دخولتسجيل الدخول

الدرس 73 - تكملة باب أفعل التفضيل + بداية النعت

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي إلى مجلس جديد نعقده لمدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ونسأل الله الإعانة. انتهينا أحبابي الكرام إلى آخر باب "أفعل التفضيل"، وهو العامل الأخير الذي ذكره ابن مالك مما يعمل عمل الفعل، وإن كان في الحقيقة هو في قابل قادم الأبواب سيذكر أيضاً مما يعمل الفعل أسماء الأفعال، لكنه في الحقيقة آخرها.

كثيراً ما نذكر في هذه المجموعة آخر شيء هو أفعل التفضيل. كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، ذكرنا مفهوم أفعل التفضيل وكيف يصاغ، وتكلمنا أيضاً عن أنواع أفعل التفضيل: أفعل التفضيل المجرد، وأفعل التفضيل المضاف إلى نكرة، وأفعل التفضيل المضاف إلى معرفة، وأفعل التفضيل المعرف بـ "ال". أخذنا هذه الأحكام، واليوم كما قلت سأختم بأحكام معينة تتعلق بأفعال التفضيل وهي ما يسمى عندهم بمسألة "الخُعل". هكذا يعنون لها في كتب النحاة بمسألة الخعل.

يقول ابن مالك: ورفعُه الظاهرةَ نزرٌ ومتى ... عُوقِبَ فعلاً فكثيراً ثَبَتْ

كثيراً ترى في الناس من رفيقي أولى به الفضل من الصديق. يقولون أحبابي الكرام إن أفعل التفضيل لا يقوى على أن يرفع فاعلاً ظاهراً، ولا حتى ضميراً بارزاً، وإنما إذا رفع فاعلاً فإنما يكون ضميراً مستتراً. أعيد الصياغة مرة أخرى: أفعل التفضيل، مثل أي مشتق في النهاية، له فاعل، لكن فاعله يكون ضميراً مستتراً ولا يتطرق إليه في الإعراب أصلاً.

وهل يقوى أفعل التفضيل على أن يرفع فاعلاً ظاهراً أو ضميراً بارزاً؟ في الحقيقة الأصل فيه أنه لا يقوى على ذلك. لماذا يا ترى أفعل التفضيل لا يقوى على أن يرفع الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً؟ قالوا لأن أفعل التفضيل بعيد عن الأفعال أو ضعيف عن الأفعال، والبعض يعبر فيقول: أفعل التفضيل ليس له فعل بمعناه، لذلك لا يقوى على أن يرفع الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً.

دعونا نأخذ هذه العبارة الثانية لعلها تكون أدق: "أفعل التفضيل ليس له فعل بمعناه"؛ لذلك لا يرفع فاعلاً اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً. ما معنى أن أفعل التفضيل ليس له فعل بمعنى؟ الآن أفعل التفضيل يدل على التفاضل والتفاوت، أليس كذلك؟ وبالتالي الفعل الذي اشتق منه أفعل التفضيل لا يدل على التفاضل والتفاوت. الدلالة على التفاضل والتفاوت تحتاج إلى صيغ معينة، والأفعال في العادة لا تؤدي هذه الصيغ بمادتها؛ أي أن الأفعال لا تؤدي معنى التفاضل والتفاوت بين الأشخاص.

إذا أردت أن تدل على تفاوت وتفاضل بين أشخاص فتأتي بأفعال التفضيل. نعم، هناك بعض الأفعال إذا صيغت بصياغة معينة قد تدل على تفاوت وتفاضل، مثل "أكثر فلان زميله"، فهو بعض الأفعال يمكن أن تدل على زيادة شخص على شخص أو تفاوت بينهما، لكن في العادة الأفعال بمادتها وطبيعتها لا تدل على التفاوت والتفاضل. هكذا الأفعال بطبيعتها، وأفعل التفضيل يدل على التفاوت والتفاضل.

فقالوا: بالتالي هناك مسافة، هناك بعد بين معنى أفعل التفضيل وبين معنى الأفعال. فهذا معنى قولهم: "أفعل التفضيل الأصل أنه ليس له فعل بمعناه". ماذا يقصد النحاة بهذه العبارة؟ أنه أفعل التفضيل يدل على التفضيل والتفاوت بين فاضل ومفضول، والأفعال الأصل فيها أنها لا تدل على هذا المعنى، اللهم تقول بعض الأفعال في بعض سياقاتها وبعض صياغها قد تدل على التفاوت أو على المفاضلة، لكن ليس هو شيئاً مضطرداً في الأفعال أن تدل على هذا المعنى.

لذلك قالوا بما أنه عن التفضيل تختلف عن الأفعال في هذه الجزئية، إذاً هي لا تقوى على أن تعمل عمل الأفعال، فلا تقوى على أن ترفع الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً. وهذه الفكرة وكذلك سيأتي معنا أيضاً أنها لا تقوى على أن تنصب مفعولاً به. هذان أمران لا يقوى عليهما.

لكن هناك استثناء، هناك حالة معينة يقوى فيها أفعل التفضيل على أن يرفع الفاعل اسماً ظاهراً. هناك حالة محددة في مسألة الخعل يقوى فيها أفعل التفضيل على أن يرفع الفاعل اسماً ظاهراً. يا ترى ما هي هذه الحالة وما هو ضابطها؟ ضابط هذه الحالة قالوا: إذا صلح أن يأتي الفعل محل أفعل التفضيل. وهي الحالة التي يصلح فيها أن ننزع أفعل التفضيل من السياق ونأتي مكانه بفعل ويصلح المعنى.

وفي هذه الحالة سنلاحظ أن أفعل التفضيل سُلب منها معنى التفضيل فعادت كأنها لا تفضيل فيها، فلما عادت كأنها لا تفضيل فيها أصبحت نعم قريبة من الأفعال مشابهة لها. هذا هو الضابط، استعجلت في ذكره حتى نجمع الأمور: أن أفعل التفضيل لما كانت تدل على التفاوت والتفاضل لم يكن لها فعل بمعناها، بالتالي كانت أبعد عن الأفعال بقوة، فلم تقو على أن ترفع الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً.

هناك حالة سُلب منها الدلالة على التفضيل والتفاوت، فإذا سُلب منها الدلالة على التفضيل والتفاوت أصبحت كأنها مجردة من هذا المعنى، وبالتالي اقتربت من الأفعال، فصلح الفعل أن يأتي مكانها، فبالتالي أصبحت قادرة على أن ترفع الفاعل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً.

ما هي هذه الحالة التي يُسلب منها معنى التفضيل؟ انظروا ماذا قال: «ورفعُه الظاهرةَ نزرٌ ومتى ... عُوقِبَ فعلاً فكثيراً ثَبَتْ». يعني أن يرفع أفعل التفضيل اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً هذا نزر قليل لا يكون إلا في النوادر والشواذ، هذه هي الحالة الطبيعية. لكن متى عُوقِبَ فعلاً؟ أي متى صلح أن يأتي الفعل بدلاً من أفعل التفضيل في السياق، في هذه الحالة يكثر رفع أفعل التفضيل للاسم الظاهر والضمير البارز على الفاعلية.

ما هو المثال الذي ذكره على الحالة التي يجوز فيها أن يأتي الفعل مكان أفعل التفضيل؟ قال: كقولك «لن ترى في الناس من رفيقي أولى به الفضل من الصديق». من خلال هذا المثال نحن نريد أن نستخلص ضوابط هذه الحالة، بس خلوني أمشي حبة حبة مع الأشموني وننظر ماذا قال. قال الأشموني: "ورفعُه الظاهرَ"، أي أفعل التفضيل يرفع الضمير المستتر في كل لغة، ما في إشكال عندنا.

ولا يرفع اسما ظاهرا ولا ضميرا بارزا إلا قليلا، قليلا جدا. حكى سيبويه: «مررت برجل أكرم منه أبوه»، هذا من القليل الذي جاء فيه أن أفعل التفضيل يرفع اسما ظاهرا.

قال: وذلك لماذا لا أفعل التفضيل يرفع اسما ظاهرا؟ بده يعللك، قال: وذلك لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل؛ من قبل أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. هنا ذكر علة، لكن في الحقيقة العلة الأقوى ليست هذه العلة، العلة الأخرى هي التي سيذكرها في آخر الصفحة لما يقول: لأنه ليس له فعل بمعناه. وما هو؟ هو الذي ذكرته لكم؛ أن «أفعل» للتفضيل تدل على التفاوت، والأفعال الأصل في صيغها لا تدل على التفاوت، فبانت المسافة بينهما فلم يأخذ حكم الفعل.

لكن هنا ذكر تعليلا آخر، فقال: إن «أفعل» التفضيل ضعيف الشبه باسم الفاعل من قبل أنه في حال تجرده -يمر معنا أفعل التفضيل المجرد- لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. طبعا هو كأنه يريد أن يقول إن «أفعل» التفضيل إنما يعمل اتكاء على اسم الفاعل، فلما ابتعد عن اسم الفاعل ما عاد يرفع الفاعل اسما ظاهرا أو الضمير البارز. لكن في الحقيقة أنا ما بدي أركز على هذا التعليل، أنا بدي أركز على التعليل الآخر لأنه أدق في هذا الباب والمسألة التي نحن فيها مسألة الكحل.

قال: وهذا إذا لم يعاقب فعلا، أي لم يحسن أن يقع موقعه فعل بمعناه. لكن متى يعاقب فعلا؟ متى حسن أن يأتي موقع فعل بمعناه؟ قال: فكثيرا رفعه الظاهر ثبت. طيب ما هي هذه الحالة؟ ما ضابطها؟ الحالة التي يحسن أن يعقب فيها الفعل؟ قالوا: وذلك إذا جاءت الجملة أولا: فيها نفي، ثانيا: سأضيفه من عندي، جاء اسم جنس، هذا اسم الجنس موصوف بأفعل التفضيل، وكان «أفعل» التفضيل يرفع الفاعل اسما ظاهرا أجنبيا، أي ليس سببيا، مفضلا على نفسه باعتبارين.

خليني أكتب هذه الشروط على الشاشة؛ أقول ضابط الصورة التي يعقب فيها الفعل «أفعل» التفضيل، هذه الصورة الاستثنائية، فتقول: 1. أن تبتدئ الجملة بنفي أو شبه نفي، والمراد به النهي والاستفهام الإنكاري؛ فالنهي أو الاستفهام الإنكاري يأخذ حكم النفي. 2. أن يبتدئ الجملة باسم جنس موصوف بأفعل التفضيل. 3. أن يأتي الفاعل اسما ظاهرا، (أجنبيا) مفضلا هذا الاسم على نفسه باعتبارين.

هذه هي الشروط الثلاث للحالة التي يعقب فيها الفعل «أفعل» التفضيل: أن تبتدئ الجملة بنفي أو شبه نفي وهو النهي والاستفهام، أن يأتي بعد النفي اسم جنس موصوف بأفعل التفضيل، وأن يأتي الفاعل اسما ظاهرا (أجنبيا). هذه قضية أجنبيا، طبعا حقيقة وفيها نقاش، البعض اشترطها والبعض لم يشترطها، لكن أنا بدي أمشي الآن مع الأشموني. أجنبيا يعني ليس سببيا، يعني لا يحتوي على هذا الاسم الظاهر الفاعل، ولا يحتوي على ضمير يعود على اسم الجنس، إذا احتوى الفاعل الاسم الظاهر على ضمير يحتوي على اسم الجنس، هنا يسمونه فاعلا سببيا وليس أجنبيا. هم لا يقولون لابد يكون الفاعل اسما ظاهرا أجنبيا، يعني ما في ضمير يعود على اسم الجنس، وراح نشوف هذا بالأمثلة.

قال: مفضلا هذا الاسم على نفسه باعتبارين. نأخذ مثال حتى يتضح المقال؛ نأخذ مثال الكحل، لأن ابن مالك ذكر مثال الرفيق، وأنا بدي آخذ مثال الكحل حتى تفهموا لماذا المسألة سميت مسألة الكحل. ما هو المثال الكحل بالضبط كما ذكره هنا: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد». بدنا نكتب هذا المثال حتى نحلله.

الآن أحبابي الكرام، نلاحظ أن الجملة بدأت بنفي، ممتاز، ثم بعد ذلك عندنا اسم جنس وهو «رجلا»، واسم الجنس موصوف بأفعل التفضيل، رائع. الاسم الظاهر المرفوع على الفاعلية لأفعل التفضيل هو «الكحل»، فالكحل اسم ظاهر أجنبي، لاحظوا أنه لا يحتوي على ضمير يعود على اسم الجنس. هذا الاسم الظاهر الأجنبي هو مفضل على نفسه باعتبارين.

إيش يعني مفضل على نفسه باعتبارين؟ يعني لو لاحظتم معنى الجملة: الكحل في «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، يريد أن يقول: الكحل في عين زيد أحسن من الكحل في عين جميع الرجال. هذا هو المراد بالجملة؛ فنفس الكحل، نفس مادة الكحل، مفضلة على نفسها باعتبارين: الكحل باعتبار زيد أحسن من نفس الكحل باعتبار باقي الرجال. فهنا فضلت الكحل على نفسها باعتبارين، ففضلته في عين زيد على نفسها في عين باقي الرجال، نفس هذه المادة الكحلية وهي في عين زيد تكون أحسن منها وهي في عين باقي الرجال. فهذا معنى أن الاسم الظاهر الأجنبي مفضل على نفسه، لكن باعتبار، فهو باعتبار زيد أحسن منه باعتبار باقي الرجال، هذا هو معنى الجملة.

الآن كيف في هذا المثال يصح أن يأتي الفعل بدلا من أفعل التفضيل؟ فنقول: «ما رأيت رجلا بدا أحسن»، يصح أن تقول: «يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد». لماذا في هذا المثال يجوز أن يعقب الفعل «أفعل» التفضيل؟ في هذا المثال أحبابي كما قلت لكم، عندما جاء النفي متسلطا على أفعل التفضيل. النفي هنا متسلط على ماذا؟ قال: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، النفي هنا متسلط على المفاضلة الموجودة في أفعل التفضيل. جاء النفي لينفي الأفضلية، فقالوا: «ما رأيت رجلا أحسن»، جاء النفي لينفي الأفضلية، أفضلية الحسن في الكحل عن عيون الرجال، ويثبت الأفضلية لها في عين زيد. فهو باختصار، قالوا: «ما» هنا نفت الأفضلية والزيادة عن أفعل التفضيل، فكان «أفعل» التفضيل تجرد من دلالته على الزيادة. لأنك لو نظرت في معنى الجملة: «ما رأيت رجلا أحسن»، فأنا أنفي الزيادة، أنفي الزيادة. طبعا هو ضمنيا، أنتم تريدون أن تفهموا الآن، هذه الجملة غامضة من الجمل الدقيقة في فهمها لغويا؛ أنت لما نفيت زيادة الحسن للكحل في عيون الرجال، أنت ضمنيا أثبتت تفوق زيد في هذا، إثبات تفوق زيد هو كان ضمنيا، لكن المعنى الصريح هو نفي زيادة حسن الكحل في عيون الرجال عن عيون زيد.

معنى مطابق إلى الجملة وهناك معنى استلزامي، خلينا نقول أو معنى تضمني. لو أتيت للمعنى المطابقي الظاهر للجملة هو نفي تفوق الرجال في حسن الكحل؛ نفي تفوق الرجال، نفي أفضلية الرجال في الكحل على زيد.

طيب، إذا نفيت أفضلية الرجال في الكحل على زيد، هذا يستلزم ضمنياً أن الكحل في عين زيد إما أن يكون مساوياً للكحل في عين الرجال، مثله مثلهم ما لهم أفضلية عليه، أو هو أفضل منهم. قالوا: وبما أن السياق سياق مدح فالمراد هو تفضيل زيد.

فيا أحبابي، بدنا نركز، وأنا بفضل أعيد مرتين وثلاث وأربع وخمسة حتى نفهم ما الذي يحدث هنا. الذي حدث هنا هو نفي عن التفضيل، الذي حدث هنا هو نفي لمعنى الأفضلية، وهذا هو المعنى المطابق الصريح؛ نفي أفضلية الكحل في عيون الرجال عنه في عيون زيد. كأني بقول لك ابتداءً: الكحل في عيون الرجال ليس أجمل، هيك كأني قلت ليس أحسن من الكحل في عين زيد.

طيب، إيش يستلزم من هذا؟ يستلزم من هذا أن الكحل في عين زيد إما أن يكون مساوياً للكحل في عين الرجال، أو بالعكس أجمل وأفضل. لما أقول لك الكحل في عين الرجال ليس أجمل من الكحل في عين زيد، تتفهم من هذا ضمنياً أن الكحل في عين زيد إما أن يكون مساوياً للكحل في عين الرجال، هم لا يفضلونه، أو بالعكس زيد هو الأفضل، والمراد فعلياً ضمنياً أن زيد هو الأفضل لأنك أنت في سياق مدح زيد، هذا هو السياق، فالسياق هو الذي دلنا على الأفضلية.

أما الجملة، فصريحها ومعناها ظاهر هو نفي إحسانية الكحل في عيون الرجال عنه في عين زيد، بس نفي الإحسانية في هذه الجهة، وضمنياً ثبتت حسنيته في زيد. قالوا: وبما أن النفي تسلط على أفعال التفضيل، فنفى الزيادة نفى التفضيل، قالوا: فكان أفعل التفضيل تجردت عن معنى الأفضلية. فإذا تجردت عن معنى الأفضلية، عادت كأنها وصف مشتق لا يدل على التفاوت، فاقتربت من الأفعال، فصلح أن يأتي الفعل مكانها، فيجوز أن تقول: ما رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد.

تلاحظ أن الفعل حل هنا بأريحية بدون أي مشكلة، أليس كذلك؟ خلونا نقرأ أحبابي الكرام حتى نكمل المعنى. نقول: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل في عين زيد، فإنه يجوز أن يقال: ما رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد؛ لأن أفعل التفضيل، شوفوا هذا التعليل دقيقة، لأن أفعل التفضيل إنما قصر عن رفع الظاهر لأنه ليس له فعل بمعناه.

هذه بدي إياكم تركزوا عليها؛ أفعل التفضيل إنما قصروا عن رفع الظاهر، ليه؟ مثل ما قال ابتداءً لأنه ضعيف، ركزوا على هذه أكثر. قال: لأنه ليس له فعل بمعنى أفعل التفضيل. في الوضع الطبيعي، أفعل التفضيل يدل على التفاوت والمفاضلة، وصيغة الفعل لا تدل على التفاضل والمفاوتة. يعني الآن لو قلت كمثال: محمد أكرم من عمرو، أو مثلاً بدي أعطيك مثال السلاليق: محمد أجمل من عمرو. الآن لو أتيت بفعل هنا هل يصلح أن يؤدي نفس المعنى؟ محمد يجمل عمراً؟ في الحقيقة هنا لا يدل على المفاضلة، الفعل لو أتيت بدل "أجمل" بـ "يجمل" هنا الفعل لا يدل على المفاضلة.

إلا إذا قالوا: إذا أتى بصيغة معينة قصد بها الدلالة على المنافسة والتفوق، هذا حال آخر. وأصلاً إذا دل على المنافسة والتفوق سيأتي معنا أن الأفعال التي تدل على المنافسة والتفوق هي أفعال متعدية. وهنا فائدة خطيرة في الحقيقة أشار لها الأشموني، وأنا لم أجدها عند غير الأشموني، طبعاً بحثي قاصر وليس بحثاً مطوراً وأكيد ستجدونه عند غيره، لكن عموم الشراح لم يشيروا لها.

يقول الأشموني إن أفعل التفضيل تصاغ من أفعال لازمة، وكأنه هذا الشرط زائد في صياغتها؛ قال لأن الأفعال اللازمة هي التي تدل على الغرائز، تدل على الشيء الثابت الراسخ في النفس. صح؟ إحنا قلنا الأفعال اللازمة تدل على أفعال السجايا وأفعال الغرائز والأمور التي هي طبائع مستحكمة. فالأشموني يرى أن أفعل التفضيل إنما تصاغ من الأفعال اللازمة لأنها تدل على الغرائز.

فلو أنني أتيت بفعل، وهذا الفعل صغته بصياغة تدل أيضاً على المنافسة والتفوق، لو صح هذا -نعم في كثير من الأفعال أو في بعض الأفعال- فإن الفعل الذي يدل على المنافسة يكون فعلاً متعدياً. مثل هذا مثلاً، لو قلت إن صيغة "يجمل عمراً" قصدت بـ "يجمل" الدلالة على تفوقه في الجمال، يقول لك لو قصدت هذا المعنى فإن "يجمل عمراً" هذا الفعل متعدٍ، هو نصب مفعولاً به، والأفعال المتعدية لا تدل على الغرائز.

هذه فكرة حقيقة كما قلت لكم لم أجد من نبه لها في الأوضاع في ابن عقيل أو الشروح الأساسية، ما وجدت من نبه لهذه الفكرة، لكن ستجدون الأشموني يعلق عليها بقوة. يقول إنه أفعل التفضيل تصاغ من أفعال لازمة؛ ليش أفعال لازمة؟ قال ليدل على غرائز، ليدل على صفات مستحكمة ثابتة وليس على شيء عارض طارئ، فهذه صفة مميزة في أفعل التفضيل، أنها تؤخذ من أفعال لازمة لتدل على الغرائز.

وبالتالي يا أحبابي الكرام نرجع نقول، لو قلت محمد أجمل من عمرو، هنا قالوا لا يصلح أن يأتي فعل يدل على التفاوت والتفاضل بدل من "أجمل"، وإذا صلح ذلك -يعني لو أتيت بصيغة فعل تدل على المنافسة- فإنه هذه الصيغة التي تدل على المنافسة والتفاضل ستكون مأخوذة من أفعال متعدية؛ لأن أفعال المنافسة والتفاضل تكون بطبيعتها متعدية، وهذا مخالفة صريحة لأفعال التفضيل؛ لأن أفعال التفضيل تكون من أفعال لازمة لتدل على الغرائز، والأفعال التي تدل على المنافسة تكون مأخوذة من أفعال متعدية، فهناك أيضاً شاسع.

فبالتالي إما أن يأتي مكان "أجمل" فعل لازم مثلها، وهنا سيكون الفعل اللازم لا يدل على تفاوت، وإما أن يأتي مكان "أجمل" فعل متعدٍ يدل على تفاوت، لكن الإشكالية أنه متعدٍ وأفعال التفضيل لازم، فسيكون هناك تباين بينهما من هذه الجهات. فلذلك قالوا: أفعل التفضيل لا يرفع اسماً ظاهراً في الوضع الطبيعي لأنه ليس له فعل بمعناه، يعني فعل بمعناه يدل على التفضيل.

فإذا قلت بل يوجد فعل يمكن أن يصاغ للدلالة على التفضيل والمنافسة والتفوق، فالجواب عند الأشموني هو لأنه هذا الفعل الذي صغته بصياغة تدل بها على التكفير والسبق سيكون متعدياً، وأفعل التفضيل تكون من أفعال لازمة لأنها تدل على غرائز. هذه إجابة الأشموني عن كل هذه الأسئلة التي تُطرح في ذهني، بالتالي بنرجع للصورة السابقة.

نرجع لهذه الصورة، يقول لك في هذه الحالة بالتحديد، حالة النفي المتسلط على أفعال التفضيل، إذا جاء هناك اسم جنس منصوب، وأفعال التفضيل بعده اسم ظاهر أجنبي من فضل نفسه باعتباره. في هذا المثال بالتحديد، ما حدث أننا سلبنا عن أفعال التفضيل معنى التفضيل من خلال تسلط النفي على التفضيل، فسلب الدلالة على التفضيل.

بالتالي كأن أفعال التفضيل هنا عادت بسيطة، ليست مركبة، لا يوجد فيها معنى المفاضلة، فإذا أزيح عنها معنى المفاضلة سهل أن يأتي الفعل بمعناها وانتهى الأمر: «ما رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد»، وانتهت القضية. فهذه من المعاني الدقيقة ومن الأبيات التي تحتاج إلى تركيز في المعنى.

قال الأشموني وفي هذا المثال -ونرجع إليه- ماذا قال؟ قال: «وفي هذا المثال بالتحديد يصح أن يقع موقعه فعلاً»، لأنه كما تقول: لأن النفي تسلط على التفضيل فنفاه وبقيت صيغة أفعل التفضيل دون الدلالة على المفاضلة فأشبهت الفعل. هذا تكتبونه كما رأيتم، إذاً يصح أن يقع موقع الفعل بمعناه الحالي، ومعناها الحالي التجرد عن التفضيل، فصلح أن يأتي الفعل بمعناها الحالي بعد إزالة التفضيل.

وأيضاً فلو لم يجعل المرفوع فاعلاً لوجب كونه مبتدأ، فيلزم الفصل بين «أفعل» وبين «من» بشيء أجنبي. وتقدم معنا أنه لا يجوز الفصل بين «أفعل التفضيل» وبين «من» بشيء أجنبي. لو كانت الكحل ليست هي الفاعل، ماذا ستكون؟ ستكون الكحل مبتدأً لخبر، فأصبح هناك شيء أجنبي نريد أن يفصل بين «أفعل التفضيل» وبين «من»، وعرفنا في الدرس السابق أنه لا يجوز الفصل بين «أفعل التفضيل» وبين «من» بشيء أجنبي. طبعاً لاحظوا أحبابي الكرام أن هنا الاسم الظاهر، وهذه المعلومة سيأتي ويذكرها الآن.

قال: «والأصل أن يقع هذا الفاعل الاسم الظاهر بين ضميرين، أولهما يعود إلى الموصوف، وثانيهما يعود إلى الظاهر كما رأيت». فالاسم الظاهر هنا لاحظ أنه يقع بين ضميرين؛ الضمير الأول في كلمة «عينه»، والضمير الثاني هو المجرور بـ «من». الضمير في «عينه» يعود على ماذا؟ يعود على اسم الجنس الموصوف؛ «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه»، أي في عين الرجل. فالضمير الأول الذي يقع قبل الاسم الظاهر يعود على الموصوف، والضمير الثاني الذي يقع بعد الاسم الظاهر وهو المجرور بـ «من» يعود على نفس الاسم الظاهر. فلذلك الاسم الظاهر يقع بين ضميرين: أولهما يعود على الموصوف وهو «رجل»، وثانيهما يعود على نفس الاسم الظاهر وهو «كحل».

لكن هذا قال: «وقد يحذف»، ماذا قال؟ قال: «وقد يحذف الضمير الثاني»، هذا الضمير الثاني يقبل الحذف. إذاً إذا حذف ماذا يحدث؟ قال: «وقد يحذف الضمير الثاني وبالتالي ستدخل «من» إما على الاسم الظاهر، نأتي بعد «من» بنفس الاسم الظاهر، فتقول: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من الكحل». الآن الضمير يعود على ماذا؟ على الاسم الظاهر، فبالتالي أستطيع أن أحذف الضمير وأضع مكانه نفس الاسم الظاهر صريحاً، فأقول: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من كحل عين زيد».

إذاً إما أن أضع مكانه الاسم الظاهر، أو أدخل على محل الاسم الظاهر. الآن الكحل أين محله؟ في العين، فاستطيع بالتالي أن أحذف الضمير وأجعل «من» تدخل على محل الكحل مباشرة وهو العين، فأقول: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من عين زيد». يعني أنت إما تقول: «من كحل عين زيد» إذا بدلت الضمير بالاسم الظاهر، وإما تدخلها مباشرة على محل الاسم الظاهر وهو العين فتقول: «من عين زيد»، وإما تدخلها على ملابس المحل، وهو زيد؛ لأن زيد هو صاحب المحل، فيمكن مباشرة أن تختصر وتقول: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من زيد»، وتختصر الجملة كثيراً.

فهذه الخيارات متاحة: إما أن تذكر الضمير وهو الوضع الطبيعي، أو تحذف الضمير وتضع مكانه الاسم الظاهر «من الكحل في عين زيد»، أو تدخل على محل الاسم الظاهر وهو العين فتقول «من عين زيد»، أو تدخل على ملابس المحل وهو زيد فتقول «من زيد»، وهذه تكون اختصار الصيغ.

قال: «فبالتالي إذاً من كحل عين زيد». شوفوا أحبابي، إذا قلنا «من الكحل في عين زيد» هنا، هو قال بدلاً من «الكحل في عين زيد» قال «من كحل عين زيد». ينفع، ما في إشكال سواء هكذا أو هكذا، لكن أنا أريد أن أمشي مع الأشموني حتى نوحد الكلام، وقال: «من كحل عين زيد». هو يقول لك «من كحل عين زيد»، كان عندنا إضافتان: الإضافة الأولى إضافة الكحل إلى العين، وإضافة بعد ذلك العين إلى زيد. فإذا أنا قلت «من عين زيد» مباشرة أكون قد حذفت الإضافة الأولى، وإذا قلت «من زيد» مباشرة أكون قد حذفت الإضافة الثانية. فيقول لك يجوز أن تحذف الإضافة الأولى ويجوز أن تحذف الإضافة الثانية، قال: «فتحذف مضافاً أو مضافين». إما أن تحذف إضافة واحدة فتصبح «من عين زيد»، أو تحذف الإضافتين فتصبح «من زيد» مباشرة.

قال: «وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء»، يعني يصير وأيضاً شيء أوسع من ذلك، خذ راحتك. ما هو الشيء الأوسع؟ يصير أصلاً بعد الاسم الظاهر تلغي كل ما يأتي بعده، فتقول: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل»، ولكن طبعاً بإعادة صياغتها، تقول: «ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل». ليس بهذه الطريقة التي ذكرتها أنا، لا، لأنك تريد أن تشير في النهاية لموضوع المفاضلة ولكن بطريقة أخرى، عبر إعادة ترتيب الجملة بطريقة أخرى بحيث يكون الاسم الظاهر وهو الفاعل هو آخر شيء في الجملة. كيف أعيد ترتيب الجملة؟ كما ذكر الأشموني هنا، فتقول: «ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل»، لأنك في النهاية لابد أن تأتي بالاسم الظاهر مفضلاً على نفسه باعتبارين، فلا بد أن يبقى هذا، فنعيد صياغة الجملة بتقديم «عين زيد» على الاسم الظاهر ونضعها هنا، فتقول: «ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل»، هذا يمشي.

ثم ذكر أمثلة أخرى وقالوا مثلاً: «ما أحد أحسن به الجميل من زيد»، هذه كما ذكرناه هنا، «ما أحد أحسن به الجميل من زيد» مباشرة بدون ما يذكر كل السالفة، «ما أحد أحسن به الجميل من زيد»، فذكر الملابس وانتهى الأمر. قال: «والأصل ما أحد أحسن به الجميل من الجميل بزيد»، هكذا أصلها «من الجميل بزيد»، وطبعاً هو قال «من حسن الجميل بزيد»، والصبان علق وقال: كلمة «حسن» هنا لا داعي لها.

إضافة كلمة الحسن هنا، وهذه كلمة الحسن من أين مأخوذة؟ من نفس أفعال التفضيل. ما في داعي، نحن ما ذكرنا أنه يمكن أن تأتي "من" بعد مصدر مأخوذ من أفعال التفضيل. الصبان اعترض على الأشموني لما زاد كلمة الحسن هنا، ولما ذكرها مع الحديث ولما ذكرها مع البيت؛ سيأتي معنا أنه الصبان اعترض على كل هذه الزيادات.

شوفوا أحبابي، هذا المثال: «ما أحدٌ أحسنَ به الجميلَ من زيدٍ». مَن الزائد؟ الآن أحبابي الكرام، هي نفس الفكرة: هذه نفي، وهذه اسم جنس، وهذه أفعل تفضيل منفي. هذا هو الاسم الظاهر الأجنبي. كما قلنا، النفي يتسلط على أفعل التفضيل فيسلبه الدلالة على التفضيل، فأصبح مجردًا من الدلالة على التفاوت، فأصبح الفعل يمكن أن يحل محله، وتقول: «ما أحدٌ يحسنُ به الجميلَ من زيدٍ»، بنفع، ما في عندنا أي مشكلة. ممكن تقول: «كحُسنِ الجميلِ منه»، المهم.

فلما قلنا: «ما أحدٌ أحسنَ به الجميلَ من زيدٍ»، مباشرة إيش أصلها؟ يقول لك الأشموني: أصلها من «حُسنٍ بزيدٍ». بس حقيقة الصبان اعترض على كلمة «حُسن»، قالوا من أين جئت بكلمة «حُسن» هنا؟ كلمة «حُسن» هذه مصدر مأخوذ من أفعال التفضيل، وهذا ليس مكانها، نحن ما قلنا إنه يمكن أن تجر مصدراً مأخوذاً من أفعال التفضيل، فالأصل ألا تُذكر حقيقة.

والصواب أن يقال: «ما أحدٌ أحسنَ به الجميلَ»، أصلها من «الجميلِ بزيدٍ». ثم بعد ذلك حُذفت كلمة «الجميل» من «الجميل بزيد» وجعلت «من» تدخل مباشرة على «زيد»، فقال: «من زيدٍ». إذاً، «ما أحدٌ أحسنَ به الجميلَ» أصلها «من الجميلِ بزيدٍ»، ثم أضيف «الجميل» إلى «زيد»، هو يريد أن يعطيك الخطوة الآن: من «الجميل بزيد»، دخلت الباء على «زيد» فقال كأنك تحذف الباء وتضيف «الجميل» إلى «زيد» مباشرة. قال: ثم أضيف «الجميل» إلى «زيد» لملابسته إياه، كأنك تقول: ما دام أحدٌ أحسن به الجميل من جميل زيد، هي من «الجميل بزيد»، الخطوة الثانية من «جميل زيد» تحذف «الجميل» وتخلي «زيد» وحدها. هذه الخطوات ذهنية؛ قال: ثم حذف المضاف الأول ثم الثاني. هذا بناءً على أن الأشموني زاد كلمة «الحسن»، ونحن قلنا ما في داعي لكلمة «الحسن» هنا يا أشموني، فالصحيح أن الإضافة واحدة وهي «من جميل زيد»، حذفنا كلمة «الجميل» فبقيت «زيد».

قال: ومثله قوله ﷺ: «ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله...» - بس دقيقة أحبابي الكرام آتي بالكرسي - «ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ»، بسم الله، «ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ من أيامِ العشرِ». لاحظوا نفس الفكرة، «ما من أيامٍ»، طبعاً هذه يظهر لي أنها من الزائدة، و«أيام» تعتبرها مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. و«أحبَّ» إنما جاءت بالفتح وليس هنا هذه فتحة نصب، وإنما هي فتحة المنع من الصرف؛ لأنه «أحبَّ» مجرورة تبعاً للأيام، ولكن لأنها ممنوعة من الصرف، صيغة على صيغة أفعل، جرت بالفتحة بدلاً من الكسرة، فقيل: «ما من أيامٍ أحبَّ».

المهم، عندي «أيام» وهي اسم الجنس المنفي، و«أحبَّ» أفعل التفضيل، و«الصوم» هو الفاعل الذي هو الاسم الظاهر الأجنبي، فنفس العناصر: «ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ»، صوم الفاعل الظاهر من «أيام العشر». فلاحظوا أنه دائماً بعد الاسم الظاهر، يأتي اختصار، تأتي «من» ويأتي الأخير من «أيام العشر». قال: وأصل الترتيب: «ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ»، شوفوا ماذا قال: «من محبةِ الصومِ». نحن قلنا هذه كلمة «محبة» من أين أتيت بها يا أشموني؟ قال: هذا مصدر أفعل التفضيل. قلنا لا داعي له، لماذا تأتي به؟ وكذلك علق الصبان، لا داعي له، فنقول: الأصل أن يقال: «من الصومِ ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ»، هذا هو الأصل: «من الصومِ في أيامِ العشرِ»، ثم بعد ذلك تُحذف حرف الجر وتعمل إضافة، والتقدير: «من الصومِ» أو «من صومِ أيامِ العشرِ»، وكلمة «محبة» دعوكم منها. ثم بعد ذلك تُحذف كلمة «صوم» وتدخل «من» مباشرة على «أيام العشر»، فتقول: «من أيامِ العشرِ».

وكذلك قوله في قول الناظم: كأنْ ترى في الناسِ من رفيقٍ ... أولى به الفضلُ من الصديقِ

هذا بيت ابن مالك، ملاحظ خلينا نحلله: أول شيء نفي، «لن ترى في الناس من رفيقٍ». طبعاً رفيق هنا مجرورة بـ«من» الزائدة، فـ«من» حرف جر زائد و«رفيق» مفعول به منصوب، مفعول به منصوب منع من ظهور الفتحة عليه اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. أصله أن «لن ترى في الناس رفيقاً»، لكن دخلت «من» الزائدة للتأكيد النفي. و«أولى» نعت للرفيق، إذا اسم الجنس هو «رفيق» واسم الجنس هنا مجرور بحرف جر زائد، وأفعل التفضيل هي كلمة «أولى»، ثم قال: «أولى به الفضلُ»، الفضل هو الفاعل الاسم الظاهر. «أولى به الفضلُ من الصديقِ»، فنفس الشيء من هنا مباشرة دخلت على الملاصق وهو «الصديق»، ويقول الأشموني: والأصل - نفس الإشكالية التي وقع فيها الأشموني - قال: والأصل «لن ترى في الناس من رفيقي أولى به الفضلُ» أصلها من «ولايَةِ الفضلِ بالصديقِ».

فنيجي نقول للأشموني: كلمة «ولايَة» هذه من أين أتيت بها؟ بقول لك هذا مصدر «أولى»، المصدر، نقول لا داعي للإتيان به، ما في داعي. الأصل مباشرة، والأصل أن يقال: «أولى به الفضلُ من فضلِ الصديقِ»، نقول هكذا: «من فضلِ الصديقِ»، ثم حذفت الباء فأصبحت «من فضلِ الصديقِ» على الإضافة، ثم حذفت «الفضل» فدخلت «من» على «الصديق» مباشرة. هذه الخطوات، لذلك هذه المصادر التي ذكرها الأشموني في الحقيقة لا داعي لها.

هنا أحبابي نعمل إضافة لهذه الفكرة، لكن هي فكرة عويصة، فلذلك ينبغي أن يطال بها الكلام. بدي أقرأ الخضري في حاشيته على ابن عقيل؛ يؤكد نفس الفكرة التي ذكرتها لكم، وهو أنه لماذا في هذه الحالة، بهذه الضوابط؛ إذا الجملة مبتدئة بالنفي، وتسلط، وكان بعد ذلك اسم جنس موصول بأفعال التفضيل، ثم جاء الفاعل اسماً ظاهراً أجنبياً مفضلاً عليه باعتبارين، لماذا في هذه الحالة يصح أن يأتي الفعل بدلاً من أفعال التفضيل؟ لماذا في هذه الحالة بالتحديد دون غيرها؟

فالخضري ماذا يقول رحمه الله؟ حاشية الخضري من الحواشي النفيسة حقيقة التي يعتني بها طالب النحو الذي يريد أن يدرس الألفية؛ لابد أن يعتني بحاشية الخضري على شرح ابن عقيل، ففيها تحقيقات نفيسة. يقول الخضري -أو قول الشارح بعد نفي- لماذا هذه الحالة التي نحن ندور حولها؟ قلنا لابد أن تبتدئ الجملة بنفي. لماذا ينبغي أن تبتدأ الجملة بنفي أو شبه النفي حتى يصلح أن يأتي الفعل بدلاً من أفعال التفضيل؟ هذا هو القيد الأول.

فيقول الخضري: «وإنما قال بعد نفي؛ ليتوجه أي النفي إلى قيده وهو الزيادة»، أي إلى أفعل التفضيل باعتبار قيدها الأساسي وهي دلالتها على الزيادة، فيأتي النفي فيزيل دلالة أفعال التفضيل على الزيادة. قال: «ليتوجه إلى قيده وهو الزيادة فيزيلها، ويبقى مع النفي بمعنى الفعل المثبت». يعني بعد أن تزيل دلالته على التفضيل، يبقى أفعل التفضيل مع النفي كالفعل المثبت، فيعمل عمله.

فيصير المعنى: انتفت زيادة حسن الكحل في عين أي رجل على حسنه في عين زيد؛ شوف ماذا قال: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد». ما المعنى؟ لا زيادة. انتفت زيادة حسن الكحل في عين أي رجل على حسنه في عين زيد، فيبقى أصل الحسن هو فقط الثابت؛ أصل معنى الحسن دون مفاضلة، وأصل ثبوت الحسن يصدق بمساواته لحسن زيد أو لنقصه عنه، ومقام المدح يعين على الثاني، فيكون المعنى الثاني هو المفهوم ضمنياً، وهو أن الكحل في عين زيد أجمل من الكحل في عيون الرجال. فأنني نفيت زيادة الحسن للكحل في عين الرجال عنه في عين زيد، لكن ضمنياً أنا كأنني أريد أن أقول إنه الكحل في عين زيد أجمل من عيون الرجال.

هذه اللفة قال: «فإذا وضع الفعل المثبت مكانه بأن قيل: حسن الكحل في عين رجل كحسنه في عين زيد؛ أفاد المساواة الصادق بها، ثم يتوجه النفي إلى ذلك الفعل؛ فتنفي المساواة كالزيادة، ويثبت النقص المراد كالاول». فكونه أفعل مع النفي كالفعل المثبت إنما هو في الجملة، وإلا فلابد في النهاية من توجه النفي إلى ذلك الفعل يفيد المعنى المراد. تأمل.

هنا الخضري رحمه الله فكر بطريقة أخرى في هذا الموضوع، أضاف خطوة زائدة. لأننا قلنا: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؛ قلنا لأن هنا النفي تسلط على أفعل التفضيل، فسلب منه الدلالة على التفضيل، بالتالي أصبح مجرداً من ذلك، فيحسن أن يأتي بدل الفعل. أنا عندما تكلمت لكم، والأشموني عندما تكلم قال: خلص، الفعل يحسن أن يأتي بدل من أفعل التفضيل مباشرة في سياق النفي.

الخضري ماذا يقول؟ الخضري يقول لك عندما تقول: «ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، الآن ما المعنى المطابق الظاهر ابتداءً؟ تريد أن تقول ليس هناك رجل الكحل في عينه أجمل وأحسن من الكحل في عين زيد، صح؟ هذا هو المعنى. لا يوجد رجل الكحل في عينه أجمل وأحسن من الكحل في عين زيد؛ بالتالي أنت نفيت التفضيل، فكأنك أثبتَّ فعلاً، كأنك أتيت بفعل مثبت، فكانت الجملة مع النفي أصبحت هكذا مثبتة.

ما هو المعنى المثبت؟ كأن المعنى المثبت كما ذكره لكم الأشموني: «حسن الكحل في عين رجل كحسنه في عين زيد». يرى الخضري أنك بعد أن نفيت، أصبحت الجملة هكذا: «حسن الكحل في عين رجل كحسنه في عين زيد». هذه الجملة من أين فهمها الخضري؟ الخضري يقول لك عندما تنفي المفاضلة، فأنت أثبتَّ المساواة أولاً.

انظر كيف ينتقل معك بتدرج؛ الخضري يقول عندما تنفي المفاضلة، أي أنه لا يوجد رجل الكحل في عينه أحسن من الكحل في عين زيد، فماذا يؤول هذا؟ يؤول إلى أنك أثبتَّ وقلت: «حسن الكحل في عين رجل كحسنه في عين زيد». قال: هذا هو الذي حدث، هذه هي الدلالة التي حدثت الآن، وهي جملة مثبتة.

كيف؟ قال: أنت نفيت المفاضلة، فإذا نفيت المفاضلة، فإنه ضمنياً ابتداءً أنت أثبتَّ المساواة، إذاً أنا أثبتُّ المساواة. قال: «لكن لما كان المقصود في الحقيقة ليس عين المساواة، وإنما مقصودهم تكلم في هذه الجملة تفضيل زيد على غيره من الرجال في الكحل؛ ستضطر بعد ذلك أن تأتي بالنفي بعد الإثبات»، قال: «ثم يتوجه النفي إلى ذلك الفعل حتى تنتفي المساواة ونعود إلى تفضيل زيد على باقي الرجال ويثبت النقص المراد كالاول».

فكأنك تقول: تأتي بعد ذلك منها فتقول: «ما حسن الكحل في عين رجل كحسنه في عين زيد». فأنت أولاً أثبتَّ المساواة، ثم تذهب إلى النفي. طبعاً في الحقيقة قد يقال هناك تكلف؛ بما أننا سنرجع للنفي في النهاية، لماذا تأتي بخطوة التساوي ثم تعود لتنفي وتبين أن الكحل في عين زيد أجمل؟

نحن ممكن نقول للخضري: في داعي لإطالة الأمر أن نقول إنه أفعل التفضيل لما تسلط عليها النفي وأصبحت بمعنى الفعل المثبت، ولكن لما كانت الجملة المثبتة تدل على المساواة وليس هي مقصود المتكلم، وإنما مقصود المتكلم تفضيل زيد على باقي الرجال، فنحتاج أن ننفي الفعل بعد ذلك. نقول: لا يا عمي، خلاص خليك مثل الجمهور، أن تقول...

هنا الفعل يعقب أفعل التفضيل في سياق النفي، ويفهم هذا الأمر من السياق؛ يفهم أن مقصدك النهائي تفضيل الكحل في عين زيد على عين الرجال. من نفس الجملة، ما في داعي لهذه الخطوات التسلسلية، لكن هذه الخطوات التسلسلية فقط أنا ذكرتها لأنها تساعد الطالب في فهم الموضوع.

لماذا بهذا المقام بالتحديد صلح الفعل لأن يأتي مكان أفعل التفضيل؟ أنا أريدك أن تركز أن أفعل التفضيل سُلِب معنى التفضيل فيها؛ النفي لما تسلط عليها سلبها التفضيل، فأصبح مجردة عن التفضيل، فأصبح الفعل يصلح أن يأتي مكانها. هذه هي الفكرة.

ثم قال الاسم أنيس، بس بدنا تنبيهات، قال: «إنما امتنع...». التنبيهات راح تشعر أنها سالفة. التنبيه الأول يعني: إنما امتنع نحو: «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، ونحو: «ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه».

أحبابي، جملة «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» جملة مثبتة، يريد أن يقول لك ما الفرق بين «ما رأيت رجلاً أحسن» وبين الجملة المثبتة ابتداءً بدون «ما»؟ لو قلت: «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، يعني لو مسحت «ما» هنا وأصبحت الجملة هكذا، ماذا تكون الإشكالية؟ الإشكالية هنا أن التفضيل ثابت ليس منفياً. رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فهنا التفضيل مثبت، وبالتالي لا يوجد فعل بمعنى أفعل التفضيل. رجعنا لنفس الإشكالية؛ لذلك هذا فرق بين الإثبات والنفي، أنه في النفي نحن نفينا التفضيل، وفي الإثبات التفضيل مثبت، وبالتالي لا يوجد فعل بمعنى أفعل التفضيل في هذه الصورة والحالة.

لكن خلينا نمشي مع: «إذا رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل في عين زيد»، قال هذه لا تجوز، هذه عند العرب الأصل فيها أنها غير جائزة. هذه الجملة «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» غير جائزة عند العرب؛ لأنه الاسم الظاهر صحيح هنا أفعل التفضيل، جاء بعد اسم ظاهر لكنها ليست مسبوقة بنفي، فلا يجوز في الأصل أن ترفع اسماً ظاهراً.

وقال: وكذلك جملة «ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه». الآن هنا «ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه» صحيحة مسبوقة بنفي، لكن الشرط الذي اختل هو شرط أن يكون الفاعل اسماً ظاهراً أجنبياً، وفي هذه الجملة «ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه» الفاعل اسم ظاهر سببي. ماذا يعني سببي؟ يعني فيه ضمير يعود على الموصوف، «ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه»، لاحظ أن هنا «أبوه» اسم الفاعل اسم ظاهر سببي يحتوي على ضمير يعود على الموصوف. فالجملة الأولى إشكاليتها أنها مثبتة وليست منفية، والجملة الثانية إشكاليتها أن الفاعل فيها سببي وليس أجنبياً.

خلونا نبدأ بالجملة الأولى، قال: «إنما امتنع نحو: رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ونحو: ما رأيت رجلاً أحسن منه أبوه». قال: «وإن كان أفعل في هاتين الجملتين يصح وقوع الفعل موقعه، لكن الفعل لما يقع موقعه لا يدل على معناه»، هذه هي المشكلة. لاحظوا ماذا قال: «لأن المعتبر في اضطراد رفع أفعل التفضيل للاسم الظاهر جواز أن يقع موقعه الفعل الذي بني منه مفيداً فائدته».

أنا ليس همي أن أبدل أفعل التفضيل وأأتي بأي فعل، وما هو بالضبط أي أفعل تفضيل ينفع أن تأتي مكانها بأي فعل؟ لكن هل الفعل الذي تضعه مكان أفعل التفضيل يدل على معناها؟ هنا المشكلة. أنت في أي أفعل تفضيل قد تجد سهولة في أن ترفع أفعل التفضيل وتأتي بفعل مكانها، لكن ليس هذا الذي نريده. هل إذا رفعت أفعل التفضيل وأتيت بفعل مكانها هل ستفيد فائدة أفعل التفضيل الدلالة على التفاوت؟ هذا هو السؤال.

لن تدل على التفاوت، أو ستدل على التفاوت لكن يكون الفعل متعدياً وليس لازماً. يعني سيقرأ أحد أمرين: إما أن تأتي بفعل مكان أفعل التفضيل يكون فعلاً لازماً تأتي به مكان أفعل التفضيل لكنه لا يدل على المفاضلة، أو تأتي بفعل يدل على المفاضلة لكنه مأخوذ من المتعدي؛ لأن الأفعال التي تدل على المكاثرة والمسابقة والتنافس تكون من أفعال متعدية. وكل هذا كان لأنه أفعل التفضيل، كما أشار ابن هشام هنا إشارة دقيقة، أن أفعل التفضيل إنما تصاغ من اللزوم وليس من المتعديات.

انظر، خليني، كشمونة ترحبابي عنده فوائد نفيسة جداً بالنقاشة، عم نقرأها، قال: «لأن المعتبر في اضطراد رفع أفعل التفضيل للظاهر جواز أن يقع موقعه الفعل الذي بني منه بشرط أن يقيم مفيداً فائدته والدلالة على المفاضلة». قال: «وهو في هذين المثالين، مثال الإثبات "رأيت رجلاً" ومثال الفاعل السببي ليس كذلك، إنها قضية الفاعل السببي في الحقيقة فيها إشكال».

بس خلينا نشوف قضية الإثبات، قال: «ألا ترى أنك لو قلت في الجملة المثبتة»، الآن سيبدأ يحلل الجملة المثبتة، قال: «ألا ترى أنك لو قلت "رأيت رجلاً"»، الجملة المثبتة هي: «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، خلينا نجيب بدل «أحسن» «يحسن»، شوفوا ماذا قال: قال: «ألا ترى أنك لو قلت: رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحُسْنٍ في عين زيد»، فأتيت بـ «يحسن» مضارع «حَسُنَ»، «حَسُنَ» فعل لازم وأتيت بمضارعه «يحسن».

الآن هل «حَسُنَ يحسن» هذا الفعل بهذه الصيغة يدل على المفاضلة والمكاثرة؟ لا، فلو قلت هكذا: «رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحُسْنِهِ في عين زيد»، في الحقيقة معنى الجملتين اختلف. الجملة السابقة: «رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد»، أنا في الجملة السابقة أثبت أن هناك رجلاً أنا رأيته الكحل في عينه أحسن من الكحل في عين زيد، هكذا معناها مفاضلة. لما وضعت «يحسن» صحيح «حَسُنَ يحسن» فعل لازم، لكن أنت وضعت نائب وأضعت معنى المفاضلة وأصبحت الجملة تدل على المساواة: «رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحُسْنِهِ في عين زيد»، راحت المفاضلة، إذاً لا يصلح الفعل هنا.

وكذلك لو قلت «حَسُنَ يحسن»، وقلت «يحسن» هنا من «حَسُنَ» وليس من «أحسَنَ». إذا قلنا «حَسُنَ يحسن»، يمكن أن تقصد بها الدلالة على المفاضلة بمعنى يفوقه في الحسن، لو قال: «رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحُسْنِهِ في عين زيد»، أو لو قال: «رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحُسْنٍ في عين زيد».

وقصدت بحسنة يحسن؛ أخذت من حسن المتعدي، وقصدت الدلالة على التفوق في الحسن. صحيح هنا لو قصدت بحسنة يحسن الدلالة على التفوق، بس هنا «حسنة يحسن» تكون متعدية، فعل متعدٍ وليس لازمًا. والدليل لاحظوا أنه نصب مفعولًا به. شف شو صارت؟ يحسن في عينه الكحل كحلاً في عين زيد. يحسن الكحل في عينه كحلاً في عين زيد. هسا هذا صح في دلالة على المفاضلة أني أنا قلت يحسن الكحل في عينه كحلاً في عين زيد، والله فيها مفاضلة.

بس شو المشكلة؟ أنه هنا «حسنة يحسن» صار الفعل متعديًا، والأفعال المتعدية لا تصلح لأفعال التفضيل؛ لأن أفعال التفضيل تؤخذ من أفعال لازمة لتدل على الغرائز. شوفوا شو قال؛ قال بمعنى يفوقه في الحسن، فقال تفوت الدلالة على التفضيل بالنسبة للجملة الأولى إذا قلنا حسن يحسن، ويدل ويفوت الدلالة على الغريزة في الثانية. هذه كلمة الغريزة التي أشرت لكم قبل قليل؛ هم يرون أن أفعال التفضيل لابد أن تؤخذ من أفعال لازمة لتدل على سجايا وغرائز وليس أشياء عارضة طارئة.

فيقول الجملة الثانية وهي «حسنة يحسن» صار الفعل متعديًا، صح يدل على منافسة وتفاضل، لكنه من أفعال متعدية، والأفعال المتعدية لا يؤخذ منها أفعال التفضيل، فالفعل هنا ليس مناسبًا لأفعال التفضيل لأن الفعل متعدٍ وأفعال التفضيل تؤخذ من الفعل اللازم لتدل على الغريزة، قال: «وعلى الغريزة في الثاني».

وكذا القول فيما رأيت رجلًا أحسن أبوه كحسنه. الآن خلصنا من قضية الإثبات التي هي «رأيت رجلًا أحسن أبوه في عينه». الآن سيأتيك ما المشكلة في جملة النفي إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا؟ قال: «وكذلك القول في ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه»، لو قلت فيها: «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»، إذا أتيت في موضع «أحسن» بمضارع «حسُن»، إذا قلت هنا «أحسن» أو «يحسن» هي من «حَسُنَ» اللازم، حيث تفوت الدلالة على التفضيل.

هذه الكلمة حقيقة هي التي استشكلها الصبان؛ قال: لو قلت «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»، لماذا تفوت الدلالة على الترتيب؟ ما المشكلة هنا؟ في الحقيقة الصبان لم يوافق الأشموني على هذه القضية، والواضح أنه في إشكالية. قال: «ما رأيت رجلًا»، إذا قلت إنه هنا يحسن من حسن، النفي موجود؛ بما أنه النفي موجود فجملة «ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه» هي مثلها مثل جملة «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»، فـ«أفعل التفضيل» يصلح أن يأتي مكانها الفعل، لأن «أفعل التفضيل» سلبت الدلالة على التفضيل بسبب النفي.

«ما رأيت رجلًا»، أليس النفي هنا متسلطًا على «أفعل التفضيل»؟ سلبه الدلالة على التفضيل. الآن قضية أن الفاعل سببي أم الفاعل أجنبي؛ لا نلاحظ أن لها أثرًا في أن يعقب الفعل أفعال التفضيل. ما إشكاليتها؟ فيقول: فقولك هنا أيها الأشموني «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»، قال: إذا أتيت في موضع «أحسن» بمضارع «حَسُنَ»، قال: حيث تفوت الدلالة على التفضيل.

في الحقيقة لا يوجد ما يدل على فوات التفضيل، لا يوجد ما يدل على فوات التفضيل، فقوله هنا «حيث تفوت الدلالة على التفضيل» هذا ليس بصحيح؛ لأنه «ما رأيت رجلًا منه أبوه»، نعم هنا النفي تسلط على «أحسن». فكما أن النفي تسلط على «ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه»، فكذلك النفي تسلط على «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»، فسلبه الدلالة على التفضيل إذا أصبح يصلح أن يأتي مكانه الفعل، بغض النظر أنه الفاعل اسم ظاهر أم ليس اسمًا ظاهرًا.

هذه مشكلة الصبان؛ أنه ما الإشكالية في «ما رأيت رجلًا يحسن أبوه كحسنه»؟ فيرى الصبان أن هذا الكلام ليس تفوت الدلالة على التفضيل، بقولك: لا، أنت أصلاً يا أخي الكريم لما قلت «ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه» أنت نفيت الأفضلية من خلال النفي، فبالتالي أصبحت الأفضلية منزوعة، وبالتالي يحصل أن يعقبها الفعل. ولا نرى أثرًا لقضية الفاعل السببي هنا، ماذا أثر كون الفاعل سببيًا أم أجنبيًا؟

فالأشموني والصبان لم يوافق الأشموني، وقد أميل للصبان قليلاً لأنه لم يظهر لي فعلاً لماذا هذه ممتنعة؟ الأصل سواء كان الفاعل اسمًا ظاهرًا أجنبيًا أم اسمًا ظاهرًا سببيًا، ما دام النفي تسلط على «أفعل التفضيل» فسلبه الدلالة على التفضيل وأصبح مجردًا من ذلك، الأصل أنه يحسن إقامة الفعل مقامه، بالتالي يصلح أن يكون مثالًا على رفع الاسم الظاهر.

وقال: «ونفسي أو قلت ما رأيت رجلًا يحسنه أبوه فاتيت في موضع أحسن بمضارع حسنه»، إذا فاقه في الحسن للدلالة على المفاضلة، قال: حيث تغير الفعل الذي بُني منه «أحسن»، لأن «أحسن» كأفعل تفضيل من فعل لازم، ولو قلت «حسنة» هنا أصبح من فعل متعدٍ، قال: «ففاتت الدلالة على الغريزة المستفادة من أفعال التفضيل».

وهي كما قلت هي نفس الإشكالية أحبابي الكرام. نعم، لو قلت من «حَسُنَ» ففاتت الدلالة، يعني أصبح متعديًا وليس لازمًا، لذلك ما في داعي أن نقول ما هو من «حَسُنَ»؟ لا، نبقيها أن الفعل من «حَسُنَ» من اللازم، والفعل اللازم هنا يصلح أن يأتي مكان «أفعل التفضيل» لأن «أفعل التفضيل» منفية فسلبت دلالتها على التفضيل، فلا إشكال في قضية «ما رأيت رجلًا أحسن منه أبوه».

بالتالي أحبابي الكرام، الذي يذهب والله أعلم أن اشتراط الأشموني أن يكون الاسم الظاهر أجنبيًا لا داعي له، بل يمكن أن يكون أجنبيًا ويمكن أن يكون سببيًا. وأما اشتراط أن يكون السياق سياق نفي فهذا نعم نتفق فيه مع الأشموني ومع الجمهور.

انتهينا الآن من هذه الفكرة والحمد لله ارتحنا. التنبيه الثاني سريعًا؛ قال في شرح التسهيل: «لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي»، لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر، أي الاسم الظاهر، بأفعل التفضيل إلا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي؛ لفهم المعنى النَّهْوي والاستفهام الإنكاري، كقولك: «لا يكن غيرك أحب إليه الخير منه إليك»، وهذا مثال على النهي، ومثال النفي عفوا، مثال الاستفهام الاستنكاري: «هل في الناس رجل أحق به الحمد منه بمحسن؟».

هل في الناس رجلٌ يسلم الجنسُ؟ أفعل التفضيل، به الحمد، والحمد اسم ظاهر فاعل. منه بمحسن لا يمن نفس الفكرة، بس بصياغة الاستفهام الاستنكاري. فباختصار كما قلت لكم، هذه المسألة كما تكون في النفي، تكون في النهي، تكون في الاستفهام الاستنكاري.

التنبيه الثالث: قال في الشرح الكافية: «واجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به أفعل التفضيل». لا ينصب مفعولًا به؛ لأنه أصلاً -أحبابي الكرام زي ما قلنا قبل شوي- هم يرون أن أفعل التفضيل مأخوذ من فعل لازم. هذا الذي يظهر أن أفعل التفضيل مصوغة من فعل لازم وليس من فعل متعدٍ، بالتالي لا تنصب المفعول به. قال: يعني حتى وبدي أسوق أفعل التفضيل من فعل متعدٍ، لازم أحوله للازم، هكذا الفكرة، زي ما أخذنا في التعجب كذلك.

هذه فكرة مرت معنا سابقًا؛ أنه أي فعل بدك تصوغ منه أفعل التفضيل، إذا كان لازمًا مباشرة تصوغ منه أفعل التفضيل، إذا كان متعديًا على وزن فعل أو فعل، بتحوله لفعل أو بتحاول لصيغة لازمة، المهم وبعد ذلك تصوغ منه أفعل التفضيل. فلذلك أفعل التفضيل بما أنها تدل على غرائز وسجايا، فهي إذاً لا تؤخذ إلا من اللازم أصالة أو مآلًا، وبالتالي لا تنصب مفعولًا به، هذا ظاهر.

قال: «فإن وُجد ما يوهم جواز ذلك، جُعل نصبه بفعل مقدر يفسره أفعل التفضيل»، نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. «حيث» هنا مفعول به لا مفعول فيه؛ لأن المعنى يأبى أن تكون «حيث» هنا ظرف مكان، لأن «حيث» ظرف مكان، يعني: الله أعلم في حيث يجعل رسالته. إما علم الله سبحانه وتعالى موجود داخل هذا المكان في هذه الحيثية، لا، المراد «حيث يجعل رسالته»، المراد المفعول به؛ يعني يعلم الله، يعلم هو أين توضع الرسالة، فحيث يجعل رسالته هو المفعول به للعلم وليس هو ظرف للعلم.

هذه الفكرة باختصار: «حيث يجعل رسالته»، الحيثية هنا هي مفعول به للعلم وليست ظرفًا محتويًا على العلم. فيقول: لكن بما أن أفعل التفضيل لا ينصب مفعولًا به، بالتالي بدك تقدر فعلًا مأخوذًا من أفعل التفضيل. فالتقدير: الله أعلم، التقدير: يعلم حيث يجعل رسالته، فحيث تقول مفعول به لفعل محذوف تقديره أو فعل مقدر تقديره يعلم.

وإن كان البعض حتى نازع في هذه القضية، في الحقيقة قال: فحيث أنا مفعول به لا مفعول فيه، وهي في موضع نصب لفعل مقدر يدل عليه «أعلم». ومنه أيضًا قول الشاعر: وأحمى للحقيقة منهم وأضربُ ... منا بالسيوف القوانصِ

«القوانص» مفعول به، لكنها ما بتنفع أن تكون مفعولًا به لـ «أفعل التفضيل» (أضرب)، فنجعلها مفعولًا به لفعل مأخوذ من أفعل التفضيل؛ التقدير: أضرب يضرب القوانص، فالقوانص مفعول به لفعل تقديره يضرب، والله تعالى أعلم.

نعم، طولنا في هذه المسألة كما تلاحظون، المسألة شائكة نوعًا ما، أصلًا الكلام فيها عميق وفيه أخذ مباراة وتجاذبات في التعاليم ولماذا وهكذا، وكل شخص يحاول أن يطرح تصوره عن هذه المسألة. أشعر أو أسأل الله تعالى أني أوصل الفكرة باختصار؛ قضية هذه الخاتمة في تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر، هذه أدعها لكم، ليس لها علاقة بموضوعنا فيما نحن فيه، وإنما تتكلم أنه أفعل التفضيل إذا كانت هي أصلاً مشتقة من فعل يتعدى ببعض حروف الجر، فكيف تأتي بحروف الجر بعد أفعل التفضيل وهي مشتقة من فعل متعدٍ بحروف الجر؟ ذكر ذلك، اقرؤوها، لا يوجد ولي الأمر يحتاج إلى شرح، وليست هي من صلب موضوعنا.

هكذا أحبابي نقفل الباب على موضوع العوامل التي تعمل العمل اللي فات، ونهينا شوطًا من الألفية بحمد الله. ننتقل نعم، الألفية فيها نفس، لكن الأمر ليس صعبًا، ليس مستحيلاً أن نكمل المشوار إن شاء الله أحبابي الكرام. أي مادة علمية تحتاج إلى تعب حتى تنضج في ذهن طالب العلم، لكن أنا أعتقد أنه من انضبط بالألفية بهذا النفس وبهذا الكتاب وبهذا التحليل وفهم المراد ومارس الإعراب، أظنه إن شاء الله يقطع مشوارًا كبيرًا ولا يحتاج أكثر من ذلك، إذا لم يكن قصده التخصص الكبير في النحو. أظن مستوى الأشموني مع تعليقات الصبان، في سماع قراءة شرحين أو ثلاثة على الألفية بعد أن نمت، إن شاء الله منها تقرأ مثلاً «أوضح المسالك»، تقرأ «حاشية الخضري على ابن عقيل»، إن شاء الله تصبح متينًا مميزًا في النحو وتحصل على البضاعة التي تحتاجها في حياتك العلمية.

نذهب الآن إلى جديد، ألا وهو باب التوابع. من الأبواب الأساسية في علم النحو هو باب التوابع، بعد أن أنهى أساسيات علم النحو وأنهى العوامل التي تعمل، الآن ينتقل لموضوع التوابع والملحقات. وهذا يعني صحيح التوابع أربعة، لكن من هنا إلى مئتين بيت هي الأبواب -بسميها أنا التبعية في علم النحو-. سيتكلم عن التوابع الأربعة، سيتكلم عن النداء عن أنواع النداء، سيتكلم عن العدد، سيتكلم عن أسماء الأفعال، هل سيتكلم عن التوكيد؟ ثم بعد ذلك سينهي أبواب النحو بالكلام عن الفعل المضارع بنواصبه وجوازمه. وإن كان البعض أصلاً يقدم هذا المبحث كما فعل ابن هشام في «قطر الندى»، لكن كانت طريقة ابن مالك تأخير هذا المبحث للنهاية، وهذا اجتهاد منه رحمة الله عليه.

الآن إذا نحن في التوابع، باب مهم، وابن مالك سيشرع بأول تابع من التوابع وهو النعت، لكن قبل أن يشرع سيقدم مقدمة ابن مالك فيقول: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُولُ ... نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلُ

ذكر لك التوابع في بيت واحد: النعت، التوكيد، العطف، والبدل. العطف هنا يشمل عطف البيان وعطف النسق وسنفرق بينهما ما شاء الله. نعت وتوكيد وعطف وبدل، هذه هي التوابع أربعة وخمسة إذا فصلنا عطف النسق عن عطف البيان كما يفعل الكثير من النحاة.

فكرة التوابع أن هذه التوابع الأربعة تتبع الأسماء السابقة لها، قال: «يتبع في الإعراب». طبعًا هنا ركز على التبعية في الإعراب؛ لأن هذا هو الشيء المشترك بين جميع التوابع، النعت والتوكيد والعطف والبدل، ومن أجلها سميت توابع، لأنها تتبع ما قبلها في الإعراب. هل تتبع ما قبلها في أشياء أخرى؟ نعم، لكن فيها تفصيل واختلافات، لكن يهمنا الشيء الأساسي المشترك بيننا جميعًا أنها جميعها تتبع ما قبلها في الإعراب؛ لذلك قال: «يتبع في الإعراب»، ركز على هذا، يتبع في الإعراب الأسماء الأول، يعني الاسم السابق.

النعت والتوكيد والعطف والبدل، فالنعت يتبع. يعني يتبع النعت والتوكيد والعطف والبدل في الإعراب الأسماء الأول، هيك إعادة صياغة البيت. يتبع النعت والتوكيد والعطف والبدل في إعرابه الأسماء الأول. لكن هنا في إشكالية؛ هو أن المفهوم من الجملة أن المتبوع الآن عندنا تابع وعندنا متبوع. يظهر من كلامه أن المتبوع دائما يكون اسماً من الأسماء، لكن في الحقيقة سنجد في بعض الأحيان أن المتبوع قد يكون فعلاً من الأفعال كما سيأتي معنا مثلاً في عطف النسق وفي البدل.

أحياناً لا يكون المتبوع اسماً، يكون المتبوع فعلاً. فكأنه هنا باعتبار الأغلب والأكثر والأصل. نعم، الأصل أن المتبوع يكون اسماً، وهذا لا يمنع أنه في بعض الأحيان قد يأتي فعلاً، وفي بعض التوابع قد يأتي فعل، لكن هذه حالة على خلاف الأصل، فلا يعني تثريب ابن مالك في عدم استثنائه هنا.

إذا قال الأشموني رحمه الله تعالى: «التابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر». هذا التعريف هو الذي ساقه الأشموني، يقول: «التابع هو المشارك لما قبله في الإعراب الحاصل والمتجدد». يعني طبيعة التابع أنه يلحق ما قبله، يلحق المتبوع في أي إعراب له؟ كان المتبوع مرفوعاً يصير التابع مرفوعاً، المتبوع تحول وأصبح منصوباً التابع يتحول، المتبوع أصبح مجروراً التابع يصير مجروراً.

أقول: جاء زيد التاجر، إذا تحولت زيد إلى منصوبة "رأيت زيداً" يتحول التابع إلى منصوب "رأيت زيداً التاجراً". وإذا أصبحت زيد مجرورة "مررت بزيد" هنا يجب أن يتبع التابع فيصير مجروراً "مررت بزيد التاجر"، وهكذا أحبابي الكرام.

يقول التابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد. الحاصل بنجلي كما قلنا اختلاف العوامل على المتبوع؛ المتبوع قد يكون مرفوعاً على الفاعلية فيصبح منصوباً، تحصل له شيء جديد، نصب على المفعولية، تحصل له شيء ثالث، جر بالحرف، والنعت يلحقه أو التوابع عموماً تلحقه. فلذلك قال: المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد، ثم قال: غير خبر.

هذا القيد الأخير "غير خبر" أراد أن يخرج به الخبر المركب من كلمتين، وهذا معنى الخبر المركب من كلمتين؛ تكون الكلمة الثانية منه دائماً مع الكلمة الأولى في إعرابها الحاصل والمتجدد. وهذا مثاله كما قلنا سابقاً: الخبر المركب، نقول: «هذه التفاحة حلوة حامضة» أو «هذا الطعام حلو حامض». الآن "حلو حامض" هي برمتها خبر في الحقيقة. "حلو حامض" هذا الطعام؛ "الطعام" مبتدأ و"حلو" بدل منه، والخبر هو كلها "حلو حامض".

ونلاحظ أنه الخبر هنا مركب من كلمتين، الكلمة الثانية دائماً ستتبع الكلمة الأولى. فلو أننا مثلاً قلنا: «كان الطعام حلواً حامضاً»، ستكون منصوبة، ستصبح «حلواً حامضاً». إذاً مررت بطعام أو مثلاً "صعب" تكون هذه بهذه الصورة، لأن الخبر يأتي مرفوعاً أو منصوباً. إذاً خلينا في صورة الرفع وصورة النصب؛ إذا لاحظوا «هذا الطعام حلو حامض»، طبعاً يمكن نقول هذا خبر أول وهذا خبر ثاني من حيث الإعراب، لكن وفي الحقيقة هو خبر مركب.

الخبر الثاني لاحظوا أنه دائماً سيتبع الخبر الأول، فإذا الخبر الأول مرفوع الثاني سيكون مرفوعاً، ولو أصبح الخبر الأول منصوباً مثلاً، فدخلنا مثلاً بـ «كان هذا الطعام» وأصبح «حلواً حامضاً»، مباشرة راح تتغير لحلو حامضاً. الآن هذا التغير، هل تبعية "حامض" لـ "حلو" تجعلها من قبيل التوابع؟ لأ، فأراد أن يستثنيها الأشموني في تعريفه، فيقول لك: التوابع هي المشارك لما قبله في الإعراب الحاصل والمتجدد، بشرط ألا تكون هذه المشاركة على سبيل الخبر.

إذا كانت هذه المشاركة مشاركة الثاني للأول، أو مشاركة التالي للسابق، إذا كانت هذه المشاركة في الإعراب الحاصل والمتجدد على وجه الخبرية، ويقصد بها الخبر المركب، هذا لا يسمى عرفاً من التوابع. لابد أن تكون مشاركة من الثاني للأول، أو من التالي للسابق، في الإعراب الحاصل والمتجدد على غير وجه الخبرية، فهذه فائدة القيد الأخير.

فقوله فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ الطبيعي؛ الآن خبر المبتدأ، المبتدأ مرفوع والخبر مرفوع، لكن إذا المبتدأ تغير إعرابه فصار المبتدأ مثلاً منصوباً بـ "إن"، هل الخبر يتبع المبتدأ ويصير منصوباً بـ "إن"؟ لا، الخبر سيبقى مرفوعاً. فنلاحظ أنه فعلاً الخبر لا يتبع المبتدأ في إعرابه الحاصل والمتجدد، حتى لو تطابقوا في الصورة، لكن لو تجدد للمبتدأ صورة أخرى، الخبر لن يتبعه فيها.

كذلك المفعول الثاني؛ الآن المفعول الأول والمفعول به الثاني في الأفعال التي تنصب مفعولين، هل العلاقة بين المفعول به الثاني والمفعول به الأول أن الثاني دائماً يتبع الأول في إعرابه؟ لا. نعم هم في الحالة الطبيعية كلاهما منصوب، لكن لو المفعول به الأول أصبح نائب فاعل مرفوع، هل المفعول به الثاني يتحول مثله نائب فاعل مرفوع؟ لا، بل يصبح مرفوعاً مثله، فهذا يدل على عدم الترابط بينهم، ما في اشتراك.

كذلك قال: وحال المنصوب وحال صاحب الحال المنصوب، هذا قصده "وحال المنصوب"، يعني لو كان عندي صاحب حال منصوب: «رأيت زيداً راكباً»، "زيداً" مفعول به و"راكباً" حال، الآن الحال منصوب وصاحبها منصوب. طيب لو صاحب الحال صار مرفوعاً، هل الحال ستصير مرفوعة؟ لا، لو قلت: «جاء زيدٌ»، هل أقول: «جاء زيدٌ راكبٌ»؟ لا، تبقى: «جاء زيدٌ راكباً».

فصاحب الحال إذا كان منصوباً وكان الحال منصوباً، هذا ليس معناه أن الحال تابع، لأنه صاحب الحال هنا عرضاً كان منصوباً، لو أصبح مجروراً أو مرفوعاً سيبقى الحال منصوباً على كل أشكاله. فبالتالي أحبابي الكرام المراد هنا كما ذكرت لكم، يريد أن يبين أنه قد يتوهم طالب أن الخبر تابع للمبتدأ، أو أن المفعول الثاني تابع للمفعول به الأول، أو أن الحال يكون تابعاً لصاحبه المنصوب، فيقول لك: لا، لأنه بمجرد أن يختلف الأول عن الثاني لا يلحقه، فهذا ليس تابعاً.

وقوله "بغير خبر" أراد به أن يخرج كلمة "حامض" من قولك: «هذا حلو حامض»، وعرفتم أنه "حلو حامض"، "حامض" دائماً تتبع "حلو" في إعرابها، بس هذه التبعية لا تجعلها من قبيل التوابع لأنها تبعية خبرية، والتبعية الخبرية ليست من قبيل التوابع النحوية المصطلح عليها.

قال: تم. الأول سيأتي أن التوكيد والبدل وعطف النسق تتبع غير الأسماء، يعني قد يكون المتبوع كما ذكرت لكم قبل قليل أفعالاً.

وبالتالي بالحق التوكيد، قد تؤكد حروف تقول نعم، نعم؛ فليس دائما المتبوع أحبابي الكرام يكون اسماً كما يوهمه عبارة ابن مالك، لكن الأصل أن يكون اسماً، هكذا نقول حتى نختصر على أنفسنا، وإنما خص الأسماء بالذكر لكونها الأصل.

الثاني في قوله "الأسماء"؛ كلمة "الأول" فيه قد إشارة إلى منع تقديم التابع على المتبوع، وهذا الأصل أن التابع لا يتقدم على المتبوع؛ فالنعت لا يتقدم على المنعوت، والتوكيد لا يتقدم على المؤكد.

أجاز صاحب البديع -وسأذكر من خالف في هذا ويدخلنا الأشموني في بعض الأقوال البعيدة أو القليلة التي غير مشتهرة- قال صاحب البديع: تقديم الصفة على الموصوف إذا كانت الصفة لاثنين أو لجماعة وتقدم أحد الموصوفين فجاءت الصفة بين الموصوفين، كأن تقول: «قام زيدٌ العاقلان وعمرو»، وهي أصلاً: «قام زيد وعمرو العاقلان». ذكر صاحب البديع أنه يجوز أن تأتي بالصفة منتصفاً بين الموصوفين فتقول: «قام زيدٌ العاقلان وعمرو». قال: «ولستُ مقراً للرجالِ ظلامةً ... أبا ذاك عَمِّي وخالِي الأكْرَمَا»، وأصلها: «أبا ذاك عمي وخالي الأكرمَا»، لكن أتى بالصفة بين الموصوفين.

وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف على المعطوف عليه بشروط ستذكر في موضعها، وهذا نذكره إن شاء الله في باب عطف النسق، فهذه أحوال استثنائية، لكن الأصل فعلاً تقديم المتبوع وتأخير التابع.

التنبيه الثالث: اختلف في العامل في التابع، وهذه مسألة مهمة، هذا تنبيه ثالث مهم. القاعدة العامة أحبابي أن العامل في المتبوع هو نفس العامل في التابع، احفظوها: العامل في المتبوع هو نفس العامل في التابع. قال: فذهب الجمهور إلى أن العامل في المتبوع هو نفس العامل في التابع؛ فالذي يعمل في المنعوت هو نفس الذي يعمل في المنعوت الذي يعمل في التوكيد أو المؤكد هو نفسه الذي يعمل في المؤكد. قالوا: واختاره الناظم ومظهر مذهب سيبويه.

لكن بالنسبة للبدل بالتحديد أحبابي الكرام، الصحيح أن بدل العامل فيه -أو يقول البدل علانية- تكرار العامل؛ فليس نفس العامل الذي عمل في المبدل منه هو الذي يعمل في البدل، ليس ذات العامل الذي عمل في المتبوع هو الذي عمل في البدل، الصحيح أنه هناك نية في تكرار العامل، كأنه هناك هذا العامل الذي عمل في المبدل منه كررته وجعلت هذه النسخة المكررة هي التي تعمل في البدل. فلذلك يجب أن تنتبه على موضوع البدل بالتحديد، أنه ليس نفس العامل الذي في المتبوع هو العامل في البدل، بل الصحيح أن هناك نية لتكرار العامل، والنسخة المكررة التي نويتها هي التي عملت في البدل، فهذا ينتبه له.

التنبيه الرابع: قال لم يتعرضوا لبيان رتبة التابع؛ يعني إذا اجتمعت التوابع مع بعضها البعض في جملة واحدة فكيف ترتب؟ اجتمع النعت والتوكيد والعطف والبدل كله في جملة واحدة، كيف نرتبها؟ قال: ويبدأ عند اجتماع التوابع بالنعت؛ يبدأ أول شيء بالنعت فيقدم، ثم يأتي بعده عطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل، ثم بعطف النسق. فتقول مثلاً: جاء الرجلُ الفاضلُ (نعت)، أبو بكرٍ (عطف بيان)، نفسه (توكيد)، أخوك (بدل)، وزيدٌ (عطف نسق). حافظوا على هذا الترتيب، هذه فائدة جميلة ولطيفة.

الخامس: قدم في التسهيل؛ الآن في كتب النحاة ما الذي يدرس أولاً؟ هذه مسألة اصطلاحية اجتهادية. بعض النحاة يدرس أولاً من التوابع التوكيد كما فعل في التسهيل، وبعضهم يقدم النعت. الآن في قضية التدريس الأمر أسهل أحبابي، ولو أننا التزمنا قضية ترتيب التوابع، نحن قلنا التوابع كيف ترتب بالجملة إذا اجتمعت، لا نقول نعت، عطف بيان، توكيد، ثم بدل، ثم عطف نسق. لو أنه روعي هذا الترتيب نفسه في تعليم الأبواب لطالب النحو، هذا يكون جيداً، ولذلك ابن مالك بدأ بتعليم النعت، يعني كلامه فيه نوع من المعقولية، في الفائدة الخامسة لا يحتاج إليها كثيراً.

نذهب الآن إلى النعت؛ بعد أن عرف التوابع وأشار إليها انتقل إلى النعت، فقال: «النعت تابع متم ما سبق»، لأن هذا تعريف النعت عند ابن مالك. والنعت، وهذه الفاء تسمى الفاء الفصيحة، وهي تفصح عن شرط محذوف، والتقدير: إذا عرفت التوابع فالنعت تابع متم ما سبق. هكذا تقول، هذه الفاء الفصيحة تفصح عن شرط محذوف، والتقدير: إذا عرفت التوابع وما هي، فالنعت هو كذا وكذا منها.

فالنعت تابع، أي أي تابع من التوابع تريد أن تعرفه ستعرفه بكلمة تابع، النعت تابع. طيب ما موضوعه؟ قال: «متم ما سبق»، وسيأتي معنا أن معنى إتمام ما سبق، أن فائدته الأساسية للنعت إما أن يوضح المنعوت إذا كان النعت في المعارف، وإما أن يخصص المنعوت إذا كان النعت للنكرات. طبعاً هناك فوائد أخرى للنعت قد تأتي معنا كالمدح والذم والترحم، سيأتي، لكن الفوائد الأساسية للنعت والمقاصد الأساسية له: توضيحه في المعارف والتخصيص في النكرات.

فهذا معنى أنه متم ما سبق، وهنا "ما" اسم موصول وهي مفعول به لاسم الفاعل "متم"، لاحظ أنه اسم فاعل وهو معتمد، اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال وهو معتمد. قال إن النعت تابع متم لأنه خبر ثانٍ للنعت، فمعتمد وبمعنى الحال والاستقبال فهو يصلح للعمل، فجاء عامل إلى "ما" وهي المفعول به لاسم الفاعل "متم ما سبق"، أي النعت تابع يتم ما سبق وهو منعوته.

ثم قال: «بوَسْمِ ما به اتصل»، في الشطر الثاني أراد أن يبين أن النعت على نوعين، كما درسنا في الآجرومية وكما درسنا في قطر الندى؛ أن النعت قد يكون نعتاً حقيقياً إذا كان النعت المراد به وصف المنعوت وصفاً يقوم في المنعوت، وقد يكون النعت سببياً إذا كان النعت وصفاً لا يقوم في المنعوت بل يقوم في سببه. فمثال الأول: الرجل الفاضل، فالفاضل نعت وهو يقوم في المنعوت. لكن لو قلت: جاء الرجل الفاضل أبوه، فالنعت هنا هو الفضل وليس قائماً في المنعوت، بل المعنى حقيقة قائم في السبب وهو الأب، وهو الذي جاء بعد، فهو أراد أن ينبه على هذه القضية أن النعت ينقسم إلى نعت حقيقي ونعت سببي.

قال: «بوَسْمِ»، أي المراد بالنعت، النعت تابع متم ما سبق إما من خلال وصفه لمنعوته أو وصفه لسبب منعوته، هكذا تقول؛ إما بوصفه للمنعوت حقيقة، وهذا النعت الحقيقي، وإما بوصفه لسبب المنعوت، وهو النعت السببي. إذن فالنعت في عرف النحاة كما قال الأشموني: تابع متم ما سبق، أي مكمل للمتبوع من خلال وسمه للمتبوع أي تعليمه له وهو النعت الحقيقي، أو لوسم ما به اتصل وهو النعت السببي.

قال: «فالتابع»، قال جنس كلمة التابع، والجنس الآن بده يشرحه سريعاً، الجنس يشمل جميع التوابع المذكورة. وقوله "متم ما سبق" مخرج للبدل والنسق، لماذا؟

لأننا قلنا ما معنى متم ما سبق؟ أي أن فائدته توضيح ما سبق إذا كان النعت معرفة لمعرفة، وإما تخصيص ما سبق إذا كان نعت نكرة لنكرة. والبدل ليس مراده التوضيح ولا التخصيص أصالة، قد يحصل التوضيح أو التخصيص تبعاً، ممكن. لكن أساساً البدل كما سيأتي معنا ليس مقصوداً منه التوضيح أو التخصيص لما سبق، بل البدل هو المقصود أصالة؛ أصبح في الحكم هو المقصود أصالة.

وعطف النسق هو أصلاً على المغايرة، أنه متبوع مغاير للتابع، بينهما مغايرة. ففعلياً البدل والنسق ليس المراد منهم الإيضاح للمتبوع ولا التخصيص له بخلاف النعت. فهكذا فقوله "متم ما سبق" كأنه أخرج به البدل وعطف النسق. وقولهم "بوسمه" أو "وسم ما به اتصل" هذا مخرج لعطف البيان والتوكيد؛ ليه؟ قال لأنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق، أنه عطف البيان والتوكيد صحيح المراد بهما إما التخصيص وإما التوضيح.

قال لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله. يعني كلها عطف البيان والتوكيد، إذن كلها فيها معنى الدلالة، كما في رفع الاشتراك ورفع الاحتمال؛ لأننا لما نخصص النكرات من خلال النعت نحن بنرفع الاحتمال أو بنقلل الاشتراك على أقل تقدير. النعت كما قلنا فائدته إما التوضيح في المعارف أو التخصيص في النكرات، والتخصيص في النكرات هو تقليل للاشتراك. وهذا نفس فائدة أيضاً التوكيد وعطف البيان.

فأنا عندما أقول: "جاء عمر أبو حفص"، فهنا عطف البيان يدل على ماذا؟ يدل على توضيح من هو عمر. ولو قلت مثلاً على سبيل النكرات: "جاء رجل"، أو مثلاً في الآية المشهورة: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾، من أعرب "صديد" على أنها عطف بيان، فهنا "صديد" عطف بيان للماء، والمراد منها كما قالوا التخصيص. فعطف البيان يفيد توضيحاً أو تخصيصاً كما سيأتي معنا إن شاء الله، ويبين أن مقاصد عطف البيان هي نفس مقاصد النعت في الجملة: التوضيح والتخصيص؛ التوضيح في المعارف والتخصيص في النكرات، لكن هناك فروق بينهم من حيث الصياغة.

كذلك التوكيد؛ لما أقول: "جاء الرجل نفسه" أو "جاء زيد نفسه"، أنا لما أقول لك "نفسه" في الحقيقة أنا مقصدي -أحبائي الكرام- أؤكد وأزيل أي إبهام يمكن أن يحدث، أن الذي جاء غير زيد، أو "رأيت رجلاً عينه"، نفس الشيء؛ تريد أن تقلل الاشتراك أو ترفع الاحتمال. فهناك نوعاً ما تشابه بين هذه الثلاثة في المقاصد.

قال: "إلا أن النعت يوصل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو في متعلقه، وأما التوكيد والبيان فليس كذلك". يعني النعت والتوكيد وعطف البيان فائدتهم الأساسية خلينا نقول توضيح وتخصيص، لكن الفرق بينهم أنه النعت يضيف شيئاً، يضيف معنى على المنعوت، يضيف وصفاً له؛ إما وصفاً للمنعوت نفسه كما ذكرنا في النعت الحقيقي، أو وصفاً لسببية النعت فيه. أما التوكيد فالتوكيد هو نفس المؤكد: "جاء الرجل نفسه"، لم تضف معنى على الرجل. وعطف البيان نفس الشيء: "جاء عمر أبو حفص"، أنت لم تضف شيئاً على عمر؛ فعطف البيان والتوكيد لا يبيثان شيئاً أو معنى على المتبوع. أما النعت، لا نلاحظ أن النعت يضيف شيئاً، يعطي معنى جديداً في المتبوع. هذه الصفة خاصة بالنعت فيخرج بذلك التوكيد وعطف البيان، ويأتي التعريف جامعاً مانعاً كما يذكرون.

إذن فالنعت تابع؛ هذا الفصل، أو خلينا نقول جنس التعريف "متم ما سبق" هذا الفصل الأول، "بوسمه" أو "وسمه" انطلق هذا الفصل الثاني. فالتابع جنس يشمل الجميع، "متم ما سبق" أخرج به البدل والنسق لأنها ليست للإتمام بل لمعانٍ أخرى، و"وسمها" أو "وسم بها التابع" أخرج التوكيد وعطف البيان؛ لأن التوكيد وعطف البيان لا يضيف معنى على المنعوت، وأما النعت فيضيف شيئاً عليه: "جاء زيد التاجر" أضفت له معنى، "جاء الرجل الفاضل" أضفت معنى.

قالوا: والمراد بالمتم، ما معنى قول متم؟ قال: المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام. لكن نحن بدنا نركز أن الإتمام لما سبق أساساً هو إما التوضيح في المعارف أو هو التخصيص في النكرات؛ لأن الآن سيذكر معاني كثيرة أو فوائد كثيرة للنعت. فانت احفظ يا طالب العلم أن أساس النعت هو التوضيح أو التخصيص، والفوائد الأخرى التي سيذكرها الآن ستكون على سبيل التبع.

قال: والمراد بالمتم المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام من توضيح، فتقول مثلاً: "جاءني زيد التاجر" أو "التاجر أبوه"، هذا توضيح لأنه نعت للمعارف. قال: أو تخصيصه، "جاءني رجل تاجر" أو "تاجر أبوه"، لاحظ مثال الحقيقي والنسبي، هذه من هنا بدأنا في الفوائد الثانوية.

قال: "تعميم"، ﴿يَرْزُقُ اللَّهُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، كلمة الطائعين والعاصين معطوف عليها، وأنا أشوفها أنت مع المعطوف عليه؛ فائدة التعميم يؤتيه الله أو يشغل عباده جميعاً حتى أدلل على الجميع، على التعميم؛ أقول الطائعين والعاصين. والدلالة على "الحمد لله رب العالمين"، هنا نعت لفظ الجلالة "الله" سبحانه وتعالى منعوت، ونعت "رب العالمين". فهنا إن النعت المراد منه المدح وليس التوضيح؛ لأن الله لا أوضح منه، هو أوضح شيء. فقالوا لا يمكن أن يكون النعت توضيحاً هنا، وإنما المراد به المدح لله.

وقد يكون النعت للذم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. طبعاً هنا أحبائي الكرام، إذا كان النعت معرفة وهو واضح في نفسه، فلما يؤتى بعده بنعت في العادة لا يكون المراد التوضيح، يكون به شيء آخر؛ إما مدح وإما مثلاً هنا ذم الشيطان بأنه رجيم، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، القرية أهلها أتى بهذه الآية لأنها نعت سببي، والمراد نفس الشيء؛ قال هنا الذم. لكن يمكن يقال أيضاً لمراد التوضيح، يمكن أن يقال في هذه الآية أيضاً المراد التوضيح، وإن كان فعلاً معنى الذنب ظاهراً.

قالوا: وقد يراد بالنعْت الترحم، كقولك: "اللهم إني عبدك المسكين"، المسكين نعت للعبد، المراد بها في هذا السياق التذلل والترحم لله، أي طلب الرحمة منه. قد يراد بالنعت مجرد التوكيد أحبائي الكرام. قال: "أمسِ الدابر"، أمس الدابر المنقضي أمدّه لا يعود. طبعاً "أمس" قال هكذا "أمسِ" مبنية على الكسر، "أمسِ الدابر" مبنية على الكسر في محل رفع مبتدأ، والدابر نعت مرفوع بناءً على المحل. فقالوا "أمسِ الدابر" وبمعنى "أمسِ"، فأمس بمعنى الدابر، فهنا نأتي لمجرد التوكيد، وهنا النعت لم يضف معنى على المنعوت.

شف صار زي التوكيد؛ مش قلنا قبل شوي أن التوكيد وعطف البيان لا يضيف معنى على المنعوت؟ في بعض صور النعت -وهي قليلة- النعت لا يضيف معنى على المنعوت، فيكون لمجرد التوكيد. يعني ما ضابط متى يأتي النعت للتوكيد؟ يقول: إذا لم يضف معنى على المنعوت.

وقد يكون المراد من نعت الإبهام: «تصدقت بصدقة كثيرة» أو «صدقة قليلة»، نوع إبهام نافع ثوابها، أو شائع احتسابها؛ وهذا نعت سببي. سأعطيك مثالاً على الحقيقي والسببي: «صدقة كثيرة» أو «قليلة» هذا حقيقي، و«صدقة نافع ثوابها» أو «شائع احتسابها» هذا سببي. لكن في الحقيقة لو كنت تصدقت بسرقة نافع ثوابها أو شائع احتسابها، فهذا أيضاً فيه تخصيص وليس لمجرد الإبهام؛ فالموضوع قد تدخل فيه أيضاً مسألة قصد المتكلم.

وقد يكون للتفصيل أيضاً؛ مثل: «مررت برجلين: عربي وعجمي»، هذا تفصيل، و«كريم أبواهما لئيم أحدهما»، الشيء أيضاً فيه شيء من التفصيل. المهم هذه مقاصد كما قلنا إضافية، من الجيد أن نقف عليها، والطلاب يهتم بها البلاغيون أكثر من النحويين في الحقيقة. ثم ختم هنا فقال: «ويسمى الأول من هذه الأمثلة نعتاً حقيقياً، ويسمى الثاني نعتاً سببياً»، فهناك نعت حقيقي ونعت سببي.

نذهب الآن إلى الفكرة التي تليها، قال: «وليعط في التعريف والتنكير ما لما تلا». الآن عرفنا أن المشترك بين كل التوابع أن التابعة تتبع متبوعها في الإعراب: رفعاً، ونصباً، وجراً؛ هذه واضحة، الآن سنأتي للنعت بالتحديد. هل هناك أشياء أخرى يتبع فيها النعت منعوته؟ في الحقيقة نعم، لكن سيفترق النعت الحقيقي عن النعت السببي في هذا الباب.

نقول: عندنا نعت حقيقي وعندنا نعت سببي. عمركم فهمتم الفرق بين النعت الحقيقي والسببي؟ النعت الحقيقي هو وصف لما سبق، أما النعت السببي فهو وصف لما لحق. النعت الحقيقي والنعت السببي كلاهما يتبع ما قبله في الإعراب، وأيضاً ما ذكره في هذا البيت: «وليعط في التعريف»، نعم، في التعريف والتنكير؛ وهذا نفس الشيء يتبع ما قبله في التعريف والتنكير، يشتركان في هذه الأمور أيضاً.

إذاً باختصار: إذا كان المنعوت معرفة، فالنعت يجب أن يكون معرفة، وإذا كان المنعوت نكرة، فالنعت يجب أن يكون نكرة. هذا هو الأصل العام، اللهم إلا سيذكر من استثناءات، لكننا سنحفظ الأصل ثم يأتي الاستثناء. الأصل هو: «وليعط في التعريف والتنكير ما لما تلا»، يعني النعت يعطى تعريفاً وتنكيراً باعتبار ما تلاه، أي باعتبار المتبوع؛ فإذا كان المتبوع معرفة فالنعت معرفة، وإذا كان المتبوع نكرة فالنعت نكرة.

قال: «كمر بقوم كرماء»، قوم نكرة فالنعت جاء نكرة. قال: «إذاً وليعط النعت مطلقاً»، مطلقاً يعني سواء كان نعتاً حقيقياً أو سببياً، في التعريف والتنكير ما لما تلا، أي للذي تلاه وهو المنعوت. هذا قصده بـ«ما تلا». «تمر بقوم كرماء» فهذا مثال أول، ثم ذكر الأشموني باقي الأمثلة: «وبقوم كرماء» نعت سببي نكرة، و«بالقوم الكرماء» نعت حقيقي معرفة، و«بالقوم الكرماء آباؤهم» نعت سببي معرفة.

ثم ذكر تنبيهات، قال: أول ما ذكره من وجوب التبعية في التعريف والتنكير هو مذهب الجمهور، وهو الذي أريدكم أن تحفظوه جيداً ولا تنتقلوا عنه، لكن أن تطلع أن هناك مذاهب أخرى لأهل العلم في هذه المسألة. فمثلاً أجاز الأخفش أن تنعت النكرة المخصوصة بالمعرفة؛ يعني إذا خصصت يجوز، وبعد ذلك إذا امتنعت بمعرفة. وجعل «الأوليان» الواردة في آية المائدة في قوله: ﴿فَآخِرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [النساء: 92]، جعل «الأوليان» نعتاً لـ«آخران»، مع أن «آخران» نكرة وهي المتبوع، و«الأوليان» معرفة وهي التابع.

ما الذي سوغ ذلك عند الأخفش؟ أن النكرة هنا خصصت ثم نعتت؛ فـ«آخران» طبعاً التخصيص هو نحت أصلاً، بـ«الذين استحق عليهم»، هذه الجملة هي التي قامت بتخصيص المنعوت، فلما تم تخصيصه جاز بعد ذلك أن ينعت بالمعرفة وهي «الأوليان». وأجاز بعضهم العكس، أي وصف المعرفة بالنكرة، وهذا عكس تماماً، وأجازه ابن الطراوة بشرط؛ أن يكون وصف النكرة خاصاً بذلك الموصوف المعرفة، ومثل بقول الشاعر: «أبيت كأني ساورتني ضئيلة... من الركش في أنيابها السم ناقع»، يعني يبيت وكأنه هناك حية في أنيابها السم ناقع، السم منعوت و«ناقع» هو النعت، السم معرفة والنعت «ناقع» نكرة.

سوغ ابن الطراوة ذلك بأن السم الناقع هنا الوصف -وهو كلمة ناقع- يختص بالموصوف، فالسم هو الوحيد الذي يوصف بأنه ناقع، فلما كان الوصف مختصاً بالمنعوت لا يغادره إلى غيره وليس شائعاً في غيره، فهذا سهل أن نصف المعرفة بالنكرة. لكن قال: «والصحيح مذهب الجمهور وما أوهم خلاف ذلك فمؤول»، فلا تنظر في الأقوال الأخرى ولكن تعرف عليها سريعاً.

التنبيه الثاني، استثنى الشارح -ومَن الشارح؟ قلنا ابن الناظم- استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس. المراد بلام الجنس الدالة على واحد مبهم، وهذه مرت معنا لما تكلمنا عن أنواع الـ، إذ تتذكرون أنه من أنواع الـ الجنسية التي ليست لحقيقة الجنس فقط، بل تدل على فرد من الأفراد، فهي للجنس ضمن فرد مبهم من الأفراد.

فالمعرف بلام الجنسية قالوا هو أصلاً قريب جداً في معناه من معنى النكرة، لذلك سوغوا أن ينعت بالنكرات. لكن الأكثر على أن الجنسية تدل على حقيقة الجنس ضمن فرد مبهم من أفرادها، مثل «أدخل السوق» أو «أدخل المسجد»، المراد ليس حقيقة الجنس فقط، بل حقيقة الجنس ضمن فرد مبهم من أفرادها. ولما كانت قريبة من معنى النكرة، جوزوا أن ينعت بنكرة.

أصل المنعوت ما عُرف باللام الجنسية فقالوا يجوز أن يكون النعت نكرة، لكن البعض قال: النعت النكرة هنا يكون جملة فقط، والبعض وسع وقال: لا يكون جملة وغير جملة. فيه خلاف هل يكون النعت جملة فقط أم يجوز النعت بغير الجملة، لكن كلام الشارح الظاهر أنه عام، فقد استثنى الشارع من المعارف المعروف بلام الجنس، قال: «لأنه لقرب مسافته من النكرة»، وفهمنا ما يعني قرب المسافة؛ أن النكرة تدل على فرد مبهم، والمعرف بالجنسية التي تدل على الجنس مبهماً ضمن أفراده أيضاً.

قريب من هذا المعنى. قال: «فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة». هذا قيد، مش بعين نكرة، بتنعت بالنكرة المخصوصة. قال: «ولذلك تسمع النحويين يقولون في قول الشاعر: ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني».

الآن هنا المراد فرد من أفراد اللؤمة، فهل هنا للجنس ضمن فرد مبهم؟ هذا قريب جداً من النكرة، فيجوز أن ينعت بنكرة. وهنا لاحظ أنه نعت بجملة "يسبني"؛ جملة "يسبني" هي النعت، وسيأتي معنى أن النعت كما يكون بالوصف المشتق يكون بالجمل وإن كان هذا له شرط. فإن جملة "يسبني" تعتبر نعتاً وليست حالاً؛ لأن المعنى: ولقد أمرُّ على لئيم من اللئام نعتُّه أنه يسبني.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: 37]. فجملة "نسلخ منه النهار" هذه نعت لليل؛ لأن المراد ليل من الليالي، وإن كان في الحقيقة هنا أيضاً قد يراد حقيقة الجنس، فالآية تحتاج إلى إعادة نظر في قضية الإعراب.

قالوا، وقولهم مثلاً: "ما ينبغي للرجل مثلك أو خير منك أن يفعل كذا". لاحظ أن "مثلك" هنا، طبعاً كلمة "مثلك" ممكن بعض يقول لك: يا شيخ "مثلك" هنا أصلاً معرفة. لا، المثل لا يعرف بالإضافة، والمثل والغير في العادة لا تُعرف بالإضافة إلا إذا وقعت بين ضدين أو مثيلين. فالمهم أن "المثل" هنا ليست معرفة بالإضافة، فهي نكرة، والمعرفة هو الرجل. "ما ينبغي للرجل مثلك أو خير منك أن يفعل كذا"، وهنا لاحظوا أن النعت جاء مفرداً وليس جملة، فهذا يدل أن كلام الشارع عام؛ أنه المعرف بـ (أل) الجنسية المراد منها فرد مبهم غير معين، يجوز أن يُنعت بنعت جملة أو نعت مفرد، هذا الظاهر من الكلام هنا.

قال: «الثالث: لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص»، نحو: «رجل وغلام يافع». لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص، يعني يجوز أن يكون النعت أخص من المنعوت في النكرات؛ فرجل عام واليافع خاص، غلام عام ويافع خاص. قالوا: «أما في المعارف فلا يكون النعت أخص عند البصريين، بل يجب أن يكون النعت إما مساوياً للمنعوت أو أعم منه». وقال الشربيني والفراء: «بل يُنعت بالأعم وبالأخص في المعارف»، والمصنف وهو الصحيح. وقال بعض المتأخرين: «تُوصَف كل معرفة بكل معرفة كما تُوصف كل نكرة بكل نكرة»، وهذا قد يكون أسهل على الطالب؛ هذا القرار الأخير خلص: توصف كل معرفة بكل معرفة وكل نكرة بكل نكرة، وأمشِ الحال حتى لا يشوش الطالب على نفسه في هذه القضية.

ثم قال: «وهو لدى التذكير والتأنيث أو سواهما كالفعل: فاقفوا ما قفوا». الآن بدنا نكمل: بماذا يتبع النعت المنعوت؟ نحن عرفنا النعت الحقيقي، وهو نعت السببية، ما قبله في الإعراب يتبع ما قبله في الإعراب، ويتبع ما قبله في التعريف والتنكير، وهذا يتبع قوله في التعريف والتنكير. الآن فيما يتعلق بموضوع التذكير والتأنيث وموضوع الإفراد والتثنية والجمع؛ بالنسبة لموضوع التذكير والتأنيث، فالنعت الحقيقي يتبع ما قبله فيه التذكير والتأنيث، ويتبع ما قبله في الإفراد والتثنية والجمع.

وهنا بالتالي تأتي قاعدة أن النعت الحقيقي يتبع المنعوت في أربعة من عشرة. أين الأربعة؟ أولاً يتبع ما قبله في الإعراب، والإعراب ثلاثة: يا رفع، يا نصب، يا جر، فهو سيتبع ما قبله في واحد من هذه الثلاثة. ثانياً يتبع ما قبله في التعريف والتنكير، إذاً عندنا خيارين سيتبع ما قبله في واحد منهما. ثالثاً يتبع ما قبله في التذكير والتأنيث، عندنا خيارين سيتبع ما قبله في واحد منهما. رابعاً يتبع ما قبله في الإفراد والتثنية والجمع، عندنا ثلاث خيارات سيتبع في واحد منها. فبالتالي يقول إن النعت الحقيقي يتبع ما قبله في أربعة من عشرة: واحد في الإعراب، وواحد في التعريف والتنكير، وواحد في التذكير والتأنيث، وواحد في الإفراد والتثنية والجمع.

هذا بالنسبة للنعت الحقيقي، بالنسبة للنعت السببي هنا بدأت تختلف الأمور. النعت السببي يتبع ما بعده في التذكير والتأنيث وليس ما قبله. تقول: "مررت برجل فاضلةٍ أمه"، لماذا أنثت؟ لأنه ما بعده مؤنث. وتقول: "مررت بامرأة فاضلٍ أبوها"، لماذا ذكرت؟ لأن الأب مذكر. ففي النعت السببي التذكير والتأنيث يكون باعتبار ما بعد النعت وليس ما قبل النعت، قياساً على ماذا؟ قياساً على الفعل. هكذا هو أصلاً، هو مثل الفعل؛ لو أنني قلت: "مررت برجل" -مش قلت "فاضلة أمه"- لو أتيت بالصفة فعلاً سأقول: "مررت برجل تفضلُ أمه"، فسيكون الفعل مؤنثاً، وإذا كان الفعل سيؤنث إذاً الصفة ستؤنث. ونفس الشيء: "مررت بهندٍ فاضلٌ أبوها"، لأنه لو أتيت بالفعل سأقول: "مررت بهندٍ فضلَ أبوها" أو "يفضلُ أبوها" سيُذكر الفعل. فهنا كما قال، النعت يعامل معاملة الفعل.

وأما بالنسبة للإفراد والتثنية والجمع، فالأصل في النعت السببي أن يلازم الإفراد. لكن سيأتي معنا أنه إذا كان النعت السببي يرفع اسماً ظاهراً، والنعت السببي -مش قلنا بعده اسم ظاهر- هو الموصوف حقيقة في النعت السببي، فإذا كان ما بعد النعت اسماً ظاهراً مرفوعاً وكان جمع تكسير، فإن النعت يجوز أن يُجمع في هذه الحالة. ويجوز في الوصف المسند إلى السببية المجموع إلى السببي الجمع بالتكسير؛ فيقال: "مررت برجلٍ كريمٍ آباؤه وكرامٍ آباؤه". إذاً يجوز في النعت السببي؛ الأصل في النعت السببي أن يكون مفرداً، لكن يجوز أحياناً فيه أيضاً أن يجمع جمع تكسير إذا كان ما بعد النعت هو جمع تكسير، فهذه حالة استثنائية، لكن الآن بدنا نركز على الأصول. بالتالي هناك يقولون في النعت السببي، النعت السببي يتبع ما قبله في كم؟

في ثلاثة من خمسة؛ كيف يعني أن نأتي بما يتبع ما قبله؟ بالنسبة للإعراب، قلنا الإعراب ثلاث خيارات وسيتبع ما قبله في واحد منها. وبالنسبة للتعريف والتنكير، خيارين، وهو سيتبع ما قبله في واحد منها. أما بالنسبة للتذكير والتأنيث، فهو لا يتبع ما قبله، هو حسب ما بعده. وبالنسبة للإفراد والتثنية والجمع، هو مفرد في الأصل.

فإذن، نعطي السبب لما قبله فقط في اثنين من خمسة، عفواً مش ثلاث من خمسة، في اثنين من خمسة: واحد في الإعراب، وواحد في التعريف والتنكير. إذاً النعت الحقيقي يتبع ما قبله في أربعة من خمسة، والنعت السببي يتبع ما قبله في اثنين من خمسة. أحبابي الكرام، هذه هي الفكرة، وأظن شرحناها سابقاً في دورات سابقة.

لذلك قال: «وهو والد التوحيد والتذكير، أو سواهما كالفعل فقد وقفوا». يريد أن يقول: وهو لدى التوحيد والتذكير، أو سواهما؛ وما هو سوى التوحيد؟ هو التثنية والجمع. وما سوى التذكير هو التأنيث. وباختصار، يريد أن يقول في الإفراد والتثنية والجمع، وفي التذكير والتأنيث، هو يعامل معاملة الفعل، فقفوا؛ أي يجري النعت في مطابقة المنعوت وعدمها الفعلي الواقع موقعه.

فإن كان جارياً على الذي هو له -اكتبوا: النعت الحقيقي- يعني إذا كان النعت حقيقياً، ومتى يكون النعت حقيقياً؟ قال: إذا رفع ضمير المنعوت؛ إن النعت الحقيقي هو الذي يرفع ضميراً مستتراً يعود على المنعوت. هذا هو النعت الحقيقي. هنا قال: «وطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث»، فإنه يطابق في الإفراد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: امرأتان رجلان حسنان، وامرأة حسنة، كما تقول: مررت برجلين حسنين، يعني لو كان هنا الفعل مكانه ستقول: مررت برجلين حسن وامرأة حسنت.

وإن كان النعت جارياً على ما هو له لشيء من سببه -ولو أننا ريحنا وقلنا: إذا كان النعت سببياً بدل هذه العبارة- في النعت السببي قال: «وإن كان النعت سببياً، فإن لم يرفع السبب، فهو كالجار على ما هو له في مطابقته إلى المنعوت»، لأنه مثله في رفعه لضمير المنعوت. نحو: «مررت بامرأة حسنة الوجه»، أو «حسنة وجهاً»، و«برجلين كريمي الأب»، أو «كريمين أباً»، و«برجال حسان الوجوه»، أو «حسان وجوهاً».

وإن رفع السببي، أي وإن رفع النعت لسببه، كان بحسبه في التذكير والتأنيث، وبالنسبة للإفراد والتثنية والجمع يكون مفرداً. في الحقيقة، أنا ذكرت الاسم هنا، والقضية أنني لم أنبه عليها، والصواب أن أنبه عليها؛ في الحقيقة هو الإفراد. فسأعيد قضية بالنسبة للنعت السببي: المراد بالنعت السببي لما نقول إنه يتبع ما بعده في التذكير والتأنيث وأن الأصل فيه الإفراد، المراد بالنعت السببي هنا هو النعت السببي الذي يكون السببي بعده مرفوعاً على الفاعلية.

لأنه أحياناً قد يكون نعتاً سببياً لكن السببية ليست مرفوعة، بل قد تكون السببية مضافاً إليه؛ كما مر معنا هنا لما قال: «مررت بامرأة حسنة الوجه»، الآن حسنة الوجه، الحسن للوجه والوجه سببي لكنه مضاف إليه. وكذلك «مررت بامرأة حسنة وجهاً»، وجهاً مشبه بالمفعول به لأنها صفة مشبهة، فحسنة وجهاً هذا في الحقيقة سببي، بس السبب ليس مرفوعاً بل منصوباً.

إذا كانت السببية ليست مرفوعة بعد النعت بل مجرورة أو منصوبة، فالسبب يعامل معاملة الحقيقي كما ذكر، بالنسبة لموضوع التذكير والتأنيث، وبالنسبة لموضوع الإفراد والتثنية والجمع. النعت السببي الذي يتبع ما بعده في التذكير والتأنيث والذي يكون مفرداً هو النعت الذي يرفع السبب، بهذا القيد؛ هذا قيد مهم ذكره الأشموني، هو الذي يرفع السبب. أرجو أن تعيدوا وتكتبوا هذا القيد حتى يكون كلامنا صحيحاً مكتمل الأركان: هو الذي يرفع السبب.

لذلك قال: «وإن رفع السببية، كان بحسبه»، أي كان النعت بحسب ذلك السببي المرفوع تذكيراً وتأنيثاً، وأنا أضفت أيضاً: ويلازم الإفراد، كما هو في الفعل، فتقول: «مررت برجال حسنة وجوههم»، و«بامرأة حسنت وجوهها». فهنا لاحظ أنه في موضوع التوحيد والتثنية والجمع، وموضوع التذكير والتأنيث، ما يعامل به الفعل يعامل به النعت.

قال تنبيهات: الأول، يجوز في الوصف المسند إلى السببي المجموع -يعني في النعت المسند إلى السببي أي يكون مرفوعاً سببياً- مجموعة الأفراد والتكسير؛ فيجوز أن تقول: «مررت برجل كريم أبؤه»، و«مررت برجل كرام أبؤه»، لك أن تفرد ولك أن تجمع جمع التكسير، إذا كان الفاعل السببي مرفوعاً.

التنبيه الثاني والثالث في الحقيقة لا أريد أن تنشغلوا بهما لأنه لا داعي لهما في الحقيقة. نذهب إلى الرابع ونختم به محاضرة اليوم، إني تعبت في الحقيقة. قال ما ذكره من مطابقة النعت للمنعوت مشروط بألا يمنع منها مانع، يعني هذه هي الأصول، لكن أحياناً قد تطرأ موانع تمنع بعض المطابقات، مثل ماذا؟ قال: «كما في صبور وجريح».

الآن «صبور» و«جريح»؛ صبور الذي هو على وزن «فعول» بمعنى فاعل، وجريح كل «فعيل» بمعنى مفعول، أي بمعنى أن اسم المفعول تنوب عنه صيغة فعيل، كل وزن «فعول» بمعنى فاعل وكل وزن «فعيل» بمعنى مفعول. هذه الأوزان بالتحديد سيأتي معنا في الصرف أنه يشترك فيها المذكر والمؤنث، بالتالي ما فيها قضية المطابقة في الإفراد والتأنيث. فتقول: «مررت برجل جريح»، و«امرأة جريح»، و«رجل صبور»، و«امرأة صبور»، و«امرأة صبوء». لا داعي إذاً للمطابقة في التذكير والتأنيث؛ لأنه هذا الوصف، وهو جريح وصبور، يشترك فيه المذكر والمؤنث، يعني ينطبق على الذكور كما ينطبق على الإناث، فهنا لن نتطرق لقضية التذكير والتأنيث لأنه وصف مشترك يوصف به الذكور والإناث بنفس الصيغة.

وكذلك صيغة «أفعل» منه؛ الآن كذلك أفعل التفضيل، أحبابي الكرام، مر معنا في المحاضرة «أفعل التفضيل» إذا كان مجرداً من «أل» ومن الإضافة، لذلك قال: «أفعل منه». يريد أن يقول: أفعل التفضيل المجرد من «أل» ومن الإضافة، وكذلك أفعل التفضيل المضاف إلى نكرة، «ألم نقل وإن لمنكور يضاف أو جرد»، قلنا أفعل التفضيل إذا كان مضافاً إلى نكرة أو كان مجرداً من «أل» ومن الإضافة، يجب دائماً أن يكون مذكرًا مفرداً؛ «الزم تذكيراً وإن يوحد»، يجب دائماً أن يكون مذكراً ويجب أن يكون مفرداً بغض النظر.

عن الموصوف به، فإذا جاء أفعل التفضيل إعرابه نعت، فهنا لا يطابق منعوته إذا كان أفعل التفضيل مجرداً من أل أو كان مضافاً لنكرة، بل يكون ملازماً للإفراد والتذكير. بناءً على ما سبق، فهذا تنبيه مهم في الحقيقة.

وما ذكر من مطابقة النعت للمنعوت في هذه الأمور مشروط بألا يمنع مانع؛ فإن منع مانع بإمكانه مثلاً وصف يشترك فيه الذكور والإناث، فلا حاجة لمطابقة بالتذكير والتأنيث. ولذلك إذا كان الوصف ملازماً لهيئة معينة كأفعال التفضيل في حال التجريد وفي حال الإضافة لنكرة، يكون ملازماً للإفراد والتذكير، فيبقى على هذه الحالة، فتكون هذه أحوالاً مستثناة.

نكمل باقي الأبيات في المحاضرة القادمة مستعينين بالله. وسامحونا على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.