دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، تائبين إلى الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق.

اللهم إنا نستغفرك من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك. دائماً أحبابي الكرام يحاول الإنسان أن يبدأ دروسه وتلخيصه أو حفظه حياته العلمية بأي شيء؟ يبدأ بالاستغفار والتوبة؛ لأن الاستغفار والتوبة يمنحان الإنسان قوة على طاعة الله سبحانه وتعالى، ويكون صادقاً مستحضراً عظمة الله عز وجل وهو يستغفره ويتوب إليه. نسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة.

في المحاضرة السابقة أحبابي الكرام تكلمنا أيضاً عن القسم الثاني من باب عطف النسق، واليوم بإذن الله نختم الحديث عن هذا الموضوع. تكلمنا عن مجموعة من حروف العطف؛ تكلمنا عن حتى، وتكلمنا عن أم، وتكلمنا عن أو. اليوم بإذن الله سنتكلم عن لكن ولا وبل، ثم سننهي الحديث عن بعض الأحكام العامة المتعلقة بعطف النسق. قال ابن مالك عليه رحمة الله: وأول لكن نفياً أو نهياً ولا، نداء أو أمراً أو ثابتاً تلا.

في هذا البيت تكلم عن أداة من أدوات العطف، تكلم عن لكن وتكلم عن لا، وشرطهما مختلف تماماً؛ يعني هناك تعاكس في الشروط بينهما. أما لكن أحبابي الكرام -وهي التي سنبتدأ بها- فشرط العطف بها الذي ذكره ابن مالك: أن تكون لكن جاءت في سياق النفي أو النهي، أن تكون جاءت في سياق نفي أو نهي. فهذا هو الشرط الأول الذي نص عليه ابن مالك، وبقي هناك شرطان يضافان إليهما؛ وهو الشرط الثاني للعطف بلاكن: أن يكون معطوفها مفرداً؛ فلكن إنما تعطف المفردات ولا تعطف الجمل. ثالثاً: ألا تقترن بالواو على الصحيح فيما بيناه سابقاً.

فالمحاضرة السابقة تكلمنا عن قضية لكن؛ لما تعطف، هل تعطف عندما تكون مجردة من الواو أم تعطف عندما تكون مقترنة بالواو؟ هناك تفصيل ذكرناه في المحاضرة السابقة، وهو خلاف طويل في هذا الباب. لكن الأظهر، والذي عليه أكثر المتأخرين: أن لكن حتى تكون حرفاً من حروف العطف، يجب أن تكون غير مسبوقة بالواو. بالتالي اصبح عندنا ثلاثة شروط حتى تكون لكن حرف عطف: أولاً: أن تكون لكن جاءت في سياق نفي أو نهي، كما يمثل الأشموني: ما قام زيد لكن عمرو، ولا تضرب زيدا لكن عمراً.

طبعا أنتم لاحظوا أن ما قبل لكن يكون منفياً أو منهياً عنه، وما بعد لكن يكون مثبتاً. فالحكم الذي بعد لكن يختلف عن الحكم الذي قبل لكن، وهذا أصلاً هو الذي أصله ابن مالك، وقال: إن لكن ولا وبل هذه من الحروف التي تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظاً فقط، وأما الحكم فإنه مختلف تماماً؛ فما بعد لكن يكون مثبتاً، وما قبلها يكون منفياً أو منهياً. تمام؟

إذاً، لاحظ سياق النفي: ما قام زيد لكن عمرو، وسياق النهي: لا تضرب زيداً لكن عمراً. ثم قال تنبيه: يشترط لكونها عاطفة مع ذلك -أي علاوة على الشروط السابقة- لكونها عاطفة؛ واحد: أن يكون معطوفها مفرداً، وهنا فقط في قضية ألاحظها في النهي: لا تضرب زيداً لكن عمراً، هنا نهي. في النهي بالتحديد أريدك أن تنتبه على المثال قبل ما أنتقل للشطر الثاني: أنه لا تضرب زيداً هو نهي عن ضرب زيد، لكن عمراً هو طلب لضرب عمرو، حتى ينسب على هذا الكلام.

ثم قال: ويشترط لكونها عاطفة علاوة على ذلك أن يكون معطوفها مفرداً، فهي لا تعطف الجمل. ثالثاً: ألا تقترن بالواو كما مثل سابقاً. وقد سبق ما في هذا الثاني. ايش يعني؟ وقد سبق ما في هذا الثاني؟ يريد أن يقل لك: إن هذا الشرط -أي أن لكن حتى تكون عاطفة يشترط ألا تقترن بالواو- سبق ما في هذا الشرط، لما تحدثنا في المحاضرة السابقة أو قبل السابقة عن حروف العطف في الجملة، وذكرنا لكن ومررنا على الخلاف الوارد فيها، فهو يريد أن يشير إلى ما تم ذكره مسبقاً أن هذا فيه خلاف؛ فإن البعض يقول: لكن لا تكون عاطفة إلا إذا اقترنت بالواو، لكن الصحيح عكس ذلك الذي عليه المتأخرون: أنها تكون عاطفة بشرط ألا تقترن بالواو. هو أراد فقط أن ينبه على أنه تم ذكر خلاف في هذا الشرط فيما سبق.

إذاً، هذه الشروط الثلاثة. طيب، إذا اختل شرط من هذه الشروط؟ إذا اختل شرط من هذه الشروط، جاءت في سياق إثبات، أو كان ما بعدها جملة وليس مفرداً، أو اقترنت بالواو، هنا ستتحول لكن من حرف عطف إلى حرف ابتداء. تتحول من حرف عطف إلى حرف ابتداء، هكذا تسمى حرف ابتداء، وكأنك ابتدأت سياقاً جديداً. فقال: وهي حرف ابتداء إن سبقت بإيجاب -أي ليس بنفي ولا نهي، وإنما سياق إثبات- كقولك: قام زيد لكن عمرو لم يقم. ولا يجوز: لكن عمرو، اكتبوا على العطف، ولا يجوز: لكن عمرو حتى يتضح ايش مقصوده هنا.

ولا يجوز: لكن عمرو على العطف. هنا: قام زيد لكن عمرو لم يقم، ماذا سنعرب عمرو؟ عمرو نعربها مبتدأ، ولم يقم جملة خبرية، خبر للمبتدأ، وعمرو لم يقم جملة ابتدائية فقط، هذا ابتداء ولكن مجرد حرف ابتداء، ما في حرف عطف في الجملة. قال: ولا يجوز لكن عمرو أي على العطف، أي لا يجوز أن تجعل -يعني لا يجوز أن تقول: قام زيد لكن عمرو- هيك يريد أن يقول: لا يجوز أن تقول: قام زيد لكن عمرو، وتنوي أن عمرو معطوفة على زيد، هذا لا يصح. بصير تقول: قام زيد لكن عمرٌو، وتسكت، بس بتكون أنت مضمر في نفسك خبر لعمرو، ويكون عمرو مع هذا الخبر جملة ابتدائية، يمشي الحال.

أما: قام زيد لكن عمرو، وتقول: أنت تنوي أن عمرو معطوف على زيد، لا يصح؛ لأنه لكن هنا ليست عاطفة وإنما حرف ابتداء، بل خلافا للكوفيين. ايش يعني خلافا للكوفيين؟ نعم، هذا يدل إخواني أن الكوفيين أو أغلب الكوفيين لم يشترطوا في لكن العاطفة أن يكون في سياق نفي أو نهي؛ أكثر الكوفيين يقولون: لكن تأتي عاطفة حتى في سياق الإثبات، فاذاً اشتراط أن تكون لكن في سياق نفي أو نهي ليس متفقاً عليه، لكن هو الذي عليه أكثر المتأخرين.

قال: الحالة الثانية أو تلتها جملة؛ كذلك تكون لكن حرف ابتداء إذا جاء بعدها جملة، ولا تحسب حرف عطف. كقول الشاعر: إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره * لكن وقائعه في الحرب تنتظر. لكن وقائعه في الحرب تنتظر، هنا لكن حرف ابتداء، ووقائعه في الحرب تنتظر هذه الجملة جملة تعتبر مستقلة وليست معطوفة على الجملة السابقة؛ لأنه لكن حرف ابتداء فقط. قال: وكذلك تكون حرف ابتداء إذا تلت الواو، وتقول: ولكن رسول الله، أي ولكن كان رسول الله. لماذا قدر لكن قال: وليس المنصوب معطوفاً بالواو، لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالإيجاب والسلب.

الآن الحالة الثالثة؛ وهي إذا كانت لكن مقترنة بالواو، أيضاً لكن حرف ابتداء. لكن هون عنا حرف عطف وهو الواو. فلما كان هنا عندنا حرف عطف ايش قال لك؟ قال لك: إذا هنا في حرف عطف، لا تجعل رسول الله، رسول معطوفة على سابقها. ما كان محمد -دعونا نقف سريعا هنا-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40]. الآن هو ايش يريد أن يقول لك؟ يقول لك: لا يصح أن تقول: الآن لكن حرف ابتداء، هذا خلصنا منه، الآن الواو هذه حرف عطف، طيب عطفت ماذا على ماذا؟ هل نقول إن العطف هو عطف مفردات في هذه الآية، ونقول: رسول معطوفة على أبا، ما كان محمد أبا أحد ولكن رسولاً، فتكون رسولاً معطوفة على أبا؟ بقول لك: ما بزبط أن يكون عطف مفردات.

ليش؟ لأنه هنا أبا جاءت في سياق نفي: ما كان محمد أبا، ورسوله مثبته: ولكن رسول الله؛ لأنه لكن حرف ابتداء، لكنها تفيد الاستدراك وأن ما بعدها ليس كما قبلها، حتى لو كانت حرف استدراك ابتدائي ما عناش مشكلة. فيقول لك: رسول حكمها اثبات وأبا حكمها نفي، والواو لا تعطف مثبتاً على منفي عطف مفردات، يعني هذا من خصائص واو العاطفة. إذا عطفت بها مفردا على مفرد، جاء زيد وعمرو، لازم المعطوف يكون مثله مثل المعطوف عليه؛ كلاهما سياق إثبات، كلاهما سياق نفي. أما أن يكون ما بعد الواو في سياق إثبات وما قبلها في سياق نفي، ما بزبط في الواو عطف المفردات بهذه الصورة، بزبط في الجمل أن تكون الجملة التي قبل الواو مثبتة مثلا وهناك جملة بعد الواو منفية، بينفع.

فهذه فائدة لطيفة أن تفهم أن الواو في عطف المفردات لا تعطف إلا متماثلين، إما متماثلين في النفي أو متماثلين في الإثبات، أما مختلفين إثباتاً ونفياً لا تعطف عاطف مفردة، ولكن تعطف عطف جمل. فبالتالي أنت هنا مضطر أن تقدر جملة وتقول: ولكن كان رسول الله، فتجعل الرسول خبر لكان محذوف مقدرا. ولكن كان رسول الله، وجملة كان رسول الله مقدرة معطوفة على جملة ما كان محمد أبا أحد من رجالكم. هون ما عناش مشكلة أن الجملة السابقة كلها منفية، والجملة اللاحقة كلها مثبتة، من قبيل عطف الجمل. فهذا تحليل لهذه الجملة، وإن كان مر معنا في المحاضرة السابقة رأي ليونس بن حبيب أنه يونس بن حبيب جعله من قبيل عطف المفردات، لكن هذا فيه نظر. هذا أظن تكلمنا عنه في المحاضرة السابقة وقبلها، لما تكلمنا عن رأي ليونس بن حبيب في لكن وأن هي دائما أصل الحرف للاستدراك وليست حرف عطف وجعل هذه الآية من قبيل عطف المفردات. الصواب أنها من قبيل عطف الجمل والله تعالى أعلم، هذا بالنسبة لكن.

طيب، نيجي على مقابلها تماماً، وهو لا. لا العاطفة: جاء محمد لا عمرو. لا بعكس لكن في شرطها الأول؛ لكن قلنا ينبغي أن تكون في سياق نفي أو نهي، لكن لا بالعكس؛ لا ينبغي أن تكون في سياق إثبات -أو يعني جملة خبرية مثبتة- أو سياق أمر -جملة طلبية- أو سياق نداء. لا تأتي في سياق جملة خبرية مثبتة أو سياق أمر أو سياق نداء. في واحد من هذه السياقات الثلاث، وأما معطوفها نعم فيجب أن يكون معطوفها مفرداً، يجب أن يكون معطوفها مفردا، فهذا الشرط الثاني أيضاً مهم.

لذلك قال الأشموني: للعطف بلا شرطان: أحدهما: إفراد معطوفها، فهذا تشترك في هذا الشرط تشترك فيه لكن ولا، ما عناش مشكلة، وبل كما ستأتي معنا لا تشترك فيه أيضاً. وأما الشرط الثاني للا قال: أن تسبق بأمر أو إثبات، باتفاق الجميع أن هذا يعني أحد الخيارات؛ أما أمر أو إثبات، نحو: اضرب زيداً لا عمراً، وجاءني زيد لا عمرو. ويجوز أن يكون مسبوقة بالنداء على الأصح، أن هذا فيه خلاف؛ يعني أن تسبق بأمر أو إثبات هذا متفق عليه، أما أن تسبق بنداء فهذا فيه خلاف؛ ابن مالك رجحه وابن سعدان خالف فيه. فيصح على الصواب أن تقول: يا ابن عمي -هنا نداء- لا يا ابن اخي؛ يا ابن عمي لا يا ابن اخي، إني أنا أنادي ابن عمي، يا ابن اخي لا ابن عمي.

السهيلي زاد شرطاً ثالثاً، قلنا الشرط الأول: أن يكون معطوفه مفرداً، وأن تكون في سياق إثبات أو طلب أو نداء. السهيلي زاد شرطاً فقال: وألا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر. ايش يعني؟ يعني لا ينبغي أن يكون أحد المتعاطفين عاماً يشمل بعمومه المعطوف الآخر؛ يكون أحد المتعاطفين عاماً يشمل بعمومه المعطوف الآخر، فيقول مثلاً: لا يجوز: جاءني زيد لا رجل، هذا ما بيمشي، ليه؟ لأنه رجل التي نفيتها عامة، وزيد فرد من أفرادها، فبالتالي لا يصلح، كأنك أثبت مجيء زيد ثم عدت نفيت مجيئه لدخوله في عموم الرجال. قال: ويجوز أن تقول: جاءني رجل لا امرأة، اه، لأن كل واحد جنس منفصل، كل واحد هنا جنس منفصل فما في تداخل.

الزجاجي زاد شرطاً لكن لم يوافق عليه، ماذا قال الزجاجي؟ قال: ينبغي ألا يكون المعطوف عليه -الذي هو قبل لا- المعطوف عليه معمول فعل ماض، فلا يجوز أن تقول: جاءني زيد لا عمرو، بناءً على أن زيد هو معمول للفعل جاءني، معمول وفاعل. طبعا هذا كلام ليس بصحيح، قال ويرده قول الشاعر: كأن دثاراً حلقت بلبونه * عقاب تنوفى لا عقاب العواقل. حلقت عقاب تنوفى لا عقاب العواقل. إذاً عقاب الذي بعد لا معطوفة على عقاب التي قبل لا. وعقاب التي قبل لا.

قلت لها: معمولة للفعل الماضي، حلقت حلقت عقاب، فإذا كلام الزجاجي هنا ليس بدقيق، والله تعالى أعلم. تنبيهات، يأخذ الدعاء والتحضيض حكم الأمر؛ فإذا كانت لا مسبوقة بأسلوب دعائي أو تحضيضي فهذا يعامل معاملة الأمر، لا إشكال فيه. أجاز الفراء العطف بها، أي بلى، على اسم لعل، كما يعطف بها على اسم إن، نحو: لعل زيداً لا عمراً قائم. وما دام السياق سياق إثبات، صح، وفي ترجي رجاء لكنه يأخذ حكم الإثبات، فلا إشكال إن شاء الله في ذلك.

الفائدة الثالثة، قال: الآن بده يعطيك فرقاً بين لا ولكن. يقول لك فائدة العطف بـ لا، ما الذي نستفيده من العطف بـ لا؟ قال: قصر الحكم على ما قبلها، ويسمى هذا قصر إفراد؛ قصر الحكم على ما قبلها قصر إفراد، كقولك: زيد كاتب لا شاعر، رداً على من يعتقد أنه كاتب وشاعر. وأما قصر قلب، كقولك: زيد عالم لا جاهل، رداً على من يعتقد أنه جاهل. بينما، اكتبوا عندكم، بينما لكن وبل تفيد قصر القلب فقط. شو معنى هذا الكلام؟ اللي أنا أحبابي الكرام، وهذا يهتم به البلاغيون أكثر من النحويين لكن فائدة سريعة نشير إليها.

لا أحبابي، يقول النحاة والبلاغيون: إنها حرف عطف يفيد القصر، القصر يعني الحصر، سمّه زي ما بدك، يفيد قصراً ولا تفيد إلا قصر إفراد وإما قصر قلب، وهذا يعود إلى ما يعتقده السامع. ايش يعني قصر الإفراد؟ وإيش يعني قصر القلب؟ إذا كنت أنا بعتقد أن زيداً كاتب وشاعر في نفس الوقت، أنا كسامع بعتقد أنه زيد كاتب وشاعر لكنه في الحقيقة هو كاتب فقط وليس بشاعر، فجاء شخص قال لي: زيد كاتب لا شاعر. إذا كان الشخص اللي أمامي يعتقد أن زيداً كاتب وشاعر وأريد أن أصحح له المعلومة وأبين له أن زيداً منفرد بخصلة من هذه الخصال وليس بكلا الخصلتين، فهنا أقول له: زيد كاتب لا شاعر، لأنه الذي أمامي يعتقد أنه كاتب وشاعر فأنا أفردت وقصرت وقلت: لا، مقصور على الكتابة، زيد مقصور محصور في الكتابة وليس له علاقة بالشعر. فهنا هذا يسمى قصر إفراد، الذي أمامي كان يعتقد خصلتين فأنا قصرته على خصلة واحدة، زيد كاتب لا شاعر.

النوع الثاني أو الفائدة الثانية لـ لا، تفيد قصر القلب، هذا إذا كان السامع يعتقد أن زيداً شاعر، بس لكن في الحقيقة طلع زيد مش شاعر، طلع مهندس، يعني هو لا يعتقد خصلتين، يعتقد خصلة واحدة السامع لكنها خصلة خطأ. السامع يعتقد أنه زيد شاعر وزيد ليس بشاعر أصلاً، فأنا أقلب له فأقول: زيد مهندس لا شاعر. في هذه الحالة يعتبر هذا القصر ما اسمه قصر إفراد، لأنه هو السامع يعتقد خصلة واحدة في زيد لكنها هي نفسها الخصلة خطأ، فأنا قلبت له الأمور وبينت له الصواب وقلت: زيد مهندس لا شاعر. فإذاً لا في بعض السياقات تفيد قصر إفراد وفي بعض السياقات تفيد قصر القلب، بحسب ما يعتقده السامع أمامه.

أما لكن، ولكن قالوا دائماً تفيد قصر القلب، لكن وبل التي بمعنى لكن، بل التي بمعنى لكن سيأتي لها نوعان، بل التي بمعنى لكن أيضاً تفيد معنى قصر القلب، تقلب معلومة خطأ، تقول: ما جاء زيد لكن عمرو. الذي أمامي يعتقد أنه زيد جاء فأنفي له هذه المقولة، ما جاء زيد لكن عمرو، فقلبت له المعلومة، كانت المعلومة عنده بالعكس مقلوبة فأعدتها إلى الصواب. فـ لكن وبل التي بمعنى لكن تفيد قصر القلب، وأما لا فتفيد قصر القلب أحياناً وقصر إفراد أحياناً.

الرابع، قد يحذف المعطوف عليه بـ لا، الذي هو المعطوف عليه الذي هو قبل، قد يحذف المعطوف عليه بـ لا ويكتفى بالمعطوف فقط لدلالة السياق. وهذه قاعدة عامة في كلام العرب، أن الشيء قد يحذف للعلم به من السياق، الشيء قد يحذف، ومر معنا في الخبر وفي المبتدأ وفي اسم إن وخبرها وكان وأخواتها وظننت وأخواتها والمفعول به والمفاعيل وإلى غير ذلك؛ باستقراء ما درسناه في الألفية تجد فعلاً أن هناك قاعدة عامة، وهي جواز حذف ما يمكن أن يعلم من السياق. فهنا طبعاً هي قاعدة عامة لكنها ليست مطردة، يعني هناك أشياء قد تعلم من السياق لكن لا يجوز حذفها مثل الفاعل فرضا. إذاً قد يحذف المعطوف عليه بـ لا نحو قولك: أعطيتك لا لتظلم. الآن شوف هذه الجملة: أعطيتك لا لتظلم، بنلاحظ أن لا موجودة وبعدها لتظلم، وقبلها ما هو؟ قال: الأصل أن يكون: أعطيتك لتعدل لا لتظلم.

طبعاً هنا يحتاج إلى نظر حقيقة في المثال، لأنه هنا جمل، أنت تتكلم هنا عن عطف الجمل، ومر معنا أن لا ليست لعطف الجمل، لكن يمكن أن يقال: هو هنا في مصادر مؤولة. كيف في مصادر مؤولة؟ قال: لتظلم، اللام حرف جر، وتظلم فعل مضارع منصوب بأن مصدرية مضمرة جوازاً، والتقدير: أعطيتك لا لتظلم، أي أعطيتك لا للظلم. فهنا صحيح جملة لكنها في تقدير المفرد، لأن هنا عندك لام جارة ومصدر مؤول، فهذا هو التقدير الذي أراده، الله أعلم. فلاحظ: أعطيتك لا لتظلم، المعطوف عليه محذوف مفهوم من السياق، لتعدل أعطيتك لتعدل، أي أعطيتك للعدل لا للظلم، أعطيتك للعدل لا للظلم. تمام؟ فحذف المعطوف عليه للعلم به من السياق وهذا جائز.

طيب نذهب الآن إلى بل؟ قال: وبل كـ لكن بعد مصحوبيها، كما كن في مربد بلتيها، ونقل بها للثاني حكم الأول في الخبر المثبت والأمر الجلي. بل أحبابي الكرام دعونا نفصل الفكرة فيها، لأنه بل الحقيقة أنواع، هناك بل بعدها مفرد وهناك بل بعدها جمل، بل التي بعدها مفرد على نوعين: النوع الأول تكون بمعنى لكن، النوع الثاني تكون الإضرابية. وأما الذي بعدها جمل فهي دائماً إضرابية، والإضراب بها قد يكون إضراباً إبطالياً وقد يكون إضراباً انتقالياً هكذا يقولون.

نبدأ هنا بـ بل التي يكون بعدها مفرد وليس جملة، إما أن تكون بمعنى لكن وتفيد معاني لكن قصر القلب، وهنا يشترط أن تكون مسبوقة، ها تكون مسبوقة بنفي أو نهي. بل التي بعدها مفرد إذا كانت مسبوقة بنفي أو نهي، فمعناها بالضبط معنى لكن، تقول: ما جاء زيد بل عمرو، لا تضرب زيداً بل عمراً، نفس الأمثلة السابقة. وأما إذا كانت في سياق الإثبات، إذا كانت في سياق الإثبات فإنها تكون تختلف عن لا، تكون إضرابية إذا كان بل بعدها مفرد لكنها جاءت في سياق إثبات، جاء زيد بل عمرو. هنا لما نقول: جاء زيد بل عمرو، هنا بل جاءت في سياق إثبات كما هو ملاحظ، فلا تفيد قصر القلب، لا، هنا تفيد الإضراب. ما معنى الإضراب؟ الإضراب أن يكون ما قبلها مسكوتاً عن حكمه، ونثبت الحكم لما بعدها. فهنا ما قبل بل أثبتنا المجيء لزيد، لما جبنا بل لأننا سكتنا عن هذا الحكم، خلاص، مجيء زيد أصبح مسكوتاً عنه، ما بنقول نفيناه لا، بنقول مسكوت عنه، الله أعلم هل جاء ولا لم يأت، خلاص سكتنا عن هذا الموضوع، وأثبتنا المجيء لعمرو، جاء زيد بل عمرو، إذاً ألغينا الحكم السابق، ألغينا وأصبح المجيء الآن مثبتاً لعمرو. وأما زيد فهل جاء أو لم يأت؟ هذا مسكوت عنه. هذا معنى الإضراب، أن يكون ما بعد بل مسكوتاً عنه ونثبت الحكم لما بعد بل.

متى تكون بل العاطفة إضرابية؟ هذا في سياق الإثبات. إذاً بل متى تكون عاطفة؟ إذا كان بعدها مفرد بل العاطفة، بل العاطفة يكون بعدها مفرد. وهنا تقسم: إذا كانت مسبوقة بنفي أو نهي تكون بمعنى لكن تفيد قصر القلب، إذا كانت في سياق إثبات تكون إضراباً فقط. وأما التي بعدها جمل فهذه ليست عاطفة، بل التي بعدها جمل فهذه ليست عاطفة، بل يقولون هي إضرابية فقط، تفيد الإضراب، ليست حرف عطف، لكنها تفيد إضراباً، وفي هذه الحالة أحبابي الكرام إما أن تفيد إضراباً إبطالياً وإما أن تفيد إضراباً انتقالياً.

شو الفرق بين الإضراب الإبطالي والإضراب الانتقالي؟ الإضراب الإبطالي هنا المراد به أنها تبطل الجملة السابقة وتثبت حكماً جديداً، تبطلها إبطالاً، تبطل وتلغي الجملة السابقة وتثبت حكماً وجملة أو فائدة جديدة، هذا يسمى إبطالياً، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]. شوف هذه الجملة: وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، ثم جاء التنزيل سبحانه بعدين جاءت بل، بل ايش؟ هم عباد مكرمون. هذا التقدير، هم عباد مكرمون، هم مبتدأ مقدر وعباد خبر، وجملة هم عباد مكرمون جملة بعدها بل الإضرابية، إضراب إبطالي، لماذا؟ لأن بل هنا أبطلت الجملة السابقة، قالوا اتخذ الله ولداً، بل هم عباد مكرمون، فبل هنا أبطلت الجملة السابقة، مش خلتها مسكوتاً عنها زي الإضراب في الحالة الأولى أو السابقة، لا لا، هنا الإضراب إبطال، إبطال الحكم السابق. لما كنا نقول: جاء زيد بل عمرو، كنا نقول هذا إضراب سكوتي، أنه ما قبل بل أصبح مسكوتاً عنه، لا، هنا بل التي بعدها جملة تفيد إضراباً إبطالياً يعني تلغيها إلغاءً، السابقة أنها خطأ، وتثبت جملة أخرى صحيحة، هذا الإضراب الإبطالي.

هناك إضراب انتقالي وهو انتقال من موضوع إلى موضوع، تأتي بل للانتقال من موضوع إلى موضوع آخر كما سيأتي معنا، مثلاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: 14-16]. بل تؤثرون الحياة الدنيا، هنا بل ما ألغت الحكم السابق، جملة صحيحة لكنها نقلتك إلى موضوع جديد، فهي تسمى بل الإضرابية الانتقالية التي ليس المقصود منها إبطال حكم سابق وإنما المطلوب منها الانتقال إلى فكرة جديدة. هذه باختصار واعتصار حكم بل أحبابي الكرام.

دعونا نقرأ ماذا قال الأشموني، قال: وبالكـلـكن في تقرير حكم، شو قال ابن مالك قبل الأشموني؟ «وَبَلْ كَلَكِنْ بَعْدَ مَصْحُوبِيهَا»، شو مصحوبيها؟ اللي هم النفي والنهي، اللي ذكرهم بعد لكن، «وَبَلْ كَلَكِنْ بِشَرْطٍ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ»، «كَمَا كُنْتُ فِي مَرْبَدٍ بَلْ تِيهَاهَا»، المربد هو مكانة في ربيع ورعي وعشب، قال أنا ما كنت في مربد، بل تيها، يعني في صحراء قاحلة، وهنا بنلاحظ أنها تفيد قصر القلب كما تفيده لكن. «وَانْقُلْ بِهَا لِلثَّانِي حُكْمَ الأَوَّلِ»، اللي هو الإضراب للسكوت اللي حكينا عنه. «وَانْقُلْ بِهَا لِلثَّانِي»، اللي هو الواقع بعد بل، الحكم الذي كان نسبته للأول وهو الواقع قبل بل تمام؟ الثاني هو المعطوف إذا بدك تكتب، والأول هو المعطوف عليه. المعطوف عليه كان له حكم، نحن الآن سننقله إلى المعطوف الواقع بعد بل، وسيبقى المعطوف عليه مسكوتاً عنه، هذا معنى «وَانْقُلْ بِهَا لِلثَّانِي» أي للمعطوف الواقع بعدها، «حُكْمَ الأَوَّلِ»، حكم المعطوف عليه في الخبر المثبت والأمر الجلي. إذا جاءت في سياق إثبات، سواء كان الإثبات خبراً أو في سياق أمر، سياق خبر أو سياق أمر، كلاهما يأخذ نفس الحكم.

إذاً «وَبَلْ كَلَكِنْ فِي تَقْرِيرِ حُكْمِ مَا»، ما قد يقوله الأشموني الآن، وبالكـلـكن في تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، اللي هو قصر القلب، بعد مصحوبيها وهو النفي والنهي، ثم ذكر المثال، قال: «وَانْقُلْ بِهَا لِلثَّانِي حُكْمَ الأَوَّلِ»، فيصير الأول، اكتبه، فيصير الأول كالمسكوت عنه، وهذا بشرط أن تكون في سياق الخبر المثبت والأمر الجلي، كـ قم زيد بل عمرو، وليقم زيد بل عمرو. وأجاز هنا المبرد وعبد الوارث، أجازوا أن تكون بل إضرابية حتى في سياق النفي أو النهي، هذا رأي لهذين الشخصين، رأي للمبرد ولعبد الوارث، أجازوا أن تكون بل إضرابية حتى ولو كانت في سياق نفي أو نهي، فتكون ناقلة لمعناها إلى ما بعدها، وعلى ذلك، يعني بالتالي إذا كانت إضرابية بعد سياق النفي أو النهي يكون النفي الذي قبل بل هذا كله على رأي هذين الشخصين، واحنا مش نمشي على هذا الرأي، لكن بس بدي إياك تفهم وجهة نظرهم.

إذا جعلنا أنه مثلاً ما قام زيد بل عمرو، جعلناه إضراباً، معناته النفي السابق على بل سننقله إلى ما بعد بل، سننقل إلى ما بعد بل تمام؟ فيكون ما قام زيد بل عمرو، إذا جعلنا بل إضرابية سيكون ما قام عمرو. كانه كيف حكيت قال وبالتالي سننقل معناها أي معنى النفي والنهي إلى ما بعدها. وعلى هذا الرأي يصح: ما زيد قائماً بل قاعداً، ويصح أن تقول: ما زيد قائماً بل قاعد. وسيختلف المعنى وسيختلف المعنى، ليه؟ انظروا أحبابي الكرام على طبعاً هذا كله على كلام المبرد، لو قلنا: ما زيد قائماً بل قاعداً، وما زيد قائماً بل قاعد. على رأي المبرد، بما أن بل تصلح أن تكون إضرابية على كلتا الحالتين، يصح عنده أن تقول: ما زيد قائماً بل قاعداً، وهنا سيكون إذا قلت قاعداً بالنصب ستكون قصدت أن ما متسلطة على قاعداً، يعني التقدير: ما زيد قائماً بل ما زيد قاعداً، فتكون أنت عملت إضراباً، والإضراب هنا سيكون أن النفي الذي قبل بل أصبح مسكوتاً عنه، ونقلت النفي إلى ما بعد بل، وأصبح ما بعد بل هو المنفي، هيك راح يصير الإضراب، أنه ما قبل بل مسكوت عن نفيه، والنفي سننقل إلى ما بعد بل، فالتقدير: ما زيد... بل قاعداً، والذي جوز النصب هنا بالتالي أن «ما» هذه النافية أصبحت في نية التكرار هنا وأصبحت قاعداً منصوبة بها، لأن «ما» هنا ماء الحجازية التي تنصب زيد اسم «ما» وقائماً...

إذا قلنا بالنصب «قاعدًا»، فمعناتها أنه قاعدٌ منفي، فكأنك سلطت «لا» مرة أخرى على «قاعدًا»، والتقدير: ما زيدٌ قائمٌ بل ما هو قاعدٌ؛ فجاز النصب بناءً على ذلك. يجوز النصب بناءً على أنه نقل النفي إليها بعد أن كان إلى ما قبلها، فبالتالي أصبحت «قاعدًا» منصوبة بالنافية.

أما لو قلت: «ما زيدٌ قائمٌ بل قاعدٌ»، فهنا رفعك عند المبرد دليل على أنك أردت أن تكون «قاعد» مثبتة، وهو الحالة الطبيعية أن يكون ما قبلها منفيًا وما بعدها مثبتًا، وهو قصر القلب، الحالة الطبيعية لـ «بل» عندما تكون بمعنى «لكن». أي أنك أردت النفي لما قبلها وإثبات ما بعدها، فتكون: «ما زيدٌ قائمٌ بل قاعدٌ».

فيكون هنا، كما قلنا، ما قبلها منفي وما بعدها مثبت؛ إثبات ما بعد «بل» دليل على أنك أردت بها معنى «لكن» وهو قصر القلب، ونصب ما بعد «بل» دليل على أنك أردت بها الإضراب. وهذا كله على رأي المبرد الذي يرى أن الإضراب يتأتى في «بل» حتى ولو كانت في سياق نفي أو نهي. لكننا لا نريد المشي على هذا الرأي لأنه في الحقيقة فيه بشاشة، ودعونا نمشي على رأي الأكثر؛ وهو أن «بل» إذا جاءت في سياق نفي، دائمًا ما بعدها يكون حكمه مخالفًا لما قبلها، كقصر القلب، ولا يمكن أن يكون في إضراب، حتى نستريح من هذه الإشكالية.

أردت أن أفهمك ماذا يقصد الأشموني بقوله: «ويختلف المعنى»؛ أنه إذا قلت: «ما زيدٌ قائمٌ بل قاعدًا»، أنت جعلت بالتالي هنا إضرابًا، وأصبحت «قاعدًا» هي المنفية، فلذلك نصبتها. أما إذا قلت: «بل قاعدٌ»، أصبحت هنا «قاعد» مرفوعة والمراد بها الإثبات، أنه قاعد وليس قائمًا.

قال الناظم: «وما جوزه المبرد مخالف لاستعمال العرب». إذ يرى ابن مالك أن كلام المبرد هذا كله مخالف لكلام العرب ولا حاجة إليه وبه تشويه. وقال: «ومنع الكوفيون أن يعطف بها بعد غير النفي وشبهه»، ومنعهم ذلك مع سعة روايتهم دليل على قلته.

يعني يريد أن يقول: الكوفيون قالوا «بل» لا تأتي حرف عطف إلا في سياق النفي أو النهي، وأما أن تأتي حرف عطف في سياق إثبات جملة خبرية أو أمر فلا يصح. هذا كلام الكوفيين، والآن ما الفائدة؟ نحن أثبتنا أن «بل» تأتي عاطفة سواء في سياق نفي أو نهي، أو في سياق إثبات سواء كان خبرًا أو أمرًا. الفائدة التي يمكن أن نستفيدها من كلام الكوفيين هي أنهم متضلعون من سماع كلام العرب وعندهم كثير من النقول، فنفيهم مجيء «بل» عاطفة في سياق الإثبات هو دليل على أن مجيءها في سياق الإثبات قليل عند العرب، ومن قلته لم يطلع عليه الكوفيون، فهو موجود لكن بسابق قلته وندرته لم يطلع عليه الكوفيون، فحكموا أنها لا تأتي إلا في سياق النفي أو النهي. فهذا يدل على أن «بل» الإضرابية في سياق الإثبات والأمر قليلة في لسان العرب.

قال: «ولابد لكونها عاطفة من إفراد معطوفها»، فإما أن تلاها جملة فكانت نفس الشيء حرف ابتداء لها وحرف عطف لما بعدها، وهذه التي بعدها جمل هي إضرابية ابتدائية، مثل «لكن» تصبح حرف ابتداء وتفيد حينئذ إضرابًا عما قبلها، إما إضراب إبطال، نحو قوله تعالى: ﴿أَيَعْبُدُونَ مَا يَخْلُقُونَ ۗ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الصافات: 35-36]، ونحو قوله تعالى: ﴿أَيَقُولُونَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا هُوَ﴾ [الفرقان: 5]، وقوله: ﴿أَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَإِلٰهٌ وَاحِدٌ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، ونحو: «يقولون به جنة بل جاءهم بالحق».

وإما على جهة الانتقال من إلى آخر، نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [الأعلى: 14]، وذكر اسم ربه فصلى، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: 16]، فهذا إضراب انتقالي. وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]، ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا﴾ [المؤمنون: 73]. وقد ادعى الناظم في الشرح الكافي أنها لا تكون في القرآن إلا على هذا الوجه، أي الإضراب الانتقالي، والصواب مع تقدم أن فعلاً تأتي أحيانًا إضراب إبطال وأحيانًا تأتي إضراب انتقالي، فحصرها بالإضراب الانتقالي فقط في شرح الكافية فيه نظر، والله تعالى أعلم.

بسم الله، قال تنبيهًا: الأول: لا يعطف بـ «بل» بعد الاستفهام، فلا يقال: «أضربت زيدًا بل عمرًا»، ولا نحوه؛ بل لا تأتي في سياق استفهام. هذا يعني جيد أن تعرف هذه الفائدة، فالمراد سياق نفي أو نهي أو خبر أو طلب، أما السياق الاستفهامي فلا تأتي فيه.

الثاني: تُزاد قبلها «لا» لتوكيد، يعني يقال: «لا بل». لماذا؟ قال لغرضين: إما لتوكيد الإضراب عن جعل الحكم الأول بعد الإيجاب، باختصار لتوكيد الإضراب إذا جاءت «بل» في سياق إيجاب، كقولك: «وجهك البدر لا بل الشمس»، هنا «بل» جاءت في سياق إثبات، فهي تفيد الإضراب، وزدنا قبلها «لا» لتوكيد الإضراب. وأما أن تأتي لتوكيد تقرير ما قبلها، أي أن تكون «بل» بمعنى «لكن» لقصر القلب، فتزاد قبل «بل» «لا» النافية لتوكيد تقرير ما قبلها، وأن الحكم سيختلف عما بعدها، وهذا كما قال بعد النفي، وابن درسته وينع الحالة الثانية أن تُزاد «لا» قبل «بل» في سياق النفي، قال ابن درسته: «وليس بشيء»، أي أن كلام ابن درسته ليس بدقيق لأنه وارد في الكلام الفصيح، ومنه قول الشاعر: ما هجرتك لا بل زادني شغفًا ... هجرٌ وبعد تراخٍ لا إلى أجلي

جميل هذا البيت، في معناه: «ما هجرتك لا بل زادني شغفًا»، هنا زيدت «لا» قبل «بل» والسياق سياق نفي، فـ «لا» هناك تؤكد النفي السابق وأنه قائم، ثم قال: «بل زادني شغفًا»، فهذا للقلب، أي أنني ازددت شغفًا.

هكذا نكون انتهينا أحبابي من ذكر أحكام حروف العطف بالتفصيل، لننتقل إلى أحكام عامة تتعلق بباب العطف. قال: «وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصِل ما وبلا فصل».

بسم الله، الآن سيتكلم أحبابي الكرام ابن مالك عن أحكام العطف على الضمير المتصل، خلينا نرتب الأمور. سنتكلم الآن عن أحكام العطف على الضمير المتصل؛ الضمير المتصل قد يكون ضميراً مرفوعاً وقد يكون ضميراً مجروراً، وستعرف كيف قدم المجرور على المنصوب، وسيأتي أيضاً ما يكون ضميراً منصوباً. العطف على الضمير المرفوع له شرط، والعطف على الضمير المجرور يذكرون له شرطاً، وسنعرف هل ابن مالك يوافق على هذا الشرط أم لا، أما العطف على ضمير المتصل المنصوب فلم يذكروا له شروطاً.

ابن مالك بالحالة الأولى، حالة إذا عطفت على ضمير متصل مرفوع، فماذا يقول لك؟ «وإن عُطِفَ على ضميرِ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ، فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ، أَوْ فَاصِلٍ مَا، وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدُ». في النظم كثيراً ما يأتي العطف على ضمير الرفع المتصل بدون فاصل، ولكن أعتقد ضعفه وليس هذا هو الأصل.

باختصار، يريد أن يقول لك ابن مالك إذا تعاطفت على ضمير متصل مرفوع، مثلاً: «أكرمته»، التاء ضمير رفع متصل، أريد أن أعطف عليها، هل يصير أن أقول: «أكرمتُ وزيدٌ عمراً»؟ يعني أريد أن أقول لشخص: أنت وزيد أكرمتم عمراً. فهل يجوز أن أقول: «أكرمتُ وزيدٌ عمراً» فأجعل زيداً معطوفة مباشرة على ضمير الرفع المتصل؟ يقول لك: لا، ما يصير، لابد أن تأتي بضمير منفصل، ثم بعد ذلك يكون هذا توكيداً لفظياً، ثم تأتي بالعطف على الضمير المتصل، فتقول: «أكرمتُ أنت وزيدٌ عمراً». هكذا العرب تقول؛ «أكرمتُ أنت» أنت توكيد لفظي، وزيد بعد ذلك تأتي عطفاً عليه، هكذا يصح.

لاحظوا أن هذه الفكرة شبيهة بفكرة التوكيد لما أخذنا التوكيد بالنفس والعين، وأن تؤكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل يأتي الرفع، هذا أخذناه في باب التوكيد. الفكرة مشابهة تقريباً، لكن هنا في عطف النسق، أنه إذا أردت أن أعطف على ضمير متصل مرفوع، فقبل أن أعطف عليه يجب أن آتي بفاصل ما. والفاصل هو الضمير المنفصل، وقال لك أيضاً إن لك مجالاً أن يكون الفاصل شيئاً آخر غير الضمير المنفصل، لذلك قال: «أو فاصلٍ ما». يمكن تأتي فواصل أخرى سنأتي إليها إن شاء الله.

«وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدُ»؛ في بعض المنظومات والأشعار ورد العطف على ضمير الرفع المتصل بدون فاصل، لكن يقول لك هذا عليك أن تعتقد ضعفه وأنه ليس قوياً. دعونا ننظر في الأمثلة التي يتكلم عنها ابن مالك، قال: «وإن عُطِفَ على ضميرِ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ». طبعاً كلمتنا ضمير رفع متصل تشمل المتصل هنا المستتر أو البارز، كلاهما داخل تحت المتصل؛ «فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ»، نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [الزخرف: 17]. انظر، «آباؤكم» معطوفة على «تم» التي هي على اسم كان «كنتم»، فلما عطف «آباء» على ضمير رفع متصل لزم الفصل بضمير منفصل وهو «أنتم».

قال: «أَوْ فَاصِلٍ»، وهذا الفاصل الذي نريده نركز في هذه الفائدة؛ قد يأتي الفاصل بين العاطف والمعطوف عليه، أي قبل حرف العطف، أو يأتي الفاصل بين العاطف والمعطوف، أي بعد حرف العطف، كالمفعول به؛ قال: «قَدْ يَكُونُ كَالْمَفْعُولِ بِهِ». مثلاً لو قال: «أو فاصلٍ ما»، زي إيش الفواصل؟ ممكن يكون المفعول به يفصل، كقوله تعالى: ﴿يُدْخِلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ [الكهف: 107]. الآن اسم الموصول «مَنْ» معطوف على الفاعل وهو واو الجماعة، وهو ضميره متصل مرفوع، «يُدْخِلُونَهَا»، «مَنْ» اسم الموصول معطوف على الواو، هل هناك فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه؟ نعم، هناك فاصل وهو المفعول به، هذه الهاء في «يدخلونها» مفعول به فصلت بين المعطوف والمعطوف عليه وهو ضمير المتصل المرفوع، فهذا فصل بصلح.

وكذلك مثلاً أحياناً النافية تأتي فاصلاً، كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 140]. الآن «نا» ضمير رفع متصل، عُطفت عليه «آباؤنا»، فينبغي أن يوجد فاصل، والفاصل هنا هو «لا» النافية. ولاحظ أن هنا الفاصل جاء بعد العاطف، في الآية السابقة «يدخلونها ومن صلح» الفاصل جاء قبل حرف العطف، في الآية الثانية «ما أشركنا ولا آباؤنا» الفاصل وهو «لا» جاء بعد حرف العطف. فهذا مثال على الحالة الأولى والحالة الثانية التي أشار إليها ابن مالك.

قال: «وَقَدِ اجْتَمَعَ فَاصِلَانِ»، في قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الزخرف: 17]. هنا اجتمع فاصلان؛ فاصل قبل حرف العطف وهو الضمير المنفصل المؤكد، وفاصل بعد حرف العطف وهو «لا».

قال: «وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدُ»، مثال الإتيان بلا فصل في النظم وإن كان ضعيفاً، مثال ذلك قوله: «ورجى الأخيطل من سفاهة رأيه.. ما لم يكن وأبُ». «يكن» اسمها ضمير مستتر، والضمير المستتر قسم من أقسام المتصل، كون الضمير المستتر يعتبر ضميراً متصلاً مرفوعاً، عُطف عليه «الأب» بدون فاصل: «ما لم يكن وأبُ»، وهذا قليل كما قال: «قُلتُ إِذَا أَقْبَلَتْ وَزَهْرٌ تَهَادَى.. كَنِعَاجِ الْفَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا»

«زهر» معطوفة على الضمير المستتر في «أقبلت»، أي: إذا أقبلت هي وزهرٌ تهادى كنعاج الفلا تعسفن رملاً، فهذا أيضاً من قبيل العطف بلا فصل.

قال: «وَهُوَ عَلَى ضَعْفِهِ جَائِزٌ فِي السَّعَةِ». المراد بالسعة أي في النثر. والناظم قال: «في النظم فاشياً وضعفه معتقداً»، لأن هذا يعني حتى ولو كان هذا ضعيفاً وهو في النظم منتشر، لكن حتى في السعة في المنثور سُمِع على ضعفه. وقد نص الناظم على ذلك، لما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: «مررتُ برجلٍ سواءٌ والعدمُ». الآن «العدم» برفع، عطف على الضمير المستتر في «سواء»، والتقدير: مررتُ برجلٍ مستوٍ هو والعدمُ، فالعدم معطوفة على الضمير المستتر في اسم الفاعل المقدر في «سواء».

وهذا سياق نثر وليس سياق رفض، ولأن هذا كان قليلاً كما قال. عطف على الضمير المستتر في "سواء"، أن "سواء" هنا مؤولة بمشتق، مؤولة باسم الفاعل، والتقدير: مستوٍ هو والعدو. ولاحظ أنه ما في فصل، وهذا قليل كما ذكرنا.

ثم قال: «وعود خافض لا يلزم»، أي عطف على ضمير مخفوض، "لا يلزم" كما قال ابن مالك، وليس عندي لازماً، إذ قد أتى في النثر والنظم الصحيح مثبتاً. إذاً ابن مالك يشير إلى شرط ذهب إليه جمهور النحاة.

انتهينا من موضوع الضمير المرفوع، سنذهب الآن إلى الضمير المتصل المجرور. إذا كان عندنا ضمير متصل مجرور، سواء مجرور بحرف جر أو مجرور بالإضافة، فجمهور النحاة يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل مجرور، فيجب أن تعيد الجار مع المعطوف، إذا أردت العطف عليه أن تعيد الجار مع المعطوف ولا تكتفي بالعطف مباشرة على الضمير. لازم تعيد الجار، إذا كان الجار حرف جر تعيد حرف الجر، وإذا كان الجار مضافاً تعيد المضاف. لازم تعيد عامل الجر بعد حرف العطف.

ابن مالك يقول: بالنسبة إلي أنا أرى أن هذا ليس شرطاً. لماذا يا ابن مالك؟ قال إنه سمع كثيراً في النظم وفي النثر العطف على ضمير متصل مجرور بدون تكرار عامل الجر؛ لذلك قال: «وليس عندي لازماً»، إذ قد أتى في النثر والنظم الصحيح مثبتاً. جاء مثبتاً في النثر الصحيح العطف على ضمير متصل مجرور بدون إعادة الجار. فلماذا اشترطه؟ إذاً ابن مالك ذكر قول الجمهور لكنه ذكر أنه يخالفه لما ظهر له.

قال: «وعود خافض»، أي إعادة خافض، يعني إعادة عامل الخفض عند عطفك على ضمير متصل مخفوض، «لا يلزم في غير ضرورة الشعر». قال: «وهذا عليه جمهور البصريين». وأما ابن مالك ففي رأيه وافق الكوفيين في الحقيقة. يعني ابن مالك في رأيه الذي ذهب إليه ليس هو منفرداً، بل جمهور الكوفيين يتفقون مع ابن مالك فيما ذهب إليه.

نعود إلى قوله: «في غير الضرورة، وهذا عليه جمهور البصريين». نحو قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾ [ق: 29]. إذا عطفنا على الهاء، الهاء هنا ضمير متصل مجرور، ما قال: ﴿فَقَالَ لَهَا وَالأَرْضِ﴾ مباشرة، لا، كرر حرف الجر فقال: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾. ومثله قوله: «وعليها وعلى الفلك». حرف الجر كرروا.

قالوا: «نعبد إلهك وإله آبائك»، الإله التي بعد حرف العطف معطوفة على الكاف في "إلهك". هو يريد أن يقول: نعبد إلهك ونعبد إله آبائك، فهذا الإله وإله لآبائه، لكن لاحظوا أنه هنا كرر العامل في الجر. الآن "إلهك" الكاف ما العامل فيها؟ ليست حرف جر، لا، العامل في الكاف هو المضاف، الكاف مجرورة لكنها مضافة إلى مجرور بالإضافة، والعامل فيها هو "إله". فلما أراد أن يعطف الآباء عليها وهو مجرور، لم يقل "إلهك وآباءك" مباشرة، لا، كرر عامل الجر وهو المضاف فقال: "إلهك وإله آبائي". فكرر العامل هنا وهنا، وهذا فعلاً هو الأكثر. أنت عندما تستقرئ تجد كلام جمهور البصريين هو الأكثر في السياق القرآني والسياق العربي.

لكن قال الناظم: «هذا ليس عندي لازماً»، إذ قد أتى وفاقاً ليونس والأخفش والكوفي. لاحظ أن الناظم وافق في هذا الرأي يونس ابن حبيب شيخ سيبويه، والأخفش وهو من البصريين، وإنكار كثير مما يوافق الكوفيين. إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتاً.

فمن النظم قوله: «فاليوم تقربت تهجونا وتشتمنا، فاذهب فما بك والأيام». عطف "الأيام" على الكاف بدون تكرار حرف الجر، ما قال "فما بك وبالأيام"، لا، مباشرة: "فما بك والأيام". وقول الشاعر: «تعلق في مثل السواري سيوفنا، وما بينها والكعب غوط نفانف». قال: "وما بينها والكعب" عطف الكعبة على الهاء من دون تكرار المضاف. وهو كثير في الشعر.

ومن النثر قراءة ابن عباس والحسن وغيرهما: «تساءلون به والأرحام»، فالأرحام معطوفة على الهاء، ما قال "به وبالأرحام"، عطف مباشرة بدون التكرار. وحكاية قطرب: «ما فيها غيره وفرسه»، بعطف الفرس على الهاء، ما قال "ما فيها غيره وغير فرسه"، ما كرر "غير"، عطف مباشرة: "ما فيها غيره وفرسه".

وقيل ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكَفَرُوا بِهِ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]. هناك خلاف في هذه الآية وفعلاً خلاف فيها، والقول الصحيح أنها معطوفة على الهاء المجرورة بالباء في "به"، أي: "وكفروا به والمسجد الحرام". فقالوا "المسجد" معطوفة على الهاء المجرورة بالباء في "به". أقول هذا هو الصحيح، إذاً "المسجد" عطفت على ضمير مجرور بدون تكرار حرف الجر.

وإذا كان هذا هو الصحيح، فالمسجد عطفت على ضمير مجرور بدون تكرار حرف الجر. قال: «إذ لا يصح أن نجعل المسجد معطوفة على السبيل». لا يصح أن تقول والمسجد معطوفة على السبيل، أي: "وصدوا عن سبيل الله وعن المسجد". البعض قال المسجد ليست معطوفة على الهاء، بل معطوفة على "السبيل"، والتقدير: "وصدوا عن سبيل الله والمسجد". طيب لماذا لا يصلح أن نجعل المسجد معطوفة على السبيل؟

قال: لأنه كلمة "السبيل" هي صلة للمصدر، وهو "الصد". "الصد" مصدر، و"عن سبيل الله" الجار والمجرور صلة للمصدر. وقد عطف عليه أي على المصدر مصدر آخر وهو قوله: "وكفروا به". فالمصدر الأول عطف عليه المصدر الثاني وهو الكفر، ولا يجوز العطف على المصدر حتى تكتمل كل معمولاته. بالتالي لو كانت "المسجد الحرام" معطوفة على "سبيل الله" لكان حصل عطف على المصدر قبل أن يستكمل معمولاته، فبالتالي يكون هذا دليلاً على أن "المسجد الحرام" ليست معطوفة على "سبيل الله" بل هي منفصلة عنها تماماً ومعطوفة على "به". لأننا لو عطفنا على "وصدوا عن سبيل الله" فلا يجوز أن نعطف على المصدر حتى يكون المصدر الأول قد استوفى كل معمولاته، ثم نأتي بمصدر جديد نعطفه على المصدر الأول.

لكان المصدر الأول تم العطف عليه قبل أن يستكمل معمولاته؛ لأنه في النهاية المعطوف هو من معمولاته. لكان عطف عليه قبل أن يستكمل المعمولات، وهذا غير جائز، فالعطف هنا عطف على الضمير قبل أن تأتي، و«المسجد الحرام» دليل على أن «المسجد الحرام» ليست معطوفة على السبيل بل هي معطوفة على هاء الضمير، وهذا فيه خلاف طويل.

التنبيه الأول في المسألة مذهب ثالث، وهو أنه إذا كان هناك مذهب الجمهور، وهناك مذهب ابن مالك الذي وافق فيه الكوفيين ويونس، فهناك مذهب ثابت وهو أنه إذا أكد الضمير المجرور جاز العطف عليه بدون تكرار العامل، كقولك: «مررت بك أنت وزيد»، وإذا لم يؤكد احتجنا إلى إعادة العامل. فهذا رأي ثالث وهو مذهب الجرمي، وهو أيضًا حاصل كلام الفراء؛ فإنه أجاز أن يقال: «مررت به نفسه وزيد»، و«مررت بهم كلهم وزيد». فلما لم يجز الفراء هذه الصورة من العطف، دل هذا على أن الفراء يقول: لا يحتاج إلى إعادة عامل الجر في حال تم توكيد الضمير المجرور قبل العطف عليه.

التنبيه الثاني: افهم كلامه الآن، إذا عرفنا شرط العطف على الضمير المتصل المرفوع، وشرط العطف على الضمير المتصل المجرور على ما فيه من الخلاف، بقي الضمير المتصل المنصوب. مفهوم كلام ابن مالك بما أنه لم يتطرق إليه، هو أن الضمير المتصل المنصوب يجوز العطف عليه مطلقًا بدون شروط، إذا كان ضميرًا متصلًا منصوبًا هذا الحمد لله يعطف عليه بدون شروط، وهذا ما أراد إليه هنا.

وانظر، افهم كلامه، جواز العطف على الضمير المنفصل مطلقًا، يعيدونها في بعض النسخ مكتوب المتصل، أي المنفصل؛ فالعطف على الضمير المنفصل مطلقًا يعني أن ابن مالك لم يتطرق إليه، فيقول إن الضمير المنفصل يعطف عليه بدون أي شروط، ما في مشكلة فيه. وكذلك الضمير المتصل المنصوب يعطف عليه بدون أي شروط أيضًا، فتقول مثلا في الضمير المنفصل: «أنا وزيد قائمًا»، فليس هناك مشكلة، و«إياك والأسد»، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في سياق التحذير أو الإغراء. وتقول في المتصل المنصوب: «جمعناكم والأولين»، العطف على «كم»، وهي منصوبة ولم يحتج إلى شرط.

نذهب الآن إلى ما يلي؛ قال: «والفاء قد تحذف، وعطفت الواو إذ لا لبس، وهي انفردت بعطف عامل مزال قد بقي معموله دفعًا لوهم». هذه الأفكار الختامية إن شاء الله سهلة، يريد أن يقول تختص الفاء، قال: «وهو قيد فيهما»، يعني هذا الكلام الآن في المسألة التي سنتكلم عنها خاصة بحرف العطف الفاء وحرف العطف الواو، ففي أحكام خاصة فيهما.

هل تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما لوجود دليل؟ لاحظوا كثرة مسائل الحذف؛ قضية الحذف بسبب وجود الدليل على المحذوف هذه كثيرة، فلكنه في باب العطف خاص بالفاء والواو. الفاء والواو يجوز أن يحذف مع معطوفهما لوجود دليل عليه.

فمثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَٱنفَجَرَتْ﴾ [البقرة: 60]، هناك فاء عاطفة ومع معطوفها محذوف من السياق، والتقدير: «اضرب بعصاك الحجر فضرب فانفجرت». وهو نفس الشيء في سورة الشعراء: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63]، هناك فاء مع معطوف محذوف، والتقدير: «فضرب فانفلق». في كلا الآيتين نفس الشيء، حذفت الفاء مع المعطوف، «فضرب» حذفنا الفاء مع مدخولها لدلالة السياق عليه.

ومثاله في الواو قول الشاعر: ما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أبو حجر إلا ليالٍ قلائلُ تقدير: ما كان بين الخير وبيني، فما كان بين الخير والآن البين تقتضي شيئين، ما بين الخير وبين إيش؟ ما بين الشيء الثاني، وهو المعطوف، حذف للدلالة عليه، والتقدير: «ما كان بين الخير وبيني»، وحذفنا الواو مع المعطوف.

وقولهم: «راكب الناقة طليحان»، كان ينبغي أن يقول: «إذا راكب الناقة والناقة طليحان»، لكنه حذف الواو والمعطوف وأبقى فقط المعطوف عليه لدلالة السياق عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾ [النحل: 81] وسكت، ما قال «والبرد»، لكنه معلوم من السياق أيضًا؛ من السرابيل تقي الحر وتقي البرد، فقال علماء التفسير: «سرابيل تقيكم الحر والبرد»، حذف الواو والمعطوف وهذا جائز للدلالة عليه.

تنبيهات: قال: «أم تشاركهما في ذلك كما ذكر في التسهيل». ابن مالك في كتابه التسهيل ذكر أن «أم» مثلها مثل الواو والفاء، تأخذ أيضًا هذه الفكرة؛ قد تحذف مع ما بعدها لدلالة السياق عليه، ومنه قول الشاعر: دعاني القلب إليها إني ... لأمره سميع فما أدري أرشدٌ أطلابها؟ أم غي؟ وسكت، والتقدير: «أرشدٌ أطلابها أم غي؟»، وهذه «أم» التي جاءت في سياق الاستفهام، هنا ليس استفهامًا حقيقيًا لكنه استفهام شعري، أي: «أرشدٌ طلابها أم غي؟»، و«أم غي» محذوفة للدلالة عليه وإنما لم يذكرها هنا.

طبعًا بما أن «أم» نفس الفكرة، لماذا لم يذكرها يا ابن مالك؟ أنت ذكرت الفاء والواو، لماذا لم تذكر «أم»؟ قال: «وإنما لم يذكرها هنا ابن مالك في التسهيل لقلتها في ذلك»، يعني هي ليس منتشر الأمر فيها مثل الواو والفاء، وركز ابن مالك على المنتشر الشائع.

الفائدة الثانية، انتبه لها: «قد يحذف العاطف وحده». الآن يعني يجوز أن تحذف حرف العطف وحده ويبقى المعطوف والمعطوف عليه، وهذا في الشعر كثير، فمنه قول الشاعر: «كيف أصبحت كيف أمسيت»، والتقدير: «كيف أصبحت وكيف أمسيت»، حذف الواو بينهما. وفي الحديث: «تصدق رجل من ديناره من درهمه من صائب»، والتقدير: «تصدق رجل من دينار ومن درهمه ومن صائب». وروي عن أبي عثمان عن أبي زيد أنه سمع: «أكلت خبزًا ولحمًا تمرًا»، أي: «أكلت خبزًا ولحمًا وتمرا».

قال: «ولا يكون ذلك إلا في الواو»، هذه الفكرة، فكرة أن يحذف الحرف في العطف ونبقي المعطوف والمعطوف عليه، هذا لا يكون إلا في حرفين، هل هو في كل حروف العطف؟ لا، قال: «في الواو وفي أو»، انتبهوا عليه، الفائدة الختامية، هذا ليس في كل حروف العطف، الواو و«أو» هي التي تتقبل ذلك.

أي أن الواو انفردت من بين حروف العطف بماذا؟ بعطف عامل مزال، انتبهوا، في نسخة الكتب العلمية هنا وقع خلط، قدم بيتًا على بيت؛ «ستجدون عندكم وحذف متبوع بدأه نستبح وعطفك الفعل على فعله»، هذا البيت متأخر، والبيت الذي سيأتي الآن المتعلق بقوله «وهي انفردت بعطف عامل مزال» يجب أن تقدمه، فهنا حدث خطأ في النص، انتبهوا لهذه القضية.

فلذلك سأذهب إلى البيت الصحيح، وهو أنها انفردت بعطف عامل مزال؛ قد بقي معموله دفعا لوهم. ماذا اختصت الواو؟ يريد أن يقول: تختص الواو بعطف عامل محذوف قد بقي معموله مرفوعا، كان هذا المعمول نحو: «اسكن أنت وزوجك»، أو كان منصوبا، هذا المعمول نحو: ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾، أو مجرورا، كان هذا المعمول كقوله: «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة».

الآن هذه الأمثلة: «اسكن أنت وزوجك الجنة»، و«الذين تبوأوا الدار والإيمان»، و«ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة»، هذه الأمثلة الثلاث، خلينا نركز عليها بنفسها؛ لماذا هو السؤال الذي سيأتي على خاطرك أنت كطالب علم؟ لماذا لم يجعل العطف فيها من عطف المفردات؟ الآن ماذا يقول ابن مالك؟ يقول ابن مالك: «اسكن أنت وزوجك الجنة»، «الذين تبوأوا الدار والإيمان»، «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة».

في هذه الأمثلة الثلاث يقول ابن مالك: الواو في هذه الأمثلة الثلاث عطفت جملة على جملة، خليني أكون أوضح، عطفت جملة على جملة، وهذه الجملة المعطوفة حذف منها العامل. أنت راح تقول لي: يعني هو الواو بس تختص بعطف الجمل على الجمل؟ لا، الواو والفاء ثم كلها بتعطف جمل على جمل. طب بأيش اختصت الواو؟ الواو اختصت أن لديها القدرة على أن تعطف جملة حذف عاملها وأزيل وبقي معموله فقط، هذه الفكرة لا تكون إلا في الواو؛ أن تعطف جملة على جملة وتكون الجملة المعطوفة حذف عاملها وأزيل وبقي فقط المعمول. هذا لا يكون إلا في الواو، فالفاء وثم وغيرها من أحرف العطف الآن ما عندها هذه القدرة.

طبعا في أحرف عطف أصلا هي لا تعطف إلا مفردات، يعني حتى مثل «بل» و«لكن»، هذه أصلا خارج الموضوع، لكن نقول حروف العطف التي تقوى على عطف الجمل لا تقوى على هذه الفكرة. إيش هي الفكرة التي تختص بها الواو؟ أنها تستطيع أن تعطف جملة، هذه الجملة العامل فيها محذوف مزال وبقي فقط معموله، ومعموله قد يكون في حالة رفع، قد يكون في حالة نصب، قد يكون في حالة جر؛ أظن هو قال: «ما كل بيضاء...» نعم «ولا سوداء»؛ لأنه هذا ممنوع من الصرف، فمجرور بالفتحة، أو في حالة جر.

فالسؤال الذي سيأتي: أين هو العامل المحذوف؟ نأتي على المثال الأول: «اسكن أنت وزوجك الجنة»، أين هو العامل المحذوف؟ ستقول: ليش ما نجعل «زوجك» معطوفا مباشرة على الضمير المستتر في «اسكن»؟ «اسكن أنت وزوجك»، وهذا عطف على ضمير رفع متصل، فبالتالي أكدنا بالضمير المنفصل زي ما حكينا قبل شوي وخلصت، يكون من عطف المفردات. ليش أنتم مصرين تجعلوها عطف جمل؟ هذا هو السؤال. لماذا أنتم مصرون على أن هناك عاملا محذوفا من هذه الجملة و«زوجك» معمول له؟ لماذا أنتم تصرون على جعلها من قبيل عطف الجمل؟

طبعا البعض يناقش حقيقة، البعض يجعلها أصلا من عطف المفردات، أنا بدي أريحك، لكن أنا بتكلم الآن مع مذاق الأشموني وابن مالك الذين يقولون إنه هذه ينبغي أن تكون من عطف الجمل ولا تكون من عطف المفردات. ما هو؟ قالوا يقبح أن نجعل فعل الأمر مسلطا على اسم ظاهر. الآن فعل الأمر: اضرب، اسكن، العب، دائما أحبابي الكرام يرفع ضميرا، يكون فاعله ضميرا، ولا يكون فاعل فعل الأمر اسما ظاهرا، هكذا الفكرة؛ اسكن، اضرب، العب، استخرج، دائما فاعله إيش يكون؟ ضمير، ولا يكون فاعله اسما ظاهرا.

صح، قالوا لو جعلنا العطف هنا من عطف المفردات وجعلنا «زوجك» معطوفا على الضمير المستتر في «اسكن»، فهنا خلص العامل في التابع هو العامل في المتبوع، ستكون «اسكن» متسلطة على التابع وهو «زوجك» كما أنها متسلطة على المتلو وهو الضمير، فكأنك قلت: «اسكن أنت واسكن زوجك». طب «اسكن زوجك» ينفع؟ «اسكن زوجك» تكون رافعة لفاعل ظاهر، ما بتزبط.

فقالوا إذا بما أنه ما بتزبط أن تكون «اسكن» متسلطة على «زوجك» لأن فعل الأمر لا يرفع فاعلا ظاهرا، بالتالي أحبابي الكرام قالوا إذا خلونا نقدر عاملا محذوفا، التقدير: «اسكن أنت وليسكن»، من جد فعل مضارع مع لام الطلب، ويصبح التقدير: «اسكن أنت وليسكن زوجك»، هيك بنكون حلينا المشكلة وتصبح «زوجك» فاعلا لفعل محذوف تقديره «وليسكن»، فيكون «زوجك» كائنا لفعل مزال لكنه مقدر، والتقدير: «وليسكن زوجك الجنة»، تصبح من قبيل عطف الجمل على الجمل. ما الذي ألزمنا أو وجهنا لهذا الاتجاه؟ تعذر أن نجعل «اسكن» متسلطة على «زوجك»، لأنه لو جعلناه من قبيل العطف فكانت «اسكن» متسلطة على المعطوف، وكأنك تقول «اسكن زوجك»، وفعل الأمر لا يرفع فاعلا ظاهرا، فاحتجنا أن نقدر «وليسكن زوجك الجنة» ويكون من قبيل عطف الجمل على الجمل، وهذا كله فيه نقاشات طويلة أحبابي الكرام، هل هذا دقيق أو غير دقيق، لكن لا أريد أتعبكم في هذا الموضوع.

بس أنا بدي أفهمك الفكرة، أنه كيف الواو عطفت جملة عاملها مزال محذوف؟ كذلك هنا: ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. هنا الإشكال في المعنى، الآن لو قلنا «تبوأوا الدار والإيمان» وقلنا «الإيمان» معطوفة على «الدار» عطف مفردات، صار المعنى أنه تبوأوا الدار وتبوأوا الإيمان، والتبوأ أحبابي كمعنى لغوي لا يكون إلا في المساكن والدور، ما في إشي اسمه تبوأ الإيمان، فإنك تقول «تبوأوا الدار والإيمان» عطف مفردات يصبح المعنى فيه إشكال، لأن التبوء لا يكون في الإيمان.

فقالوا إذا هناك عامل مزال بعد الواو والتقدير: «والإيمان»، فهذا يكون من قبيل عطف جملة على جملة، لكن الجملة التي بعد الواو بقي معمولها وحذف عاملها، والتقدير: «تبوأوا الدار والإيمان»، فكرة أن الواو تستطيع أن تعطف جملة حذف عاملها وبقي معمولها هذه فكرة لا تكون إلا في الواو، ولا تطبق في الفاء أو ثم أو غيرها. ما ينطبق في الجمل نفس الشيء هنا: «ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة».

الآن أحبابي، إيش المشكلة هنا في هذه الجملة الثالثة؟ لماذا لا يجوز أن يكون من عطف المفردات ونقول: «و» معطوف، و«تمرة» معطوفة على «شحمة» وخلصنا؟ إيش بيقول لك؟ بيقول لك «بيضاء» أين عاملها؟ «بيضاء» مضاف إليه، عاملها هو المضاف كله، هذا عامل واحد، و«شحمة» خبر، وعامل الخبر هو ماذا أحبابي الكرام؟

عامل الخبر هو شحمة، أليس كذلك؟ عفوا، بالنصب المهونة سيظهر الإشكال، خليني أتأكد، أهي سوداء؟ نعم، ما كل بيضاء شحمة ولا سوداء تمرة. الآن، ما كل بيضاء شحمة؛ شحمة بدنا نجعلها خبر لما، فنجعل شحمة خبر لما.

بالتالي أحبابي الكرام، إذا قلنا ما كل بيضاء شحمة، شحمة العامل فيها هو "ما"، فعندي أصبح عاملين عندي: "بيضاء" العامل فيها هو المضاف وهو "كل"، و"شحمة" العامل فيها هو "ما" النافية. فعندي عاملين؛ عامل لبيضاء وعامل لشحمة. بالتالي ما يصير أجي أعطف "سوداء" على "بيضاء"، ولا أعطف "تمرة" على "شحمة" عطف مفردات؛ ليش؟ لأنه إذا كان عندي حرف عطف واحد في الجملة، ما يصير أعطف فيه معطوفين على معمولين لعاملين مختلفين.

أعيد العبارة وشوي دقيقة؛ إذا كان عندي حرف عطف واحد ما يصير أعطف فيه معطوفين على معمولين لعاملين مختلفين. الآن لو كانت "سوداء تمرة" معطوفة على معمولين عاملهم واحد يمشي الحال، لكن هنا "سوداء" بدي أعطفها على "بيضاء". طب شو العامل في "بيضاء"؟ "كل" وهو المضاف. طب و"تمرة" بدي أعطفها على "شحمة"، تنطر، شو العامل بـ "شحمة"؟ "ما" نافية، عامل آخر. هنا ساعطف معطوفين بحرف عطف واحد على معمولين كل واحد منهم له عامل مستقل، هذا لا يجوز. لو كان المعمولان لهما عامل واحد بنفع أعطف معطوفين بحرف عطف واحد عليهم، لكن ما كان عاملهما مختلف؛ المعمول "بيضاء" عامله المضاف، و"شحمة" عامله "ما".

هنا لا يجوز العطف عطف مفردات، فبالتالي أنا مضطر أن أجعل هنا جملة، التقدير: ما كل بيضاء شحمة وما كل سوداء تمرة. فالتقدير وما كل سوداء تمرة، وأجعل الجملة من قبيل عطف الجمل؛ التقدير: ما كل بيضاء شحمة وما كل سوداء تمرة. وبالتالي ستكون هنا "ما وكل" ستكون "ما" محذوفة و"كل" محذوفة، وتكون الواو عطفت جملة عواملها محذوفة على جملة عواملها مذكورة، فيكون هذا من قبيل عطف الجمل، والواو عطفت جملة بعوامل محذوفة على جملة أخرى.

لاحظوا ماذا قال هنا، قال: «وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود» أي من قبيل عطف مفردات، قال: «دفعا لوهم»، أي خشية من توهم يجب أن يُتقى فهو يُحذر منه. ما هو التوهم؟ قال: «وهو أنه يلزم في الأول في (اسكن أنت وزوجك الجنة) أن يرفع فعل الأمر اسماً ظاهراً، اسكن زوجك، وهذا لا يصلح». وأما في الثاني، فيلزم لو جعلناه من قبيل عطف المفردات أنه يلزم من ذلك أن يكون: «الإيمان متبوأ»، تبوأوا الدار والإيمان، والإيمان لا يُتبوأ، وإنما الذي يُتبوأ المنزل. وأما في الثالث فيلزم العطف على معمولين لعاملين مختلفين، وهذا أيضاً فيه إشكال.

وهنا حتى نخرج من الإشكال قال: «ولا يجوز في الثواب». رجعت للمثال الثاني، قال: «ولا يجوز للثاني أن يكون الإيمان مفعولاً معه». يعني ممكن واحد يقول لك: طب "الدار والإيمان"، ليش ما تجعلها واو المعية؟ والإيمان مفعول معه وخلصنا، أصلاً ما تجعلوه من قبيل العطف، اجعلها معي. قال: «لعدم الفائدة في تقييد الأنصار بمصاحبة إيمان»، إذ هو أمر معلوم. يعني يقول لك لا تجعلوا مفعولاً معه، الظاهر أن البعض قال إنه مفعول معه، لكن الأشموني يرد أنه هذا المعنى ليس قوياً، يعني "يتبوأ الدار مع الإيمان"، طب ما هو الإيمان معروف أنهم كانوا مؤمنين، فما في فائدة من المفعولية هنا، فهذا رأي الأشموني أنه ما في فائدة للمفعول معه، لكن بعضهم يجوز ذلك حقيقة.

هكذا يكون قد انتهى من تعليقه على ما اختصت به الواو؛ إذا اختصت الواو أنها تستطيع أن تعطف جملة حُذف عاملها وبقي معمولها على جملة سابقة. ثم ننتقل إلى الباب الذي يليه: «وحذف متبوع بدأ نستبح وعطفك الفعل على الفعل يصح»، لأن الشطر الأول يتكلم عن موضوع والشطر الثاني يتكلم عن موضوع آخر. الشطر الأول يتكلم عن موضوع حذف المعطوف عليه، قبل شوي يا أحبابي كنا نتكلم عن أن الفاء والواو قد تُحذف مع المعطوف، الآن يريد أن يقول لك إن الصورة المعاكسة هي أن قد يُحذف المعطوف عليه ويبقى المعطوف.

أنا قبل شوي كنا نتكلم عن حذف المعطوف؛ تُحذف الفاء والواو مع المعطوف. الآن بدي أتكلم عن الصورة المعاكسة، وهو أنك تترك الفاء والواو مع المعطوف، وتحذف المعطوف عليه السابق، هذا جائز. مر معنا مثال له قبل شوي في "لا"، بس هنا يتكلم عنه في الفاء والواو. كما قلت لك أعطيتك "لا لتظلم" وكانت تقدر "لتعدل"، "لا لتظلم"، نفس الفكرة بس هنا خصها بالفاء والواو. فيقول: «وحذف متبوع» أي معطوف عليه، «بدأ أن ظهر هنا»، أي في هذا الموضع، في موضع الفاء والواو.

لذلك قال وهو العطف بالواو والفاء، لأن الكلام فيهما، فلذلك أتى بكلمة هنا أنه كنا نتكلم نحن عن الفاء والواو، فيبقى حديثنا عن الفاء والواو وحذف المعطوف عليه إذا كان ظاهراً من السياق وكان حرف العطف الفاء أو الواو جائزاً. كقول بعضهم: «وبك أهلاً وسهلاً»، جواباً لمن قال: "مرحباً بك". واحد قال لك "مرحباً بك"، أنت ماذا تقول له؟ "وبك أهلاً وسهلاً". التقدير: "ومرحباً بك وأهلاً". فهنا "أهلاً" معطوفة على "مرحباً" المحذوفة. لو فكرت فيها قليلاً ستقول "أهلاً" معطوفة على "مرحباً"، طب أين "مرحباً"؟ ليست موجودة في الجواب لوضوحها ومعلوميتها من السؤال أو الطرف الأول، فـ "أهلاً" معطوفة على محذوف تقديره: "ومرحباً بك وأهلاً".

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الصافات: 55]، التقدير: "أأنملكم فنضرب"، ونحو قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 46]، أي أعانوا فلم يروا. وهنا أريد أن أنبهكم على قضية، وهنا كثير في الآيات القرآنية أحبابي الكرام، ما تأتي همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف مباشرة مثل "أفلم"، أولاً هذا مهم أن تعرف هذا الأسلوب؛ الصحيح أنه هنا قبل الفاء يكون هناك معطوف عليه محذوف تقدره من السياق، ونفس الشيء "أولم يروا"، هذه همزة استفهام وهذه واو عطف.

وهناك معطوف عليه محذوف بدك تفهمه من السياق، فمثلا هنا: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ﴾؛ التقدير: أفهل نضرب؟ فنضرب. نفس الإشي: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي أعْموا؟ فلا، ﴿لَمْ يَرَوْا﴾؛ فهناك معطوف عليه محذوف وقد يكون جملة، ما عندنا مشكلة.

ثم قال: وأما الحذف بعد "أو"؛ هل يمكن أن يأتي هذا الأمر أيضا معه؟ أو في قوله: ﴿فَهَلْ لَكَ مِنْ وَالِدٍ﴾، التقدير: فهل لك من أخ أو من والد؟ فهل لك من أخ؟ حُذف المعطوف عليه وهو "أخ" وذكر فقط المعطوف وهو "أو من والد"، فهذا قال نادر، لذلك لا ينبغي أن يقاس عليه.

تنبيهات: قال في التسيير: "ويغني عن المعطوف عليه المعطوف كثيرا وبالفاء قليلا". وقال في التسهيل: "ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرا وبالفاء قليلا". هنا في التسهيل يقول إنه هذه قضية الاستغناء بالمعطوف وحذف المعطوف عليه، وهذه كثيرة في الواو، قليلة في الفاء. فأراد بهذا التنبيه أن يبين أن هذه القضية، أن يُحذف المعطوف عليه ويبقى المعطوف، كثيرة فيما هو قليل في الفاء.

الثاني: قال فيه أيضا في التسهيل: "وقد يتقدم المعطوف بالواو ضرورة". قال في الكافية: «ومتبع بالواو قد يقدم مسطرا أن يلتزم ما يلزم». وظاهره جوازه في الاختيار، أي في النثر على قلة. قال في شرحها، أي في شرح الكافية: "قد يقع المعطوف قبل المعطوف عليه إن لم يخرجه إلى التصدير، أو إلى مباشرة عامل لا يتصرف". باختصار: أن تتقدم الواو مع معطوفها على المعطوف عليها. هذه غريبة الفكرة؛ أن المعطوف عليه يتأخر وتتقدم الواو مع معطوفها عليه، هل هذا جائز؟

ابن مالك أجازه بشرطين؛ أن تقدم الواو مع معطوفها لا يجعل الواو أو مع معطوفها تصبح في صدارة الجملة، ما يصير تصبح في الصدارة، لأنه ما ينفع تبدأ جملة بحرف عطف. اثنان: أن تقدم الواو مع معطوفها لا يسبب أن الواو مع معطوفها أصبحت مباشرة لعامل جامد، أو متقدمة على عامل جامد؛ لا تتسبب في أحد الأمرين: مباشرة العامل الجامد أو التقدم عليه.

قال: «ولذا قلت موسطا: أن يلتزم ما يلزم». فلا يجوز: "وعمرو زيد قائمان"، مثلا هي: "زيد وعمرو قائمان"، ما يطلعلك تحكي: "وعمرو زيد قائمان" بتقديم الواو مع المعطوف على المعطوف عليه؛ لأنه هنا سيصبح المعطوف مع الواو في صدارة الجملة، وهذا ما ينفع، العرب لا تبدأ بحرف عطف. قال: "لتصدر المعطوف وفوات توسطه لازم يضل في وسط الجملة". كذلك: "ولا ما أحسن عمرا زيداً"؛ لأن هنا "ما أحسن زيدا وعمرا"، فتقول: "ما أحسن عمرا زيدا"؛ لأنه هنا "وعمرا" قدمت الواو مع معطوفها وأصبحت مباشرة لعامل جامد وهو التعجب، وكذلك لا يجوز أن يتقدم على العامل الجامد، فتقول: "ولا ما وعمرا أحسن"؛ قال لعدم تصرف العامل.

ومثال صورة التقديم الجائز قول ذو الرمة: كأن على أولادي أحقب لاحها ... ورمي الصفا أنفاسها بسهام جنوب دوت عنها التناهي وأنزلَت ... بها يوم رباب السفير صيامي

فالتقدير: كأن على أولاد أحقب لاحها؛ الأحقب طبعا هو الحمار الوحشي، لاحها يعني أضمرها وجعلها ضامرة، هذه الحمر الوحشية. إضمارها إيش؟ المعطوف عليه هو "جنوب" أي رياح الجنوب، والمعطوف هو "ورمي الصفا". التقدير: أضمرها جنوب دوت عنها ورمي الصفا، لكن هنا قدم المعطوف وأخر المعطوف عليه فقال: "لاحها ورمي الصفا" بعدين رجع على المعطوف عليه فقال: "جنوب". فلاحظوا التقديم، "ورمي الصفا" هذا المعطوف والواو ومعطوفته، وين المعطوف عليه؟ ما ورد في مطلع البيت الثاني "جنوب". فالتقدير: كأن على أولاد أحقب لاحها جنوب دوت ورمي الصفا.

ومن منه قول الشاعر: وأنت غريم لا أظن قضاءه ... ولا العنزي القاضي ضده جائيا

التقدير: وأنت غريم لا أظن قضاءه جائيا هو ولا العنزي، يعني لن يأتي هو، الضمير في "جائيا" اسم فاعل، وفي ضمير، هذا الضمير هو المعطوف عليه، والعنزي هو المعطوف. التقدير: لا أظن قضاءه هو ولا العنزي، فالعنزي معطوف على ماذا؟ على الضمير في "جائيا". طيب، "ولا العنزي" القاضي ضده، وإن كان هو يقول العنزي معطوف على "جائيا"، لكن الذي أراه أنه معطوف على الضمير، فجائيا، والله تعالى أعلم.

ثم قال: وعطف الفعل على الفعل يصح. يجوز عطف فعل على فعل، يعني أن يكون عطف أفعال مش عطف جمل، بشرط اتحادي الزمان، لا يشترط اتحاد الصيغة، أن يكون ماضي ماضي أو مضارع مضارع، لا، المهم اتحاد الزمان ولو اختلفت الصيغة؛ فإذن يمكن أعطف مضارع على ماضي أو ماضي على مضارع بشرط أن يكون كلاهما بمعنى الماضي أو كلاهما بمعنى المستقبل، وهذا بالتالي سيتطلب أكيد شيء من المجاز.

قال: «بشرط اتحادي زمنهما». سواء اتحد النوع ماضي ماضي أو مضارع مضارع كقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾، ما تلاحظ: "نحيي" و"نسقيه". ﴿وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾، ﴿وَلَا يَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾. أما اختلف نحو: ﴿يُقَدِّمُ قَوْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، "يقدم" مضارع، "أوردهم" ماضي، بس هنا الماضي بمعنى المضارع، فلذلك جاز. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾؛ "جعل" الأولى بمعنى "يجعل"، أي يجعل لك خيرا ويجعل لك قصورا، فصحيح الصيغة مختلفة ماضي ومضارع لكن الزمن في الحقيقة في كليهما واحد. فالمعتبر عندنا اتحاد الزمن سواء اتحد النوع ماضي ماضي مضارع مضارع أو اختلف النوع، بس أهم شيء يكون الزمن واحدا.

ثم قال: واعطف على اسم شبه فعل وعكسا. نستعمل تجده سهلا نختم بهذا البيت إن شاء الله. يقول ابن مالك: يجوز أن يعطف الفعل على شبه الفعل. المراد بشبه الفعل المشتقة: اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة. فيجوز أن نعطف فعلا على اسم فاعل أو على اسم مفعول مع أنه هذا اسم وهذا فعل، بس يجوز؛ لأنه هنا الاسم ليس في الاسمية خالصا، هو اسم فيه قوة الفعل. فباختصار يجوز أن يعطف فعل على مشتق سواء كان الفعل هو المعطوف والمشتق معطوف عليه، أو العكس؛ كان الفعل هو المعطوف عليه والمشتق هو المعطوف.

فقال: «واعطف على اسم شبهي في اسم مشابه للفعل». ما الاسم المشابه للفعل؟ واكتبوا المشتقات: اسم فاعل، اسم مفعول، صيغة مبالغة، إلى آخره. اعطف على اسم فعل وعكسًا، استعمل أن تعطف مشتقًا على فعل، وعكسًا تستعمله.

فمثال ذلك، المثال الأول قوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ فَيَقْبِضْنَ﴾ [الصافات: 89]. «صافات» اسم فاعل، و«يقبضن» الفعل معطوف على «صافات». فالمغيرات صبحًا فأثرن نقعًا. «أثرن» فعل معطوف على «المغيرات». قال: الاتحاد جنس المتعاطفين في التأويل، الجنس نوعًا ما مشترك، لو أتينا للتأويل. لماذا؟ لأنه لما نؤول سيصبح الجنس مشتركًا. كيف لما نؤول؟ قال: إذ المعطوف في المثال الأول وهو «يقبضن» في تأويل المعطوف عليه. ليش يا ترى؟ لأنه في المثال الأول «صافات» إعرابها حال، والحال يكون مشتقًا، فـ «يقبضن» صحيح أنها جملة مضارعية لكنها تؤول بمشتق. فالتقدير: «صافات وقابضات». الجملة المضارعية مع التأويل والتضبيط تستطيع أن ترجع إلى اشتقاقية؛ لأننا هنا نتكلم عن حال، والحال في الأصل يكون مشتقًا، فإذا جاء جملة فإنه يؤول بمشتق. فقول «صافات ويقبضن» كأنك قلت «صافيات قابضات»، فكانت الجملة المضارعية أولت بمشتق، وبالتالي كأن الجنس أصبح واحدًا لما قمنا بالتأويل.

وقالوا: وفي الثاني بالعكس، «فالمغيرات صبحًا فأثرن نقعًا». ماذا يعني بالعكس؟ هنا المعطوف عليه وهو «المغيرات» هي المقدرة بجملة، والتقدير: التي تغير صبحًا والتي تثير نقعًا. هذا معنى الثاني بالعكس؛ أن «المغيرات» -وشوف المغيرات، الاسم موصول صح؟- فالمغيرات صحيح أنها اسم مشتق فاعل، لكنها بمعنى الجملة الفعلية، هذا الذي يريد أن يقيله. المغيرات اسم موصول، وإذاً الأسماء الموصولة صلتها في العادة تكون جملًا وليست مشتقات، فهنا المغيرات صحيح أنها اسم موصول وبعدها مشتق، لكن هذا المشتق هو في قوة الجملة؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن تكون جملة.

شوف كيف العكس؛ في الحال الأصل أن يكون مشتقًا وليس جملة، فلما جاء الحال جملة أولناه بمشتق. هنا حدث العكس؛ صلة الموصول الأصل أن تكون جملة، فلما جاءت مشتقة قلناها بالجملة. فالمغيرات صحيح هي اسم فاعل، لكنها في معنى الجملة وفي معنى الفعل، فبالتالي صح العطف عليه «فأثرن»، وهذا يعني يكون في نفس القوة. وعكسًا استعمل، تجده سهلة، أي أن تعطف اسم الفاعل أو اسم المفعول أو المشتق على الفعل، هذا أيضًا جائز. كقوله: «يا رب بيضاء من العواوج هم صبيا قد حبا أو دارج». هنا عطف اسم فاعل على فعل: «حبا أو دارج».

وقوله: «بات يعشيها بعضب باتر»، يقصد في أسواقها وجائر، يقصد في أسواقها ويجور. الأصل: «يقصد في أسواقها ويجور»، لكنه ما قال «يقصد في أسواقها ويجور»، قال: «يقصد في أسواقها وجائر»، عطف اسم الفاعل «جائر» على فعل وهو «يقصد».

قال وجعل منه الناظم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجَ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: 19]. عطف «مخرج» على «يخرج». لكن الزمخشري قدر عطف «مخرج» على «فالق» التي في «فالق الحب والنوى»، فيكون «مخرج» عند الزمخشري معطوفة على «فالق»، فيكون من العطف مشتق على مشتق.

وجعل ابن الناظم تبعًا لأصله، المعطوف في البيتين في تأويل المعطوف عليه، وهو «دارج» و«جائر» في البيتين في تأويل الفعل، والذي يظهر عكسه؛ لأن المعطوف عليه في كلا البيتين وقع نعتًا. صبي نعته أنه «حبا»، و«بعضب باتر» يقصد العضب الباتر السيف القاطع. قال: لأن المعطوف عليه في كلا البيتين وقع نعتين، والأصل في النعت أن يكون مشتقًا. بالتالي أنا أتفق مع الشموني؛ الأصل أن نجعل الفعل وهو المعطوف عليه في تأويل المشتق في كلا البيتين، وليس المشتق المعطوف في تأويل الفعل. لماذا؟ لأن السياق سيقنّع، والنعت الأصلي بأن يكون مشتقًا مفردًا وليس جملة، فنحول الفعل إلى تقوى وليس المشتق نحوله إلى فعل.

هذه نهاية المجلس، كانت إشارات سريعة ختمت بها المجلس، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله نشرع في باب البدل. سامحوني لشيء من العجلة، والخاتمة في مسائل متفرقة أتركها لكم بإذن الله، أترك هاتين الصفحتين لكم تنتفعون بها مشروحة إن شاء الله في باب البدل للمحاضرة القادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.