بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ونسأل الله الإعانة. وصلنا مع الأشموني ومع ابن مالك -رحمة الله تعالى عليه- إلى التابع الأخير من التوابع، ألا وهو البدل. ذكرنا النعت، وعطف البيان، والتوكيد، وعطف النسق، بقي علينا بإذن الله التابع الأخير ألا وهو البدل.
فما هو البدل وما أحكامه؟ قال ابن مالك -عليه رحمة الله- في تعريفه للبدل: «التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلا». البدل في اللغة هو وضع شيء ما مكان شيء آخر، أليس كذلك؟ أما البدل بالمعنى النحوي، وهذا الذي يهمنا، فتعريفه يتكون من ثلاثة عناصر: العنصر الأول أنه تابع، وهذا جنس التعريف وهو مشترك بين كل التوابع؛ يعني النعت تابع، وعطف البيان تابع، والتوكيد تابع، والبدل تابع، فهذا جنس التعريف. ثم نحتاج إلى فصول حتى نخرج باقي التوابع ونقتصر على البدل بحد ذاته.
الفصل الأول والميزة الأولى له أنه مقصود بالحكم؛ أي الحكم الوارد في الجملة يكون في الحقيقة المقصود به هو البدل وليس المبدل منه. هذه فكرة في البدل لا توجد في النعت، ولا في التوكيد، ولا في عطف البيان، ولا في أكثر عطف النسق. توجد في بعض أنواع عطف النسق، لكن في أغلب عطف النسق لا توجد.
التوابع عموما؛ التي هي النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وأغلب عطف النسق، المقصود بحكم الجملة هو المتبوع، وأما التابع فهو مجرد تكميلي؛ إما لتوضيح أو تخصيص أو توكيد. فعندما نقول: «جاء زيد العاقل»، زيد فاعل، والعاقل نعت، والمجيء هو الحكم الوارد في الجملة. المجيء -وهو حكم الجملة- متسلط على المتبوع وهو زيد، وهو المقصود به، والآتيان بالنعت إنما هو لمجرد التوضيح. وكذلك: «جاء رجل عاقل»، فحكم الجملة وهو المجيء إنما المقصود به المتبوع "رجل"، وذكر النعت بعد ذلك جاء للتخصيص.
كذلك: «جاء الأمير نفسه»، المجيء المقصود به هو المتبوع "الأمير"، وأما التابع وهو التوكيد إنما هو لمجرد التوكيد لنفي أي توهم المجاز. كذلك في عطف البيان: «جاء عمر أبو حفص»، عطف البيان هو مجرد توضيح، وأما حكم الجملة وهو المجيء، فإن المقصود به المتبوع.
كذلك عندما نقول مثلا في عطف النسق: «جاء زيد وعمرو» أو «جاء زيد فعمرو»، هنا الحكم -انتبهوا هنا في عطف النسق شوي راح يختلف كلامنا- لما نقول: «جاء زيد وعمرو» أو «جاء زيد فعمرو» أو «ثم عمرو»، هنا الحكم ليس مختصا بالمتبوع كما أنه ليس مختصا بالتابع، بل هو مشترك بينهما. «جاء زيد وعمرو»، «جاء زيد فعمرو»، «ثم عمرو»، «أكلت السمكة حتى رأسها»؛ كذلك في عطف النسق في أغلب الأنواع، الحكم الوارد في الجملة وهو المجيء، أو الأكل، أو الشرب، أو الذهاب يكون مشتركا بين المعطوف والمعطوف عليه، وليس خاصا بالمتبوع أو التابع، بل مشتركا بينهما.
الآن بعض حروف العطف في بعض أحوالها، مثل مثلا «بل» و«لا» و«لكن»، خلونا نحلل الكلام فيهم حتى نعرف ما هو المقصود في الحكم فيهما. قلنا إن «لكن» إنما يعطف بها في سياق نفي أو نهي؛ «لم يأت زيد لكن عمرو»، هنا نفس الشيء، نيجي على «لا» في سياق: «جاء زيد لا عمرو». الآن لم نقل «لم يأت زيد لكن عمرو»، الحكم الوارد في الجملة ابتداء هو عدم المجيء؛ «لم يأت زيد»، الحكم الوارد في الجملة هو عدم المجيء، وهذا الحكم متسلط فعليا والمقصود به ما قبل حرف العطف «لم يأت زيد». الحكم الوارد في الجملة ابتداء وهو عدم الإتيان إنما هو متسلط على المعطوف عليه، فحكم الجملة ابتداء متسلط فعلا على المعطوف عليه وليس على المعطوف، وأما المعطوف فأثبتنا له العكس وهو الإتيان.
فالحكم الوارد ابتداء وهو عدم الإتيان متسلط على المعطوف عليه، يعني على المتبوع وليس على التابع. في «لا»، «جاء زيد لا عمرو»، نفس الفكرة؛ «جاء زيد»، حكم الجملة وهو المجيء متسلط على المتبوع وهو المعطوف عليه لا التابع، أما التابع فنفينا عنه المجيء. في «لكن»، «لم يأت زيد»، عدم الإتيان متسلط على زيد، و«جاء عمرو» هنا لما يجيء متسلط على عمرو. ففي «لكن» وفي «لا»، الحكم متسلط على المتبوع وليس على التابع، التابع أخذ حكما آخر عكس الحكم الذي قبل حرف العطف.
أما «بل»، إذا جاءت في سياق نفي أو نهي بتكون مثل «لكن»، ولكن أين الإشكال؟ الإشكال إذا جاءت «بل» في سياق إثبات؛ «جاء زيد بل عمرو»، هنا قلنا: إن هنا «بل» إضرابية، بالتالي الحكم الوارد في الجملة سكتنا عما قبل «بل» وسلطناه على ما بعد «بل»، مش هذا هو الإضراب؟ «جاء زيد بل عمرو»، قلنا ما معنى الإضراب؟ أن يصبح ما قبل «بل» مطاوعا عليه مسكوتا عنه، والحكم ننقله إلى ما بعد «بل».
في «بل» الإضرابية سنلاحظ أن حكم الجملة فعلا متسلط على المعطوف، يعني على التابع، وهنا ستلتبس هذه الصورة بالبدل؛ أنه في البدل نفس الفكرة. في البدل الحكم الوارد في الجملة متسلط على البدل، على التابع، وليس على المبدل منه، فهنا سيحدث نوع من الاشتراك بين «بل» الإضرابية والبدل من حيث التعريف. من هنا، «بل» الإضرابية التابع فيها وهو الواقع بعد «بل» هو المقصود بحكم الجملة "المجيء"، وفي البدل نفس الشيء، التابع وهو البدل هو المقصود بحكم الجملة.
يعني في البدل لما نقول: «جاء زيد أبو عمرو»، الآن «أبو عمرو» بدل من «زيد»، والمجيء هي فلسفة البدل؛ المجيء وهو حكم الجملة المقصود به البدل وليس المبدل منه. أنا ذكرت المبدل منه كنوع توطئة تمهيد، لكن هكذا العرب تفكر في البدل؛ أن الحكم الوارد في الجملة تجاوز المبدل منه وأصبح المقصود به هو البدل لعدة معاني، طبعا يدرسها البلاغيون وفي مصنفاتهم وقد أشرنا لها في شرح مئة معنى والبيان، لكن المهم عندي أن تفهم هذه الفكرة أنه في البدل الحكم...
وارد في الجملة يصبح متسلطًا أساسًا على البدل، وكأن المبدل منه مجرد توطئة وتمهيد. فهنا البدل، بل إنه نفس الشيء، بل الإضرابية طبعًا، نفس الشيء الحكم الذي في الجملة سيتسلط على ما بعد "بل" على المعطوف وهو التابع.
فإذن سنحتاج إلى قيد ثالث في تعريف البدل حتى نميز بين البدل وبين حالة عطف النسق لما يكون فيها الحكم متسلطًا أيضًا على التابع، مثل "بل". لكن أحبابي الكرام، عند الكوفيين يجوز أن تأتي "لكن" في سياق الإثبات؛ فإذا جاءت "لكن" في سياق الإثبات عند الكوفيين -كما حكينا في المحاضرة السابقة أو قبلها- وتكون "لكن" أيضًا تفيد الإضراب، فهذه تتعلق برأي الكوفيين. الصحيح عندنا أن "لكن" لا تأتي إلا في سياق النفي أو النهي.
لماذا نبهت على هذه المعلومة؟ لأن الأشموني أشار لها. ما هو القيد الثالث في التعريف الذي سنخرج به هذه الحالة من عطف النسق بحيث يصبح التعريف خاصًا بالبدل؟ نرجع إلى تعريفنا: قلنا البدل هو التابع المقصود بالحكم وقصده بالحكم بدون واسطة حرف عطف. فقلنا بلا واسطة. ما فائدة هذا القيد الثالث في التعريف؟ لنخرج بعض صور عطف النسق التي يكون فيها التابع مقصودًا بالحكم لكنه بواسطة حرف العطف، وهي صورة "بل" التي ذكرتها لكم قبل قليل.
فلما قلت: البدل تابع يكون مقصودًا بالحكم وقصده بالحكم بدون واسطة، أي بدون تدخل حرف عطف، فهذا القيد الثالث لنخرج الصورة التي في عطف النسق التي يكون فيها التابع مقصودًا بالحكم لكن بواسطة حرف العطف. ما هي هذه الصورة التي ذكرناها قبل قليل؟ "زيدٌ بل عمرو"؛ هنا فعلاً عمرو هو تابع وهو المقصود بحكم الجملة، لكن بواسطة حرف العطف "بل". ونحن يجب أن يكون تعريفنا جامعًا مانعًا، فذكرنا تعريف البدل بهذه النقاط الثلاث: التابع المقصود بالحكم بلا واسطة.
وحتى تضبط أمورك، تقول: التوابع الآن؛ النعت، التوكيد، عطف البيان، وهكذا ترتب أفكارك. النعت، التوكيد، عطف البيان، المقصود بالحكم هو المتبوع. وفي عطف النسق، المقصود بالحكم قد يكون المتبوع والتابع. وهذه حالة؛ وقد يكون المتبوع وحده كما ذكرنا قبل قليل في "لكن"، وقد يكون التابع. في عطف النسق عندك ثلاث صور: أن يكون المقصود بالحكم هو المتبوع وحده، وهي صورة "لكن"؛ وأن يكون المقصود بالحكم المتبوع والتابع، وهذا في الواو والفاء وثم وحتى؛ وأن الحالة الأخيرة أن يكون المقصود هو التابع فقط.
فنحن نحتاج أن نحترز من هذه الصورة الثالثة، الصورة التي يكون في عطف النسق المقصود بالحكم هو التابع فقط، حتى نميز بينه وبين البدل، فاحتجنا القيد في البدل لنخرج هذه الصورة من عطف النسق، فقلنا: البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة. ترتيب الأفكار بهذه الطريقة وتلخيصها بهذا التصور يجعلك تفهم فلسفة التوابع في قضية من المقصود بالحكم ومن الذي ليس مقصودًا به.
إذن، دعونا نقرأ ماذا قال الأشموني؟ قال: "في اصطلاح البصريين يسمى بدلًا". وأما الكوفيون، هل الكوفيون يسمون البدل بدلًا أم يعطونه قسمًا آخر؟ قال: "فالأخفش يقول الكوفيون يسمونه بالترجمة والتبيين، وابن كيسان يقول لا، الكوفيون يسمونه تكريرًا". إذاً هناك أسماء أخرى غير البدل يستعملها الكوفيون؛ يسمونه ترجمة، تبيين، تكرير، هذا كله جائز وإن كان المشهور هو تسميته بدلًا.
قال: "كلمة التابع جنس في التعريف، وقوله المقصود بالحكم هذا الفصل أخرج النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق، وعطف النسق سوى صورة معينة من عطف النسق لا تخرج بهذا الفصل الثاني، وهو سوى العطف بـ (بل) بعد الإثبات". مَن الذي يعطف بـ "لكن" بعد الإثبات؟ الكوفيون. فنحن لا نريد "لكن" حتى لا تشوش علينا، خلينا نقتصر على "بل". "سوى العاطف بـ (بل) بعد الإثبات"، وقوله "بلا واسطة" يخرج هذه الصورة من عطف النسق، وهي صورة العطف بـ "بل" بعد الإثبات؛ لأننا إذا قلنا "بلا واسطة" أي بدون الحاجة إلى حرف عطف، فيصبح التعريف خاصًا بالبدل.
إذاً البدل هو تابع يكون هو المقصود بحكم الجملة، والمبدل منه كأنه قد تم تخطيه ولا يحتاج إلى واسطة؛ التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلًا. الآن سنذهب إلى أنواعه. البدل أحبابي الكرام يقسمونه إلى أربعة أنواع: بدل مطابق، وبعض من كل، وبعض الكل، وبدل اشتمال، وبدل الغلط. وبدل الغلط سنعرف أنواعه؛ بدل الغلط حقيقة هو الغلط، لأن كلمة الغلط استعملوها استعمالًا مجملًا، لكن عند التفصيل بدل الغلط ينقسم إلى بدل غلط وبدل نسيان، وهذا سيظهر لنا إن شاء الله أثناء المدارسة.
قال الناظم: «مطابقًا أو بعضًا أو ما يشتمل ... عليه ينفى أو كمعطوف ببل ... وذا لرضرا بعزو أن قصدا ... صحب ودون قصد غلط به سلب»
هو قال: "أو كمعطوف ببل"، جعل الرابع كمعطوف ببل، وقسمه إلى إضراب وغلط، يعني سرقت إشارة لتفصيله. إذاً يأتي البدل على أربعة أنواع، سهلة هذه الأنواع إن شاء الله.
النوع الأول من أنواع البدل هو بدل المطابق، والذي يسمى أيضًا بدل "كل من كل"، لكن تسميته "بدل مطابق" أدق وأكثر أدبًا كما يعلق هنا الأشموني. قال: الحالة الأولى بدل الكل من الكل، وهو بدل الشيء مما يطابق معناه، أن تأتي بمترادفات على وجه البدلية؛ أن تأتي بالشيء وبمرادفه متتاليين. هذا هو بدل المطابق؛ تأتي باللفظة وبمرادفها، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]. وأحيانًا قد لا يكون المرادف بالمعنى الدقيق لكلمة الترادف، قد يكون هناك تطابق لكن الثاني أفاد تفصيلًا ليس موجودًا في الأول؛ يعني الثاني هو نفس الأول نفسه، لكن الثاني فيه تفصيل صار غير موجود في الأول ويكون بدل مطابقة. فمثلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فـ "صراط" الثانية بدل من "صراط" الأولى، لكن نلاحظ أنه فيها تفصيل ليس موجودًا في "صراط" الأولى، كأنها نوع تفصيل وتفصيل الأولى؛ ما هو الصراط المستقيم؟ صراط الذين أنعمت عليهم.
قال: وسماه الناظم بدل المطابقة، لماذا اختار الناظم تسميته "مطابقة" وليس "بدل كل من كل"؟ قال: لوقوعه في اسم الله سبحانه وتعالى في لفظ الجلالة، في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 1]. المهم لفظ الجلالة بدل مما قبله من "الحميد". طيب، هل يجوز أن نقول في لفظ الجلالة إنه بدل "كل من كل" مما قبله؟ قالوا: هذه فيها سوء أدب؛ لأن كلمة "الكل" تقتضي أجزاء، صح؟ مفهوم، أنا أقول لك كل هذا بدل من كل هذا، فالكلية تدل على وجود أجزاء.
ونحن تعالى الله سبحانه وتعالى لا نصفه سبحانه وتعالى بالأجزاء والأبعاد؛ هذه الكلمات «أجزاء»، «أبعاد» لم ترد ولا نستعملها أهل السنة والجماعة. فبالتالي قالوا تسمية بدل لفظ الجلالة مما قبله، وبدل كلٍّ قد توهم البعضية، فحتى نخلص من هذه الإشكالية فنقول خلاص، بدا المطابقة؛ أنه لفظ الجلالة مطابق لما قبله، وكلمة بدل المطابقة تنطبق على جميع الصور.
قال: «وإنما يطلق الكل على ذي أجزاء». يعني ها هنا الإخوان يبينون لماذا نفضل أن نسميه بدل مطابقة؛ لا يتأتى أن نقول بدل كل من كل في لفظ الجلالة لأنه يوهم أن الله له أجزاء وأبعاد، وهذا يعني ننزه الله سبحانه وتعالى عن منهج الكتاب والسنة، فقال حتى نخلص من هذه الإشكالية نسميها بدل مطابقة، وهذا شيء جيد.
إذا عرفنا ما معنى بدل المطابقة؟ أن تأتي باللفظ وبمرادفه أو ما هو في حكم مرادفه. خلينا نأتي بعبارة أعم قليلاً؛ النوع الثاني هو بدل البعض من الكل، وهو أن تأتي باللفظ ثم تأتي بعد ذلك بجزء منه، أن تأتي باللفظ ثم تتلوه بجزء منه. فتقول بجزء، ولا بد أن يكون هذا الجزء جزءاً ملموساً، جزءاً حقيقياً ملموساً من الكل، يعني أتيت بلفظ ثم أتيت بجزء منه، هذا الجزء جزء حقيقي ملموس ومحسوس من المبدل منه.
مثل: «الرغيف ثلثه»، «قصصت الثوب نصفه». فكلمة «ثلثه» الثلث هنا جزء ملموس حقيقي من الرغيف، و«قصصت الثوب نصفه» النصف هنا جزء حقيقي ملموس من المبدل منه. فهذا أحبابي الكرام ما يسمى بدل البعض من كل، وهو بدل الجزء من الكل، سواء كان هذا الجزء قليلاً لا يفرق، كان الجزء قليلاً، نصفاً تماماً أو أكثر؛ ممكن تأخذ أكلت الرغيف ثلثه، أكلت الرغيف نصفه، معنى المساواة النصفية، أكلت الرغيف ثلثيه، كله بدل جزء من كل أو بدل بعض من كل.
لكن هناك شرط في بدل البعض من الكل ليس موجوداً في بدل المطابق، ما هو؟ في بدل البعض من الكل لابد أن يتصل البدل بضمير يرجع إلى المبدل منه، لا بد البدل يحتوي على ضمير يعود على المبدل منه. هذا الضمير قد يكون مذكوراً وهو الأصل، وقد يكون مقدراً. فمثاله مذكور، تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 64]. «كثير» بدل من واو الجماعة، واتبعها بقوله «كثير منهم»، فالجار والمجرور متعلق بكثير، الضمير في «منهم» لو نلاحظ: «عموا وصموا كثير»، فالكثير الآن واو الجماعة تفيد الكل والكثير تفيد الأغلب وليس الكل، فهذا بدل البعض من الكل، لكن احتجنا إلى ضمير يعود على المبدل منه، فجاء بالجار والمجرور «كثير منهم»، فالضمير في «منهم» يعود على المبدل منه.
أو قد يكون الضمير مقدراً، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. فالابتداء كان الحكم «ولله على الناس»، لكن في الحقيقة الحد لا يجب على كل الناس؛ لأن فيهم من هو صغير ومن هو عبد ومن عرف، فاحتجنا إلى البدل، «ولله على الناس» ثم جاء بالبدل «من استطاع»، فالمقصود بالحكم إذاً ليس الناس، وإنما البدل «من استطاع إليه سبيلاً». فـ«من» الاسم الموصول بدل من «الناس»، فأين الضمير؟ طبعاً بدل بعض من كل، لأن الناس كل ومن بعضهم.
رأينا في البعض الذي يعود على الكل ما فيه ضمير ظاهر، «من استطاع إليه سبيلاً»، الضمير فيه «إليه» لا يعود على الناس، فنحن نريد ضميراً يعود على الناس، فقال التقدير هناك ضمير مقدر، والتقدير: «من استطاع منهم إليه سبيلاً»، فاحتجنا أن نقدر «منهم» في السياق ليكون هناك ضمير في البدل أو في سياق البدل يعود على المبدل منه.
هذا النوع الثاني بدل البعض من الكل، ولاحظ أن البعضية هي بعضية حقيقية ملموسة أنت محسوسة من الكلية، لماذا أركز على هذه الفكرة؟ لأننا إذا احتجنا في بدل الاشتمال لنفرق بين بدل البعض وبدل الاشتمال. نذهب لبدل الاشتمال، قال: «وهو بدل...». قال: «يشتمل عامله على معناه بطريق الإجمال». الآن حقيقة بدل الاشتمال وقع فيها إشكال في تصوره، الآن أنا أريد أن أعطيه بسهولة، بعدين أريد أن أبين أين الإشكال الذي وقع في توصيفه.
بدل الاشتمال باختصار أن يكون البدل جزءاً معنوياً من المبدل منه، وهذا هو الفرق الحقيقي بين بدل الاشتمال وبدل البعض؛ بدل البعض من الكل يكون البعض جزءاً ملموساً حسياً من المبدل منه، وبدل الاشتمال يكون البدل جزءاً معنوياً، جزءاً معنوياً فكرياً من المبدل منه وليس جزءاً ملموساً حقيقياً. انظر الفرق: نقول «أعجبني زيد علمه»، و«أكلت الرغيف ثلثه». «أعجبني زيد علمه»، الآن «علمه» بدل من «زيد»، والعلم ليس جزءاً ملموساً محسوساً من زيد، وإنما هو شيء معنوي في زيد، أليس كذلك؟ «أعجبني البناء جماله»، الجمال هو جزء معنوي من البناء وليس جزءاً ملموساً. فالحقيقة الفرق بين بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال أنه في بدل الاشتمال نتكلم عن جزء معنوي، وفي بدل البعض من الكل نتكلم عن جزء محسوس ملموس، جزء حسي؛ هكذا يفرق بينهما.
الآن أين الإشكال الذي ورد في كلمة الاشتمال؟ يعني ما هو الاشتمال؟ من المشتمل على من؟ باختصار، لما نقول بدل اشتمال، ميم مشتملة على ميم، هذه الكلمة «من اشتمل على ماذا؟» وقع فيها خلاف طويل عريض على ثلاثة أقوال. القول الأول من يقول معنى الاشتمال أن المبدل منه مشتمل على البدل، المبدل منه مشتمل على البدل؛ فلما نقول «أعجبني زيد علمه»، «زيد» وهو المبدل منه هو المشتمل المتضمن للبدل وهو «العلم». طبعاً هذه في الحقيقة ممكن البعض يقول لك: طب مو نفس الشيء؟ بدل البعض من الكل نفس الشيء، الكل مشتمل على البعض. الحقيقة أتفق معك، يعني ستكتشف في النهاية أنه هذه مجرد تسمية اصطلاحية، لكن لو اجتهدت في التتبع تجد أنها فعلاً موجودة في بدل البعض من الكل، أن الكل وهو المبدل منه مشتمل على البعض، لكن أنت تريد أن تمشي الآن معه.
إذاً القول الأول من يقول المراد بالاشتمال أن المبدل منه مشتمل على البدل، فـ«أعجبني زيد علمه»، زيد المبدل منه هو المشتمل على البدل وهو العلم، فالعلم متضمن فيه. هذا الرأي الأول. الرأي الثاني من يقول إن لا، العكس؛ البدل هو المشتمل على المبدل منه، «أعجبني زيد علمه»، تريد أن تفسر أن البدل هو المشتمل على المبدل منه، لكن هذا الرأي فيه ضعف حقيقة؛ لأنه كيف نقول إن البدل «أعجبني زيد العلم»؟ وكيف يكون العلم...
هو الذي اشتمل على زيد، كيف يكون العلم هو البدل؟ هو الذي اشتمل على زيد المبدل منه. حقيقة في إشكال كبير. هذا الرأي الثاني، الرأي الثالث الذي يقول: لا، المراد بالاشتمال أن عامل المبدل منه مشتمل على البدل. فعندما أقول: «أعجبني زيدٌ علمُه»، العامل وهو الفعل «أعجبني» قالوا هو المشتمل، إجمالاً على البدل. العامل وهو «أعجبني» هو المشتمل على البدل.
كيف يعني مشتمل على البدل؟ قالوا: الآن بدي أقرأ لك كلام الخضري حتى تشوف إيش رأي الخضري في تعليقه على ابن عقيل. يقول الخضري: «واختار الموضحي ابن هشام في أوضاح المسالك أن المشتمل هو العامل، وقيل هو، وهو التحقيق». ليه؟ قال: «فإنه أي العامل يشتمل على معنى البدل». العامل وهو «أعجبني» يشتمل على معنى البدل، كيف؟ قال: «أي يدل عليه إجمالاً». في الجملة يدل عليه، يقصد أنه يطلبه، هذا معنى والله أعلم أنه يدل عليه. العامل يطلب وجود البدل.
ليش يطلب وجود البدل؟ قال: «لكونه أي العامل لا يناسب المبدل منه». لأنه مش متناسب مع المبدل منه. كيف يعني؟ قال: لما نقول «أعجبني زيد»، الآن يقولون التعجب لا يقع على الذات. لما تقول «أعجبني زيد» وتسكت، كأن العامل مش راضي بالسكوت، يقول لك: «أعجبني زيد»، أنت إيش أعجبك؟ ذاته؟ زيد كذات مثله مثل سائر الذوات، أكيد في شيء دقيق هو اللي أعجبك في زيد، صح؟ فالعامل لا يرضى بالمبدل منه وحده، كأنه يطلب تفصيل أكثر. فلما قلت «أعجبني زيدٌ علمُه»، هنا ارتاح العامل، قال لك: «آه هيك احكي لي»، لأنه «أعجبني زيد» وسكوتك مش مريح، زيد كذات مثله مثل عمرو، فارس، أكيد في شيء متضمن في زيد هو اللي أعجبك، اذكر لي. فكأن العامل يطلب البدل.
هذا معنى قول الخضري: إن العامل يشتمل على معنى البدل إجمالاً. يعني العامل يطلب البدل. هم لم ينصوا على هذه العبارة لكن هي مفاد قولهم. العامل يطلب البدل لعدم رضاه بالمبدل منه وحده، شوفوا إيش قال: «لكونه لا يناسب المبدل منه»، فيفهم أنه مرتبط بشيء آخر كـ«أعجبني زيد العلم وهو حسنه»، إذ الإعجاب لا يتعلق حقيقة بذات زيد بل بمعنى فيها كالحسن وهكذا. فيكون العامل إذاً قد دل على معنى البدل وإن لم يكن بالتنصيص، لكن دل على معنى البدل إجمالاً. أقول معنى دلالة أنه يطلب البدل. هذا معنى الدلالة التي يقصدونها.
وهنا نلاحظ أن الأشموني كأنه اختار القول الثالث. الأشموني إيش قال؟ قال بدل الاشتمال نرجع للتعريف: «وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه بطريق الإجمال». شف، الله يسامحه الأشموني أتى بعبارة مجملة، بدنا نفسر عبارة الأشموني بالطريقة التي ذكرتها لكم. ما معنى عامله، أي عامل البدل، يشتمل على معناه، على معنى البدل، بطريق الإجمال؟ تكتب عندها: أن العامل في الجملة لا يكتفي بالمبدل منه بل يطلب البدل حتى يتم المعنى، هذا هو الذي يقصدونه. العامل هو الذي يشتمل على البدل، ماذا تقصد أنه يشتمل على البدل؟ حقيقة معنى كلامهم أن العامل يطلب البدل.
فكأنه أصبح يدل عليه إجمالاً، لما كانت «أعجبني» مش مكتفية بالمبدل منه، كأنها بالإجمال في الجملة تطلب كلمة «العلم». «أعجبني زيدٌ علمُه». طبعاً هي ما حكتها، قال لك إجمالاً، العامل ما حكى أنه بس هو يطلبها حتى يتم المعنى ويكون واضح، فهذا معنى أن العامل هو المشتمل على البدل إجمالاً، أنه يطلبه.
باختصار، طبعاً عندك ثلاثة أقوال، بإمكانك تختار القول الثالث، وبإمكانك تختار القول الأول وإن كان القول الأول أسهل حقيقة، وإن كان برضه ذكروا عليه اعتراضات. حتى القول الأول والثاني والثالث، كل قول عليها اعتراضات، وأنا أنصحك حتى تراجع الاعتراضات ابدأ بالخضري في شرحه أو في حاشيته على ابن عقيل، ذكر الاعتراضات المتوجهة على كل قول وذكر أنه ما في قول سالم من اعتراض. لكن أنا أميل للقول الأول، وهو أن يكون المبدل منه هو الذي اشتمل على البدل، بشوفه قريب ومنطقي. والقول الثالث برضو معقول نوعاً ما. أما القول الثاني، أن يكون البدل هو المشتمل على المبدل منه، أرى فيه شيئاً من البعد والله تعالى أعلم.
والآن بعد ما فهمنا قضية بدل الاشتمال وعرفنا أنها باختصار -دعك من قضية مشتمل على إيش- أن بدل الاشتمال هو جزء معنوي من المبدل منه، هذه باختصار. نفس الشيء، لا بد أن يحتوي على ضمير، ونفس فلسفة بدل البعض من الكل لا بد أن يحتوي على ضمير يعود على المبدل منه. وقد يكون مذكوراً كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]، لأن «قتال» بدل من «الشهر»، والضمير في «فيه» يعود على «الشهر»، ليكون بدل الاشتمال يحتوي على ضمير يعود على المبدل منه.
وقد يكون مقدراً: «قتل أصحاب الأخدود النار»، «النار» بدل من «الأخدود» ولكن ما في ضمير، طبعاً بدل اشتمال، فنقول التقدير: «قتل أصحاب الأخدود النار فيه»، ونقدر كلمة «فيه» بعد «النار». وقيل الأصل «نارُه»، يعني القول إنك لا تحتاج إلى تقدير الضمير لأن الـ (ألف واللام) التي في «النار» نابت مناب الضمير، بناءً على أنه قد تنوب مناب الضمير، وهذا مر عليه أمثلة فيما سبق. وهنا البعض قد يعترض ويقول: لا، «النار» هنا ليست بدل اشتمال بل بدل بعض من كل، أقول أيضاً هذا يحتمل لأن النار شيء محسوس، فيحتمل أن تجعلها بدل بعض من كل في هذه الآية وليست بدل اشتمال.
طب هيك انتهينا من بدل النوع الثالث، ننتقل للنوع الرابع. النوع الرابع من أنواع البدل، ألا وهو بدل الغلط، تريد تسويه بدل الإضراب لكن هو في الحقيقة خلص هو ثلاثة أنواع. يعني هذه الكلمة الابتدائية ما تهمك كثير، تهمك الأنواع التفصيلية له؛ لأنه هي حقيقة تمثله: بدل الغلط، بدل النسيان، بدل... هذول الثلاث يجمعهم قول ابن مالك: «وَذَا إِضْرَابٌ عَزْوٌ إِنْ قَصْداً ... صَحِبَ وَدُونَ قَصْدٍ غَلَطٌ بِهِ سُلِبْ»
إحنا راح نجد أن ابن مالك أشار إلى بدل الغلط وبدل الإضراب لكنه لم يشر إلى بدل النسيان. ابن مالك في هذا البيت لما قال: «وذا إضْرَابٌ عَزْوٌ إِنْ قَصْداً صَحِبَ وَدُونَ قَصْدٍ غَلَطٌ بِهِ سُلِبْ»، أشار فقط إلى بدل الغلط وبدل الإضراب لكنه لم يذكر بدل النسيان، وهو مذكور حقيقة عند النحاة. إيش الصورة الثالثة؟ يقول الأشموني: «تنشأ أقسام هذا النوع الأخير من كون المبدل منه...».
قصد أولى، لأن البدن لا بد أن يكون مقصودًا، كما عرفت في حد البدن؛ لأن البدن لا بد أن يكون هو المقصود بالحكم. فالمبدل منه إن لم يكن مقصودًا هيك الأمر.
كان معنا المبدل منه إن لم يكن مقصودًا البتة، وإنما سبق اللسان إليه فهو بدل غلط؛ أي بدل سببه الغلط، لأنه بدل عن اللفظ الذي هو غلط، لا أنه نفس الغلط. وإن كان مقصودًا فإذا تبين بعد ذكره فساد قصده فهو بدل نسيان؛ أي بدل شيء ذكر نسيانًا. وقد ظهر أن الغلط تعلق باللسان والنسيان متعلق بالجنان، وماظم كثير من النحويين لم يفرقوا بينهما، فسموا أنه عيبة للغلط، كأنه يقول: بدل الغلط عند الناظم يشمل النسيان ويشمل الغلط الحقيقي، وإن كان قصد كل واحد من المبدل منه والبدل صحيحًا.
فهذا يكون بدل الإضراب ويسمى أيضًا بدل البداء. كيف يعني؟ الآن بدنا نفرق بين بدل الغلط وبدل النسيان وبدل البداء. نحن متفقون أن المقصود بالحكم في النهاية هو البدل؛ لأننا قلنا في تعريف البدل: "التابع والمقصود بالحكم بلا واسطة". لكن في العادة لما أنت تتكلم بالمبدل منه ثم تأتي بالبدل، لما أقول: «أعجبني زيد علمُه»، أنا بكون قصدت زيدًا، بعدين لما جبت البدل كأني بطلت قاصد زيد وأصبحت أقصد البدل، هي عملية تدريجية.
مثلاً خليه يبدأ في بدل المطابقة: «جاء عبدالله أبو حفص» أو «جاء عمر أبو حفص». أنا لما قلت «جاء عمر» أول شيء بكون قصدت المبدل منه، بعدين لما أتيت بالبدل بعد ذلك كان كأني تجاوزت، قفزت عن المبدل منه وأصبحت أقصد البدل. نفس الشيء «أكلت الرغيف ثلثه»، لما قلت «أكلت الرغيف» لسه الحكم تسلط على المبدل منه، لما قلت «ثلثه» كأني قفزت عن المبدل منه ثم وصلت إلى البدل وأصبح هو المقصود بالحكم. ونفس الشيء فكرة بدل الاشتمال.
الآن لما نيجي لأنواع الثلاثة الأخيرة: الغلط، والنسيان، والبداء؛ هنا بدك تشوف الفلسفة كيف نشأت. من جاء بدل الغلط؟ بدل الغلط في الحقيقة المتكلم لم يقصد المبدل منه أصلًا من البداية، المتكلم لم يقصد أصلًا الإتيان بالمبدل منه وإنما جرى على لسانه بالخطأ. أنا بدي أحكي لك إنني أكلت دجاجة، فبالغلط جرت على لساني كلمة تفاحة، ثم انتبهت فقلت: «أكلت تفاحة دجاجة». الآن هل أنا قصدت التفاحة ابتداءً؟ أنا لم أقصدها بشكل من الأشكال، أنا ذهني رايح على الدجاجة، لكن سبحان الله خطأ لسان يصير مع أي إنسان سبق لسان. وقلت «أكلت تفاحة دجاجة»، فهنا المبدل منه لم يتم قصده من البداية أصلًا، وإنما جرى على اللسان خطأ ثم انتقلت إلى البدل مباشرة، هذا يكون بدل غلط لأنه غلط لساني.
الحالة الثانية بدل النسيان؛ هنا بنرجع للوضع الطبيعي، أكون أنا قصدت المبدل منه لكن ظهر لي أنني مخطئ وأنني كان عندي نسيان، فأتيت فذكرت البدل. يعني أنا ظننت أنني البارحة أكلت سمكًا فقلت «أكلت سمكة»، بعدين تذكرت، فأنا السمكة قصدتها، لكنني تذكرت وعرفت أنني مخطئ وأنني كنت ناسي، لا أنا ما أكلت سمك، أنا أكلت لحمًا، فهكذا: «أكلت سمكة لحمًا». هنا شو الفرق بينها وبين الغلط؟ هنا أنا قصدت المبدل منه ابتداءً لكن ظهر لي أنني مخطئ واني كنت ناسي، فتذكرت سريعًا فعدت فأبدلت، فقلت «أكلت سمكة لحمًا». فهنا المبدل منه قُصد لكن كان خطأ بسبب النسيان، نسيان الجنان. النسيان متعلق بالجنان والعقل؛ أنه أنا نسيت فتذكرت، هذا بدل نسيان.
بدل البداء يختلف؛ أنا قصدت شيئًا ثم بدا لي أن أخبر بما هو أهم، قصدت المبدل منه وهو صحيح، ليس غلطًا، لكن بين لي أن أخبر بما هو أولى منه فأتيت بالبدل، وهذا معنى البداء: بدا لي أن أخبر بما هو أهم. يعني أنا أكلت البارحة تفاحة، بس التفاحة مش شيء كبير، فقلت «أكلت تفاحة»، بعدين بان لي أنه مش موضوع كبير أني أكلت تفاحة، لأني أنا أكلت لحمًا ومنسفًا ورزًا، فبدا لي أن أخبر بما هو أهم، فقلت «أكلت تفاحة منسفًا». نأتي على اللحم لأن هناك إخوة يتابعوننا من خارج الأردن، فنقول مثلًا: «أكلت تفاحة لحمًا». هنا ما الذي يحدث؟ أنت قصدت المبدل منه وقصدته وهو صحيح، أنا أكلت تفاحة لكنك رأيت أنه مش موضوع مهم كثير، فوجدت أنه بدا لي أن أخبر بما هو أولى فأتيت بالبدل لأجعله هو المقصود بالحكم لأهميته، «أكلت تفاحة لحمًا». فهذا هو الفرق بين الغلط والنسيان والبداء.
زي ما قلت لك ممكن نشوف تسمية أخرى تجمع كل هذه الأمور أفضل، لكن التسمية التفصيلية: الغلط والنسيان والبداء هي التي تهمني في هذا الباب. بدل البداء يسمى أيضًا الإضراب، يسمونه إضرابًا لأنه فكرته قريبة من فكرة الإضراب التي أخذناها، كأنني لما قلت «أكلت تفاحة» أضربت عن التفاحة وذهبت لما هو أولى. فالبدل له اسم آخر وهو الإضراب، فهذا أشار إليه أيضًا عندكم.
قال ثم أشار ابن مالك في هذا البيت الذي يليه إلى جميع الأنواع الأربعة للبدل: مطابقة، وبعض من كل، واشتمال، والأخير كذلك. قال: «زُرْهُ خالدًا»، «خالدًا» بدل من الضمير فهو بدل مطابقة. وقبله: «الْيَدُ»، وطبعًا هنا ممكن نجعل البدل من اليد، بدل ما يقول لك «وقبله يده»، أتى بـ"ال" التعريف في اليد نيابة عن الضمير، واليد قبله يده، اليد بدل من الكل، والهاء تعود على خالد وهو الكل واليد جزء منه، فهذا بعض من كل. وقالوا: «من الضمير». وقال: «واعرفه»، يعني واعرف خالدًا واعرفه، طب اعرف إيش فيه بالضبط؟ حقه، فالحق بدل اشتمال من خالد، «واعرفه» بأيش أعرفه؟ أعرف خالد كله؟ ذاته لا أعرفه، حقه أعرفه، فـ"حق" بدل اشتمال. ولاحظ أن كل البدل هنا من الضمير. «زُرْهُ خالدًا، إذ قبله اليد، واعرفه حقه»، وهذا يدل على أن المبدل منه قد يكون ضميرًا والبدل اسمًا ظاهرًا. لاحظوا كل هذه الأمثلة. قال: «وخذ نبلاً مدى»، وكلمة «مدى» هنا يمكن أن تعطيها أكثر من وجه.
يمكن اعتبارها بدل غلط، أنه كنت أريد أن أقول مدى ابتداء وجرى لساني بالخطأ وقلت: «خذ نبلاً»، فممكن تعتبرها بدل نسيان، أنني أردت شيئاً آخر فقلت: «خذ نبلاً»، ثم تذكرت أنني لا أريد النبل بل أريد شيئاً آخر، فقلت: «خذ نبلاً»، ثم بدا لي أن هناك ما هو أهم. فقلت: خذ المثال هذا يصلح على الغلط والنسيان، بدأ بحسب الطريقة التي تفسروها أنت، وهذا الذي ذكره الأشموني في شرحه.
قال تنبيهاً: الأول زاد بعضهم البعض، زاد نوعاً خامساً عاد هذه الأنواع الأربعة، ما هو النوع الخامس؟ النوع الخامس عكس النوع الثاني؛ النوع الثاني بدل بعض من كل، وقال وهناك نوع خامس: بدل كل من بعض، يكون البدل هو الكل والمبدل منه هو البعض. قال كقوله: ﴿كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ﴾، هذا في معلقة امرئ القيس: ﴿كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا ... لَدَى سَمُرَاتِ الْحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ﴾.
«الغداة» هي وقت الصباح، وقت الفجر. قال: ﴿كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا﴾، الغداة وقت الفجر بالتحديد، واليوم هو الأربع وعشرون ساعة، فكلمة «يوم» هي بدل من «الغداة»، مع أن الغداة هي الجزء واليوم هو الكل، فهذا بدل كل من بعض. شفتوا كيف؟ الغداة هي وقت الفجر والصباح، واليوم هو من الفجر إلى غروب الشمس، فكأنك ذكرت البعض ثم ذكرت الكل: ﴿كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا﴾. طبعاً نفاه الجمهور، الجمهور ما قبل هذا، طيب كيف ستفسرون البيت؟ تأولوا، قالوا: اليوم هنا ليس المقصود به الأربع وعشرون ساعة، وإنما اليوم المقصود به مطلق الزمان، فإذا كان المقصود به مطلق الزمان -يعني زمان مفتوح مثل الحين والوقت- فخلاص هكذا تنحل القضية وما يعود كل من بعض، وهكذا انحل البيت وانحلت القضية عنده.
التنبيه الثاني: رد السهيلي بدل البعض وبدل الاشتمال إلى بدل الكل. يعني السهيلي -أحد النحاة المتأخرين- يرى أنه بدل البعض وبدل الاشتمال يعود إلى بدل المطابقة؛ فقال: العرب تتكلم بالعام وتريد الخاص، وتحذف المضاف وتنويه. فأنت إذا قلت: «أكلت الرغيف»، أنت ابتداء لم تقصد الكل، بل أنت أطلقت الكل وقصدت البعض ابتداءً. هكذا يريد أن يقول لك، فأنت لما قلت: «أكلت الرغيف» قلت بالعام الذي أريد به الخصوص ابتداءً، فإذا قلت: «أكلت الرغيف ثلثه»، فـ«ثلثه» عنده هي بدل مطابقة.
كيف بدله مطابقة؟ قال: لأنه الرغيف ابتداءً هو ابتداء قصد به الثلث، فتقول: «أكلت الرغيف» وأنت تقصد الثلث، ثم أتيت بالثلث بعد ذلك مصرحاً به، فيكون كل بدل مطابقة، يعني كأنك قلت: «أكلت ثلث الرغيف ثلثه». فكنوع من المطابقة، قال: فإذا قلت: «أكلت الرغيف ثلثه»، إنما تريد: «أكلت بعض الرغيف» ثم بينت ذلك. التقدير عندهم إذا قلت: «أكلت الرغيف ثلثه»، السهيلي ماذا يريد أن يقول؟ كأنك أكلت بعض الرغيف ثلثه، وهذا هو الأصوب؛ لأن إذا قلت: «أكلت ثلث الرغيف ثلثه» هي أقرب للتوكيد منها أن تكون بدلاً. لكن هو يريد أن يقول لك إنك تقول: «أكلت الرغيف ثلثه»، كيف تعتبر بدل مطابقة وليست بدل بعض من كل؟ يرى السهيلي أن التقدير: «أكلت بعض الرغيف ثلثه»، فأتيت بكلمة «بعض» مقدرة في السياق مجملة، ثم فصلتها وبينتها من خلال البدل: «أكلت بعض...» قولك: «أكلت الرغيف ثلثه» تقديرها عند السهيلي: «أكلت بعض الرغيف» ثم فصلت هذا البعض فقلت: «ثلثه»، فـ«ثلثه» البدل مبين لإجمال البعض.
وكذلك في بدل الاشتمال، لما قال: «وبدل المصدر من الاسم إنما هو في الحقيقة من صفة مضافة إلى ذلك الاسم». قوله: «وبدل المصدر بالمصدر» هنا بدل الاشتمال، إنه في الأغلب -اكتبوا في الأغلب، أرجو أن تعلقوا هذه الفكرة- في الأغلب بدل الاشتمال يكون البدل مصدراً، لكنه ليس دائماً، فهو هنا مشى على الأغلب؛ لأنه قلت: «نفعني زيد علمه»، «أعجبني البناء حسنه»، فالعلم والحسن وما شابه ذلك هي عبارة عن مصادر جاءت بدل اشتمال، فلما كان الأغلب في بدل الاشتمال أن يكون مصدراً عبر به هنا للمصدر، فقال: «وبدلوا المصدر من الاسم»، يقصد بدل الاشتمال، وإنما قال بدل المصدر من الاسم لأنه في العادة بدل الاشتمال يكون مصدراً، لكن يمكن ما يكون مصدراً.
مثلاً: «أعجبني زيدٌ فرسه»، يعتبر بدل اشتمال. طيب الفرس يا شيخ ليست جزءاً من زيد، وطبعاً هذا شيء محسوس. هذه الأمثلة تعتبر بالمنصوب، يعني هي ليست بدل بعض من كل حقيقة؛ لأن الفرس ليس جزءاً من زيد، واعتبارها بدل اشتمال على شيء من التوسع، لأن هنا الفرس جاء محسوساً وليس شيئاً معنوياً. فانت ممكن تقول: يا شيخ أنت قلت لنا وهذا الاشتمال شيء معنوي، يقول لك هو يدل على شيء معنوي، لكن كيف يدل على الشيء المعنوي؟ لها توجيه ذكره الصبان؛ تدل على الفرس، والفرس يدل باختصار على الركوب، والركوب شيء معنوي، فهكذا جعلوها بدل اشتمال من هذه الجزئية.
سأسهلها عليك: أنهم يقولون بدل الاشتمال الأغلب فيه أن يكون البدل مصدراً، لكن يمكن ألا يكون مصدراً، فهو مشى على ما هو أغلب فيه. قال: «وبدل المصدر من الاسم أيضاً على تقدير الصفة مضافة إلى ذلك الاسم». ماذا يريد السهيلي أن يقول؟ يعني لما تقول: «أعجبني زيدٌ علمه»، كيف يعتبرها السهيلي بدل مطابقة؟ يقول لك السهيلي نفس الشيء، التقدير: «أعجبني صفةُ زيدٍ» في كلمة «صفة» مقدرة في السياق قبل المبدل منه، ثم بينت ما هي الصفة في البدل: «أعجبني صفةُ زيدٍ علمه». تلاحظ بهذه الطريقة، «أعجبني» أو «أكلت الرغيف ثلثه»، التقدير: «أكلت بعض الرغيف ثلثه»، رجع بدل البعض من الكل إلى مطابقة. ونفس الشيء في الاشتمال: «نفعني زيدٌ علمه» أو «أعجبني زيدٌ علمه»، التقدير: «أعجبني صفةُ زيدٍ علمه»، فعلمه بدل مطابقة من الصفة وهي مجرد بيان وتوضيح، فهكذا السهيلي رد الاشتمال والبعض إلى المطابقة.
الفائدة الثالثة ذكرناها قبل قليل في الشرح؛ اختلف في المشتمل: ما هو المشتمل في بدل الاشتمال؟ فقيل هو الأول، يعني المبدل منه هو المشتمل على البدل، وقيل هو الثاني، البدل هو المشتمل على المبدل منه، وهذا ضاعفته، وقيل العامل، وفسرنا كيف يكون العامل هو المشتمل على البدل، فلا أحتاج إلى إعادته بإذن الله. الفائدة الرابعة: رد المبرد وغيره بدل الغلط.
المبرد قال: "ما فيش إشي اسمه بدل غلط"، وقال: "لا يوجد في كلام العرب لا نظم ولا نثر". وزعم قوم، منهم ابن السيد، أنه وجد في كلام العرب، وذكروا منه قول الشاعر ذو الرمة: لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٌ
فقالوا: "اللعس بدل غلط من حواء، فحواء غلط"، وكأنه صوبها لذوي الرمة لما أتى باللاعس. ليه؟ قال: لأن الحواء هو السواد، واللعس سواد مشوب بحمرة؛ فكأنه خطأ ابتداءً لما وصف شفتيها بأنها حوة فاستدرك وقال بعد ذلك لعسن. ولا حجة فيما ذكره؛ لامتناع تأويله. البعض قال: لا، هذا البيت يمكن تأويله.
التنبيه الخامس: قد فُهم من كون البدل تابعًا هذا التنبيه، وهو مهم حقيقة؛ فيه بعض الأفكار الجديدة. قد فُهم من كون البدل تابعًا أنه يوافق متبوعه في الإعراب، يعني أنت لست البدل تابعًا من التوابع، وفكرة التوابع أنها توافق متبوعها في الإعراب، وهذا متفقون عليه، الموافقة في الإعراب متفقون عليه.
قالوا: وأما موافقة البدل لمتبوعه في الإفراد أو التثنية أو الجمع، والتذكير أو التأنيث، والتنكير أو التعريف؛ قال: فلم يتعرض لها ابن مالك، وفيها تفصيل. جميل، هل تهمنا هذه؟ هل يجب أن يطابق البدل المبدل منه في هذه الأمور؛ في الإفراد أو التثنية أو الجمع والتذكير والتأنيث والتنكير والتعريف؟
قال: أما التنكير وفرعه وهو التعريف، فلا يلزم موافقته لمتبوعه، فيها -وهذه بدنا نحفظها- لا يشترط الموافقة بين البدل والمبدل منه في التعريف والتنكير. ممكن يكون المبدل منه نكرة والبدل معرفة، والعكس صحيح. قال: «بل تبدل المعرفة من المعرفة: ﴿إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، والنكرة من النكرة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، والبدل حدائقٌ بدل من مفازًا. والمعرفة من النكرة: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، صراطُ اللهِ؛ صراط الله معرفة، وهي بدل من صراط الأولى وهي نكرة. والنكرة من المعرفة: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، ناصيةٌ الثانية نكرة وهي بدل من الناصية الأولى وهي معرفة».
إذن التذكير والتأنيث لا تشترط. طيب، الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث؟ هنا قال: إن كان بدل كل من كل، يعني بدل مطابقة، وافق متبوعه فيها. في بدل المطابقة، نعم، لابد من المطابقة إلا إذا منع مانع، قال: «ما لم يمنع مانع من التثنية والجمع ككون أحدهما مصدرًا». لأنه نحن عرفنا حتى في باب النعت أنه إذا كان النعت مصدرًا، فالمصدر يبقى على صورة الإفراد سواء كان المنعوت مفردًا أو مثنى أو جمعًا. فنفس الشيء إذا كان البدل مصدرًا، فإنه يبقى في بدل الكل من الكل، بقولك في بدل الكل من الكل: يجب المطابقة والإفراد والتثنية والجمع وفي التذكير والتأنيث، إلا إذا كان هناك مانع يمنع من المطابقة.
زي إيش؟ قال: إذا كان البدل مصدرًا أو المبدل منه مصدرًا؛ هو ممكن يكون البدل هو المصدر أو المبدل منه، سواء كان البدل أو المبدل منه مصدرًا. مثال ذلك؛ قال: «ككون أحدهما»، لاحظوا إيش قال: «ككون أحدهما»، هذه كلمة دقيقة، البدل أو المبدل منه. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، المفاز مصدر ميمي، ثم أتى ببدل من حدائق، والحدائق جمع وكلمة مفاز مفرد، هل يجوز هذا؟ قالوا: يجوز في بدل الكل من الكل في هذه الحالة عدم المطابقة؛ لأن أحدهما جاء مصدرًا.
طيب، أو قصد التفصيل؛ هذه الحالة الثانية التي يجوز فيها المخالفة، أنه أنا آتي ببدل كل من كل، بس هناك نوع من أنواع بدل الكل من الكل يسمى بدل كل من كل تفصيلي، أنه آتي بعبارة يكون المبدل منه مجملًا والبدل تفصيلًا له؛ فإذا جاء البدل تفصيلًا، أكيد ستكون ألفاظه مباينة أو غير مطابقة في الإفراد أو التثنية أو الجمع أو التذكير والتأنيث للمبدل منه. مثال ذلك: «وكنت كذي رجلين: رجلٍ صحيحةٍ، ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت». الآن: «وكنت كذي رجلين»، كلمة رجلين مبدل منه، أين هو البدل؟ «رجلٍ صحيحةٍ»، وهناك معطوف وهو «ورجلٍ رمى»، فرجل بدل من ماذا؟ من رجلين، وهو بدل مطابقة لأنه في معطوف ومعطوف عليه، هو يسمونه بدل مطابقة تفصيلي، فنلاحظ أنه في اختلاف في الألفاظ؛ رجلين مثنى والبدل وهو كلمة رجل مفرد. طب إيش اللي سبب هنا المخالفة؟ أن هنا في تفصيل، ففي هذه الأحوال لا تشترط المطابقة.
أما في باقي أنواع البدل؛ بدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط، لا تشترط أصلًا المطابقة؛ لا في الإفراد والتثنية والجمع، ولا في التذكير والتأنيث. فاشتراط المطابقة في الإفراد والتثنية والتذكير والتأنيث إنما هو هنا في بدل المطابقة، وحتى في بدل المطابقة قد ينخرم هذا الأمر إذا كان هناك مانع من الموانع ككون أحدهما مصدرًا كما قال، أو كان بدلًا تفصيليًا.
ثم انتقل إلى مسألة أخرى فقال: «ومن ضمير الحاضر الظاهر لا تبدله إلا ما أحاطة جلاء أو اقتضى بعضًا أو اشتمالا». الآن سيأتي إلى مسألة فرعية حقيقة في باب البدل، وهي مسألة بدل الظاهر من ضمير الحاضر. وكلمة الحاضر هنا تشمل ضمير المتكلم أو ضمير المخاطب؛ لأنه هو الحاضر، أما ضمير الغائب فليس حاضرًا.
يقولون الآن نحن عرفنا أنه يجوز أن يكون المبدل منه ضميرًا والبدل اسمًا ظاهرًا، يجوز أن يكون المبدل منه ضميرًا والبدل اسمًا ظاهرًا، هذه الصورة تجوز. لكن رح يجي معنا في بعض الصور لا تجوز، مثل بدل الضمير من الضمير ما يجوز، وبدل ضمير من ظاهر وهي عكس الصورة هذه برضه لا تجوز، وبدل ضمير من ضمير لا يجوز، وبدل ضمير من ظاهر لا يجوز، لكن بدل الظاهر من ضمير، في الحقيقة جائز.
الآن بدل الظاهر من ضمير الغيبة يجوز مطلقًا، ومر معنا قبل قليل أمثلته، كـ «زره خالدًا»، و«قابله اليد»، و«اعرفه حقًا»، معناه بدل الظاهر أن يكون المبدل منه ضمير غائب والبدل اسم ظاهر، ما في مشكلة ولا يحتاج إلى أي شروط. الإشكال هو أن يكون المبدل منه ضمير حاضر؛ يعني ضمير تكلم أو ضمير خطاب، وسنأتي بالبدل اسمًا ظاهرًا هنا، نعم تجوز. هذا يجوز في ثلاثة أحوال، ما هي؟ قال: «وبدلوا من ضمير الحاضر الظاهرة لا تبدله»، يعني لا تبدل الظاهر من ضمير الحاضر. هذا ترتيب البيت، لا، طبعا هنا في اشتغال في البيت؛ الظاهرة منصوبة على الاشتغال، أنه تبدله، في اشتغال بالضمير الذي يعود على الظاهر، لكن تقدير البيت في الجملة: لا تبدل للظاهر.
من ضمير الحاضر إلا استثنى ما أحاطة. جلاء الحالة الأولى، إذا كان ما هي الحالات التي يجوز فيها هذا النوع من البدل؟ قال: إلا في ثلاث حالات.
الحالة الأولى: أن يكون بدل كل من كل يدل على إحاطة. يعني عبارة البدل تدل على إحاطة كما سيأتي معنا، إلا إذا كان البدل بدل كل فيه معنى الإحاطة. زي إيش؟ في قوله تعالى: ﴿تَكُونُوا لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 5]. "لأولنا وآخرنا" قالوا هي بدل من "لنا". تكون لنا لأولنا وآخرنا، وهي بدل مطابق بدل كل من كل، لكن لاحظوا أن لفظ البدل يدل على الإحاطة بجميع الجوانب؛ لأولنا وآخرنا. فهنا يجوز، لأن "لنا" هنا ضمير متكلم فهو من أنواع الضمير الحاضر، وإذا كان الضمير حاضراً والبدل اسماً ظاهراً لابد أن يكون البدل في الصورة الأولى: بدل كل من كل يدل على إحاطة، لفظه يدل على الإحاطة والاشتمال. لو كان البدل بلفظ آخر مثل "يكون لنا لقومنا" ما أضبطش؛ لأن كلمة "قوم" ما بتدل على إحاطة، لابد أن تكون اللفظة فيها نوع من الدلالة على الإحاطة.
فهذه هي الحالة الأولى، ومنه قوله: ﴿فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ثَلَاثَتِنَا﴾ [القصص: 23]. وين الشاهد؟ "في مكاننا ثلاثتنا"؛ "مكاننا" هي ضمير متكلم، ثم جاء بعد ذلك "ثلاثتنا" بدل، وطبعاً هي هنا بدل كل من كل؛ لأنهم ثلاثة، وذكر الثلاثة بعد ذلك تنصيصاً في "مكاننا ثلاثتنا". كلمة "ثلاثتنا" وهي البدل تدل على الإحاطة، ذكر لك العدد كاملاً في "مكاننا ثلاثتنا"، ما قال في مكاننا نحن أو ذكر عبارة لا تدل على الإحاطة، فالثلاثة دلت على الإحاطة بالعدد بالتفصيل، فهذا يجوز أيضاً.
قال: فإن لم يكن فيه إحاطة، إذا كان البدل لا يدل على إحاطة، فنبدل منه، فهناك مذاهب. المذهب الأول المنع، وهذا هو أصلاً مفهوم كلام ابن مالك وهو جمهور البصريين. وهناك قول بالجواز وهو قول الأخفش والكوفيين. وهناك قول ثالث أنه يجوز فقط في باب الاستثناء إذا لم يكن يدل على إحاطة؛ كقولك: "ما ضربتكم إلا زيداً"، فنحن في الاستثناء كنا نعرب "زيداً" يجوز إعرابها بدلاً، إذا تذكر أن السياق استثناء تام منفي فيجوز إعرابها بدلاً. نلاحظ المبدل منه ضمير الخطاب "كم"، والبدل هو "زيد"، فهذا بدل اسم ظاهر من ضمير الخطاب وهو من يعتبر من ضمائر الحضور، ولا يدل على الإحاطة، فكلمة "زيد" لا تدل على الإحاطة، لكن هذا يمكن تأوله وهو قول مرجو.
فإذا كان الأصل كما مشى عليه ابن مالك أنه إذا لم يكن يدل على إحاطة لا يجوز البدل، ننتقل للحالة الثانية: أن يكون بدل بعض من كل. والحالة الثالثة: أن يكون بدل اشتمال. إذا كان الاسم الظاهر المبدل من الضمير الحاضر بدل بعض من كل أو بدل اشتمال أيضاً، يصح في هذه الحالة الثانية والثالثة، فقال: "أو اقتضى بعضاً أو اشتمالاً".
فمثال "أو اقتضى بعضاً" أي كان بدل بعض من كل، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. "لكم" ضمير حاضر، وهو ضمير خطاب، ثم جاء البدل بدل بعض من كل: "لمن يرجو الله واليوم الآخر"، وهذا بعض من "لكم"، وهو اسم موصول ظاهر، فجاء هنا بدل اسم ظاهر بدل من ضمير حاضر، والذي جوزه أنه بدل بعض من كل، فلا نحتاج إلى أي شرط. ومنه قول الشاعر: «أوعدني بالسجن والآلام رجلي»، كلمة "رجلي" هي بدل من ضمير المتكلم، فإذا كان بدل بعض من كل وهو اسم ظاهر من ضمير حاضر فيجوز بلا إشكال.
قال: "أو اقتضى اشتمالاً"، إن كان بدل اشتمال كقولك: "كأنك ابتهاجك استمالة"، "كأنك" الكاف فيها خطاب، والابتهاج جزء معنوي فيدل على اشتمال. ومنه قول الشاعر أيضاً: "بلغنا السماء مجدنا"، "بلغنا" ضمير متكلم، و"مجدنا" بدل اشتمال من ضمير متكلم وهذا جائز.
قال في التسهيل: "ولا يبدل مضمر من مضمر، ولا يبدل مضمر من اسم ظاهر"، كما حكينا قبل قليل لا يجوز بدل الضمير من الضمير، ولا يجوز أن يكون العكس، أن يكون المبدل منه اسماً ظاهراً والبدل ضميراً، وكل ما أوهم ذلك يجعل توكيداً. "اسكن أنت وزوجك إن لم يفد إضراباً" تجعل توكيداً، إلا إذا أفاد إضراباً. والإضراب يعني الإعراض عن الأول وقصد الثاني. قال كقولك: "إياك زيداً أضرب" فتقول: "إيايا قصد زيد"، فهذا يعتبر إضراباً.
قال: "وماؤه من أهل الجعل توكيداً إن لم يفد إضراباً"، فإذا أفاد إضراباً، هل مفهوم الكلام أنه يصبح بدلاً؟ نحن قلنا لا يبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر، ولكن هنالك جملة "توكيداً إن لم يفد إضراباً"، فإذا أفاد إضراباً، يظهر أنه يجعل بدلاً في هذه الحالة، فتكون كأنها نوع استثناء من عدم جواز بدل الضمير من الضمير أو بدل الضمير من الظاهر، أنه إذا أفاد الإضراب بالتحديد يمكن أن يجعل بدلاً، هذا الذي يظهر لي والله تعالى أعلم.
ثم قال: "وبدل المضمن الهمزة"، فائدة سريعة: يقول وبدل المبدل منه المضمن إذا كان المبدل منه يتضمن معنى همزة الاستفهام لم يصرح بها معه، لكنه ضمن معناها، فإذا كان المبدل منه يتضمن همزة الاستفهام، لما تأتي بالبدل بعد ذلك يجب أن تذكر مع البدل همزة الاستفهام مصرحاً بها، كقولك: "من ذا؟ من هذا؟".
«من ذا السعيد أم علي؟»؛ كم مالك عشرون أم ثلاثون؟ وما صنعت أخيراً أم شراً؟ كيف جئت؟ أراك من أم ماشٍ؟ لاحظوا هنا: من ذا السعيد؟ «من ذا» اسم استفهام متضمن معنى الهمزة، فلما أتيت بالبدل «عليّ» فـ «عليّ» هي المبدل منها وهي متضمنة بمعنى الهمزة، فلما صرحت بالبدل صرحت به مع همزة الاستفهام.
«كم مالك عشرون أم ثلاثون؟»؛ فـ «كم» بما أنها أداة استفهام، إذاً هي متضمنة معنى همزة الاستفهام؛ لأن همزة الاستفهام هي أصل هذا الباب، فلما أتينا بالبدل وجب أن نأتي معه بهمزة الاستفهام: «كم مالك عشرون أم ثلاثون؟».
«وما صنعت أخيراً أم شراً؟»؛ «ما» أداة استفهام متضمنة معنى الهمزة، فلما أتيت بالبدل منها صرحت بهمزة الاستفهام: «أخيراً أم شراً؟»، وكذلك «كيف جئت؟» تتضمن همزة الاستفهام.
تنبيه: قال: نظير هذه المسألة بدلوا اسم الشرط. «من يقم»؛ لو كان نفس الشيء، لو كان عندي اسم شرط، إيش الأصل في أدوات الشرط؟ ما هي أم هذا الباب؟ إنها الشرطية. فإذا جاءت أداة من أدوات الشرط اسماً فهي تتضمن فيها الحرف الموضوع للشرط وهو «إن». فلما قلنا «من يقم»، كلمة «من» هنا اسم شرط متضمن معنى «إن» الشرطية، فإذا أتيت بالبدل من اسم الشرط لا تأتي بحرف الشرط «إن»، فتقول: «من يقم إن زيدٌ» و«إن عمروٌ»، أقم معه نفس الشيء: «ما تصنع إن خيراً أو شراً»، و«متى تسافر إن ليلاً أو نهاراً أسافر معك». فكأنه يريد أن يقود الاستفهام والشرط نفس الشيء؛ إذا أتيت باسم من أسماء الاستفهام أو أتيت باسم من أسماء الشرط -باختصار إذا أتيت باسم من أسماء الاستفهام أو باسم من أسماء الشرط وهو مبدل منه وأردت أن تأتي بعد ذلك بالبدل منه- فالبدل يجب أن يحتوي، إذا كان موضوع استفهام يجب أن يحتوي على الأصل في أدوات الاستفهام وهو همزة الاستفهام، وإذا كان أسلوب شرط يجب أن يحتوي على الأصل في أدوات الشرط وهو «إن» الشرطية.
ثم ختم فقال: «ويبدل الفعل من الفعل». «كمن يصل إلينا يستعن بنا»؛ من الأمور المميزة لباب البدل أنه أيضاً يدخل على الأفعال، يمكن أن أبدل فعلاً من فعل، بدل كل من كل كما قال في البسيط باتفاق. يعني بدل الفعل من الفعل يمكن أن يكون بدل كل من كل، ويدخل فيه بدل الكل من الكل، كقوله: متى تأتينا تلمم بدارنا ... تجد حطباً جَزلاً وناراً تأججُ
موضع الشاهد: «متى تأتينا تلمم»، «تلمم» بدل من «تأتينا»، وهو بدل كل من كل.
نفس الشيء بدل الاشتمال، هل يمكن أن يأتي بدل اشتمال؟ قال: نعم، يمكن أن يأتي بدل الاشتمال على الصحيح، لأنه في خلاف في بدل الكل من كل اتفاق، لكن بدل الاشتمال فيه خلاف. «كمن يصل إلينا يستعن بنا»؛ «من يصل إلينا يستعن بنا»، هنا يستعن البعض قال: هي وردت في بيت ابن مالك، «من يصل إلينا يستعن»، الاستعانة كأنها اشتمال، «من يصل الاستعانة»، «من يصل إلينا يستعن بنا». «يستعن» ليس مجزوماً لأنه بدل اشتمال من «يصل»، «من يصل إلينا يستعن بنا»، الآن «يستعن» هو جواب الشرط، فعلان: «يصل» و«يستعن»، قالوا: وبدل اشتمال من الوصول؛ لأنه شيء معنوي، الاستعانة شيء معنوي.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: 68-69]. «يلقى» و«يضاعف»، «يضاعف» بدل اشتمال من «يلقى»، وإن كان البعض يمكن أن يعتبرها بدل من كل من كل، يعني مش واضحة.
وقوله: «إن عليّاً الله أن تبايع تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعاً»، فقال: «تؤخذ كرهاً»؛ «تؤخذ» هنا بدل اشتمال من «تبايع»، «أن تبايع» و«أن تؤخذ كرهاً»، وإن كان هم أيضاً يمكن تأويلها.
وأما بدل البعض من الكل، فقد قال: «وبدل غلط»؛ قال: "ولا يبدل بدل البعض من الكل"، اعتبروا أنه لا يوجد بدل بعض من الكل في الأفعال، يوجد بدل كل من كل وبدل اشتمال، ما في بدل بعض من كل. وأما بدل الغلط، هل يمكن؟ قال: جوزه سيبويه وجماعة من النحويين والقياس يقتضي ذلك حقيقةً، نعم، بدل الغلط ممكن؛ لأنه عبارة عن أن يسبق لسانك على شيء ثم يظهر لك شيء آخر، فالحقيقة بدل الغلط بأنواعه: الغلط، النسيان، الإضراب، يمكن، والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال: "تبدل الجملة من الجملة"، وهذا يهتم به البلاغيون أكثر، كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُم بِما تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: 55-56]. الجملة الثانية بدل من الجملة الأولى. أقول له: «ارحل لا تقيمن عندنا»، «ارحل لا تقيمن»، «لا تقيمن» بدلاً من «ارحل». والناظم: "أبدال الجملة من مفرد"، كقوله: «إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام كيف يلتقيان؟»؛ جملة «كيف يلتقيان» هي بدل من «حاجة»، «حاجة بالمدينة وبالشام» أخرى، فحاجة مفرد مبدل منه والبدل جملة «كيف يلتقيان».
خاتمة في مسائل متفرقة من التسيير وشرحه: الفائدة الأولى: قد يتحد البدل والمبدل منه لفظاً، إذا كان في الثاني زيادة بيان، وهذا واضح، كقوله: «ترى كل أمة جاثية»، «كل أمة تدعى إلى كتابها»، نفس الشيء: «يمكن تهدينا الصراط المستقيم»، «صراط الذين أنعمت عليهم». فالبدل هنا هو نفس لفظ المبدل منه، لكن يكون في البدل زيادة تفصيل.
قال: "وكثيراً ما يكون البدل معتمداً عليه وقد يكون في حكم الملغى"، يعني هذه حالة استثنائية؛ لأننا ذكرنا أنه البدل يصبح هو المقصود بالحكم، لكن أن تأتي ببدل ثم تلغيه؟ قال: هذا قد يجوز، واستدل بالبيت: إن السيوف غدوها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأغضب
هي هنا مكتوب «أغضب» بس خطأ، «الأغضب» أو «الأعضب»؛ لأنها وصف للسيف، والتقدير: «إن السيوف غدوها ورواحها تركت»، يعني يقول لك: السيوف مبدل منه والبدل «غدوها ورواحها»، اعتبره بدل اشتمال، وكيف أصبح البدل في حكم الملغاة؟ قال: لما ذكر بعد ذلك الحكم: «إن السيوف غدوها ورواحها تركت»، فقال «تركت»، وتأنيث الفعل «تركت» باعتبار السيوف هو المبدل منه وليس باعتبار البدل، فكأنه ذكر البدل ثم عاد فألغاه، وقال «تركت»، «تركت» هي الضمير يعود على السيوف، فهذا يدل أنه ذكر السيوف فأبدل منها ثم عاد فألغى البدل وذكر الفعل باعتبار السيوف، فهذا يعني ينظر فيه.
الفائدة الثالثة: قد يستغنى في الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه، وإن كان المبدل منه هو الضمير الذي يعود على الاسم الموصول، كقولك: «أحسن إلى الذي صحبت زيداً»، التقدير: «أحسن إلى الذي صحبته زيداً».
زيدان، الآن صحبته هذه الهاء هي التي تعود على الاسم الموصول هي الصلة أو العائد، خلينا نقول عفوا هي العائد، حذفتها وأبقيت البدل فقط؛ لأنك حذفت المبدل منه وأبقيت المبدل، هذه فائدة لطيفة. الفائدة الرابعة لا أريد أن تدخلوا فيها لأنها ستشوش عليكم، من يقرأها يقرأها، ومن لا يريد يقرأها يمكن يتجاوزها، ومن يريد لمن لم يفهمه ويريد يسألنا على الخاص نفيده، لكن لا أريد أن أشغلكم بها عن أسلوب الباء.
الآن أحبابي الكرام، سريعا ندخل في الباب الذي يليه، فقط خطواتنا الأولى. الباب الذي يلي هيك بنكون أقفلنا موضوع النداء، ننتقل إلى باب جديد ألا وهو أفنينا موضوع التوابع وننتقل الآن إلى فصل جديد من فصول ألفية ابن مالك وهو موضوع النداء، وحقيقة موضوع النداء أخذ حيزا جيدا من الألفية؛ لأنه النداء وتوابعه، أنك تتكلم عن النداء، سنتكلم عن الندب، سنتكلم عن الاستغاثة، سنتكلم عن الترخيم، سنتكلم عن أحكام تابعي المنادى، فهذا من المواضيع التي عالجها ابن مالك بإسهاب في ألفيته.
نحن الآن نتكلم عن قاربنا الستمئة من ألفية ابن مالك، يقول الأشموني في بداية هذا الموضوع الجديد: قال النداء فيه ثلاث لغات؛ أشهرها كسر النون مع المد، ثم في الشهرة تأتي القصر، كسر النون مع القصر، والقصر يعني الاقتصار على الألف بدون همزة، ثم ضمها مع المد. اللغة الثالثة أن تقول النداء، واشتقاقه كل هذا الباب باب النداء، اشتقاقه من إيش؟ من ندى الصوت، وهو بعده. ومن هنا نجد في كتب الفقه يقولون ويستحب أن يكون المؤذن ندي الصوت، إيش يعني ندي الصوت؟ أي بعيد الصوت. هناك فائدة لغوية كما تجده في كتب الفقه يقولون ويستحب أن يكون المؤذن ندي الصوت، الآن البعض بيقول لك ندي الصوت حسن الصوت، لا؛ هنا الأشموني بيقول لك ندي الصوت يعني بعيد الصوت، يعني له قدرة أن يوصل صوته إلى مسافة بعيدة، خاصة في الزمن القديم ما في مايكروفونات ولا ما شابه ذلك.
الآن سيبدأ رحمة الله تعالى عليه بتعريفنا بأدوات النداء؛ لأن النداء هو أسلوب عربي يتأتى من خلال أدوات وضعت له، فقال: «وللمنادى النائي أو كالنائي: أي ووا وإيا وهيا، والهمز للقريب». الآن أحبابي الكرام سيقسم ابن مالك رحمه الله تعالى النداء أو أدوات النداء إلى نوعين: هناك أدوات للبعيد وهناك أدوات للقريب. ما هي أدوات النداء الموضوعة للبعيد أو لمن هو في منزلة البعيد؟ شوفوا دقة ابن مالك، قال: «وللمنادى النائي أو كالنائي»، النائي يعني البعيد أو كالنائي، الكنائي يعني هو قريب لكننا سنعامله معاملة البعيد، وهذه لها مقاصدها البلاغية، يكون شخص قريب أنك حسيا لكنه بعيد عن قلبك معنويا ما بدك إياه، فهذا كالنائي، من كان هو قريب لكنه ينزل منزلة البعيد.
فإذا كان عندك شخص هناك بعد حقيقي أو هو في منزلة البعيد، ما هي أدوات النداء التي تستعملها في ندائه؟ قال: «وللمنادى النائي أو كالنائي: أي، وا، إيا، هيا»، فذكر هذه الأدوات الخمسة: يا، وأي، وإيا، وهيا. ولما أتى للقريب قال تستعمل له الهمزة فقط: «أزيدُ؟ أزيدُ!»، أنا بنادي قريب، فإذا ابن مالك واضح أنه قسمها قسمة ثنائية؛ أن البعض يقسمها قسمة ثلاثية، لكن ابن مالك تمت القسمة الثنائية: يا بعيد، يا قريب. البعيد أو من هو في حكم البعيد عندك: أي، وا، إيا، وهيا، والهمز للقريب، وأما القريب فينادى بأداة الهمزة: «أزيدُ أمرو؟».
ثم استطرادا قال خلينا نذكر أداة الندب بما أنه راح يجي معنا، ما بالندب خلينا نذكرها هنا في باب النداء. ما هي الأداة الموضوعة لأسلوب الندب؟ طبعا الندب سيأتي معنا، هو الشيء الذي تفجع عليه أو تتوجع منه، هذا الندب؛ أن هناك شيئا أنا متفجع عليه حزين عليه، أو شيء أنا متوجع منه يؤلمني، فهذا اسمه ندب، مناداتك لهذا الشيء الذي تتفجع عليه أو تتوجع منه اسمه ندب. ما هي الأداة الموضوعة للندب؟ قال: «ووا رأساه» هذا متوجع منه، «ووا ولداه» أما يموت ابن الإنسان يقول: «وا ولداه»، هذا متفجع عليه، «فو ولداه» و«وا رأساه» هذا أسلوب ندب.
أدوات أساسية للندب هي «و»، ولكن يقول ابن مالك يجوز في الندب أيضا أن تستعمل «يا» بشرط أمن اللبس، يعني إذا استعملت «يا» ولم يتضح أن هذا الأسلوب أسلوب ندب ولا نداء طبيعي؟ أنت تقصد الندب لكنني استعملت ياء ولم يتضح للسامع أنه هنا هذا الأسلوب ندب ولا أسلوب نداء طبيعي؟ هنا حدث لبس للسامع، ففي هذه الحالة لا يجوز أن تستعمل «يا» ويجب الرجوع إلى «وا». لذلك إيش قال ابن مالك هنا؟ «ويا لمن ندب، أو يا، وغير والد اللبس اجتنب»، يعني يصير تستعمل برضه للندب بـ«يا» بس بشرط أن السامع يفهم أنه أنا استعملت «يا» هنا نادبة وليس للنداء، أما إذا استعملت «يا» وأنا أقصد الندب لكن السامع لم يتضح له هذا الأمر وكان في لبس هنا لا يجوز أن أستعمل «يا» ويجب أن أعود للأصل في أدوات الندب وهي «وا».
سريعا يقول الأشموني: «وللمنادى البعيد أو من هو كالنائي أي في حكم البعيد لكونه نائيا، بتنزله منزلة البعيد وإن كان جنبك، أو ساه أو مرتفع في محل أو انخفاضه، كنداء العبد لربه». كنداء العبد لربه، الآن الله سبحانه وتعالى قريب من عباده، لكنه سبحانه وتعالى فوق السماء السابعة، قد يعامل معاملة البعيد في التعامل، يا الله، وإن كان هو من حيث هو أقرب إلينا من حبل الوريد، لكنه اعتبره منزلة البعيد وإن كان هو سبحانه وتعالى أقرب إلينا من نفوسنا بمعيته وإحاطته، انتبهوا على هذه الفكرة في العقيدة، وليس أنا أقصد طريقة الحلول أو الاتحاديين. إذا كنداء العبد لربه وعكسه، يعني نداء الرب لعبده: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: 7]، ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]، فالله سبحانه وتعالى قريب بعلمه وإحاطته، لكن لأنه فوق السماء السابعة وعبيده على الأرض يعامل هذا معاملة النائي، هذا الذي رصده نداء العبد ربه وعكسه نداء الرب لعبده.
ما هي الأدوات التي تستعمل للنائی، أو كالنائية، يا، وأي، بالسكون، وقد تمد همزتها، وهذه اللغة ستأتي معنا. قال: «وقد تمد همزتها»، تقول: «أي» بدل «أيا». «أيا» سيأتي بهذه اللغة مجرد همزة ممدودة «أيا»، وأعمها «يا»، لأن «يا» هي أم الباب أصلاً، وتأتي في أماكن متعددة، وهناك أماكن أصلاً لا تصح فيها إلا «يا». فيأتي معنا مثل لفظ الجلالة، الله لا ينادى سبحانه وتعالى إلا بـ«يا»، لا ينادى بـ«أي» ولا بـ«أيا» ولا «أية» ولا «حياة». لفظ الجلالة لا تستعمل معه إلا «يا»، فهذا يدل أن «يا» هي أم الباب وأقوى الأدوات.
قال: «والهمز المقصور»، يعني «أ» مش «آ»، حتى يميز بينها، فهو يتكلم هنا عن مقصورة مش ممدودة، فهذه للداني أي للقريب، وكذلك تستطيع أن تقول لمن هو نزل منزلة القريب؛ يمكن أن يكون شخصاً بعيداً لكني في الشعر أريد أن أعطي بلاغة، وأخبر أن هذا البعيد هو في منزلة القريب، فاستعملت الهمزة، وإن كان هو بعيداً لكن أنزله منزلة القريب فهذا جائز.
ثم قال: «وآلي من ندب». والندب وهو المتفجع عليه والمتوجه من نحوه، «ولداه» أو «رأساه»، أو «يا» أيضاً تستعمل في الندب نحو: «يا ولداه»، و«يا رأسه». ويقصد بغيرها؛ أي «يا لدى اللبس اجتنبت»، لأنه قال -ولكن النظم لم يسعفه- لما قال: «وغيرها لدى اللبس اجتنبت»، كأنه يريد أن يقول إن «يا» لا تستعمل في الندب إذا حدث هناك لبس، لا تستعمل في الندبة إلا عند أمن اللبس، كقوله: «حملت أمراً عظيماً فاصطبرت له، وعقبت فيه بأمر له»، «يا عمر» هنا واضح أن الموضوع موضوع ندب، بعد أن مات رضي الله تعالى عنه، رُدَّ بعمر هنا عمر بن عبد العزيز وليس عمر بن الخطاب في هذا البيت، قال: «فإن خيف لبس تعينت».
تنبيه: هذا الأول من حروف نداء البعيد، أي بمد الهمزة، وهذه أشرنا لها قبل قليل. وقد عدها في التسهيل، فبالتالي تصبح جملة الحروف حينئذ ثمانية: «يا»، «أي»، «أيا»، «هيا»، «والهمز للداني»، «وآلي من ندب». الحقيقة تحتاج إلى مراجعة؛ كيف قال في جملة الحروف ثمانية؟ قال: «وللمنادى النائع كالنائي: يا، وأي، وأيا، ثم هيا، والهمز للداني، وآلي من ندب». نعم، الثانية تصبح «أي» هكذا.
ثم قال: ذهب المبرد إلى أن «أيا» هي للبعيد، و«أي» للبعيد، والهمز للقريب. إذاً هناك رأي أنه «أيا» بدل ما تكون للبعيد تصير للقريب، هذا رأي للمبرد، ويا له من رأي! المبرد رأى قسمة أخرى، توليفة ثانية: أنه «أيا» توضع هنا للقريب، و«يا» مشتركة للقريب وللبعيد، هذا رأي آخر. وذهب ابن برهان إلى أن «أيا» هي للبعيد، والهمز للقريب، و«أي» للمتوسط، وزاد مرتبة التوسط. وطيب، «يا» للجميع، تكون للقريب والبعيد والمتوسط، هذا رأي ابن برهان. اعرفوا هذه الأقوال كمرور.
وأجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيداً، وعلى منع العكس. ما معنى هذه العبارة؟ أجمعوا على أن نداء القريب بأداة البعيد يجوز توكيداً. الآن أحبابي الكرام، انتبهوا على هذه الفكرة؛ إن استعملت أدوات البعيد لأنادي بها على قريب، هذا يكون في صورتين:
الحالة الأولى: إذا نزلت القريب منزلة البعيد، تعمل أدوات البعيد لأنادي بها قريباً. الحالة الأولى إذا نزلت القريب منزلة البعيد، هو قريب مني لكنه بعيد عن قلبي، أو بُعد معنوي لنوم أو سهو كما ذكر قبل قليل، فهذه حالة متفقة عليها ما عندنا إشكال فيها، أن أنادي القريب بأدوات البعيد لأنني جعلت القريب في منزلة البعيد.
الحالة الثانية، وهي فكرة جديدة: أن تنادي القريب بأدوات البعيد للتأكيد. ماذا يعني للتأكيد؟ ليس لتنزيل القريب منزلة البعيد، هذا موضوع ثاني، بل أن تنادي القريب بأدوات البعيد للتأكيد، بقصد المراد لتأكيد النداء وتنبيه السامع أن هناك شيئاً مهماً بعد النداء عليه أن ينصت له، هذا اسمه التأكيد. أن أنادي القريب بأدوات البعيد ليس لأني نزلت القريب منزلة البعيد، لا، بل لأني أريد أن أؤكد النداء وأنبه السامع على أنني سآتي بعد النداء بشيء مهم عليه أن ينتبه له، هذه مهمة الفكرة وتفيدنا في البلاغة.
أما العكس فممنوع. ماذا يعني العكس؟ قال: لا يجوز أن ينادى البعيد بأداة القريب. هنا فيه تفصيل: يجوز أن أنادي البعيد بأداة القريب وهي الهمزة إذا نزلت البعيد منزلة القريب، هذه تمشي، لكن لا يجوز أن أنادي البعيد بأداة القريب للتوكيد، هذا الذي يقصد بممنوع، أنه البعيد لا ينادى بأداة القريب للتوكيد لأنه قالوا ما في توكيد في هذه الحالة، التوكيد إنما يكون في الحالة المعاكسة؛ أن يكون شخص قريب فإناديه بأداة البعيد توكيداً، هذا استعملته العرب، أما العكس فلم تستعمله. فقوله: «وعلى منع العكس»، اكتبوا: لا يجوز أن ينادى البعيد بأداة القريب للتوكيد، لكن يجوز أن ينادى بأداة القريب إذا نزلت البعيد منزلة القريب. هذا تفصيل أظن أنه حتى تفهم معنى كلام الأشمولي.
ثم قال: «وغير مندوب ومضمر وما جاء مستغاثاً قد يعرى، فاعلم وذاك باسم الجنس والمشار له قل، ومن يمنعه فانصر عادله». هنا الفكرة التي يريد أن يقولها في هذين البيتين: هل يجوز حذف أداة النداء وتكون مقدرة أم لا يجوز؟ ماذا قال لك؟ قال: «وغير مندوب ومضمر وما جاء مستغاثاً قد يعرى فاعلم»، ذكر ابن مالك قاعدة عامة، وهي أن الأصل جواز حذف أداة النداء، إلا في مسائل معينة لا يجوز حذفها. الأصل جواز حذف الأداة وتقديرها إلا في مسائل معينة وأحوال معينة لا يجوز الحذف.
ما هي الأحوال التي لا يجوز فيها الحذف؟ قال: في باب الندبة، والمنادى المندوب، وإذا كان المنادى ضميراً، وفي باب الاستغاثة، وتأتي معنا هذه الأبواب إن شاء الله؛ باب المندوب، وباب الاستغاثة، وإذا كان المنادى ضميراً، في هذه الأحوال الثلاث لا...
يجوز حذف أداة النداء. إذا قال الأشموني: لا، طبعاً الأشموني سيضيف أيضاً مسائل على هذه الثلاث. لكن خلونا نمشي معها حبة.
قال: «من حروف وغير مندوب وما جاء مستغاثاً قد يُعرى»، أي يُعرى من حروف النداء؛ هذا معناه قد يُعرى من حروف النداء لفظاً وإن كانت تبقى مقدرة. فاعلما؛ طبعاً الألف في "فاعلما" التي في الختام ليست إلا للإطلاق، وإنما هي ألف التنوين الخفيفة قلبت ألفاً نحو "قناة"، دليل على جواز الحذف أصالة.
خلينا نؤصل، ما هو الدليل على جواز الحذف؟ العديد من الآيات والأحاديث والنصوص الفصيحة، كقول يوسف: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، التقدير: يا يوسف. وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، التقدير: يا أيها. وقوله: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾، التقدير: يا عباد الله. ونحو: «خيراً من زيد أقبل»، التقدير: يا خيراً من زيد أقبل. ونحو: «من لا يزال محسناً أحسن إليه»، التقدير: يا من لا يزال محسناً أحسن إلي.
قال: «أما في باب المندوب والمستغاث والمضمر في هذه الأبواب الثلاث فلا يجوز ذلك فيها». قال: لأن الأولين يطلب فيهما أصلاً مد الصوت، والحذف ينافيه، ولتفويت الدلالة على النداء مع المضمر.
الآن بالنسبة للندب والاستغاثة، أحبابي، أصلاً الندب والاستغاثة فكرة قائمة على مد الصوت، كقولك: «يا زيدُ لَعَمْرِي»، كما سيأتي في الاستغاثة، فهو أصلاً مبدأه أن تمد صوتك. فإذا أنت حذفت النداء أو أداة النداء، أنت قصرت، وهذا التقصير ينافي مقصد هذه الأبواب؛ فهذه الأبواب بنيت على مد الصوت، فإذا حذفت الأداة معها خالفت مبناها، فلا يجوز ذلك.
وأما المضمر، قالوا: المضمر لا يجوز حذف النداء معه؛ لأنك إذا حذفت أوقعت السامع في اللبس، فلا يعرف أنك ناديت الضمير إلا إذا ذكرت معه الأداة، فلذلك لا يجوز حذفه.
قال الآن تنبيهات، التنبيه الأول قال: عد ابن مالك في كتابه التسهيل من هذا النوع لفظ الجلالة والمتعجب منه. إذاً ابن مالك في التسهيل زاد شيئين لا يجوز حذف النداء معهما أيضاً: لفظ الجلالة والمتعجب منه. ولفظه: «ولا يلزم الحرف»، هذا كلام ابن مالك في التسهيل، هذا لفظه بالحرف، أي لا يلزم حرف النداء إلا مع لفظ الجلالة، والمضمر والمستغاث والمتعجب منه هو المندوب. فذكرها إذا خمسة: زاد المتعجب منه وزاد لفظ الجلالة. إذا ناديته يجب أن تذكر معه الأداة، والشيء الذي تتعجب منه، يعني النداء المقصود منه التعجب أيضاً يجب أن تذكر معه الأداة.
وزاد في التوضيح ابن هشام؛ في التوضيح: «المنادى البعيد» وهو ظاهر. يعني ابن هشام زاد على ابن مالك فقال: إن المنادى البعيد لا يجوز أن تحذف معه أداة النداء. ليه؟ لأنه الأداة هي التي ستعرفني أنه بعيد. ويقول لك: «وهو ظاهر»، يعني الأشموني يؤكد كلام ابن هشام أنه كلامه صح أيضاً؛ أنه إذا كنت تنادي منادى بعيداً، أنا كيف سأعرف أنه المنادى بعيد أو قريب؟ أنت لما تقول: «زيد»، الآن زيد هو قريب أم بعيد؟ إذا حذفت الأداة فلن نميز، لن نعرف أنك تنادي بعيداً أو قريباً، فإذا كان بعيداً يجب أن تذكر الأداة وإلا حذفتها.
والأشموني يتفق مع ابن هشام في هذه الفكرة، أنه فعلاً هذا كلامه منطقي؛ أنا كيف سأميّز أن المنادى قريباً أو بعيداً إذا لم أذكر الأداة؟ فاشترط ابن هشام أن المنادى البعيد لا يجوز حذف الأداة معه، فإذا حذفت الأداة وأنا أعرف أن المنادى قريب، قال: إذا حذفت الأداة فالأصل أن المنادى قريب، هذه وجهة نظر ابن هشام.
إذاً هكذا صار عندنا: المندوب، والمستغاث، ولفظ الجلالة، والمتعجب منه، وزاد ابن هشام عليها المنادى البعيد، فصارت ستة.
الثاني: «افهم كلامه جواز نداء المضمر والصحيح منعه مطلقاً». يعني ابن مالك لما قال إن المضمر لا يجوز حذف الأداة معه، هذا مفهومه أن المضمر يجوز مناداته، كيف تقول لا يجوز حذف الأداة معه إلا أنه ابتداءً يجوز مناداته؟ لكن الأشموني يرى أن الضمير لا ينادى، هذه وجهة نظر الأشموني، يقول: «والصحيح منعه مطلقاً» أنه لا ينادى أصلاً، ما في داعٍ لاستثنائه. وشذّ نحو قولك: «هي إياك قد كفيتك»، اعتبروا هذا شاذاً، وقوله: «يا ابجرُ ابن ابجرُ»، اعتبرها كلها من الضرورة الشعرية، لكن واضح أن ابن مالك يجوز نداء الضمير ولا يعتبرها من الضرورة الشعرية.
ثم قال: «وذاك في اسم الجنس والمشار له؛ قل ومن يمنعه فإنصر عادله». الآن هناك نقطة خلاف وقع فيها خلاف، هل يجوز أن تحذف أداة النداء معهما أم لا؟ ما هي؟ اسم الإشارة والنكرة المقصودة. هو قال: «اسم الجنس»، كلمة اسم الجنس عامة، بتشمل - وسيأتي معنا إن شاء الله تقسيم المنادى - أنه في منادى نكرة مقصودة أقصدها بحد ذاتها وتوجه إليها الخطاب، كأن تقول: «يا رجلُ» ويكون أمامك، وهناك نكرة غير مقصودة تتكلم عاماً، ما تتكلم عن نكرة معينة، «رجلاً»، وسيأتي معنا الفرق حتى من الناحية الإعرابية بينهما. الكلام هنا: اسم الجنس يقصد به النكرة المقصودة، نكرة أتكلم معها وأقصدها.
إذاً إذا كان المنادى نكرة مقصودة أو اسم إشارة، هنا وقع خلاف هل يجوز حذف أداة النداء أم لا؟ ابن مالك ما هو الاختيار الذي اختاره؟ اختار أنه يجوز حذف أداة النداء معها في الحقيقة، لكن ذلك قليل. ويقول لك ابن مالك: مَن يمنع حذف الأداة مع هذين النوعين عليك أن تلومه؛ لأن ورد في كلام العرب الفصيح حذف أداة النداء مع اسم الإشارة ومع النكرة المقصودة. فلذلك قال: «وذاك في اسم الجنس والمشار له»، و«ذاك» أي حذف أداة النداء مع اسم الجنس ويقصد به النكرة المقصودة، أو المشار له أي اسم الإشارة. «قل» أي قل لقليل حذف أداة النداء في هذه الحالة، لكنه مسموع.
«ومن يمنعه فانصر عادلة»، أي الذي يمنع حذف أداة النداء في هاتين الصورتين، انصر من يلومه وقل نعم، خطأ أن تمنع؛ لأنه ورد في الكلام الفصيح. ففي هذين الموضعين إذاً الرأي عند ابن مالك هو جواز الحذف وإن كان قليلاً.
قال: «وذاك التعري من الحروف في اسم الجنس والمشار له قل، لكن من يمنعه أصلاً ورأساً فإنصر عادلة»، أي من يلومه؛ فقد سمع في منهما ما لا يمكن رد جميعه، ما تقدر ترد الجميع. فمن ذلك مثلاً في اسم الجنس: «أطرق»، ترى التقدير: «أطرق يا كرا»، وهذا من الأمثال.
العرب كذلك، التقدير: افتدِ يا مخنوق. حذفت أداة النداء، فأصبح: «ليل»، التقدير: يا ليل. حذفت الأداة وهي نكرة مقصودة، فالواحد كلها نكرات مقصودة. وفي الحديث، حديث موسى عليه السلام لما فر الحجر بثوب موسى، موسى أصبح يلحق الحجر ويقول: «ثوبي حجر، ثوبي حجر»، والتقدير: ثوبي يا حجر. وحذفت أداة النداء، وأما في اسم الإشارة، فهذا كله في النكرة المقصودة.
كقول الشاعر: إذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك هذا لوعة وغراب بمثلك يا هذا، بمثلك يا هذا، حذف أداة النداء وأبقى «هذا». وقوله: «إن الأولى وصفوا قومي لهم ... فبهم هذا اعتصم تلقى من عاداك مخدولا»، التقدير: فبهم يا هذا اعتصم. أي أن الأولى: وصفوا قومي لهم، فبهم يا هذا اعتصم تلقى من عاداك مخدولا.
ومن ذلك أيضا قوله: «ذا ارعواء فليس بعد اشتعال الرأس شيبا إلى الصبا من سبيله»، ذا العواء يعني: يا هذا. وكذلك من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ﴾، التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء، وهناك أيضا وجوه أخرى في إعرابها.
قالوا وكلاهما -أي عند الكوفيين- مقيس مضطرد، وكلاهما عند الكوفيين مقيس مضطرد، يعني حذف أداة النداء قبل النكرة المقصودة وقبل اسم الإشارة عند الكوفيين مسموح ومضطرد، وليس مختصا بضرورة شعرية ولا شيء. مَن الباقي الذي منعه؟ قال: ومذهب البصريين المنع، البصريون هم الذين منعوا، فابن مالك هنا يخالف البصريين ويتفق مع الكوفيين عموما مع اعترافه بقلة ذلك.
قال: ومذهب البصريين المنع فيهما، وحمل ما ورد على شذوذ أو على ضرورة، بل حتى لحنوا المتنبي حين قال: هذه برزت لنا فهجت رصيصا ... ثم انثنيت وما شفيتي نسِيسا التقدير: يا هذه برزتِ لنا فهجتِ رصيصا، يعني هيجتِ الحب، فاعتبروا هذا لحنا من المتنبي.
قال: والإنصاف القياس على اسم الجنس، هذا كلام الأشموني. ماذا يرجح الأشموني في النهاية؟ قال: الإنصاف أنه في باب اسم الجنس، يعني النكرة المقصودة، نعم حذف أداة النداء مقيس ومضطرد لكثرته نظما ونثرا. وأما اسم الإشارة فيرى الأشموني أن الأصل الاقتصار على الحذف على ما سُمع ولا يقاس في هذا الباب، قال: إذ لم يرد ذلك إلا في الشعر. وقد صرح ابن مالك -يعني في شرحه على الكافية- بموافقة الكوفيين في اسم الجنس فقال: «وقولهم في هذا أصح».
إذا ابن مالك نجح ولا ينتمي فقط إلى البصريين، وإن كانت أكثر اختياراته بصرية. تنبيه: أطلق هنا اسم الجنس وقيده في كتابه التسهيل بالمبني للنداء، يعني النكرة المقصودة؛ لأن المبني هو اسم الجنس النكرة المقصودة هو الذي يكون مبنيا، أما اسم الجنس غير المعين، الذي هو النكرة غير المقصودة، كقول الأعمى: «يا رجلا»، فهو ينادي رجلا عموما ما بينادي شخصا معينا.
فص في شرح الكافية على أن الحرف يلزمه، إذا قال: فص في شرح الكافية على أن الحرف يلزمه، النكرة غير المقصودة التي تأتي منصوبة يجب أن يأتي معها الحرف ولا يجوز الحذف، لأنه سيشقونها. قال: «فأما اسم الجنس المفرد غير المعين، يعني النكرة غير المقصودة، فنص ابن مالك في شرحه على الكافية على أن الحرف يلزمه». إذا النكرة غير المقصودة لا يجوز حذف الحرف معها.
فإذا أردنا أن نتحصل على الحالات التي لا يجوز فيها حذف الحرف، نجد أن الحرف يلزم في سبعة مواضع: المندوب، الاستغاثة، المتعجب منه، المنادى البعيد (وهذه إضافة ابن هشام)، المضمر، لفظ الجلالة، واسم الجنس غير المعين. وأما اسم الإشارة واسم الجنس المعين ففيه خلاف، وابن مالك لا يرى المنع بل يجوز الحذف وإن كان قليلا.
نقف عند هذا القدر إن شاء الله في المحاضرة القادمة أحبابي الكرام، نكمل ما شرعنا فيه من مسائل النداء وأبوابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل