذا البيت شرطين لحتى العاطفة، والاشموني رحمه الله عليه سيضيف أيضًا شرطين آخرين، فتصبح شروط حتى العاطفة أربعة.
نبدأ بها واحدًا واحدًا. قال ابن مالك بعضًا: "بِحَتَّى أَعْطِفُ عَلَى كُلٍّ"، هذا أول شرط من شروط حتى العاطفة؛ أن يكون ما بعده جزءًا مما قبلها، باختصار أن يكون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه. فالمعطوف عليه كل، والمعطوف جزء، فحتى تعطف جزءًا على كل.
إذاً يقودنا الاشموني للعطف بحتى شرطان: الأول أن يكون المعطوف أعظم من المعطوف عليه أو منزلة منزلة بعضه، وهذه مهمة لأن بعض الأشياء لا تكون جزئية حقيقية لكنها نزلت منزلة الجزء، كما في التسهيل. الآن سيذكر أمثلة؛ تقول: "أكلت السمكة حتى رأسها". لاحظوا أن رأسها هو جزء بعض حقيقي من السمكة، إذاً أين المعطوف؟ الرأس، وأين المعطوف عليه؟ السمكة، ونلاحظ أن المعطوف بعض حقيقي من المعطوف عليه.
طيب، "أعجبتني الجارية حتى حديثها"؛ لاحظ العطف في "أعجبتني الجارية حتى حديثها"، فحديثها معطوف والجارية معطوف عليها، والحديث يعتبر جزءًا من الجارية، هو جزء معنوي أو كالجزء، إذا أردت أن تكون أدق؛ لأن الحديث هو شيء منفصل عن الجارية لكنه منزل منزلة الجزء منها لأنه يحدث في لسانها، فهذا أيضًا يدخل في ذلك. لذلك قال إن يكون المعطوف بعضًا من المعطوف عليه حقيقة أو كبعض، ويدخل مثل هذه الأمثلة.
وقالوا لا يجوز أن تقول: "أعجبتني الجارية حتى ولدها"؛ ليه؟ لأن الولد ليس جزءًا من الجارية بل هو أمر منفصل عنها، فبالتالي لا يجوز العطف في هذه الحالة، لكن هنا يجوز الجر، فتقول: "أعجبتني الجارية حتى ولدها". وسوف يأتي معنا من الفوارق بين حتى العاطفة وحتى الجارة أن حتى الجارة لا يشترط فيه أن يكون ما بعدها جزءًا مما قبلها.
وقال: "وأما قوله: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله"؛ لاحظ أنه نصب "نعله" بعد "حتى" على العطف، عطفها على الصحيفة والزاد: "ألقى الصحيفة والزاد حتى النعل". سؤال: هل النعل جزء من المعطوف عليه وهو الصحيفة؟ قالوا ليس جزءًا، فكيف نصب؟ قالوا هنا حدث تأويل، والتقدير: "ألقى ما يثقله حتى نعله"؛ كأن الشاعر يريد أن يقول ألقى الصحيفة والزاد كأن الشاعر يريد أن يقول ألقى ما يثقله حتى النعل، فهنا النعل يكون داخلًا تحت المعطوف عليه المقدر، وهو "ما يثقله"، وهذا عام وهو المقدر كمعطوف عليه، والنعل هو جزء مما يثقله فـألقاه، فعلى هذا التقدير جوزوا وصححوا هذا البيت أن يكون من قبيل العطف.
الشرط الثاني؛ قال إن يكون هذا البعض -وليس قلنا إن يكون المعطوف بعضًا من المعطوف عليه؟ هذا الشرط الأول- الشرط الثاني أن يكون هذا البعض غاية، أي نهاية في زيادة أو نقص؛ زيادة حقيقية أو زيادة شرفية، أو نقص حقيقي أو نقص شرفي. فالزيادة والنقص هنا يشمل الزيادة الحسية وبالزيادة المعنوية يسمونها الزيادة الشرفية، والنقص أيضًا يشمل النقص.
الحقيقي والنقص الشرفي المعنوي. فلذلك تنتبه، لابد أن يكون هذا البعض الذي وقع بعدها حتى غاية؛ يعني نهاية الشيء نهاية لما قبله، نهاية للمعطوف عليه، هو جزء من المعطوف عليه وهو في نفس الوقت نهاية فيه. هو جزء منه وفي نفس الوقت نهاية في زيادة أو نقص، زيادة حقيقية أو زيادة شرفية، أو نقص حقيقي أو نقص شرفي.
تقول: ما الناس حتى الأنبياء؟ أولاً دعونا نتأكد من الشرط الأول: الأنبياء جزء من الناس، صحيح. الشرط الثاني: هل الأنبياء هم غاية؟ نعم. طيب، نهاية في الزيادة ولا في النقص؟ تقول لي في الزيادة. طب زيادة حسية أم زيادة شرفية؟ تقول إنها زيادة شرفية.
«قدم الحجاج حتى المشاة». لاحظ نفس الشيء، المشاة هم جزء من الحجاج وهم غاية، غاية في الزيادة ولا غاية في الضعف والنقص؟ لا، هم غاية في ماذا؟ في الضعف والنقص. غاية في الضعف، بمعنى المشاة أسوأ الحالات، طبعاً ليس بالضرورة سوءاً دينياً، لأَسوأ الحالات؛ لأنه في ناس بالسيارة، وناس على الدواب، وناس ماشيين على أرجلهم، فهم أنقص شيء من حيث الحالة أو الهيئة العامة.
قال: «وقد اجتمعا في قوله: قهرناكم حتى الكماة فأنتم تهابوننا حتى بنين الأصاغر». إذا قهرناكم حتى الكماة، الكماة هم غاية في الشرف. قال: فتهابوننا حتى بنين الأصاغر، يعني هذه غاية في النقص. فاجتمعت غاية الشرف وغاية النقص في هذا البيت.
الآن عرفنا الشرط الأول والثاني، وهذا ذكره ابن مالك في الألفية: «بعضهم بعتى حتى أعطف على كل ولا يكون إلا غاية الذي تلاه». الآن سيزيد الأشموني تنبيهاً للشروط، فقال: بقي شرطان. ما هما الشرط الثالث والرابع؟ الأول قال إن يكون المعطوف ظاهراً لا مضمراً، كما هو شرط في مجرورها أيضاً إذا كانت جارة؛ لأن «حتى» العاطفة و«حتى» الجارة في كلا الحالتين لا تجر مضمراً.
لذلك ماذا قال ابن مالك؟ «بالظاهر أخص منذ مذ وحتى». تذكروا أحبابي الكرام في باب حروف الجر، لما قال: «بالظاهر أخص منذ مذ وحتى»، ذكره هناك أنه «حتى» الجارة لا تجر إلا الأسماء الظاهرة، ونفس الشيء «حتى» المعطوفة لا تجر إلا الظواهر، فهذا هو الشرط الثالث.
الشرط الرابع قال: فلا يجوز أن يقول: «قام الناس حتى أنا»، هذا ذكره ابن هشام الخضراوي، قال في المغني: «ولم أقف عليه لغيري». يعني ابن هشام في المغني (وهو من صاحب المغني) الليبي قال: «لم أجد هذا التنصيص أن العاطفة لا تجر إلا الظواهر، لم أجد هذا التنصيص إلا عند ابن هشام الخضراوي». طبعاً هذا غير ابن هشام الأنصاري، وابن هشام الأنصاري يقول: «لم أجد هذا التنصيص إلا عند ابن هشام الخضراوي».
الشرط الرابع قال: أن يكون مفرداً، وهذا ذكرته أن «حتى» العاطفة مثل «حتى» الجارة لا تجر ولا تعطف إلا المفردات لا الجمل. قال: «وهذا يؤخذ من كلامه»، ليه؟ يعني هذا الشرط يمكن أن يفهم من كلام ابن مالك في البيت لما قال: «بعضهم بعتى حتى أعطف على كل ولا...»، قالوا: هذا يؤخذ من كلامه، أي من كلام ابن مالك في بيته السابق، لأنه لابد أن يكون جزءاً مما قبله، ألسنا قلنا المعطوف يكون جزءاً من المعطوف عليه أو كلاً جزءاً منه؟ ولا يتأتى هذه الفكرة أن يكون المعطوف جزءاً من المعطوف عليه إلا في المفردات، هذا هو الصحيح.
وزعم ابن السيد في قول امرئ القيس: «أسرى بهم حتى تكل مطيهم»، شف: «أسرى بهم حتى تكلوا مطيهم»، جعل هنا «حتى» يعني البعض زعم أن «حتى» هنا عاطفية وبعدها جملة، وأن هذا من قبيل عطف الجمل: «حتى تكل مطيهم». قال في من رفع «تكل» إن جملة «تكل» معطوفة بـ«حتى» على «أسرى بهم»، فيكون من باب عطف الجمل. لكن الصحيح أن هنا نجعل «حتى» ابتدائية ولا داعي لأن نخرم قاعدتنا، نجعل «حتى» هنا ابتدائية وينتهي الأمر.
إذاً هذه أربعة شروط: أن يكون المعطوف بعضاً من المعطوف عليه، أن يكون غاية في زيادة أو نقص، أن يكون ظاهراً، والشرط الرابع والأخير كما ذكروا أن يكون مفرداً.
الآن نأتي لـ«حتى» الجارة. «حتى» الجارة تتفق مع «حتى» العاطفة في الشرط الثالث والرابع؛ «حتى» الجارة يجب أن يكون مجرورها ظاهراً ويكون مجرورها مفرداً، لكنها تختلف في الشرط الأول والثاني. فيقولون إن في «حتى» الجارة لا يشترط أن يكون المجرور جزءاً مما قبله، قد يكون جزءاً مما قبله وقد لا يكون جزءاً مما قبله، كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5].
لكن إذا لم يكن جزءاً مما قبله، قالوا يجب أن يكون متصلاً بآخره. فـ«سلام هي» أي ليلة القدر حتى مطلع الفجر، الآن طلوع الفجر ليست جزءاً من الليل، هذا نتفق عليه، لكنه متصل به. فيقولون: «حتى» الجارة ما بعدها إما أن يكون جزءاً مما قبلها، وفي هذه الحالة يكون مثل «حتى» العاطفة، وإما أن لا يكون جزءاً مما قبلها لكنه متصل بآخره، ويمثلون به: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. فهنا ما يصير أقول: «سلام هي حتى مطلع» على العطف، ما ينفع هنا، لماذا؟ لأن مطلع الفجر ليس جزءاً من الليل، منفصل عنه، فلا يمكن أن تكون «حتى» عاطفة، فتكون «حتى» هنا جارة.
الخلاف الثاني أو الفرق الثاني بين «حتى» الجارة و«حتى» العاطفة: يقولون إن «حتى» العاطفة ذكرنا أن ما بعدها يجب أن يكون غاية في زيادة أو نقص، أما «حتى» الجارة أحبابي فيقولون فيها تفصيل؛ فإن كانت «حتى» بعض من كل سابق، يعني «حتى» الجارة إن كان ما بعدها هو بعض من كل سابق، فالرحم به وهي نهاية بعض منه وهي نهاية له، في هذه الحالة نعم ستكون «حتى» الجارة مثل «حتى» العاطفة، إذا كانت «حتى» الجارة هي جزء من سابق مصرح به، وكانت في نهايته، طبعاً ستكون نهاية في الزيادة أو بالنقص.
لكن إذا كانت «حتى» الجارة لا يوجد -ليست جزءاً مما قبلها- لا يوجد هناك جزء تعود إليه مما قبلها، فلا يشترط في هذه الحالة أن تكون نهاية في زيادة أو نقص. فمثلاً قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * ثُمَّ لَيُسْجَنَنَّ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [يوسف: 32-42]. الآن لاحظ أنه بعد «حتى» الجارة أتى كلمة «حين»، و«حين» هنا ليست جزءاً من شيء سابق على «حتى». لاحظ الآية، هل هناك حين جزء من شيء سابق لما تكون «حتى» في هذه الصورة؟ «حتى» الجارة لما...
أن يكون ما بعدها ليس جزءًا من سابق مصرح به، ليس جزءًا من سابق مصرح به، في هذه الحالة لا يشترط أن تكون الغاية في الزيادة أو النقص؛ قد لا تكون غاية في زيادة أو نقص كما هو المثال في هذه الآية، فكلمة «حتى» حين الحين ليست غاية في زيادة أو نقص.
إذا كان ما بعدها مجرورًا وهو جزء من سابق مصرح به، ففي هذه الحالة نعم يكون غاية في زيادة أو نقص، فتكون مثل حتى العاطفة. أما إذا لم يكن ما بعدها جزءًا من قبل أو من سابق مصرح به -وما في سابق أصلًا مصرح به حتى يكون ما بعدها جزءًا من سابق مصرح به- في هذه الحالة أحبابي الكرام سيكون ما بعد «حتى» لن يكون غاية في زيادة أو نقص.
هذا بالنسبة للفرق بين حتى العاطفة وحتى الجارة، هناك تنبيه ثاني نص عليه الأشموني بالنسبة إلى الترتيب، حيث تفيد الواو. لو سألتك حتى العاطفة -بعد ما عرفنا شروطها- ماذا تفيد كناحية معنوية؟ نحن مثلاً قلنا الواو لمطلق الجمع، والفاء تفيد التعقيب والترتيب، ثم تفيد التراخي والترتيب.
أما «حتى» في الحقيقة فهي لا تفيد ترتيبًا، هي كالواو، هذا أول شيء. قال: فلما تقول أكلت السمكة حتى رأسها، هذا لا يعني أن الرأس آخر شيء أكل، يمكن يكون أول شيء أكل، ممكن يكون في النص أكل، لكن المهم أنك أكلت الرأس. فقولك «أكلت السمكة حتى رأسها» لا يفيد ترتيبًا في الوقائع الزمنية، فهي مثلها مثل الواو لا تفيد ترتيبًا، لكنهم قالوا تفيد تدريجًا، وهذا لم يذكره الأشموني في الحقيقة، أرجو أن تكتبوه.
لكنها تفيد شيئًا من التدريج، أنه هناك شيء انتهى منه شيئًا بعد شيء ولم يحدث دفعة واحدة، فقالوا «حتى» إذا جاءت تدل على تدرج في العموم، وأن الشيء لم يحصل دفعة واحدة. فأكل السمكة لم يقع مرة واحدة، ومات الناس حتى الأنبياء؛ فالموت لم يقع مرة واحدة للجميع، بل هو شيء يقع رويدًا رويدًا، فكونها تدل على التدريج هذا معنى صحيح.
فقال بالنسبة إلى الترتيب هي كالواو، يعني لا تفيد ترتيبًا، خلافًا لمن زعم أن هذا الترتيب كـالزمخشري، حيث قال تفيد الترتيب. قال الشاعر -والأشموني هنا مثال أو دليل على أن «حتى» لا تفيد الترتيب-: رجالي حتى الأقدمون تمالؤوا ... على كل أمر يورث المجد والحمد
لاحظ أن الأقدمون هم قبل الرجال، يعني لو أتيت على ترتيب البيت بالعكس يقول: رجالي الحالي حتى الأقدمون السابقون، فذكر الحالي ثم ذكر السابق، وهذا يدل على أن «حتى» لا ترتب الوقائع زمانيًا من الأقدم إلى الأحدث، ففي هذا البيت جاء ما قبلها هو الأحدث وما بعدها هو الأقدم؛ فبالتالي فعلاً هذا البيت يساعد الأشموني على تأكيد فكرته أنه «حتى» لا تدل على ترتيب زمني، وإنما ما بعدها متأخر عما قبلها في الزمن، فهنا ما بعدها سابق عما قبلها في الزمن، فينتبه لذلك.
قال ثالثًا: إذا عُطف بـ«حتى» على مجرور. أهو هنا تأتي منطقة الاشتباه والالتباس الشديد بين حتى العاطفة وحتى الجارة؟ منطقة الاشتباه والالتباس الشديد تكون إذا كانت حتى العاطفة تعطف مجرورًا على مجرور، يعني ما بعد «حتى» مجرور، فهنا أنت تريد أن تقول والله هذا الذي بعد «حتى» مجرور، طيب «حتى» هذه عاطفة أم جارة؟ هنا سيحدث لبس إذا كانت «حتى» وبعدها مفرد مجرور، فسيحدث عندك إشكال في كثير من الأحيان في تقرير هل «حتى» هنا عاطفة أم جارة؟
فماذا قال هنا؟ قال إذا عطف بـ«حتى» على مجرور كان ما بعد «حتى» مجرورًا، هنا في ثلاثة أقوال. ابن عصفور يقول: الأحسن إعادة الجار للمجرور السابق على «حتى»، هذا مقصد لكي يقع الفرق بين حتى العاطفة وبين حتى الجارة. مثلاً، تقول: «اعتكفت في الشهر حتى أخره»، هل تقول «حتى أخره» أم «حتى في أخره»؟ لاحظوا هذا المثال، لو قلت «اعتكفت في الشهر حتى أخره»، هنا سيحدث عندك لبس: هل «حتى» هذه هي العاطفة أم الجارة؟ بحيث يكون ما بعدها مجرورًا ويصلح أن يكون «أخره» معطوفًا على «الشهر»، ويصلح أن يكون «حتى» جارة وما بعدها مجرد اسم مجرور.
فكيف نقرر؟ من هنا ابن عصفور قال: إذا أردت أن تجعلها عاطفة فالأحسن أن تكرر عامل الجر. الآن ما قبل «حتى» وهو «الشهر»، أين عامل الجر فيه؟ فيه الكاف في «في»، فبقول لك ابن عصفور كرر هذه الكلمة العامل بعد «حتى» أيضًا، فقل: «اعتكفت في الشهر حتى في أخره»، لأنك إذا قلت «اعتكفت في الشهر حتى في أخره» ذكرت هنا عامل الجر مباشرة، وسأعرف أن «حتى» هنا عاطفة وليست جارة؛ لأنه لا يمكن أن يدخل حرف جر على حرف جر، فلا بد أن تكون «حتى» عاطفة وبعدها حرف جر، فهكذا أنت تحل لنا الإشكال.
لكن ابن عصفور يقول لك: الأحسن. وفي النهاية ماذا يريد أن يقول لك؟ في النهاية لو التبس الأمر يا سيدي اعتبرها جارة واعتبرها عاطفة، لن يكون هناك إشكال كبير؛ لأن كل «حتى» عاطفة قالوا إعرابها «حتى» جارة دون العكس، وإن كان البعض ينازع في هذه القاعدة، وأذكر أني ذكرت هذه المنازعة في شرحي على الآجرومية.
أما ابن الخباز فقال: تلزم إعادته للفرق. ابن الخباز يقول لك: لا، ليس مجرد "أحسن" أن تذكر أنك تعيد عامل الجر، بل يجب أن تعيد عامل الجر حتى تؤكد للسامع أن «حتى» هنا عاطفة. هذا رأي آخر غير رأي ابن عصفور في "الإحسانية"، ابن الخباز يقول لك بل على الوجوب، يجب أن تعيد عامل الجر.
أما ابن مالك، فقد أتى بقول تفصيل، حيث قال إنه لا يتعين كونها للعطف. ابن مالك يقول إذا كانت «حتى» تحتمل أن تكون... وهذا يؤكد الفكرة التي ذكرتها لكم سابقًا، أنه كأن ابن مالك يرى أنه...
حتى تكون عاطفة فقط ولا تحتمل أن تكون جارة، وهناك حتى تحتمل أن تكون جارة فقط ولا تحتمل أن تكون عاطفة، وهناك حتى ملتبسة قد تكون عاطفة وقد تكون جارة.
ابن مالك بما أفهمه هنا يجعل العلاقة بين "حتى" العاطفة و"حتى" الجارة ليست علاقة العموم والخصوص المطلق، بل نجعلها علاقة العموم والخصوص الوجهي؛ أن هناك أماكن لا تكون فيها إلا "حتى" عاطفة ولا يصلح فيها "حتى" الجارة، وهناك أماكن تكون فيها "حتى" جارة ولا تصلح فيها "حتى" عاطفة، وهناك أماكن تصلح فيها "حتى" أن تكون عاطفة وتصلح فيها أن تكون جارة.
فيقول: الأماكن إذا كان ما بعدها "حتى" مجروراً وكانت هنا تحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون جارة، للفرق بينهما يجب أن تذكر العامل مرة أخرى. أما إذا كانت "حتى" هنا لا تصلح إلا أن تكون عاطفة، فيقول لك لا تصلح إلا أن تكون عاطفة، في هذه الحالة أنت لا تحتاج إلى إعادة حرف الجر أو عامل الجر، فالواضح أنها "حتى" عاطفة.
لكن هذا يقتضي أن نشوف ابن مالك ما هي الحالة التي تكون فيها "حتى" عاطفة ولا يجوز أن تكون جارة، لأن الأشموني لم يذكر هذا الأمر، فهذه تحتاج إلى مراجعة؛ أن ابن مالك يرى أن هناك حالة تكون فيها "حتى" عاطفة قولاً واحداً فلا لبس، لا يمكن أن تكون فيه جارة، فإذا كانت "حتى" لا تلتبس علينا وعرفنا أنها عاطفة من السياق، فلا حاجة لإعادة العامل. لكن إذا كانت لا تحتمل أن تكون جارة وتحتمل أن تكون عاطفة وفيها لبس، فإذا أردت أن تجعلها عاطفة يجب أن تجلب العامل مرة أخرى، وهنا أنا أتفق مع ابن الخباز.
يقول ابن مالك: «نحن اعتكفت في الشهر حتى آخره»، قال: فإن تعين العطف لم تلزم الإعادة، نحو: «عجبت من القوم حتى بنيهم». طبعاً البعض اعترض على هذا المثال: لماذا يتعين العطف هنا؟ «عجبت من القوم حتى بنيهم»، أليس الأبناء جزءاً من القوم؟ هذا يدل على العطف، ولكن هل يمنع الجر أيضاً لو قلت: «عجبت من القوم حتى بنيهم»؟ ما الذي يمنع أن تكون "حتى" هنا جارة؟ "بنين" اسم مجرور. ونحن قلنا إن "حتى" الجارة ما بعدها يمكن أن يكون جزءاً مما قبلها ويمكن أن لا يكون، فهذا المثال أظنه يحتاج إلى إعادة نظر؛ لماذا يتعين العطف؟
ومنه قوله: «جودوا يمناكم فآض في الخلق حتى بائس دان بالأساءة دينا»، نفس الإشكال، سيعترض به: ما الذي يلزم أن تكون "حتى" هنا عاطفة؟ هذا الذي نحتاج إلى تنصيص أوضح فيه ما الذي يلزم أن تكون عاطفة. وكما قلنا كثير من النحاة يقولون إن علاقة "حتى" الجارة بالعاطفة هي علاقة العموم والخصوص المطلق، لكن هنا ظاهر كلام ابن مالك أنه يتجه لعلاقة العموم والخصوص الوجهي، فما هي الحالة التي تكون فيها "حتى" عاطفة لا تصلح أن تكون جارة؟ هذا الذي يحتاج إلى نظر.
رابعاً: حيث جاز الجر والعطف فالجر أحسن. نحن عرفنا على رأي كثير من النحاة أن كل ما يصلح فيه العطف يصلح فيه الجر، فنقول: حيث جاز الجر والعطف، يعني حيث أمكن أن يكون "حتى" جارة أو عاطفة، فأيهما أولى أن تجعلها جارة أم عاطفة؟ قال: فالجر أحسن؛ لأنه هو الأصل، وأصلاً مجيئها عاطفة فيه خلاف.
قال: إلا في باب: «ضربت القوم حتى زيداً ضربته»، قال: فالنصب هنا أحسن على تقدير كونها عاطفة. "زيداً" اسم معطوف على القوم، وجملة "ضربته" تكون توكيداً. يقول الصبان: قولك "ضربته" هو توكيد لـ "ضربت زيداً" السابقة، ولكن أين "ضربت زيداً"؟ هل هناك "ضربت زيداً" حتى تؤكدها مرة أخرى؟ لا يوجد غير "ضربت القوم". يقول لك ما هي "ضربت القوم حتى زيداً ضربته"؟ هي ضمنياً فيها معنى "ضربت زيداً"، فكأنك لما قلت "ضربت القوم حتى زيداً ضربته" كأن "ضربته" هنا أكدت ما يُفهم ضمنياً من السابق أنك ضربت زيداً، فهناك "ضربت زيداً" مضمرة و"ضربته" المذكورة هي تأكيد لهذا المضمر، وهذه وجهة نظر.
قال: ويمكن أن تكون "حتى" أصلاً هنا ابتدائية، وهذا خيار آخر، وتكون "ضربته" تفسيراً؛ أي يصلح أن تكون "حتى" ابتدائية وبعدها باب الاشتغال، "زيداً" مفعول به لفعل محذوف مقدر قبله يفسره الفعل المذكور بعده. وقد روي بهما قوله: «حتى نعله ألقاها». وبالرفع أيضاً على أن "حتى" ابتدائية، و"نعله" مبتدأ و"ألقاها" خبر.
طبعاً هنا يريد أن يقول: وقد روي بهما أي بالنصب والجر البيت الذي مر معنا قبل قليل لما قال: «باسم الله نعم ألقى الصحيفة كي يخفف رحله وازداد حتى نعله»، يقول روي بهما أي روي بالجر "حتى نعله"، وروي بالنصب "حتى نعله"؛ فإذا قلنا بالجر على أنه "حتى" جارة، وإذا قلنا بالنصب على أنه "حتى" عاطفة، فيجوز هنا وهنا. وقال هناك رواية ثالثة للبيت بالرفع أيضاً: «حتى نعلهُ»، وعلى رواية الرفع ستكون "حتى" ابتدائية. فلاحظ أنه يمكن في مثال واحد أن تجعل فيه "حتى" جارة أو ناصبة أو عاطفة أو ابتدائية.
هكذا نكون قد انتهينا من الكلام عن "حتى"، دعونا نقفل ملفها الآن، وننتقل إلى أداة أخرى من أدوات العطف ألا وهي "أم". "أم" إما أن تكون "أم" المتصلة وهناك "أم" المنقطعة، و"أم" المتصلة على نوعين: "أم" بعد همزة التسوية، و"أم" بعد همزة الاستفهام المطلوب منه التعيين. إذاً هناك "أم" العاطفة وهذه إما أن تكون متصلة أو منقطعة، وسيأتي ما معنى الاتصال بعد أن نفهم.
إن أم المتصلة هي إما أم الواقعة بعد همزة التسوية بين شيئين، أو أم الواقعة بعد همزة الاستفهام التي يطلب منها تعيين أحد الأمرين؛ فلذلك قال ابن مالك: «وإن بها اعطف أم عطف بها أثر.. أي بعد همزة تسوية أو همزة عن لفظ أي مغنية».
فهنا تكلم في هذا البيت عن أم المتصلة بنوعيها: أم التي تأتي بعد همزة التسوية التي يطلب منها تسوية أمرين، وأم التي يؤتى بها بعد همزة استفهام المراد منها تعيين أحد الأمرين، وسيأتي الآن الفرق بين هذه وهذه.
يقول الأشموني: «وإن بها اعطف أثر همز التسوية». قال: همزة التسوية هي الهمزة الداخلة على جملة في محل المصدر، وهذه فائدة نفيسة. همزة التسوية هي الهمزة التي تدخل على جملة تقدر هذه الجملة بمصدر، وتكون هذه الجملة هي والمعطوف عليها إما جملتين فعليتين وهو الأكثر، أو اسميتين، أو مختلفتين قد تكون اسمية فعلية، فعلية اسمية، فما في إشكال.
فإذا دعونا نأخذ أمثلة لنفهم أكثر وأكثر صياغة همزة التسوية؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ﴾، لا، المثال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6]. لاحظ: «سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم».
أحبابي الكرام، هذه الهمزة في العادة تقع بعد كلمات تدل على التسوية بين شيئين، مثل «سواء»، وسيذكر الأشموني أيضًا بعض الألفاظ مثل: «ما أبالي»، «ما أدري»، «ليت شعري»، تأتي مثل: «سواء عليكم ما أبالي، لا أدري، ليت شعري». هذه الكلمات مفتاحية لهمزة التسوية، لكن أكثر شيء تكون «سواء عليهم» التي تدل أصلاً بنصها على التسوية، فتأتي هذه الكلمات المفتاحية ثم تأتي بعد ذلك الهمزة، وبعدها جملة.
هذه الجملة تقدر بمصدر، يعني تؤول بمصدر، كأن الهمزة هنا حرف مصدري -مع أنها ليست حرفاً مصدرياً هنا- الجملة الواقعة بعد همزة التسوية تقدر بمصدر. ما هو المصدر؟ «سواء عليهم إنذارهم»، كأنك دمجت همزة التسوية بالجملة التي بعدها وأنتجت هذا المصدر المؤول: «سواء عليهم إنذارهم أم عدم إنذارهم». فتلاحظ إذاً: «سواء عليهم أأنذرتهم أم...»، هنا تأتي أم العاطفة، وهذا عطف، ثم تأتي جملة أخرى هي أيضاً في محل مصدر، والتقدير: «سواء عليهم إنذارهم أم عدم إنذارهم».
وهنا المصدر المؤول من همزة التسوية وما بعدها هو المبتدأ، يكون هو المبتدأ: «سواء عليهم إنذارهم أم عدم إنذارهم». ولاحظ أنه فعلاً الهمزة هنا ليست استفهامية، لا، هي تريد أن تسوي بين حالتين، بين صورتين: صورة الإنذار وصورة عدم الإنذار، لذلك سميت تسوية؛ سوينا بين حالة الإنذار وحالة عدم الإنذار، وشاركت الهمزة في إفادة هذا المفهوم، وأم العاطفة هنا لابد أن تأتي لتشارك الهمزة في الدلالة على التسوية بين شيئين.
وزي ما قال لك في الغالب تكون الجمل فعلية، طيب ممكن تكون اسمية؟ هنا المعطوف والمعطوف عليه ممكن، كما قال: «ولست أبالي»، شف هنا بعد «فقدي مالك أم موتي نائم»، يعني: «أموّت يا نائم» جملة اسمية، «أم هو الآن واقع» جملة اسمية. فيمكن أن تكون جملًا اسمية معطوفة على بعضها البعض، ويمكن أن يكون هناك اختلاف بين جمل اسمية وجمل فعلية، لقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 100]. بعد الهمزة جملة فعلية «أدعوتهم»، وبعد أم جملة اسمية «أنتم صامتون»، فجاز عطف اسمية على فعلية لأنه في النهاية كله سيؤول أصلاً إلى مصدر.
الآن من قوله: «وإذا عادلت بين جملتين في التسوية فقيل لا يجوز...» إلى نهاية البيت. ذكر الصبان أنه في بعض النسخ محذوف، وفعلاً هو في إشكالية لأنه يتناقض أو يسبب خللاً مع كلامه السابق، أنه بعد همزة التسوية ممكن تأتي جمل فعلية أو اسمية أو مختلفة، فهذا يقول الصبان في بعض النسخ ضُرب عليه، فأنا أتفق معهم أنه مش واضح ويشعرك بالخلل والتناقض مع الكلام السابق، فهذه الأسطر أرجو أن نقفز عنها.
ودعونا ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع «أم»، وهي أم التي تأتي بعد همزة الاستفهام، قال: «أو بعد همزة عن لفظ أي مغنية»، يعني همزة الاستفهام التي يطلب منها التعيين. همزة الاستفهام التي يطلب منها التعيين هي مشابهة لـ «أي»، لأن «أي» حرف استفهام يراد به التعيين، فيمكن أن تأتي الاستفهام المقصود منها تعيين أحد شيئين، وهنا الهمزة حتى تدل على التعيين أو على طلب تعيين أحد الأمرين تحتاج إلى «أم» مساعدة، قال: «وهي الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين».
هذه تقع بين مفردين غالباً، ويمكن أن تقع بين جمل، وهذا أول فرق بين أم التي للتسوية وأم التي للاستفهام؛ أم التي للتسوية تكون جملتين، وأم التي للاستفهام يمكن أن تكون بين مفردين ويمكن أن تكون بين جملتين، فهذا وارد وهذا وارد، والأغلب أن تكون بين مفردين.
فإذا كانت بين مفردين، قالوا: «وتقع بين مفردين غالباً»، وحينئذ إذا وقعت بين مفردين سيتوسط بينهما -أي بين هذين المفردين- ما لا يُسأل عنه، يعني الشيء الذي ليس هو محل الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: 27]. لاحظ، مطلوب التعيين: هل أنتم الأشد أم السماء؟ فالاستفهام ومطلب التعيين بينهما وبين السماء «ما» وتوسط بين المفردين قوله «أشد خلقاً».
الآن «أشد خلقاً» ليس هو المسؤول عنه، المسؤول هو: من هو الأشد خلقاً؟ أنتم أم السماء؟ في واحد أشد خلقاً هذا متفق عليه، ليس هو مكان الاستفهام، مكان الاستفهام هو: من هو؟ هل أنتم أم السماء؟ فهذا معنى قوله: «إن يتوسط بين المفردين الذي لم يُسأل عنه بل هو مقرر متفق عليه مسبقاً»، أو قد يتأخر عنه، يعني الشيء الذي ليس هو محل الاستفهام، إما أن يتوسط بين المفردين وإما أن يتأخر عنهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 109]. «أقرب أم بعيد» هو محل الاستفهام، فما «توعَدون» ليس هو محل الاستفهام، فأخّره في النهاية وذكر «قريب أو بعيد».
فعليتين كقوله: «وقمت للطيف مرتاعا، فارقني فقلت أهي سرت أم عادني حلم؟ أهي صارت أم عادني حلم؟». لاحظ أن هذه أيضاً للاستفهام: هل هي صارت أم عادني حلم؟ فاستفهم؛ هل هي جاءتني وفعلًا زارتني أم هذا مجرد طيف حلم من الأحلام التي هي أضغاث وتذهب؟ فهو يستفهم ويريد التعيين، وإن كان الاستفهام هنا شعريًا وليس مراد حقيقته، لكنه في النهاية يعتبر شكلًا من أشكال الاستفهام.
ووقعت بين جملتين: «أهي صارت أم عادني حلم؟»، لاحظ أن الجملة الأولى اسمية والجملة الثانية فعلية. قال: إذاً الأرجح أن «هي» فاعل بفعل محذوف، ومن هنا اعتبرها جملة فعلية أيضًا. «فقلت هي سرت»، أعتبِرها الأولى اسمية على الراجح؛ لأن «هي» فاعل لفعل محذوف ويفسره الفعل المذكور، بناءً على أن همزة الاستفهام الغالب أن يأتي بعدها جمل فعلية وليس جملًا اسمية، بناءً على هذا كما مر معنا في باب التنازع. إذاً «هي» فعلًا بفعل معلوم.
وقد تكون جملتين اسميتين، فالمثال السابق جملتان فعليتان وعرفنا كيف نتعامل معهما، ومثال هذا اسميتان: «لعمرك ما أدري، وإن كنت داريًا، أشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر؟». هل «أشعيث بن سهم» هذه جملة اسمية؟ أم «شعيث» هو ابن منقر؟ «شعيث» ابتدأ و«ابن سهم» خبره، ثم عاطفة، ثم أتت «شعيث» مبتدأ و«ابن منقر» خبره، فتكون من باب عطف جملة اسمية على جملة اسمية.
أما «أم» بنوعها الثاني، فهي التي تأتي بعد همزة استفهام والمراد منها تعيين مراد منها الجواب. ولاحظوا أن هذا فرق ثاني وجوهري بين «أم» التي للاستفهام وبين «أم» التي للتسوية؛ أن «أم» التي في سياق التسوية لا ينتظر جوابًا، هو ليس استفهامًا. لكن «أم» التي بعد همزة الاستفهام تنتظر جوابًا منها، تنتظر تعيين أحد الأمرين: «أأنتم أشد خلقًا أم السماء؟»، جاوب: أنتم ولا السماء؟ فهذا فرق ثاني وسيأتي هنا ترتيب للأفكار أكثر من مقالة.
تنبيهان: الأول، تسمى «أم» في هذين الحالين «أم المتصلة»، لماذا يا ترى متصلة؟ قال: لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فكأنهما مرتبطان متصلان ببعضهما البعض، وهذا صحيح. في «أم» التي للتسوية لما قال سبحانه وتعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6]، لا ينفع أن تسكت، لن يكتمل المعنى حتى يأتي بالجملة اللاحقة، ففي اتصال. وكذلك في الاستفهام: «أأنتم أشد خلقًا؟»، لو قلت «أأنتم أشد خلقًا» فقط، اختلف موضوع الاستفهام، أنت تريد تعيين من هو الذي أشد خلقًا: أنتم أم السماء؟ فلا يمكنك أن تستغني عن «أم» وما بعدها، فهذا معنى الاتصال، أنها ما بعدها متصل ومرتبط بما قبلها.
وتسمى أيضًا «أم» هذه «المعادلة»، لماذا؟ قال: لمعادلتها، كأنها مساوية للهمزة في إفادة التسوية بالنسبة للنوع الأول، وفي إفادة الاستفهام بالنسبة للنوع الثاني، كأن «أم» عملت مساواة مع الهمزة؛ في النوع الأول شاركت الهمزة في الدلالة على التسوية، وفي النوع الثاني شاركت الهمزة في الدلالة على الاستفهام.
ثم قال: ويفترق النوعان من أربعة أوجه، وسأذكر بعضها لكم الآن أثناء كلامي. قال: أولها وثانيها أن الواقع بعد همزة التسوية لا يستحق جوابًا، وهذا ما قلت لكم إنه ليس استفهامًا فلا يحتاج إلى جواب، لأن المعنى بها ليس على الاستفهام. وهذا سينبني عليه الثاني، وهو أن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنها من قبيل الخبر وليست من قبيل الإنشاء، فأما «أم» التي في همزة التسوية فهي جملة خبرية وليست إنشائية، فإذا هي جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب ولا تحتاج إلى جواب. هذه بالعكس تمامًا، فهي جملة استفهامية إنشائية لا تحتمل الصدق والكذب، وبالتالي تحتاج إلى جواب.
الفرق الثالث والرابع: «أم» الواقع بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين، أما هذه فلا تقع بين جملتين، بل تقع بين جملتين وتقع بين مفردين، والأغلب وقوعها بين مفردين. ثم أن «أم» التي للتسوية الجمل بعدها وقبلها تقوم في محل مصدر مؤول، أما «أم» التي للاستفهام لو وقعت بين جملتين فالجمل ليست في تقدير مصدر مؤول، فهذا أيضًا فرق رابع، فأرجو أن تهتموا بهذه الفقرة لأنها مهمة.
الثاني: قد يُفهم لك أن همزة التسوية لا يلزم أن تكون واقعة بعد لفظة «سواء» بالتحديد، وأنا ذكرت لكم أن البعض يزعم أنها التي تقع بعد لفظة «السواء» فقط، وليس شرطًا، فقد تقع بعد ألفاظ أخرى كما تقع بعد مثلاً: «ما أبالي»، و«ما أدري»، و«ليت شعري»، ونحو هذه الألفاظ التي مر بعضها سابقًا كما في البيت: «ولست أبالي بعد فقده مالكًا، أموت يا نائم أم هو الآن واقع؟».
ثم قال: وربما أسقطت الهمزة إن كان خفي المعنى بحذفها «أم». الآن هذه الهمزة يا أحبابي الكرام، التي يظهر عنها أنها من نوعية سواء؛ همزة التسوية أو همزة الاستفهام التي تأتي مع «أم»، يجوز حذف هذه الهمزة وإسقاطها إذا ظهر المراد من السياق. فيريد أن يقول: وربما حذفت الهمزة المذكورة إن كان خفاء المعنى بحذفها مأمونًا، يعني إذا كان التباس المعنى مع حذفها مأمونًا منه، لن يخفى، بل هو ظاهر. وهذا معنى قوله: «إن كان خفي المعنى بحذفها منه»، فمن مفهوم المخالفة إذا كان خفاء المعنى بعد حذفها ليس مأمونًا فيجب ذكرها، أما إذا كان خفاء المعنى مأمونًا ولا يقلق منه، سيكون واضحًا جليًا حتى مع الحذف، في هذه الحالة يجوز حذف الهمزة، كقراءة ابن محيصن: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ﴾ بإسقاط همزة التسوية. وهذه الهمزة هنا هي همزة الفعل وليست همزة التسوية من «أنذر ينذر». وكما مر في الاستفهام: «أشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر؟»، تستطيع أن تقول «شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر» فلم تذكر الهمزة في البداية.
هذا بالنسبة للنوع الأول من أنواع «أم»، وهي «أم المتصلة»، وعرفنا لماذا سميت متصلة ولماذا سميت معادلة وعرفنا أنواعها. الآن دعونا ننتقل إلى «أم المنقطعة»، قال: «وبانقطاع وبمعنى بل وفُت»، أي أتت.
إن تكن مما قيدت به في الأبيات السابقة، خلل، يعني أمن هيك بده يقول لك باختصار ابن مالك. أما إذا لم تأتِ للتسوية ولم تأتِ للاستفهام في هذه الحالة، لن تكون «أم» متصلة بل ستكون «أم» منقطعة.
إذا كانت «أم» منقطعة فما معناها؟ قال: تفيد معنى «بل». طبعاً المعنى الثاني لـ «أم» هو الإضراب، والإضراب ما هو الإضراب؟ الإضراب أن تجعل ما قبل «أم» مسكوتاً عنه، يعني أنت أعطيته حكماً، بعدين سكتت عنه وأضربت عنه وأعطيت حكماً جديداً لما بعد «أم». الإضراب أن تجعل ما قبلها في حكم المسكوت عنه، وتعطي حكماً جديداً لما بعدها، فهذا معنى الإضراب.
وهذا متى تفيد «أم» الإضراب؟ طبعاً بدكم تركزوا معانا أنه في أكثر من حرف في العربية يفيد الإضراب، بل في صور تفيد الإضراب. «أم» تفيد الإضراب، أو «الواو» تفيد الإضراب، أو «بل» كلها تفيد الإضراب في بعض صورها، فيجب أن ينتبه أنه هذه الأحرف الثلاث: «أم» و«الواو» و«بل» كلها تفيد الإضراب في بعض صورها، فيجب أن يُفهم ما معنى الإضراب.
وهذا متى يكون إذا كانت «أم» ليست في سياق همزة التسوية، ولا في سياق همزة الاستفهام. جاءت وحدها هكذا دون أن تسبق بهمزة تسوية ولا بهمزة استفهام، في هذه الحالة ستكون «أم» هي «أم» المنقطعة المراد الإضراب. قال: «وبانقطاع وبمعنى بل». أي تأتي «أم» منقطعة بمعنى «بل».
إن تكن مما قيدت به خلت، وهي أن تكون ماذا؟ قيدت في البيت بـ «أم» المتصلة، قيدت بأن تكون مسبوقة إما بهمزة التسوية أو بهمزة الاستفهام. إذا لم تكن مسبوقة بهذا ولا بهذا فهي بمعنى «بل»، قالوا: ولا يفارقها حينئذ معنى الإضراب، ولا يفارقها حينئذ فمعنى الإضراب دائماً موجود فيها. لكن كثيراً ما تقتضي مع ذلك أنها تفيد الإضراب، ولكنها في كثير من الأحيان تفيد علاوة على الإضراب الاستفهام.
وكثيراً ما تقتضي مع ذلك استفهاماً، أما استفهاماً حقيقياً، مثال ذلك قوله: «إنها لآبلٌ أم شاء؟». طبعاً هنا سنستفيد شغلة، أن «أم» المنقطعة هي حرف عطف، لكن يكون ما بعدها جملة لا تعطف مفردات، مثلها مثل همزة التسوية. عموماً «أم» التي تأتي بعدها تسوية، «أم» المنقطعة يكون ما بعدها جملة.
طيب هنا ما التقدير؟ لما قال: «إنها لآبلٌ أم شاء؟»، إما أن تقدر أنها «لآبلٌ أم هي شاء»، ثم تقدر أن فيه حرف استفهام أو أن «أم» بمعنى الاستفهام، كأنك تقول: إنها لآبل، ثم أضربت، حدث إضراب، سكتت عن الكلام السابق ولغيته وقلت: أم شاء؟ التقدير: أم هي شاء في جملة اسمية؟ أم هي شاء؟ الآن هذه الجملة الاسمية كما قال مسبوقة بـ «أم» إضرابية وفيها معنى الاستفهام في نفس الوقت. والتقدير: «بل هي شاء»، فكك «أم» وحللها؛ «أم» هنا تفيد معنى الإضراب وتفيد معنى الاستفهام، فهي بمعنى: «بل هي»، إضراب واستفهام في نفس الوقت: «بل هي يشاء».
قال: «وإنما قدرنا بعدها مبتدأ محذوفاً»، أي: «هي شاء»، لكونها لا تدخل على المفردات، «أم» المنقطعة خاصة الجمل. وقد يكون استفهاماً إنكارياً كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ [الزخرف: 16]، التقدير: بل له البنات كما تزعمون، إضراب عما قبله وانتقال لحكاية جديدة لهم: بل له البنات كما تزعمون.
لكن هل الاستفهام دائماً يجب أن يكون في «أم» منقطعة؟ لا، المعنى الملازم لها هو الإضراب، والاستفهام كثيراً ما يأتي لكنه ليس ملازماً. فقد لا يكون هناك أي استفهام كقوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: 16]، هنا «أم» لا تحتوي استفهاماً بدليل أنه بعدها أصلاً حرف استفهام، فكيف تكون «أم» فيها استفهام؟ الاستفهام والاستفهام لا يجتمعان، فهنا حرف الاستفهام تلقائي، فلا يمكن أن تكون «أم» مضمنة معنى الاستفهام. لاحظوا ماذا قال: «إذ لا يدخل استفهام على استفهام».
ونحو أيضاً قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ ۛ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: 2-3]، من «رب العالمين» إلى قوله: «أم يقولون افتراه»، هنا «أم يقولون افتراه» هذا حكاية لقولهم، «أم» هنا إضرابية، و«يقولون افتراه» هذه حكاية لقولهم، وليس المراد منه استفهام كما ذكر البعض، وإن كان البعض قد ينازع في هذا.
ومنه قوله: «فليت سليمة في المنام ضجيعتي، هنالك أم في جنة أم في جهنم»، والعياذ بالله، هذا الرجل من كثر ما يحب سليمة اختلطت أموره وعقله، يقول لك: يا ليت تكون في المنام على الأقل ضجة، أقول لك: في الجنة، أقول لك: حتى في جهنم والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية، كيف يفعل العشق بأصحابه! المهم أنه يريد أن ينال سليمة فيقول: في المنام ضجيعتي هنالك، أم هي في جنة أم هي في جهنم؟
بدنا نقدر جملة زي ما حكينا: «أم هي في جنة أم هي في جهنم». قال: «بل في جهنم»، وإن كان هذا يحتاج إلى نظرة. «أم في جنة أم هي في جهنم؟»، «أم هي في جهنم»، بدك تقدر؟ كل هذا إذا أردنا أن نجعل «أم» هنا إضراباً، لأن «أم» المنقطعة الإضرابية بعدها جمل، فلازم تقدر: «أم هي في جنة أم هي في جهنم».
لاحظ هنا المحقق ماذا قال: «في جنة» جاز وجود محذوف خبر ليت المحذوفة مع اسمها، التقدير: ليت سلمى ضجيعتي في جنة، ليت المحذوفة مع اسمها، هكذا قدرها: «أم ليتها ضجيعتي في جنة»، ثم «أم جهنم» جعل جهنم معطوفة على الجنة. إذا قلنا جهنم معطوفة على الجنة، لن تكون «أم» هنا منقطعة، وبالتالي أظن أنه يحتاج إلى التقدير حتى نجعل «أم» الثانية «أم» منقطعة، ينبغي أن يقول: «أو ليتها» أو «ليت كسليمة ضجيعتي في جهنم» حتى يكون كله متناسقاً. فهنا أظن أن الإعراب هنا فيه إشكالية ثانية، «أم جهنم» إذا قلنا جهنم معطوفة على الجنة مباشرة، ستكون «أم» هنا ليست «أم» منقطعة، بل ستكون «أم» التي للاستفهام، لكن هنا ليست «أم» استفهامية، لا تصلح أن تكون «أم» استفهامية، بالتالي يحتاج إلى تعديل ونقول التقدير: «أم ليت سليمة ضجيعتي في جنة أم ليت سليمة ضجيعتي في جهنم»، حتى يكون كل من عطف الجمل.
قال: وسُميت منقطعة. لماذا سُميت هذه المنقطعة أم الإضرابية منقطعة؟ قال: لوقوعها بين جملتين مستقلتين وهذا واضح؛ الجمل ليست متصلة هنا ببعضها البعض، لا؛ الجملة السابقة استغنيت عنها وانتقلت أنت لجملة جديدة، وهذا معنى الإضراب؛ سكت عن الجملة السابقة، استغنيت عنها وانتقلت لجملة جديدة.
هل هناك نوع ثالث اسمه أم الزائدة؟ قال: حصر تنبيه حصر؛ أم المتصلة والمنقطعة هو مذهب الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن هناك نوعًا ثالثًا تكون زائدة. وقال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أم أنا خير؟ في قوله تعالى على لسان فرعون لما قال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: 52]. قال: أم هنا زائدة؟ والتقدير: أفلا تبصرون؟ أنا خير من هذا الذي هو مهين.
إن التقدير: أفلا تبصرون؟ أنا خير، والزيادة؛ يعني طبعًا هذه الآية فيها تأويلات وإشكاليات كثيرة، فبعضهم قال: لا، ليست أم هنا زائدة، بل يمكن اعتبارها أم المنقطعة في الحقيقة، ويمكن اعتبارها أم منقطعة وليست زائدة، والمراد منها الإضراب: أفلا تبصرون، بل أنا خير من هذا الذي. وازدياد ظاهرة في قول ابن جوزي: يا ليت شعري ولا منجى من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشيب من ندم؟ يقول: يا ليت شعري ولا منجى من الهرم، التقدير: هل على العيش بعد الشيب من ندم؟ فقال: أم هنا زائدة ولو حذفت لم يختل المعنى. وكأن الأشموني يرى أنه هذا ممكن يكون فعلاً أن هناك أم زائدة لكنه نادر قليل.
هكذا نقفل ملف «أم» وننتقل إلى ملف جديد وهو ملف «أو». يقول ابن مالك: أو خَيِّرٍ أَبِحْ قَسِّمْ وَأَشْكِكْ وَأَضْرِبْ بِهَا أَيْضًا نَمِي ... وَرُبَّمَا عُوقِبَتِ الْوَاوُ إِذَا لَمْ يُلْفَتِ النُّطْقُ لِلَّبْسِ مُنْفِذًا
الآن نأتي إلى «أو» العاطفة، ذكر لها معانٍ كثيرة، والحقيقة أنه في التنبيهات التي ستأتي معنا إن شاء الله سيختصر هذه المعاني في معانٍ ثلاث. ذكر الآن: «خَيِّرٍ أَبِحْ قَسِّمْ وَأَشْكِكْ وَأَضْرِبْ بِهَا أَيْضًا نَمِي»، وربما عاقبت الواو؛ ذكر سبعة معانٍ لها، لكن في الحقيقة سترد إلى معانٍ ثلاث، ما هي هذه المعاني الثلاث؟
قال: «أو» تأتي لتعيين أحد أمرين، وهذه «أو» التي تأتي لتعيين أحد أمرين أو أمور، طبعًا هي التي تتفرع إلى: تخيير، وإباحة، وتقسيم، وإبهام، وشك. كل هذه المعاني الأولى، «خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ وَأَبْهِمْ وَأَشْكِكْ»، كلها متفرعة عن أن يطلب بها تعيين أحد أمرين أو أمور. المعنى الثاني لها هو الإضراب، والمعنى الثالث لها أن تأتي معاقبة للواو.
إذا لو رتبنا أفكارنا نقول: «أو» لها ثلاثة معانٍ رئيسة. المعنى الأول: التعيين، وأنا أريد أن أستعمل حقيقة عبارته، هو ما قال: تعيين، قال: «أو الموضوعة لأحد شيئين أو أشياء». خليني أستعمل عبارة الأشموني: «الموضوعة لأحد شيئين أو أشياء»، وهذه تنقسم إلى: تخيير، إباحة، تقسيم، إبهام، وشك. والمعنى الثاني: التي للإضراب. والثالث: التي بمعنى الواو، أو التي تعاقب الواو. فهذه ثلاثة معانٍ رئيسة: الموضوعة لأحد شيئين أو أشياء، واللتي للإضراب، والموضوعة لأحد شيء أو أشياء التي تنقسم إلى تخيير، وإباحة، وتقسيم، وإبهام، وشك. والآن سنتعرف على هذه المعاني سريعًا.
قال الأشموني رحمه الله: «خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ أَوْ أَبْهِمْ وَأَشْكِكْ». خلينا نفهم أولًا: عاطفة «أو» ما معنى أن تكون للتخيير؟ ما معنى تكون للإباحة؟ وما الفرق بين التخيير والإباحة أصلاً؟ قال: فالتخيير والإباحة، أول شيء يجب أن تعرف الضابط، قال: «فالتخيير والإباحة يكونان بعد الطلب ملفوظًا أو مقدرًا في السياق، وما سواهما فبعد الخبر».
أول فرق يجب أن تعرفه هو أن التخيير والإباحة هذين المعنيين بالتحديد يكونان في سياق طلب ملفوظ أو مقدر؛ حتى تكون «أو» للتخيير أو للإباحة يجب أن تكون في سياق طلب، سواء كان الطلب ملفوظًا أو مقدرًا، وطبعًا الطلب هنا يشمل طلب الفعل أو طلب الترك. أما المعاني الثلاثة الأخرى، وهي التقسيم والإبهام والشك، فتكون في سياق إثبات وليس في سياق طلب.
طيب ما الفرق بين التخيير والإباحة في سياق الطلب؟ قال: «فالتخيير كقولك: تزوج زينب أو أختها، والإباحة كقولك: جالس العلماء أو الزهاد»، وأنت من خلال الأمثلة ستدرك الفرق بينهما. إنه في التخيير لا يجوز الجمع بين الأمرين، لما أقول لك: تزوج زينب أو أختها، لا يجوز أن تجمع شرعًا بين زينب وبين أختها. لكن الإباحة لما أقول: جالس العلماء أو الزهاد، أنا خيرت، أنا هناك أعطيتك إباحة، لكن لو جمعت بينهم فليس هناك مشكلة.
ولكن يجب أن تلاحظ فعليًا أن هذا التفريق ليس «أو» هو الذي اقتضاه، يعني هل «أو» هي التي دلت على التخيير أو الإباحة؟ في الحقيقة كلا. يعني لما أقول لك: تزوج هند أو أختها، هل «أو» هي التي دلت على ذلك؟ ستقول لي لا، الشرع هو الذي دل على عدم جواز الجمع. «أو» تدل على التخيير، متفقون، لكن هل تدل على عدم جواز الجمع بين هند وبين أختها؟ ليست «أو» التي دلت على ذلك، الشريعة هي التي منعت ذلك.
فلذلك كلام دقيق أنه «أو» هي تفيد أحد شيئين، موضوعة لأحد شيء أو أشياء، أما دلالتها على التخيير أو على الإباحة فهذا من خلال السياق الذي وردت فيه؛ هو الذي يدل أنه والله هذا سياق تخيير بحيث لا يجوز الجمع، والله هذا سياق إباحة بحيث يجوز الجمع. بالتالي هذا كله ليس من أصل ما تفيده «أو»، وإنما السياق الذي وردت فيه «أو» هو الذي يشير إلى هذا أو إلى هذا.
فمن الخطأ في الحقيقة، وليس من العلمية في التحرير، أن يُجعل من معاني «أو» أنها تفيد أحد الأمرين؛ فتزوّج هند أو أختها أعطتك أحد شيئين كونه لا يجوز الجمع، هذا من الشرع. نفس الشيء: جالس العلماء أو الزهاد أعطتك أحد شيئين كونه يجوز الجمع، هذا أيضًا من حيث العرف والمعنى الشرعي أنه لا حرج في الجمع بين هذين الصنفين من الناس. فقالوا: الفرق بينهما امتناع الجمع في التخيير وجواز الجمع في الإباحة.
المعنى الثالث الذي هو التقسيم والإبهام والشك، عرفنا أنه يكون في سياق الإثبات. قال: «التقسيم كقولك: الكلمة اسم أو فعل أو حرف»، هذا كله تقسيم. العلوم الشرعية علوم وسائل أو علوم الات...
تقسيمات كل هذا، طب الإبهام كقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾. الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء، لكن هو يريد أن يبهم أنه متى سيأتي العقاب؟ ممكن يجيك ليل، ممكن يجيك نهار؛ أنا بدي أبهم عليك. كمدرس بدي أخوف الطلاب فرضاً، عقولهم الاختبار ممكن يجي اليوم، أو غداً، أو بعد غد؛ هنا أريد فيها نوعاً من الإبهام عليهم، أنه بدك تكون مجهز حالك في أي لحظة من اللحظات.
هذا الإبهام قد يكون للشك، أنه أنت مش متأكد من المعلومة: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ أو ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ مش متأكدين. فهذا أيضاً من معاني الشك، ولا أظن هذه المعاني الثلاث: التقسيم والإبهام والشك، جاءت في سياق الإثبات.
ثم قال: «أو» أيضاً فيها إضراب. من معانيها الإضراب وإن كان هذا ليس شائعاً فيها، لكنه يصح أن تكون بمعنى الإضراب، والإضراب زي ما قلنا أن يجعل ما قبلها مسكوتاً عنه، والأنظار تتجه إلى ما بعدها.
قال ونُسب هذا إلى العرب في قول الكوفيين وأبي علي وابن برهان وابن جني مطلقاً، أي دون قيد، تمسكاً بقولهم إن «أو» قد تفيد الإضراب، وهو المعنى الثاني لها، فلا تفيد أحد الشيئين ها هنا، انتقلنا من أحد الشيئين هنا أصبحت تفيد معنى جديداً تماماً هو الإضراب، وأفادتها الإضراب من دون قيد أو شرط. فهذا معنى قوله إن الكوفيين وأبا علي وابن برهان وابن جني قالوا إن «أو» تفيد الإضراب مطلقاً، أي بدون قيد أو شرط في المسألة، تمسكاً بقول الشاعر:
ماذا ترى في عيادٍ قد برمت بهم؟ ... لم أحصِ عدتهم إلا بإعْدادي كانوا ثمانين ما شاء الله عنده ثمانون ولداً، كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية؛ هنا «أو» بمعنى بل، بل زادوا ثمانية.
وقراءة أبي السمال: ﴿أَوْ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ بسكون الواو، وليس «أو كلما» الاستفهامية، لكن على قراءة «أو كلما عاهدوا عهداً» هنا قالوا «أو» تفيد الإضراب، يعني بل كلما عاهدوا عهد النبذ، هو فريق منهم، فهنا «أو» بمعنى بل.
الآن إذا كان القول الأول أن «أو» تفيد الإضراب بدون شروط، فالآن ابن عصفور يقول إن سيبويه جوّز أن تفيد «أو» الإضراب لكن بشرطين: الشرط الأول أن تكون أول إضرابية مسبوقة بنفي أو نهي، والشرط الثاني إعادة العامل بعدها؛ يعني العامل المذكور قبلها يتم إعادته بعدها، فتقول: «ما قام زيدٌ أو ما قام عمروٌ»، لازم ترجع تحكي العامل والفعل لابد يكون موجوداً مرة أخرى. أو: «لا يقم زيدٌ أو لا يقم عمروٌ»، يعني «أو» هنا إضرابية في سياق نهي وبعدها كررت العامل.
قالوا ويؤيده أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. سيبويه ماذا يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾؟ يقول: لو قلت في هذه الآية «أو لا تطع كفوراً» انقلب المعنى، يعني أنه يصير إضراباً عن النهي الأول ونهياً عن الثاني فقط.
لما سيبويه يقول: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، يقول لو جاءت الآية بتكرار العامل لكانت «أو» إضرابية. طب شو يعني إضرابية؟ يعني ما قبلها أصبح مسكوتاً عنه، «لا تطع منهم آثماً» خلاص أصبح هذا مسكوتاً عنه، وأصبح النهي متسلطاً فقط على ما بعدها: «لا تطع كفوراً». فكان ما قبلها مسكوتاً والنهي متوجهاً على عدم إطاعة الكفور فقط.
يقول سيبويه هذا متى كان سيستفاد؟ لو أنه تكررت «لا تطع». بما أن الآية ما تكرر فيها «لا تطع»، فعدم تكرار العامل هو دليل على أن «أو» هنا ليست أول إضرابية. فهذا يدل فعلاً كما نقل عنه ابن عصفور أن أول إضراب لازم يتكرر العامل معها ولازم يكون في سياق نفي. الآن طبعاً التيار الآخر يقول لك: طب أنا عندي أمثلة جاءت «أو» فيها إضراب والسياق مش نفي، زي: «كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية»، فإذاً فيه خلاف: هل «أو» الإضرابية يشترط أن تكون مسبوقة بنفي أو نهي مع تكرار العامل أم لا تشترط كل هذه الشروط؟ كما نلاحظ أنه في خلاف في هذا الأمر.
طبعاً هنا «أو» إذا قلنا إنها مش إضرابية ممكن تكون بمعنى الواو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا وَكَفُورًا﴾. وسيأتي معنا المعنى الثالث؛ أن «أو» التي بمعنى الواو هي نفسها، يعني كأنك حاطت واو، فهذا يصلح في الآية إذا لم نجعل «أو» إضرابية، وهذا قد يكون أظهر.
المعنى الثالث أن تكون معاقبة للواو، قال: «وربما عاقبت أو الواو إذا لم يلفظوا النطق للبس منفذاً»، أي تأتي بمعنى الواو إذا لم يكن هناك لبس في إتيان «أو» بمعنى الواو. إذا كان إتيان «أو» بمعنى الواو سيسبب لبساً فلا يجوز استعمال هذا المعنى أبداً، إذاً لا بد من أمن اللبس في هذه الحالة بالتحديد.
قال كقوله: قومٌ إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين مُلْجِمٍ مُهرٍ أو سَافِعِ
هنا «أو» بمعنى الواو، والتقدير: وجدتهم شخصاً ملجماً مُهراً وشخصاً سافعاً. طبعاً السافع قال هو القابض بناصية المهر، يعني كأنهم كلهم قاموا ومستعدون، هذا مستعجل يضع اللجام وهذا ماسك بناصيته، فالمراد ليس تراباً وليس تخييراً، إنما المراد: ما بين ملجم مُهر أو سافع.
أقول «أو» هنا قد تحتمل معنى الواو، لكنك قد تحتمل أيضاً معنى التقسيم، يعني أنهم ينقسمون ما بين ملجم مُهر أو سافع، لكن أقول أيضاً تصلح هنا أن تكون «أو» بمعنى الواو ولا ينتج لبس في هذا الفهم. ومنه قول الشاعر: فظل طهاة اللحم ما بين منضجٍ ... صَفِيفِ شواءٍ أو قديرٍ معجلِ
قيس في معلقته مشهورة: «فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مَا بَيْنَ مُنْضِجٍ صَفِيفِ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ». بعضهم يجهز الشواء وبعضهم يعجل فيضع الطعام، وهذا في الحقيقة يمكن أن يكون من قبيل التقسيم كما قلت لكم، ويمكن أيضًا أن تكون «أو» فيه بمعنى الواو؛ ما بين منضج صفيف شواء و"قدير معجل"، أي ما بين كذا وكذا. وهذا الذي اعتمده -والله أعلم- في البيت ثمانمائة وخمسة وثلاثين وثمانمائة وستة وثلاثين لكلا الشاهدين، أنه كلمة «أو» ما بعدها تأتي الواو عادة تفصل بين شيئين؛ ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل.
وقول الراجس: «إن بها أكْتلًا أو رُزامًا... خويلبان ينفقان الهامة». معنى هذا البيت أن في الطريق لصين معروفين، هما أكثر رجال، أو أن فيها لصًا ورجلًا شديدًا صعبًا يسرقان الإبل ويكسران رؤوس المسافرين؛ فالأكتل معناه اللص، والرزام الشديد الصعب. وخويلبان مثنى خويلب الذي هو مصغر خارب وهو سارق الإبل، وينفقان الهامة أي يكسران الرأس حتى يظهر الدماغ.
قوله: «إن بها أكْتلًا أو رُزامًا»، فالمراد أن بها لصًا ورزامًا، ليس المراد أن بها هذا أو هذا، لا، المراد بـ«أو» هنا الواو؛ يقول هذه الطريق فيها لص وفيها رزام، فيها هذا وهذا، فـ«أو» هنا بمعنى الواو. ومنه قول الشاعر: «وقالوا لنا اثنتان لابد منهما... صدور رماح أُشرعت أو سلاسلُ». طبعًا هنا قال: «وقالوا لنا اثنتان لابد منهما»، فبما أنه الثنتين الهم إذاً لا بد تكون «أو» بمعنى الواو؛ صدور الرماح والسلاسل. فهنا السياق يستلزم أن تكون «أو» بمعنى الواو، إلا كان التخيير، والتخيير يناقض ما ذكره ابتداءً أن له أمرين.
قال وجعل من قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصف: 147]، الواو هنا بمعنى الواو، أي ويزيدون. هذا مذهب الأخفش والجرمي وجماعة من الكوفيين، يعني هذا ليس متفقًا عليه طبعًا أن تأتي «أو» بمعنى الواو، وليس مذهبًا متفقًا عليه وإنما نُسب إلى طائفة من النحاة.
قال تنبيهات: افهم قوله، وربما الآن هو شوف ماذا قال هنا: «وربما عاقبت وربما...»، أن «أو» أتت بمعنى الواو، فربما ماذا تستفيد من ذلك؟ قال: افهم قوله، وربما أن ذلك قليل مطلقًا. وذكر في التسهيل أن «أو» تعاقب الواو متى في الإباحة كثيرًا. يعني يرى ابن مالك في التسهيل أن «أو» التي بمعنى الواو كثيرًا ما تأتي في سياق الإباحة، بس طبعًا إذا صارت في سياق الإباحة ما عاد الأمر إباحة.
لما أقول لك المثال السابق: «جالس العلماء أو الزهاد»، الآن إذا قلت إنه هذا «أو» للاباحة، فمعناه أنني أخيرك بين أحدهما، ويجوز الجمع بينهما. الآن إذا قلت «أو» في هذا المثال بمعنى الواو، هنا أنت عينت الجمع؛ يعني إذا قلت «أو» في هذا السياق إباحة، متى تجعلها إباحة؟ إذا جعلت «أو» لأحد الشيئين وأنك تريد الإباحة لهذا أو هذا، لكن إذا قلت «أو» ليست لأحد الشيئين في هذا المثال نفسه، إذا قلت «أو» بمعنى الواو هنا خلاص ما عاد المثال للإباحة، أصبح المثال للجمع؛ لأن «أو» التي بمعنى الواو لمطلق الجمع. فجالس العلماء أو الزهاد، إما أن تقول «أو» هنا لأحد الأشياء ومعناها الإباحة بالتحديد، وإما أن تقول «أو» بمعنى الواو والمراد الجمع بين الأمرين. فيمكن أن تفهم المثال على هذه الصورة ويمكن أن تفهمه على هذه الصورة. لذلك قال هو في التسهيل إنه «أو» تعاقب الواو في الإباحة، يعني في السياق الذي تكون فيه «أو» سياق إباحة، وعرفنا ماذا تقول للإباحة قبل شوي: «جالس العلماء أو الزهاد». هذا مثال هنا يجوز أن تعتبر «أو» ليست للإباحة بل بمعنى الواو في هذا السياق نفسه.
قال: وفي عطف أيضًا هذا أكثر أمثلتها، «أو» التي بمعنى الواو تكون في سياق الإباحة كثيرًا، وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلًا. الآن الإباحة مرت معنا: «جالس العلماء أو الزهاد». المصاحب نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «اثبت أحد فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد»، فلا النبي بصحبته هذا المراد، نبي بصحبته صديق أو شهيد، فهنا التي هي «أو» بمعنى الواو والسياق سياق مصاحبة، فلما كانت هنا السياق سياق مصاحبة صلح أن تكون «أو» فيه بمعنى الواو وإن كان هذا قليلًا.
كذلك سياق التأكيد في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [الشورى: 30]. طبعًا البعض جعل الخطيئة تختلف عن الإثم فلم يجعل «أو» بمعنى الواو، والبعض الذي يرى أن الخطيئة والإثم بنفس المعنى أو فيهما نوع من الترادف، قال: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً وَإِثْمًا﴾، ومن يكسب خطيئة أو إثمًا؛ يقول الإثم هو توكيد للخطيئة لأنه من نفس المعنى، فإذا كانت "إثمًا" هو توكيد لخطيئة، إذا «أو» هنا ليست لأحد الشيئين، بل «أو» بمعنى الواو والمراد مجرد التوكيد، فهذا معنى قوله إنه «أو» تأتي بمعنى الواو إذا كان السياق سياق توكيد فقط، كقوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾؛ فالإثم مرادف للخطيئة، فبالتالي «أو» هنا ليست لأحد شيئين وإنما هي بمعنى الواو.
ثم قال التنبيه الثاني، وهذا مفيد حقيقةً: التحقيق أن «أو» موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء وهو الذي يقوله المتقدمون، وقد تخرج عنه إلى معنى "بل" وهو الإضراب، أو معنى الواو. وأما بقية المعاني المستفادة؛ تخيير الإباحة، تقسيم الإمام في الشك، فهذا ليس مستفادًا من «أو» كما قلنا في بداية تعليقنا، بل من القرائن التي حولها.
الثالث: زعم قوم أن الواو تستعمل بمعنى «أو» في ثلاثة مواضع، يعني العكس؛ ذهب قوم إلى قضية معاكسة، قالوا الواو تستعمل بمعنى «أو»، أين ذلك؟ قالوا في ثلاثة مواضع: أحدها في التقسيم كقولك: "الكلمة اسم وفعل وحرف"، إذا قلت الكلمة اسم وفعل وحرف، الواو هنا قالوا بمعنى «أو» بالعكس. وكقول الشاعر: «وننصر مولانا ونعلم أنه... كما الناس أي كالأناس وهي ما زائلة... مجروم عليه وجارم»، قالوا الواو هنا بمعنى «أو»، يعني أنها صيام مجروم أو جارم؛ فالواو بمعنى «أو». ممن ذكر ذلك الناظم في التحفة وفي شرح الكافية.
قال في المغني ابن هشام، الآن يعلق على هذه الحالة الأولى، قال: والصواب أنها في ذلك على معناها الأصلي، الواو بمعنى الواو وليست بمعنى «أو»، قال: إذ الأنواع في الدخول تحت الجنس، لأنك لما تقول الكلمة اسم وفعل وحرف أنت تريد أن هذه كلها العناصر مجتمعة.
موجودة تحت جنس الكلمة. لما نقول الإنسان رجل وامرأة، أو مثلاً نقول الإنسان ذكر وأنثى، فالواو هنا على حقيقتها، ليس هناك داعي للتكلف وتقول إن الواو بمعنى «أو»، لأن الذكر والأنثى تريد أن تقول إنهما هذان العنصران كلاهما تحت هذا الكلي وهو الإنسان. فأنت ليس في سياق تخيير حتى تقول إن الواو معنا «أو» لأحد الأشياء، لا، أنت تريد أن تقول هذا المجموع حكمه واحد وهو أنه داخل تحت الإنسان. الاسم والفعل والحرف، هذا المجموع حكمه واحد، وأنه تحت جنس الكلمة، فلا داعي أن تقول إن الواو هنا بمعنى «أو».
الحالة الثانية التي يُرى أن الواو فيها بمعنى «أو» قال الإباحة، هنا العكس؛ نحن قبل قليل كنا نحكي الإباحة تكون فيها «أو»، هنا نتحدث عن العكس، الإباحة التي تكون فيها الواو بمعنى «أو» مثل ماذا؟ هذا قالوا الزمخشري، وزعم أنه يقال: «جالس الحسن وابن سيرين»، وتكون الواو هنا بمعنى «أو»، يعني جالس الحسن أو ابن سيرين.
وقال إنه لهذا قيل في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۚ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]. لماذا ربنا قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؟ وهي مفهومة من السياق السابق: ثلاثة وسبعة. ما الداعي أن تقول: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ بعد ذكر الثلاثة والسبعة؟ قال: لأني أقول لك ما الداعي؟ قال: لكي لا يتوهم إرادة الإباحة.
يعني يقول لك الزمخشري: ربنا عز وجل لماذا قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؟ قال: لأن لا يتوهم أن الواو الفاصلة بين الثلاثة والسبعة بمعنى «أو»، فممكن واحد يفهم: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، فيقول لك الزمخشري: ماذا يمكن للواحد أن يفهم؟ أن الواو بمعنى «أو»، وأن التقدير: فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم؟ فحتى ينفي ربنا تعالى هذا الاحتمال الذهني أتى بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، ليدلل أن المطلوب ليس أحد الأمرين، ثلاثة أو سبعة، لا، المطلوب كلا الأمرين؛ تصوم ثلاثة زائد سبعة إذا رجعت إلى أهلك. فطبعاً هذا هو استخدامه ليدلل أن الواو يمكن أن تدل على معنى «أو» وهو الإباحة، فالآية جاءت لتنفي هذا الاحتمال من خلال قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. إذاً الواو يمكن أن تدل في العربية على معنى «أو»، هكذا توصل الزمخشري للفكرة.
لكن ابن مهديان ماذا قال في «المغني» أيضاً في «مغني اللبيب»؟ قال: والمعروف من كلام النحويين أن هذا لما يكون لك عربي: «جالس الحسن وابن سيرين»، عندما تقول إن الواو هنا بمعنى «أو» فهذا تكلف. قال: والمعروف من كلام النحويين أن قولك: «جالس الحسن وابن سيرين»، إن هذا أمر بمجالسة كل منهما، وجعلوا أصلاً هو الفرق بين العطف بالواو العطفي، أو أنت عندما تقول: «جالس الحسن وابن سيرين»، ومحتمل أن الواو بمعنى «أو»، أنت هنا تدخل الأمور ببعضها؛ لأنه خلاص العرب إذا قالت: «جالس الحسن وابن سيرين» فهذا يدل على الإباحة، إذا قال لك: «جالس الحسن وابن سيرين» فهو يريد أن يسمح لك أن تجالس هذا وهذا، فمحاولة خلط الأمور هذه ستسبب لبساً. فيقول لك: لا، الواو تبقى للجمع والواو تبقى للتخيير، فلا داعي أن تقول الواو بمعنى «أو».
الموطن الثالث قال التخيير، إذاً ممكن الثاني الإباحة ونقضه ابن هشام. الموطن الثالث التخيير، وقال بعضهم في التخيير: «اختر لها الصبر والبكاء، فقلت البكاء أشفى للغليل، فاختر لها الصبر والبكاء». الآن هنا السياق سياق تخيير؛ لأنه في فرق بين الصبر وبين البكاء، فالسياق سياق تخييري، بالتالي صحيح جاءت الواو لكن الواو بمعنى «أو»، لأنه: اختر لها الصبر أو البكاء، أي أول بكاء إذ لا يجمع بين الصبر والبكاء. لكن قال: ويحتمل أن يكون الأصل: «اختر لها من الصبر والبكاء»، يعني التقدير: اختر لها من بين الصبر والبكاء، فتكون الواو على أصلها ويكون: «من الصبر والبكاء» أي من أحدهما، ثم حذفت منه كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] أي من قومه. وبالتالي يقول أيضاً: والواو هنا على بابها.
إذاً فلاحظوا أنه في إشكالية: هل الواو تأتي بمعنى «أو»؟ ذكر ثلاثة مواطن وكلها الأشموني وضع عليها علامة استفهام، ثم قال: ومثل «أو» في القصد «أما» الثانية، في نحو: «أما ذي وأما النائية». هنا ابن مالك رحمه الله انتقل -لنسمه نوعاً من الاستطراد- لأداة تفيد معاني «أو». قال: ومثل «أو» في القصد «أما» الثانية، في نحو: «أما ذي وأما النائية». لاحظوا أول شطر قال: ومثل «أو» في القصد، وليس في العمل، وهذا يفهم منه أن «أما» الثانية ليست حرف عطف عند ابن مالك، بخلاف من عدها حرف عطف من بعض الكوفيين ومنهم يناجور.
فابن مالك عندما يقول: ومثل «أو» في القصد «أما»، يعني من الذي أريد أن أقول له؟ أن «أما» تحمل معاني «أو» التي سبق بيانها، تحمل معناها مقصودها في القصد، لكنها لا تحمل عملها وهو العطف. فلذلك ركز على أنه أنا لا أراها عاطفة «أما» الثانية، لكنني أراها ماذا؟ فيما «أو».
الآن ما هي «أما» الثانية؟ سيأتي معنا أنه عندما أقول لك: «فأما منا بعد وأما فداء»، الآن «أما» الأولى دعها على حالها كحرف تفصيل، وقع خلاف في «أما» الثانية. البعض زعم أنها حرف عطف، وابن مالك وكثير من النحاة قالوا: يا عمي هذه ليست حرف عطف وإن كانت معانيها معاني «أو» وإن كانت تفيد التخيير. فأقول لك: «تزوج أما هند وأما أختها»، بدل «تزوج هند أو أختها»، أقول لك: «تزوج أما هند وأما أختها» تخيير؟ أقول لك: مثلاً «جالس أما العلماء وأما الزهاد» إباحة؟ أقول لك: «من آتاها أمرنا أما ليلة وأما نهاراً» إبهام، الكلمة «أما اسم وأما فعل وأما حرف» تقسيم.
فـ«أما» تأخذ نفس معاني «أو»، «أما» الثانية فصاعداً تأخذ معاني «أو» لكنها لا تعمل عملاً. فالصحيح أنها ليست حرف عطف لكنها تدل على معانيها. إذاً ومثله «أو» في القصد «أما» الثانية، في نحو: «تزوج مثلاً أما ذي وأما النائية»، أي: أما هذه الفتاة وأما الفتاة البعيدة، و«جاءني أما زيد وأما عمرو». طيب، قال تنبيهات: الأول ظاهر كلامه أن «أما» الثانية تأتي للمعاني السبعة المذكورة في أول، وليس كذلك؛ فإنها لا تأتي بمعنى الواو ولا بمعنى...
والعذر له. إذا الآن بدنا ننهض أنه هل أَمَّا بمعنى «أَوْ» بأقسامها الثلاثة؟ بقول لك: لا. لما قالوا: «مثل أو في القصد»، أَمَّا يقصد المعنى الأساسي لِـ«أَوْ». المعنى الأساسي لِـ«أَوْ» أنها موضوعة لأحد شيئين أو أشياء، وتفيد تفريعاً على ذلك معاني خمسة. فأَمَّا تأتي بمعنى «أَوْ» في هذه المعاني، بهذه المعاني، لكنها لا تأتي بمعنى «أَوْ» للإضراب، أو بمعنى «أَوْ» التي بمعنى الواو؛ فأَمَّا لا تأتي بهذا المعنى ولا بهذا المعنى.
طيب ليش إذاً يا ابن مالك ما استثنيت؟ ليش ما كنت أدق؟ فبقول لك الذي يعني جعلهم لا يستثنون أن استعمال أَمَّا إضراباً أو بمعنى الواو هذا قليل وخلاف الأصل أصلاً، فلا حاجة بالتالي لأن ينبه على ذلك. فإذن أَمَّا التي بمعنى «أَوْ» يعني أَمَّا تأتي بمعنى «أَوْ» في المعاني الأساسية وليست في معنى الإضراب أو معنى الواو.
طيب، قالوا لم يذكر الإباحة في التسجيل لكن مقتضى القياس جائزة. الثاني ظاهره أيضاً أنها مثل «أَوْ» في العطف والمعنى. أقول: لا، هذا مش ظاهره. لما يقول هنا الأشموني: التنبيه الثاني، ظاهر كلامه أن أَمَّا مثل «أَوْ» في العطف والمعنى، هو لم يقل ذلك، وقال مثل... أَمَّا مثل «أَوْ» في القصد. فهو من قال لك في القصد، ما قال لك في العطف. فهذا ليس ظاهراً من كلامه، لا نتفق مع هذه العبارة، وهو نفسه أصلاً سيعد ينقضها. قال: وهو ما ذهب إليه أكثر النحويين. هو بيقول لك: صح في مذهب كثير من النحاة أنه ما حرف عطف مثلها مثل «أَوْ»، لكن في الحقيقة الأضبط أنها لا تعتبر حرف عطف. وقال أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان: هي مثلها في المعنى فقط، ووافقهم الناظم على ذلك وهو الصحيح. يعني بقول لك: مش حرف عطف.
ويؤيده قولهم إنها، أي أَمَّا هذه، إنها مجامعة للواو لزوماً دائماً؛ لا تأتي إلا مع الواو، «أما منا بعده واما...» دائماً الواو معها. والواو العاطفة... والعاطف لا يدخل على عاطف، يعني مش ممكن تكون الواو حرف عطف وأَمَّا أيضاً حرف عطف، إنه معناها راح يكون حرفين عطف متتاليين، «وأما في دا واو حرف عطف وأما...» هذا ليس بدقيق.
طيب، واما قوله: «يا ليتنا آمنا شالت نعامتها / أَمَّا إلى جنة أَمَّا إلى نار»، من هنا جاءت طبعاً... ليس على اللغة المشهورة؛ اللغة المشهورة «أَمَّا» مناجاة... على لغة أخرى: بفتح الهمزة وقلب الميم الأولى ياء فصارت «أَيْما». هاي واحد. فموطن الشاهد فيه أنه أَمَّا تكررت بدون واو. ها شف: «أَيْما إلى نار» بدون الواو، ما قال: «وأَيْما إلى نار»، فدل هذا على أنه أَمَّا مش دائماً تتصل بالواو. نقول: هذا البيت قد يعتبر من الضرورات، فلا داعي لأن يعتبر أصلاً. قال: هذا بيت شاذ. شف شو قال: هذا بيت شاذ. وكذلك أصلاً فتح الهمزة قدام الميم الأولى ياء وقطع همزتها لغة تميم، وبها روي البيت المذكور.
وقد يقال إن قوله... ها شف يعني بده ينبه: وقد يقال إن قول ابن مالك ومثل «أَوْ» في القصد إشارة إلى ذلك، أي أنها أَمَّا مثلها مثل «أَوْ» في القصد، أي في المعنى لا مطلقاً، سيما أنه لم يعدها في الحروف أول الباب. فكأن الأشموني يتراجع ويقول لك: لا، لا، هو ابن مالك فعلاً لما قال: ومثل «أَوْ» في القصد أَمَّا، يعني أنها من ناحية المعاني وليس من ناحية أنها حرف عطف. وهذا أفضل، وقد نقل ابن عصفور اتفاق النحويين على أنها ليست عاطفة، وهذا غريب! يعني ابن عصفور ينقل اتفاقاً نحوياً أنها ليست عاطفة، وهنا في البداية: وذهب أكثر النحويين أنها... أكثر النحويين أنها عاطفة. شف يعني حجم التضارب في النقولات! لذلك احنا بنقول دائماً للأحبة: اهتم بتحرير نفس المسألة، لكن حجم من قال بهذا ومن قال بهذا ستجد نوعاً من التضارب في النقل، وهذا كثيراً ما أجده في علم النحو وأجده أيضاً في علم أصول الفقه.
طيب، التنبيه الثالث: مقتضى كلامه أنه لابد من تكرار أَمَّا. يعني إذا جاءت أَمَّا في البداية يلزم أن تأتي أَمَّا ثانية بعدها، «أما منا بعده واما...» إذا جاءت أَمَّا في البداية يلزم أن تأتي أَمَّا ثانية بعدها مكررة. هل هذا فعلاً لازم؟ قال: وذلك غالب لا لازم. فقد تغنى عن الثانية بذكر ما يغني عنها، نحو: أما ان تتكلم بخير وإلا فاسكت. ما... ما تكررت: أما أن تكلم بخير وإلا فاسكت؛ بدل ما تقول: واما فاسكت. وقراءة أبي: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]، أو... لا، أما... على هدى هذه قراءة: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾، ما قال: واما في ضلال مبين، جاء بـ«أو» بدل «أما». فإذن أن تذكر أَمَّا لازماً مع أَمَّا الأولى هذا غالب وليس لازماً، هذا هو الصحيح.
قالوا: قد يستغنى عن الأولى بالثانية، العكس (يعني تأتي أَمَّا الثانية والأولى حذفت للدلالة عليها)، كقول الشاعر: «تلم بدار قد تقادم عهدها / واما باموات ألم خيالها»، التقدير: تلم أما بدار قد تقادم عهدها واما باموات ألم خيالها، أي: أما بأبي ذر وأما باموات. قال: والفراء يقيس هذا ويجعله مطرداً فيجيز أن تقول: زيد يقوم وأما يقعد، كما يجيز: أو يقعد.
الرابع والأخير: قال ليس من أقسام أَمَّا التي في قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26]. هنا انتبهوا: هذه ليست أَمَّا التي للتفصيل، هذه أَمَّا أحياناً تأتي إنْ الشرطية وبعدها ما الزائدة. فهذا ينتبه له: أن هذه الشرطية وبعدها ما الزائدة.
ولعلنا نقف اليوم إن شاء الله عند هذا القدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل