دخولتسجيل الدخول

الدرس 72 - باب أفعل التفضيل ( منتصف الألفية )

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أحبابي الكرام في هذا المجلس الجديد، وموعدنا بإذن الله مع العامل الأخير الذي يعمل عمل الفعل، ألا وهو أفعل التفضيل.

وبحديثه عن هذا العامل ستنتصف ألفية ابن مالك بحمد الله تعالى. هذا العامل الأخير الذي سيتحدث عنه ابن مالك هو من العوامل التي تعتبر ضعيفة حقيقة، ولذلك ستجدون أن عملها ضعيف في كثير من الأمور، وهو أفعل التفضيل.

أفعل التفضيل، ومن اسمه "أفعل" المقصود منه التفضيل؛ أي صيغة "أفعل" التي يراد منها التفضيل. والمراد بالتفضيل أحبابي الكرام هنا الزيادة، سواء كانت زيادة في خير أو زيادة في شر. فمثلا نقول: محمد أعلم من بكر، هذا تفضيل يعني زيادة في خير، ويمكن أن أقول: محمد أجهل من سعد، وهذا زيادة وتسمى تفضيل عند النحاة، وهو زيادة وتفضيل في ماذا؟ في السوء والجهل. فلما يأتي هذا المصطلح "التفضيل" لا تظن أنه يستعمل فقط في المدح، بل قد يستعمل في النقص، فالتفضيل إذاً المراد به هنا الزيادة، سواء كانت زيادة في خير أو زيادة في شر.

الاشموني رحمه الله، قبل أن يشرع ابن مالك في أبياته، أعطى مقدمة مختصرة عن أفعال التفضيل فقال: أفعل التفضيل، أول خصيصة من خصائصه أنه اسم. يعني "أفعل" هنا ليست فعلا، بل هي اسم مشتق. كيف اسم الفاعل مشتق؟ وكيف اسم المفعول مشتق؟ وكيف الصفة المشبهة اسم مشتق؟ كذلك "أفعل" هنا هي عبارة عن اسم مشتق مثلها مثل باقي الأسماء المشتقة. والدليل على اسميته ما ذكره من دخولي علامات الأسماء عليه، فسيأتي معنا أنه يضاف، وأنه تدخله ال التعريف، وهذه كلها من علامات الأسماء.

ثانياً: وهو ممتنع من الصرف، وسيأتي معنا هذا في باب الممنوع من الصرف. إن سياق أفعال التفضيل الأصل فيها أنها ممنوعة من الصرف لاجتماع علتين فرعيتين، وهما الوصفية ووزن الفعل، كما قال الاشموني. العلة الأولى هي الوصفية، فهي وصف، وثانياً أنها على وزن الفعل، ومن أوزان الفعل صيغة "أفعل"، فمر معنا "أكرم" و"أسعد"، ومر معنا في صيغة التعجب لما كنا نقول: «ما أجمل السماء!»، فـ "أجمل" في صيغة التعجب كانت فعلا، فصيغة "أفعل" هي وزن فعلي، فإذا جاءت صفة من الصفات الاسمية على وزن "أفعل" فيقولون: هذه على وزن فعل من الأفعال، فيمنع الاسم من الصرف للوصفية وإتيانه على وزن الفعل.

وسنشرح أكثر إن شاء الله قضية وزن الفعل عندما نأتي لباب الممنوع من الصرف بإذن الله، والذي يهمنا هنا أن نعرف أن أفعل التفضيل هي في الأصل ممنوعة من الصرف، لكن سيأتي معنا قاعدة أن الممنوع من الصرف متى أضيف أو دخلت عليه "أل" زال المنع من الصرف وعاد مصروفاً. وهذا سيأتي معنا هنا، أن أفعل التفضيل في بعض الصور تكون مضافة، فإذا أضيفت عادة صروفها، وستأتي صور تكون فيها معرفة بـ "أل" فإذا دخلت عليها عادت مصروفة. فـ "أفعل التفضيل" إنما تكون ممنوعة من الصرف في حال تجردها من "أل" والإضافة، أما إذا دخلت عليها "أل" أو الإضافة عادت مصروفة، فهذا قيد ينبغي التنبيه عليه.

ثم قال: ولا ينصرف عن صيغة "أفعل"، فـ "أفعل التفضيل" جامدة على هذه الصيغة، لا تتغير عن صيغة "أفعل"، فهذه الصيغة الوحيدة لها. مثلاً اسم المفعول هناك صيغة "مفعول"، وأحيانا سمعت فيه صيغة "فعيل" مثلاً، والصفات المشبهة لها صيغ متعددة، واسم الفاعل وإن كان الأكثر فيه على وزن "فاعل" لكن يمكن أن يأتي على صيغ أخرى إذا أريد بها الدلالة على الحدود، لكن "أفعل التفضيل" هذا المشتق بحد ذاته ليس له إلا صيغة واحدة ووزن واحد لا ينتقل عنه في جميع الصور والأحوال، ألا وهو وزن "أفعل".

إذاً هو اسم، وهو ممنوع من الصرف، وصيغته واحدة "أفعل" لا يمكن أن ينتقل عنها. قال: إلا أن الهمزة في "أفعل التفضيل" قد حذفت في الأكثر من بعض الصيغ كصيغة "خير" و"شر". ولما قال إن صيغته واحدة وهي "أفعل" لا يعدل عنها، أراد أن يذكر بعض الاستثناءات، وهي كلمات تعتبر من أفعل التفضيل لكن حذفت منها الهمزة، فالظاهر فيها أنها ليست على صيغة "أفعل"، مثل كلمة "خير" و"شر". فعندما أقول: محمد خير من بكر، هنا "خير" أصلها في الحقيقة "أخير" على وزن "أفعل"، لكن حذفت الهمزة لكرثرة الاستعمال عند العرب، فمن باب التخفيف على اللسان حذفت، والأصل فيها "أخير". وكذلك كلمة "شر"، وهذا "شر"، فـ "شر" هنا أفعل تفضيل وإن كانت الهمزة سقطت لكثرة الاستعمال، فهذا لا يخرم القاعدة العامة أن أفعل التفضيل ملازم لصيغة واحدة وهي صيغة "أفعل"، ومثل هذه الصيغ الاستثنائية إنما حذفت منها الهمزة لكثرة الاستعمال كما قال الاشموني.

قال: وقد يعامل معاملتهما في ذلك "أحب". يعني "أفعل التفضيل" إذا جاءت على صيغة "أحب"، أقول: هذا الشيء أحب إلي من هذا الشيء. فهل يجوز أن تحذف الهمزة منها أيضاً لكثرة الاستعمال قياساً على "خير" و"شر"؟ يجوز وإن كان هذا ليس شائعاً ومنتشراً، واستدل بقول الشاعر: وزادني كلفاً بالحب أن منعت ... وأحب شيء إلى الإنسان ما منع

انظر ماذا قال: «وأحب شيء» بحذف الهمزة، وأصلها «وأأحب شيء». وهذا بيت جميل يقول إنه حبه لهذه المرأة زاد لما تمنعت منه، والإنسان يحب أكثر وأكثر الشيء الذي يمتنع منه ولا يناله بسهولة. فالفتاة التي تبذل نفسها بأرخص الأثمان هذه لا تكون محبوبة كثيراً، لكن الفتاة نفيسة هي التي تتمنع ولا تبذل إلا بشق الأنفس كما يقولون.

ثم قال: وقد يستعمل "خير" و"شر" على الأصل، على صيغة "أفعل"، قراءة بعضهم لقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنَ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: 26]، "الأشر" بإعادة الهمزة "الأشر"، ونحو قوله: "بلال أخير الناس" و"ابن الأخير خير الناس"، "الأخير" بإعادة الهمزة، وهذا قليل.

والأكثر أن يقال خير وشر. إذاً هذه ذكر لمواصفات أفعال التفضيل.

الآن أحبابي الكرام، دعونا نشرع في ماذا؟ في شروط صياغة هذا الوزن، وزن أفعل التفضيل؛ كيف يصاغ ويشتق؟ بسم الله، الحمد لله. يقول ابن مالك: «صُغْ مِنْ مُصَوَّغٍ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ، أَفْعُلًا لِلتَّفْضِيلِ».

يريد أن يقول ابن مالك في البيت الأول إن الأفعال التي يصاغ منها وزن أفعل التفضيل لا بد وأن تتوفر فيها الشروط الثمانية التي اشترطت في صياغة فعل التعجب، إذ يذكرها في فعل التعجب: ماذا قلنا في شروط صياغته؟ لابد وأن يصاغ مما توفرت فيه ثمانية شروط: «وَصُغْ مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِفَ قَابِلِي، فَضْلٍ تَمٍّ غَيْرِ ذِي انْتِفَا، وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلًا، وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَانَا، وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلًا، فِعْلًا».

فهذه الشروط الثمانية التي اشترطناها في الفعل الذي يصاغ منه التعجب، كذلك تشترط في الفعل الذي يصاغ منه أفعل التفضيل؛ فأفعل التفضيل إذاً لا تشتق من أي فعل، لا بد من هذه المواصفات التي ذكرناها، وأن تشتق من فعل ثلاثي متصرف، يقبل التفاوت والتفضيل، ألا يكون هذا الفعل الصفة المشبهة منه على أفعل فعلاء، وأن يكون تامًا وليس ناقصًا، وأن يكون غير مبني للمجهول.

فلا يصاغ من المبني للمجهول، إنما يساق مبنيًا للمعلوم. والشرط الثامن هو أن يكون فعلًا، فهو أن يكون فعلًا ثلاثيًا؛ «وَصُغْ مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِفَ قَابِلِي، فَضْلٍ تَمٍّ غَيْرِ ذِي انْتِفَا، وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَانَا، وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلًا، فِعْلًا».

أنا لما أقرأ الأبيات صار عليّ أن أعددهم تعدادًا، وهذه فائدة الحفظ أحبابي الكرام أن نعدهم على الاستحضار بسرعة. فلا بد إذاً من توافر هذه الشروط، فإن لم تتوفر الشروط فلا يصاغ أفعل التفضيل من هذا الفعل، إلا على ما سمعه العرب على وجه الشذوذ، حيث يُختصر فيه السماع.

وتحتاج إذا أردت أن تصوغ أفعل التفضيل من فعل ليس مستوفيًا للشروط، لأن الحيلة التي استعملناها في أفعال التعجب؛ ألم نقل: «أَمْ أَلَمْ نَجِدْ وَشُدَّ أَوْ شُبِهْ.. يُخْلَفْ مَا بَعْدَ الشُّرُوطِ عُدِمْ، وَمَصْدَرُ الْعَادِمِ بَعْدَهُ يَنْتَصِبْ، وَبَعْدَ أَفْعَى جُرَّ بِالْبَاءِ يَجِبْ»؟ ألم نقل إن الفعل إذا كان لا يصلح لأن يصاغ منه صيغة التعجب، فإننا نأتي بفعل آخر يصلح لأن يتعجب منه، ثم نأتي بمصدر الفعل الذي لا يصلح للتعجب، فنأتي بهذا المصدر منصوبًا بعده على المفعول به؟

كنا نقول مثلاً: ما أشد دحرجته، أو ما أعظم انطلاقه أو حمرته؛ فكنا نقول ما أشد دحرجته، فنأتي بـ «أشد» ونجعلها هي التعجبية، ونأتي بمصدر الفعل الذي لا يصلح لأن يتعجب منه منصوبًا بعد «أشد» على المفعول به. هنا سنفعل نفس الشيء مع بعض الاختلافات التي سنأتي إليها إن شاء الله.

لذلك ابن مالك رحمه الله عليه باختصار بدأ هذا الباب فقال: «صُغْ مِنْ مُصَوَّغٍ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ، أَفْعُلًا لِلتَّفْضِيلِ»، أي صغ أفعل التفضيل من فعل مصوغ منه للتعجب، هكذا بإعادة ترتيب البيت. وقال: «وَأَبَا اللذِي بِهِ»، والفعل الذي أبي في باب التعجب -يعني لا يصلح لصياغة التعجب منه- يجب أن يؤبى هنا، فلا يصلح لصياغة أفعل التفضيل منه.

يقول الأشموني: «صُغْ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ مُصَوَّغٍ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ، اسْمًا مُوَازِنًا لِأَفْعُلَ قِيَاسًا مُطَّرِدًا، نَحْوُ هُوَ أَضْرَبُ مِنْ فُلَانٍ، وَأَعْلَمُ وَأَفْضَلُ»، كما يقال في التعجب: «مَا أَضْرَبَهُ وَمَا أَعْلَمَهُ وَمَا أَفْضَلَهُ».

ثم قال: «وَشَذَّ بِنَاؤُهُ مِنْ وَصْفٍ لَا فِعْلَ لَهُ»، يعني وكما أنه في باب التعجب هناك شذوذات في الصياغة، كذلك هناك شذوذات في باب أفعال التفضيل؛ فبناء أفعل التفضيل من وصف لا فعل له كقولك: «هو أقمن به» أي أحق به، وعرفنا أن «أقمن» ليس لها فعل أصلًا، وإنما لها وصف سمع عن العرب وهو قَمِنٌ، والجدير والحقيق، لكن هل سُمِع له فعل؟ الصحيح أنه لم يُسمع له فعل، بالتالي صياغة أفعل التفضيل فتقول: «هو أقمن من كذا» أي أحق به من كذا، وهذا شاذ.

ونفس الشيء «الص» من شذوذ؛ «الص» من شذاذ، وكأن اللص اسم شخص معروف بالسرقة، فالص أحبابي الكرام أيضًا أفعل تفضيل لكنها شاذة لأن اللص ليس له فعل، اللص ليس له فعل حتى يشتق منه الص، إلا أن الناظم ابن السراج هكذا قال، لكن ابن القطاع نقل فعل اللص، فقال العرب تقول: «لَصَصَ» بالفتح إذا استتر. فإذا صح كلام ابن القطاع فأصبح هناك فعل، وبالتالي هنا اشتقاق أفعل التفضيل لا حرج فيه يكون على القياس، لكن إذا لم يثبت الفعل وكان اللص مجرد اسم أتت به العرب للسارق ولن تأتي له بفعل، فاشتقاق أفعل التفضيل حينئذ يكون اشتقاقًا من اسم أو من وصف لا فعل له، فيكون شاذًا. وحكى غيره: «لَصَصَه إذا أخذه بخفية».

وقال: «وَمِمَّا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ»، هذا الكلام أخسر من غيره، اشتقاق «أخسر» طبعًا تقول: «هذا الكلام أخسر من غيره». الآن «أخسر» أفعل تفضيل مأخوذة من فعل خماسي وهو «اختصر»، فكلمة «اختصر» خماسية ومبنية للمجهول، فقد انخرم في شرطين ومع ذلك سُمِع منه أفعل التفضيل على وجه الشذوذ.

وهل يجوز أن يصاغ أفعل التفضيل من الفعل الرباعي على وزني أفعل مثل «أكرم»؟ مر معنا في التعجب أن هناك ثلاثة أقوال في صياغة التعجب من الفعل الرباعي المبدوء بالهمزة «أفعل»؛ هناك قول بالجواز مطلقًا، وهناك قول بالمنع مطلقًا، وهناك قول بالتفصيل. فنفس الخلاف الذي ذكرناه في باب التعجب يُلقى هنا أيضًا؛ فيقال هل يجوز صياغة أفعال التفضيل من الفعل الرباعي الذي على وزن أفعل مثل «أكرم» و«أسعد»؟ فالخلاف هناك والأقوال الثلاثة المذكورة هناك تُنقل أيضًا هنا بالضبط.

قال: «وَسَمِعَهُ وَأَعْطَاهُمُ لِلدِّرْهَمِ، وَأَوْلَاهُمُ لِلْمَعْرُوفِ، وَهَذَا الْمَكَانُ أَقْفَرَ مِنْ غَيْرِهِ»، مع أن كل هذه أفعال؛ «أعطى» مأخوذة من فعل «أعطى»، و«أولى» مأخوذة من فعل رباعي مبدوء بالهمزة، وما أُنْشِد هذا سُمِع فهذا.

يحفظ ولا يقاس عليه. إذا قلنا بمنع أن يصاغ من باب "مما جاء على باب أفعل"، أما إذا قلنا بجواز الصياغة مما جاء على باب "أفعل"، هنا تكون هذه الصيغ قياسية.

قال: «ومن فعل المفعول أيضًا، كـ هو أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين، وأغنى من عفوا، وأعنى بحاجتك»؛ فـ "أزهى" من "زهي"، و"أشغل" من "شغل"، و"أغنى" من "عني، وأعنى" من "عني". فهذه الأفعال: زهي، وشغل، وعني، هي أفعال مبنية لما لم يسمى فاعله، فاشتق منها أفعل التفضيل على وجه الشذوذ سماعًا. لذلك قال: اشتق أفعل التفضيل من فعل المفعول، أي من الفعل المبني للمجهول على وجه الشذوذ، كما يقال: فلان أزهى من ديك، وهو مأخوذ من الفعل المبني للمجهول "زهي"، أو أشغل من ذات النحيين، وهو مأخوذ من الفعل "شغل"، وأعنى بحاجتك مع أنه مأخوذ من الفعل "عني".

وذكرنا أيضًا هناك خلاف: هل يجوز أصلاً أن يؤخذ أفعل التعجب من المبني للمجهول؟ وذكرنا أن هناك خلافًا، جوزه البعض إذا أمن اللبس، وجوزه البعض إذا أمن اللبس. لذلك قال الأشموني هنا، وفيه ما تقدم عن التسهيل في فعلي التعجب: إنه في التسهيل نص ابن مالك على جواز الاشتقاق من المبني للمجهول في حالة أمن اللبس، فيمكن أن يقال بالجواز هنا. إذاً هذه شذوذات وفيها الخلافات نفسها التي أخذناها في التعجب، فما هناك تنقله هنا.

هكذا نكون انتهينا من القاعدة الأولى. ننتقل الآن إلى القاعدة الثانية فقال: «وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفضيل الصلة». هكذا تقول: «وما به إلى تعجب وصل لمانع»، ثم تقف هنا، ثم تقول: «به إلى التفضيل الصلة»، أي الأسلوب الذي استعملناه بالتعجب من الأفعال التي لا يصلح صياغة التعجب منها، الأسلوب المتبع في التعجب من الأفعال التي لا يصلح صياغة التعجب منها؛ نفس هذا الأسلوب عليك أن تتبعه في باب أفعال التفضيل.

وهو ما ذكرته لكم قبل قليل، وهي أن الأفعال التي لا تصح صياغة التعجب منها، إذا أردنا أن نتعجب منها فلا بد وأن نأتي بفعل يصلح للتعجب: "أشد" أو "أشد" كما ذكر ابن مالك سابقًا، فتأتي بما أشد، ثم تأتي بمصدر الفعل الذي لا يصلح للتعجب، تأتي بمصدره منصوبًا على المفعول به. في باب التعجب هنا سنفعل نفس الشيء، لكن سيختلف الإعراب. هنا نأتي إلى الفعل الذي لا يصلح للتعجب، ولا يصلح لصياغة أفعال التفضيل منه، هذا الفعل نأتي بمصدره منصوبًا بعد "أشد" على ماذا؟ على التمييز.

فهنا مثلاً أنا عندي فعل مثل الأفعال، مثل "انطلق" مثلاً، نأتي إلى الفعل "انطلق". الفعل "انطلق" لا يصلح أن تصاغ أفعال التفضيل منه لأنه خماسي، فإذا أردت أن تأتي بالتفضيل ماذا تفعل؟ تأتي نفس الشيء بصيغة "أشد" أو "أكثر"، وهنا سننتبه أن صيغة "أشد" أو "أكثر" التي سنستعملها في باب التفضيل هي أسماء وليست أفعالًا، بخلاف "أشد" أو "أكثر" التي نستعملها في التعجب فإنها كانت أفعالًا وليست أسماء.

فلما كنا نقول في التعجب: «ما أشد انطلاقه»، «ما أشد دحرجته»، هناك كنا نقول "أشد" كانت فعلًا على الراجح، أليس كذلك؟ في باب التعجب نقول: «ما أشد دحرجته»، "أشد" هنا فعل ماضٍ، ودحرجته كانت مفعولًا به. لكن هنا لما نريد أن نتبع نفس الحيلة، سنتبع نفس الحيلة لكن "أشد" التي سنستعملها لن تكون فعلًا بل ستكون اسمًا، فأقول: محمد أشد انطلاقًا من زيد. تمام؟ أنا استعملت نفس الحيلة فأتيت بـ "أشد"، لكن "أشد" هنا تقول اسم أفعل تفضيل.

هذه من الفروق الدقيقة التي يخطئ فيها الطلبة؛ أن يظن أن "ما أشد دحرجته" و"محمد أشد انطلاقًا من زيد" هي نفس الشيء. لا، هذه "أشد" فعلية، وهي فعل ماضٍ مبني على الفتح، لكن هنا "محمد أشد" هذا اسم وهو خبر مرفوع. و"انطلاقًا" هنا، أو "دحرجته" هناك، كان المصدر مفعولًا به، أما هنا فالمصدر سيكون منصوبًا على ماذا؟ على التمييز. فمصدر الفعل العادم للشروط في باب أفعال التفضيل ينتصب على التمييز. لكن في باب التعجب لما تقول: «ما أشد دحرجته» ينتصب على المفعول. فهذه الفروق يجب أن تكون واضحة عند طالب النحو.

لذلك يقول الأشموني هنا: «وما به إلى تعجب وصل بسبب مانع من الموانع»، يعني الأسلوب الذي يتبع حتى يتعجب من فعل فاقد لشرط من الشروط باستعمال "أشد" أو ما جرى مجراه، «به إلى التفضيل الصلة». بنفس الأسلوب، صل به إلى التفضيل عند وجود مانع من صياغة أفعال التفضيل. قال: «لكن أشدها شف»، هنا نفس الأشموني نفسه نبه، قال: «لكن أشد ونحوه في التعجب تكون أفعالًا، وهنا في أفعال التفضيل ستكون أسماء». وينصب هنا المصدر، أي مصدر الفعل العادم للشروط، ينصب في باب أفعال التفضيل على التمييز، فتقول: زيد أشد إخراجًا من عمرو. يعني "استخرج"، والله هذا فعل سداسي، بالتالي لا يصلح لصياغة أفعال التفضيل منه.

طيب، أريد أن أفضّل به ماذا أفعل؟ أقول: تأتي بصيغة "أشد" أو "أكثر" تجعلها هي أفعل التفضيل، وتأتي بمصدر هذا الفعل الذي لا يصلح للتفضيل به، تأتي بمصدره منصوبًا على التمييز مباشرة بعد أفعل التفضيل. فتقول: "زيد أشد استخراجًا". لا نقول "استخراجه" بالهاء، لأن التمييز يجب أن يكون نكرة. فنقول: زيد أشد استخراجًا. بينما هو هناك في باب التعجب لما كنا نقول: «ما أشد دحرجته» أو «ما أشد استخراجه»، كانت منصوبة على المفعول به، فلا بد أن تفرق بين البابين.

إذن: «وما به إلى تعجب وصل بسبب مانع من الموانع به إلى التفضيل»، أي بنفس الطريقة تصل إلى التفضيل. بسم الله، ثم قال: «وأفعال التفضيل صلة»، ابدأ تقديراً ولفظاً.

الأشموني وابن ماهر قبله بذكر أحوال أفعال التفضيل. سنجد أن أفعال التفضيل لها أربعة أحوال، هذه يجب أن تضبطها فهي عمدة الباب، والكلام كله سيدور عليها في هذا الباب. أفعال التفضيل لها أربعة أحوال بعد أن عرفنا شروط صياغتها. الحالة الأولى: أن تكون أفعل التفضيل مجردة من أل التعريف ومن الإضافة، أي لم تدخل عليه "أل" التعريف وهي ليست مضافة إلى شيء بعدها.

الحالة الثانية: أن تكون أفعل التفضيل مضافة إلى نكرة. الحالة الثالثة: أن تكون أفعل التفضيل مضافة إلى معرفة. الحالة الرابعة: أن تكون أفعل التفضيل معرفة بـ (أل). فهذه أحوال أربعة سيدور حولها الكلام في أغلب هذا الباب.

وسنبدأ بالأولى، وهي أفعل التفضيل المجردة من (أل) التعريف ومن الإضافة؛ مثل: محمد أفضل من زيد، محمد أعلم من بكر، هند أجمل من سعاد. هذه أفعل التفضيل المجردة من (أل) التعريف ومن الإضافة، وسيُذكر لها حكمان.

الحكم الأول هو ما ذكره هنا لما قال: «وأفعل وأفعال التفضيل صلة (من) إما تقديرًا أو لفظًا مجردًا». الحكم الأول وهو أن أفعل التفضيل المجردة من (أل) التعريف ومن الإضافة يجب أن تتصل بمن بعدها، وهذه (من) التي بعدها طبعًا تجر المفضول، وقد تكون هذه (من) التي تجر المفضول ملفوظًا بها في السياق، وقد تكون مقدرة. إذن أفعل التفضيل المجردة يجب أن تتصل بمن بعدها، وباختصار، وهذه (من) هي الجارة للمفضول، ركزوا؛ (من) التي يتحدثون عنها هنا هي (من) الجارة للمفضول.

محمد خير من بكر؛ بكر هو المفضول. هند أجمل من سعاد؛ سعاد هي المفضول ومجرورة. إذن أفعل التفضيل المجردة من (أل) التعريف ومن الإضافة يجب أن تتصل بمن بعدها، وهي جارة للمفضول، و(من) إما أن تكون ملفوظة وهي الأصل، وقد تكون مقدرة في السياق غير ملفوظة ولكن يلزم علينا أن نقدرها.

إذا قال: «وأفعل التفضيل صلة (من) إما تقديرًا أو لفظًا»، طبعًا هنا (أفعل) ما إعرابها؟ (أفعل) مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور (صلة)، لأنه هذا من باب الاشتغال. لاحظوا أن (صلة) الفعل منشغل بضمير يعود على السابق، وهذه الحالة من الأحوال التي يترجح فيها النصب وإن كان لا يجب.

واختير نصب بعد فعل ذي طلب؛ قال ابن مالك في باب الاشتغال: «واختير نصب قبل فعل ذي طلب». فنحن محتاجون أن نبقى متواصلين مع الأبواب، فهنا (أفعل) التفضيل بعدها فعل طلبي وهي واقعة قبله، وهناك ضابط الاشتغال، فلذلك قال ابن مالك: «وأفعل» إذاً مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، «وأفعل التفضيل صلة (من) إما تقديرًا أو لفظًا بمن مجرد».

بمن مجرد من ماذا؟ جرد من (أل) ومن الإضافة؛ لذلك قال الأشموني: «من (أل) ومن الإضافة». فهنا تأتي بعده (من) جارة للمفضول، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: 34]. هنا (من) ملفوظة، و﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34]؛ أين (من) هنا؟ هي مش موجودة لكنها مقدرة، والتقدير: «وأعز منك نفرًا»، وطبعًا «نفرًا» منصوبة على التمييز. دائما بعد أفعال التفضيل المنصوب يكون على التمييز، هذه احفظوها وريحوا أنفسكم. إذن في هذه الآية اجتمعت (من) المذكورة الملفوظة، و(من) المقدرة، والذي سهل تقديرها هنا أنها ذُكرت في بادئ الآية.

قال: «أما أفعل التفضيل المضاف سواء مضاف إلى نكرة أو إلى معرفة، أو أفعل التفضيل المعرف بـ (أل)، فيمتنع وصلهما بـ (من)». فهكذا ارتحنا، أخذنا الحكم أنه أفعل التفضيل المضافة لنكرة أو إلى معرفة، والمعرفة بـ (أل) لا تدخل عليها (من)؛ لذلك أنا ذكرت هذا الحكم، فقلت لا تدخل عليها (من).

ثم قال هناك تنبيهات؛ الأول: اختلف في معنى (من) هنا، هذه (من) من أي معانيها؟ (من) من معاني حروف الجر. قال: فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها من ابتداء الغاية. وإليه ذهب سيبويه، لكنه أشار إلى أنها تفيد مع ذلك -أي مع أنها تدل على ابتداء الغاية- الدلالة على التبعيض أيضًا؛ فقال في قوله: «هو أفضل من زيد»، فضله على بعض ولم يعم، يعني فضله على بعض الناس، فهو فضله على شخص وليس على عموم الناس، فدل هذا على التبعيض. طبعًا الأشموني سيناقش هذه القضية ويبين له أن قضية دلالتها على التبعيض ليست مطردة، فبالتالي الأصل أنها تدل على ابتداء الغاية فقط.

هناك قول آخر يمكن نعتبره قولًا ثالثًا؛ قول المبرد قول أول أنها تدل على ابتداء الغاية، وقول سيبويه قول ثاني أنها تدل على ابتداء الغاية زائد التبعيض، والقول الثالث ما ذهب إليه ابن مالك في شرح التسهيل إلى أنها بمعنى المجاوزة؛ قال هي من التي بمعنى المجاوزة، وكأن القائل «أفضل من عمرو» كأنه يقول: جاوز زيدٌ عمروًا في الفضل، فهذا معنى المجاوزة في (من).

قال ابن مالك في التسهيل: «ولو كان الابتداء مقصودًا لجاز أن يقع بعدها (إلى) التي هي للانتهاء، و(إلى) لا تقع بعد أفعل التفضيل». وقال: «ويبطل كونها للتبعيض أمران». هذا كله كلام ابن مالك؛ أحدهما عدم صلاحية كلمة (بعض) موضعها، يعني (من) التي للتبعيض من علاماتها أنك تستطيع أن تجلب (من) وتضع مكانها كلمة (بعض)، فهل هنا عندما نقول «هو أفضل من عمرو» يصلح أن نقول «هو أفضل بعض عمرو»؟ لا يصلح ولا يليق هذا بالسياق، فبالتالي استوحش ابن مالك أن تكون دالة على التبعيض كما زعم سيبويه.

والأمر الآخر الذي يدل على أنها ليست تبعيضية هو كون المجرور بها عامًا، يعني ليس في كل الأحيان يأتي المجرور بها فردًا، فقد يكون المجرور بها عامة؛ كقولك: «الله أعظم من كل عظيم»، هل تستطيع أن تقول (من) هنا تبعيضية؟ لا يصلح أبدًا، لأن الله أعظم من كل العظماء بدون استثناء، فهذا يدل على أنها ليس دائمًا يصلح أن تكون تبعيضية، ولو صلح أن تكون تبعيضية في بعض الحالات فهذا ليس مطردًا فيها، فدل على أن (من) هنا ليست تبعيضية.

فلذلك قال الأشموني: «والظاهر كما قال المرادي». وهنا صرح الأشموني أنه من مراجعه في شرحه على الألفية هو شرح المرادي، وهذا يدل على أن الأشموني استفاد منه، بل قيل إن أصل شرح الأشموني هو اختصار لشرح المرادي، وإن كان للأشموني لمساته الواضحة. لذلك يقول: «والظاهر كما قال المرادي» ما ذهب إليه المبرد، وهو أن (من) لابتداء الغاية فقط وليست للتبعيض. وما رد به الناظم على المبرد لما قال إنها لا تصلح لابتداء الغاية، لأنه لو صلحت لابتداء الغاية لجاز أن يقع بعدها (إلى).

فهنا الأشموني يريد الرد على ابن مالك، فيقول الأشموني: «وما رد به الناظر على المبرد ليس بلازم». لماذا؟ قال لأن الانتهاء قد يترك الإخبار به.

من قال يا ابن مالك إنه إذا كانت من الابتداء إلى الغاية لازم أن يأتي بعدها «إلى» التي لانتهاء الغاية؟ هو لازم في كل سياق إذا ذكرت ابتداء الغاية أن أذكر انتهاء الغاية، ولكن لا دليل على هذا. فقال: «وما رد به الناظر ليس بلازم لأن الانتهاء قد يترك الإخبار بهما»، فلا داعي أن يكون في كل مكان ذكر فيه الابتداء أن هناك انتهاء.

قال: «قد يترك الإخبار به لكونه لا يعلم»، أو لكون الانتهاء مجهولًا فلا يُخبر به، أو لكونه لا يقصد الإخبار عنه أصلًا، ويكون ذلك أبلغ في التفضيل إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء. أنه لما نجعل من الابتداء إلى الغاية ونقول لا يوجد انتهاء في السياق، هذا أبلغ في التفضيل.

كأني عندما قلت: «هند أجمل من سعاد»، لأنني ابتدأت بتفضيلها بالجمال ولم أقف عند غاية معينة، فهذا تفضيل مطلق. ابتدأ التفضيل من عند سعاد وبقي مفتوحًا لا نهاية له، وهذا أبلغ في المدح. أليس كذلك؟ هند أجمل من سعاد، ابتدأت من عند سعاد ولم أجعل هناك نهاية لهند، هنا ابتدأت القضية وأين انتهى الجمال؟ لم أذكر، فقال هذا مبالغة في المدح.

وقد تستعمل مبالغة في الذم أيضًا، لما قلت: «محمد أجهل من عمرو»، فهو هنا بداية جهله ولم أغلق الباب، فبالتالي يبقى فيه مبالغة أيضًا في الذم. فلذلك قال: «ويكون ذلك أبلغ في التفضيل إذ لا يقف السامع على محل»، فتبالغ في التفضيل من خلال عدم ذكرك لمحل الانتهاء. لذلك إذا سنسير مع الأشموني برأي المبرد، فإن «من» هنا لابتداء الغاية، و«التي» تجر المفضول هي لابتداء الغاية، هذا ما انتهينا إليه.

التنبيه الثاني قال: «أكثر ما تحذف منه ومجرورها»، مش قلنا إنه من هنا يجوز أن تكون مقدرة؟ يقول: «يكثر تقديرها إذا كان أفعل التفضيل خبرًا بمبتدأ» كما هو في الآية التي سبقت: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾.

«ويقل حذفها إذا كان أفعل التفضيل حالًا». يقول الشاعر: دَنَوْتُ وَقَدْ خِلْنَاكَ كَالْبَدْرِ أَجْمَلَا فأجمل هنا حال، وهي أفعل تفضيل مجردة من «من» الإضافة، فكان ينبغي أن تُذكر من بعدها، لكنها مقدرة في السياق، والتقدير: دنوتُ أجمل من البدر، أي في حالة كونك أجمل من البدر.

وكذلك يقل حذف «من» إذا كانت أفعل التفضيل صفة، كقول الشاعر: تَرُوحِي أَشْ دَرَى أَنْ تُقِيلِي غَدًا ... بِجَنْبِي بَارِدٍ ظَلِيلِ تروحي، التقدير: وأتِي مَكَانًا أَجْدَرَ، فـ«أجدر» نعت لمنعوت محذوف، والتقدير: تروحي أي ارتفعي وأتِ مكاناً أجدر من غيره أن تقيلي فيه. فالآن لاحظ أن «أجدر» لم يُذكر الجار بعدها أو الجار والمجرور بعدها، اكتفاءً بتقديره في السياق وهي جاءت وصفية في هذا البيت. هذا إذاً كلام متى يكثر الحذف منه ومتى يقل حذفها.

نذهب إلى التنبيه الثالث قوله: «صلة الـ...»، قال ابن مالك: «وأفعل التفضيل صلة». يريد هنا أن يعلق الأشموني على كلمة صلة، قال: «وقوله صلة يقتضي ألا يُفصل بين أفعل التفصيل المجرد وبين من الجارة للمفضول بفاصل». هذا الظاهر أنه قال: «وأفعل التفضيل صلة»، إذاً لا بد أن تكون «من» الجارة للمفضول متصلة بأفعل التفضيل، ما في فاصل بينهما.

لكن يقول: «وليس هذا على إطلاقه في الحقيقة»، بل يجوز الفصل بين أفعل وبين «من» الجارة للمفضول بماذا؟ يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل التفضيل، إذا كان لأفعل التفضيل معمول، يمكن أن يأتي فاصلًا بين أفعل وبين «من»، مثل التمييز. قد يأتي التمييز فاصلًا بين أفعل التفضيل وبين «من» الجارة، مثلاً: «أنا أكثر مالًا منك»، صح؟ هل ضروري أقول: «أنا أكثر منك مالًا»؟ لا، ممكن أقول: «أنا أكثر مالًا منك»، فهنا فصلت بينهما بمعمول أفعل التفضيل، وليس بمعمول أجنبي، ركزوا على معمول أفعل التفضيل.

وقد ورد أيضًا الفصل بينهما بـ«لو» وما اتصل بها، كما في قول الشاعر: وَنَفُوكَ أَطْيَبُ لَوْ بَذَلْتَ لَنَا ... مِنْ مَاءٍ مَوْهِبَةً عَلَى خَمْرِي يتغزل في محبوبته ويقول: «ونفوك» أي فمك أطيب لو بذلت لنا من ماء موهبة، والماء الذي يكون في نقيع الجبل وهو ماء صافٍ. يقول هذا الماء، يعني فمك وريقك أجمل وألذ من ماء في نقيع جبل اختلط بالخمر، وهذه أعلى درجات الصفاء. ذاك الماء نقي، والماء الذي يكون في الصخور العرب تعتبره من أنقى المياه، فإذا كان هذا الماء واختلط بخمر عند العرب، ويقول لك هذا قمة الصفاء، فهو يقول لمحبوبتي: إن ريقك أجمل من هذا الماء.

إذاً: «ونفوك أطيب لو بذلت لنا»، موطن الشاهد: «أطيب لو بذلت لنا من ماء»، فصل بين «أطيب» وبين «من ماء» بـ«لو» التي للتمني. قال: «ولا يجوز بغير ذلك»، أي لا يجوز فصله بغير هذين الاثنين.

التنبيه الرابع قال: «إذا بُني أفعل التفضيل مما يتعدى أصلاً بـ... جاز الجمع بينها وبين من الداخلة على المفضول مقدمة أو مؤخراً». هنا يريد أن يقول إنه أفعل التفضيل قد يُصاغ من فعل ثلاثي، بطبيعة هذا الفعل الثلاثي أنه يتعدى بـ«من».

أحبابي الكرام، عندما نأتي إلى فعل ثلاثي هو بطبيعته يتعدى بـ«من»، ثم نصوغ منه أفعل التفضيل، هنا سيجتمع عندنا اثنان من «من»؛ «من» التي يتعدى بها الفعل لأنها ستنتقل إلى أفعل التفضيل، و«من» الجارة للمفضول. فيجوز فذكرهما معًا في سياق واحد.

كقولك مثلاً: «زيد أقرب من عمرو من كل خير». الآن الفعل «قرب»، تقول: «محمد قرب من الخير»، الفعل «قرب» هو بطبيعته يتعدى بـ«من». فلما أصوغ أفعل التفضيل منه فأقول: «محمد أقرب»، فإن «أقرب» هي تتعدى بـ«من» قياسًا على فعلها، وستكون أيضًا بعدها «من» الجارة للمفضول، فتجتمع عندنا اثنان من «من» وهذا جائز. فتقول: «زيد أقرب من عمرو من كل خير»، وهذه «من كل خير» هي من تبع التعدية، ومن الجارة للمفضول. ويجوز أن تقدم فتقول: «زيد أقرب من كل خير من عمرو».

تعاملنا الذي تبع من المفضول فتجتمع عندنا اثنان في سياق واحد ولا حرج في ذلك.

التنبيه الخامس: قد تقدم أن المضاف وإن كان مقرونًا بـ «أل» يمتنع اقترانه بـ «مَن» المذكورة. وأما قوله: «أعلم مني بركض الجياد في السلف»، فاعلم أن «أعلم» هنا أفعل تفضيل مضافة إلى معرفة، وجيء بعدها بـ «مِن» جارة للمفضول. «أعلم مني بركض الجياد في السلف»؛ يعني نحن في غرس الودي أشطر من ركض الجياد، فأتى بأفعل تفضيل مضاف إلى معرفة، ثم جاءت «مِن» الجارة للمفضول.

طبعًا هنا فضل نفسه على نفسه باعتبارين، كأن يقول هذا الموضوع أعلم مني بموضوع آخر، فهذا تفضيل النفس على النفس، أو يسمونه التفضيل بأن تفضل شيئًا باعتبارين، ففضلت نفسي على نفسي باعتبارين؛ أنا في هذا الموضوع أحسن مني في هذا الموضوع، كأنك هكذا تقول. ونفس الشيء: «ولستُ بالأكثرِ منهم حصى وإنما العزةُ للكافرين»، فقال: «ولست بالأكثر منهم»، لاحظوا «الأكثر» هنا أفعل تفضيل معرف بـ «أل»، ومع ذلك جيء بعدها بـ «مِن» جارة للمفضول.

هذان البيتان لابد من أن يتأولا؛ فتقول مثلاً من التأويلات أن تجعل «مِن» هنا التي تجر المفضول داخلة على أو مسبوقة بأفعل تفضيل مجردة محذوفة، وهذا فيه تكلف. البعض قال نجعل «مِن» الجارة للمفضول في هذين البيتين مسبوقة بأفعل تفضيل مجردة، فتقول: أين هذه أفعل التفضيل المجردة؟ قال: محذوفة، اكتفى عنها بالمذكور. وقال البعض: لا، لا نريد الدخول في هذا التكلف، نجعل «أل» التعريفية في قوله «ولست بالأكثر» زائدة وليست تعريفية، فتكون «أكثر» هنا من قبيل المجرد، فبالتالي يصح أن يأتي بعدها «مِن» جارة للمفضول. باختصار لابد من تأويل، ولا أشغلكم بمثل هذه التأويلات، دعونا نلتزم بالأصول.

ثم قال: «وإن لمنكور يضف أو جرد الزم تذكيرا وإن يوحد». انتقل الآن لحكم آخر، فقال: «وإن لمنكور يوضع أو جرد الزيم تذكيرا وإن يوحد»، هذا الحكم مشترك أحبابي الكرام بين أفعل التفضيل المجرد وبين أفعل التفضيل المضاف إلى نكرة. ما هذا الحكم المشترك بينهما؟ يقول: «وإن لمنكور يضف»، أي أفعل التفضيل المضاف لنكرة، «وأفعل التفضيل المجرد»، «وإن لمنكور يضاف أو جرد»، دائماً يلتزم الإفراد والتذكير، بغض النظر عن المفضل والمفضل عليه. دائماً نلتزم إفرادها وتذكيرها؛ لا تثنى، وبالنسبة لتذكيرها لا تؤنث، فلا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع، يلتزم فيها الإفراد والتذكير بغض النظر عن المفضل والمفضل عليه.

فهنا سيذكر لك أمثلة، قال: «وإن لمنكور يضف أفعل التفضيل أو جرد من الإضافة الزم تذكيرا وإن يوحد». فتقول: زيد أفضل رجل، وزيد أفضل من عمرو، وهو يذكر مثالًا على المضاف لنكرة، ثم مثالًا على المجرد. ثم قال: هند أفضل امرأة، وهند أفضل من دعد. ثم قال: الزيدان أفضل رجلين، والزيدان أفضل من بكر؛ لاحظ أفضل طلت إفراد وتذكير، حتى وإن كان الزيدان مثنى لا يهمنا، والزيدون أفضل رجال وأفضل من خالد ما عندنا مشكلة. ثم قال: والهندان أفضل امرأتين وأفضل من دعد، بقينا محافظين على الإفراد؛ الهندان أفضل امرأتين. ثم قال: والهندان أفضل نسوة وأفضل من دعد، ثم ختم فقال: «ولا تجوز المطابقة في هذه الأمثلة».

ومن ثم قيل في «أُخَر» إنه معدول عن «أُخَر». الآن أحبابي الكرام، «أُخَر» على وزن أفعل التفضيل، فاعتبروه أفعل التفضيل. الآن بما أنه أفعل تفضيل وهو مجرد من الإضافة، فكان ينبغي بناءً على القاعدة التي ذكرناها قبل قليل أن يلتزم فيه الإفراد والتذكير، فتقول دائمًا «أُخَر» بدون أن تثني ولا تجمع ولا تؤنث. لكن في الحقيقة سمع عن العرب تأنيثه على «أُخَر»، ثم جمعوا «أُخَر» على «أُخَر»، فـ «أُخَر» في الحقيقة ما هو «أُخَر»، هو جمع «أخرى»، و«أخرى» هو مؤنث «أخر»، وهذا على خلاف القاعدة؛ يعني هذا نوع من الشذوذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه، لأنه «أُخَر» أفعل تفضيل على وزن «أفعل» وهو مجرد من الإضافة، فكيف تؤنثونه وتجمعونه؟ لا ينبغي هذا.

لكن سُمِع، ففي النهاية قالوا إذاً «أُخَر» ممنوعة من الصرف. لماذا منعوا «أُخَر» من الصرف؟ سيأتي معنا أنه ممنوع من الصرف لأنه وصف، وثانياً قالوا لعلة العدل، ماذا يقصدون بالعدل؟ أنه «أُخَر» الأصل أنها لا تكون «أُخَر»، الأصل أنها تكون «أُخَر»، حتى لو كنت أتحدث عن جمع، لا ينبغي ما كان ينبغي أن يقال أيام أُخَر، كان ينبغي أن يقال أيام أُخَر، لكن العرب ما قالت أيام أُخَر، قالت أيام أُخَر، فعدة من أيام أُخَر، هكذا العرب نطقها. فهذا النطق مسموع محفوظ مشهور يستعمل وفصيح، لكنه ليس هو القياس. فلذلك حكموا على «أُخَر» بأنها ممنوعة من الصرف؛ أنه عُدل بها عن القياس الذي كان ينبغي أن يكون، ولأنها وصف، فاجتمع فيه الوصفية والعدل فمُنعت من الصرف. فلذلك هنا قالوا: ومن ثم قيل في «أُخَر» إنها معدول عن «أُخَر»، فلذلك مُنعت من الصرف، ووجه العدل كما قلنا أنه «أُخَر» ما كان ينبغي أن تُجمع أصلاً بسبب أنها مجردة من الإضافة فهي ملازمة للإفراد والتذكير.

وفي قول ابن هانئ: «كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب»، هذا البيت أيضًا مما لحنوا فيه ابن هانئ. هذا البيت مما لحن فيه أبو نواس، قالوا لماذا؟ قال لأن «صغرى وكبرى» هذا تأنيث، ولماذا؟ «أصغر وأكبر» أفعل تفضيل، أليست «أصغر وأكبر» أفعل تفضيل وهي مجردة من الإضافة؟ فكان ينبغي أن يحافظ على الإفراد والتذكير، وأبو نواس لم يفعل ذلك بل أنث، فما قال كأن أصغر وأكبر من فقاقعها، بل قال: كأن الصغرى، فأنث «أصغر» على «صغرى» و«أكبر» على «كبرى»، فقالوا هذا لحن منه وخطأ. لكن البعض في الحقيقة قال: لا، هو ليس لحنًا؛ لأن وزن «أفعل» ليس دائماً لأفعل التفضيل، فالوزن «أفعل» مرة معنا أيضًا أنه وزن للصفة المشبهة التي على وزن «فَعُلَ»، ألم يقل ابن مالك سابقًا: «وفَعُلَ مَوْلَى وَفَعِيلاً بِفَعْلٍ، كَالضَّخْمِ وَالْجَمِيلِ وَالْفَعْلِ جَمَلٌ، وَأَفْعَلُ فِيهِ قَلِيلٌ»؟ فقالوا.

«أفعل» ليست دائماً أفعل تفضيل، أحياناً تكون صفة مشبهة للفعل الثلاثي الذي على وزن «فعول»، كما سبق معنا. فهنا ما أنفه أبو نواس في البيت ليس «أفعى» للتفضيل، بل «أفعى» التي هي صفة مشبهة، ولا حرج في تأنيث الصفة المشبهة، فلا إشكال في ذلك، وبالتالي أزالوا عنه التلحين.

أما من أصرّ أنه «أفعى» التفضيل، فهو أخطأ، ثم أنثه فقال إنه لحن في هذا البيت. فبالتالي التوجيهات أن نحاكم هذا البيت: هل فيه لحن أم لا؟ بناءً على الاختلاف؛ هل «أصغر» و«أكبر» التي أرادها أبو نواس هي أفعل التفضيل أم أفعل الصفة المشبهة؟ ومن ذهب إلى أن «أفعى» التفضيل لحنه في التأنيث، ومن قال لم يلحنه في التأنيث.

تنبيه: يجب في هذا النوع مطابقة المضاف إليه للموصوف في حالة المجرد من الإضافة، وفي حالة المضاف لنكرة. نحن قلنا إنه صيغة أفعل التفضيل تلازم الإفراد والتذكير، لكن يجب أن ينبهك على قضية، وهي أن المضاف إليه نكرة؛ لذلك قالوا: يجب في هذا النوع مطابقة المضاف إليه في الحالة الثانية التي هي المضاف إلى نكرة، يجب أن يطابق المضاف إليه الموصوف الذي قبل «أفعل» التفضيل.

فكنّا مثلاً نقول: «الزيدان أفضل رجلين». في حالة المضاف لنكرة يجب أن يكون المضاف إليه مطابقاً للموصوف الذي قبل «أفعل» التفضيل؛ إذا كان الموصوف مثنى يكون المضاف إليه مثنى، وإذا كان الموصوف مذكرًا يكون المضاف إليه مذكرًا، وإذا كان مؤنثًا يكون المضاف إليه مؤنثًا، وإذا كان هناك جمع يكون هناك جمع. فهذا التنبيه جيد أن تنتبه له، وهو أنه في حال المضاف لنكرة، المضاف إليه يجب أن يكون مطابقاً للموصوف.

قال: واما قوله ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، فالظاهر أنه انخرمت المطابقة هنا؛ «ولا تكونوا» واو الجماعة، و«أول» المضاف إليه مفرد، وكان ينبغي أن يكون «ولا تكونوا أول كافرين» حتى يطابق بين المضاف إليه والموصوف. والآية قالت: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ﴾، فقد اختلت المطابقة، فهنا الآية مؤولة، والتقدير: «ولا تكونوا أول فريق كافر»، وكلمة «فريق» من حيث المعنى جمع، فحصلت المطابقة بين المضاف إليه وبين الموصوف من جهة المعنى على أقل تقدير.

ثم قال: «وما لمعرفة أضيف ذو وجهين». عندي معرفة، هذا إذا نويت معنى «مِنْ»، وإن لم تنوِ فهو طبق ما أبيّ. ننتقل الآن للحالة الرابعة لأنها أسهل؛ فيقول لك: إذا كان «أفعل» التفضيل معرفاً بال، فيجب هنا أن يكون «أفعل» التفضيل مطابقاً للموصوف الذي قبله. إذا كان «أفعل» التفضيل معرفاً للتعريف، فيجب أن يكون مطابقاً للموصوف الذي قبله إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً؛ فتقول: زيد الأفضل، وهند الفضلى، والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون، والهندان الفضليان، والهندات الفضليات أو الفضل، ومررت بزيد الأفضل وهند الفضلى، إلى آخره. وعرفنا طبعاً أن هذه كلها أصلها أن ما يأتي بعدها من جرٍّ للمفضول، ولا يدخل عليها من الجار والمجرور المفضول، هذا نريد أن نحفظه، أما هذا فهو سهل لا يحتاج إلى كثير كلام.

نعود إلى الحالة الثالثة، وهي «أفعل» التفضيل المضافة إلى معرفة، فقال: «وما لمعرفة أضيف ذو وجهين»، أي ما أضيف لمعرفة له وجهان منقولان عن ذي المعرفة. ويقصد بذي المعرفة هنا إما العرب وإما النحاة. ما هما الوجهان؟ الوجه الأول المطابقة، والوجه الثاني عدم المطابقة، وكل وجه له ضابط.

متى تجب المطابقة ومتى لا نطابق؟ يقول: «عندي معرفة»، هذا إذا نويت... عفواً، أنا أخطأت هنا، الوجهان هما المطابقة وعدم المطابقة. سأمسح ما ذكرته هنا وأكتبها مرة أخرى حتى يكون الكلام دقيقاً: إذا كان «أفعل» التفضيل بمعنى «مِنْ» -أي مراداً به التفضيل، وسيأتي معنا ما معنى بمعنى من- فيجوز الوجهان؛ يجوز لك أن تطابق ويجوز ألا تطابق، أنت مخير. وأما إذا لم يكن بمعنى «مِنْ»، فلا بد من المطابقة.

إذاً المضاف إلى معرفة هو الذي يحتاج من الطالب أن يتنبه فيه، لأنه في تفصيل حقيقة؛ يقولون: إذا كان «أفعل» التفضيل المضاف لمعرفة بمعنى «مِنْ»، أي مراداً به التفضيل، فهذه الحالة يجوز لك فيها وجهان: لك أن تختار المطابقة، ولك أن تترك مطابقة الموصوف. وأما إذا لم يكن بمعنى «مِنْ»، يعني إذا جاء «أفعل» التفضيل ولم يقصد به التفضيل، فهذا هو الأساس.

طبعاً هناك حالة ثانية سنذكرها مع الأشموني، لكن هذا هو الأساس؛ إذا جاء «أفعل» التفضيل وليس مراداً به التفضيل. وهذا معنى قول ابن مالك: «أنه ليس المراد به معنى مِنْ»، أي ليس المراد به التفضيل. وهل تأتي يا شيخ «أفعل» التفضيل وليس المراد بها التفضيل؟ نعم، في الحقيقة هناك صور تكون «أفعل» التفضيل مسلوبة الدلالة على التفضيل، لم يقصد بها المتكلم الدلالة على التفضيل، وهذا يعرف من السياق. في هذه الحالة، إذا جاء «أفعل» التفضيل مضافاً لمعرفة وليس مراداً به التفضيل، أي ليس على معنى «مِنْ»، هنا يجب أن يكون مطابقاً للموصوف الذي قبله.

فإذا كان المضاف لمعرفة، تقول: إذا أريد به معنى التفضيل فلك وجهان: المطابقة وعدمها، وإذا لم تقصد به التفضيل فهنا تجب المطابقة قولاً واحداً. دعونا نأخذ الأمثلة ونحللها معاً؛ يقول الأشموني: «وما لمعرفة أضيف ذو وجهين منقولين عندي معرفة، وهما المطابقة وعدمها». الوجهان هذان إذا نويت بـ«أفعل» التفضيل معنى «مِنْ»، أي نويت التفضيل على ما أضيف إليه وحده.

هنا كلام دقيق حقيقة؛ الأشموني أدق من الكلام الذي ذكرته أنا على الشاشة، لكنني ذكرت كلاماً لتسهيل الفهم. والضابط الذي ذكره -وهنا ستجدون أنه أدق من كلامي- قال: المراد أن تكون «أفعل» التفضيل بمعنى «مِنْ»، أي أنها للتفضيل على ما أضيف إليه وحده، أن يكون المراد أن يُفضل على المضاف إليه وحده دون غيره. كيف يعني وحده دون غيره؟ هذه مرة تفهمها حتى تفهم. متى لا يكن بمعنى «مِنْ»؟ فخلينا نمشي حبة حبة.

قال: «فتقول على المطابقة: الزيدان أفضلا القوم، والزيدون...»، شف هنا مضاف إلى معرفة «أفضلا القوم»، وطابقت، فتقول هذه المطابقة: «الزيدان أفضلا القوم»، فطابقت وقلت الزيدان.

وقلت: أفضلها ثنيت الزيدان أفضل؛ لأن أفعل التفضيل هنا الموصوف مثنى. وتقول: الزيدون أفضل القوم، ولاحظ أن الزيدان هو المفضّل على القوم، وهو المضاف إليه وحده، والزيدون أفضل القوم؛ فضلت الزيدين على نفس القوم، أي على نفس المضاف إليه. ممتاز.

ستهمّني هذه الفكرة وسأركز عليها الآن: هند فضلى النساء، انظر إلى المطابقة؛ هند فضلى، فهناك مطابقة بين أفعل التفضيل وبين الموصوف، وهند فضلت على من؟ على المضاف إليه المذكور في السياق. نفس الشيء: الهندان فضلياء النساء، الهندات فضل النساء، وفضليات النساء؛ يجوز هذا.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الزخرف: 36]. فالله سبحانه وتعالى كان يتحدث عن جماعة في كل قرية، وكان وصف أفعل التفضيل مضافًا إلى معرفة وهي مجموعة، أي ﴿أَكَابِرَ﴾ مضافة إلى كلمة ﴿مُجْرِمِيهَا﴾. وبما أن الآية تتحدث عن جمع، فجاء أفعل التفضيل المضاف إلى معرفة مجموعة: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾، ومجرميها هي المضاف إليه.

بسم الله، قال: وعلى عدم المطابقة: الزيدان أفضل القوم. إذا اخترت، فلك أن تختار المطابقة ولك أن تختار عدم المطابقة، والوجهان جائزان؛ فلك أن تقول: الزيدان أفضلا القوم، أو أفضله بإفراد التذكير، فتلتزم الإفراد والتذكير كالمجرد، والزيدون أفضل القوم، وهكذا إلى آخر الأمثلة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 97]؛ ما قال «أحرصُ الناس»، قال «أحرصَ»، مع أنه وصف لجمع ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾، فالتزم فيه الإفراد والتذكير وهو مضاف إلى معرفة، فهذا مسموع.

قال: وهذا هو الغالب، أي أن ترك المطابقة هو الغالب، بل ابن السراج أوجبه ولم يعطك الخيار، وهذا رأي خاص بابن السراج. ولتأكيد أن الغالب هو ترك المطابقة قال: فإن قدر قوله تعالى -وهذا استطراد من الأشموني في الحقيقة على الآية السابقة وكذلك ﴿وَجَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾- قال: إن قدرنا «أكابر» ثانياً و«مجرميها» مفعولاً أولاً، لزمت المطابقة، مع أن أفعل التفضيل هنا سيكون مجرداً، وهذا على خلاف القياس.

كأنه هناك بعض النحاة في الآية السابقة، ماذا قالوا؟ قالوا في آية ﴿وَجَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾: «أكابر» ليست مضافة إلى «مجرميها»، بل «مجرميها» هي المفعول به الأول لـ «جعلنا»، و«أكابر» هي المفعول به الثاني، وصار هناك تقديم وتأخير بينهم، فتقدير الآية: «وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر». إذا قلنا «مجرميها أكابر» صارت «أكابر» من المضاف إليه، ومع ذلك طابقت الموصوف وهو «مجرميها»، ونحن عرفنا أن أفعل التفضيل المجرد من الإضافة يجب أن يلزم الإفراد والتذكير، فكان ينبغي على هذا التخريج أن يقال: «وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكبر»، وأصلاً كان ينبغي أن يؤتى بعدها بمن، إما ملفوظة أو مقدرة.

فبالتالي، كأن الأشموني يريد أن يرد على من أعرب الآية بهذه الطريقة، يريد أن يقول: لا يصح أن نقول «مجرميها» مفعول أول مؤخر و«أكابر» مفعول ثاني مقدم؛ لأنك لو قلت هكذا فسيلزم منه أن «أكابر» أفعل تفضيل مجرد من الإضافة ومع ذلك جمعت، ونحن نعرف أنها لازم تلزم الإفراد والتذكير. لكن الصبان في الحقيقة قال: لا، حتى لو أُعربت هكذا، فهذا الإعراب يمكن أن يتأول.

ما وجهة نظر الصبان؟ الصبان يقول: حتى لو قلنا إن تقدير الآية «وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر» تكون «أكابر» مضافة إلى محذوف، والتقدير: «وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابرها»، فهنا مضاف إليه محذوف تعتدل الأمور وتبقى موزونة على الشروط؛ لأنه لو قلنا التقدير «أكابرها» أصبحت «أكابر» مضافة إلى معرفة، فبالتالي يجوز فيها المطابقة كما ذكرنا، ونخلص بالتالي من الإشكال الذي اعترف به الأشموني.

فقال: وقد اجتمع الاستعمالان، وهو المطابقة وعدمها، في قوله ﷺ: «ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني منازل؟»، انظر: «أحبكم»، أفردها ولم يجمعها مع أنها وصف لجماعة وهي مضافة إلى معرفة، ومع ذلك أفرد، فقال: «ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني منازل»، فهنا في «أحب» و«أقرب» التزم الإفراد والتذكير. لكن ما أجاب عليه النبي ﷺ؟ قال: «أحسنكم أخلاقاً»، فرجع للجمع، ما قال «أحسنكم»، هو قال «أحبكم» و«أقربكم» ثم جمع فقال «أحسنكم»، لأنه هذا استعمال جائز أيضاً، وهو مضاف إلى معرفة فيجوز فيه مطابقة وعدم المطابقة.

قال: وإن لم تنوِ بأفعل التفضيل معنى "مَنْ"؛ ما معنى هذا؟ هذا مفهوم دقيق، قالوا: ألا تنوي به المفاضلة أصلاً، أن تأتي بأفعل التفضيل لكن تسلب دلالتها على التفضيل ولا تقصد به الدلالة على هذا المعنى. هذا أول حالة، وهناك حالة أخرى تنطبق أيضاً على معنى "مَنْ"، وهي: أن تنوي المفاضلة لكن ليس على المضاف إليه وحده، أن تأتي بأفعل التفضيل المضاف إلى معرفة وتنوي به المفاضلة، لكن لا تقصد به التفضيل على المضاف إليه وحده، بل تقصد تفضيله على أعم من المضاف إليه.

هذه الحالة الثانية تحتاج دقة في الفهم؛ إذا أو تنوي المفاضلة لا على المضاف إليه وحده، بل عليه وعلى كل ما سواه. ففي هاتين الصورتين، أفعل التفضيل المضافة إلى معرفة يجب أن تطابق الموصوف، ولا يجوز فيها وجه آخر، يجب المطابقة قولاً واحداً. كقولهم: الناقص والأشج، الناقص هو عبد الملك بن مروان، والأشج هو عمر بن عبد العزيز، «أعدلا بني مروان»، دلها «بني مروان»، الناقص هو الأشد، «أعدلا بني مروان». هنا «أعدل» لاحظ أنها مثنى لأن الموصوف مثنى، وهذه التثنية هنا واجبة؛ لأنهم قالوا إن أفعل التفضيل في هذا المثال ليس المراد منها التفضيل، فقد سُلبت الدلالة على التفضيل. لماذا؟ أليس مراد المتكلم هنا أن عبد الملك وعمر أعدل من باقي خلفاء بني مروان؟ بل يقول لك: التفضيل عندما تفاضل بين شخصين، فمعناه أنهما اشتركا في الوصف.

لكن في طرف فضل الطرف الآخر، لما أقول: محمد أعلم من زيد؛ إيش معنى هذا؟ معنى هذا أن محمد عنده علم وزيد عنده علم، لكن محمد أعلم من زيد. عندما نقول: هند أجمل من سعاد؛ إيش معناها؟ أنه هند عندها جمال وسعاد عندها جمال، بس هند أجمل من سعاد. فالتفضيل يقتضي اشتراك الفاضل والمفضول، التفضيل يقتضي اشتراك الفاضل والمفضول في أصل الصفة، ولكن أحدهما فاق الآخر.

وهنا يقولون: خلفاء بني أمية ما كان عندهم عدل أصلاً. هيك بيقولوا هم يعني، لكن هذا الكلام يحتاج أصلاً إلى تحرير، لكن أنا بدي أمشّي مع المثال حتى يمشي الأمر. هم يقولون: خلفاء بني أمية ما كان عندهم عدل، فلما يُقال إن الناقص والأسج أعدلا بني مروان، هو ليس المراد أن خلفاء بني أمية كلهم عندهم عدل، لكن الأسج والناقص هم أعدلهم، لا؛ لأن خلفاء بني أمية ما كان عندهم عدل أصلاً. فلما نقول: الناقص والأسج أعدلا بني مروان، ليس المراد التفضيل، بل المراد القول بأنه عبد الملك وعمر بن عبد العزيز هما العادلان من بني مروان، هما فقط العادلان من بني مروان. فنحن لم نقصد تفضيلهما على باقي خلفاء بني أمية أن الخلفاء كلهم عندهم عدل وهذان الاثنان أشدهم عدلاً، لا لا؛ هو أصلاً الخلفاء ما كان عندهم عدل أصلاً، وهذان الاثنان هما العادلان فقط.

فأفعل التفضيل هنا ليست على بابها؛ هكذا قالوا، طبعا هذا بتناقشه صحته في باب آخر، لكن بدك بس تفهم الفكرة، كيف أن أفعل التفضيل ليست على بابها؟ لأنه بفكرة تتكرر في أمثلة أخرى؛ إذاً الناقص هو الأسد أعدلا بني مروان، قال المعنى: أي عادلاهما، وليس المراد التفضيل. أفعل التفضيل هنا مضافة إلى معرفة، لكنها ليست بمعنى (من) لأنها ليس مراد بها أصلاً التفضيل، وإنما أعدل بمعنى...

قال ونحو: محمد أفضل قريش؛ اه هذا هو المثال على الصورة الثانية: محمد صلى الله عليه وسلم أفضل قريش. هل المراد في الحقيقة هنا تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على المضاف إليه وحده؟ قالوا: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو ليس فقط أفضل قريش، يعني هنا ليس المراد لما تقول بهذا التركيب: محمد أفضل قريش، أصلاً ليس المراد من هذا التركيب تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على قريش، بل النبي صلى الله عليه وسلم المراد بهذا التركيب تفضيله على كل الناس، فهو الفاضل، ليس تفضيله على المضاف إليه وحده، بل الفاضل وهو محمد صلى الله عليه وسلم وهو الموصوف المراد تفضيله على كل الناس.

طب لماذا إذاً قال إذا كان هناك تفضيل على كل الناس؟ إذاً ما معنى: محمد أفضل قريش؟ قالوا: معنى هذا التركيب: محمد أفضل الناس من بين قريش، محمد أفضل الناس من بين قريش. ففي الحقيقة المفضَّل عليه ليس قريش بل الناس، وذُكرت قريش هنا لأن المراد أن محمد صلى الله عليه وسلم من بين قبيلة قريش هو أفضل الناس.

هذا أصل هذا التركيب وتحليله، فبالتالي هنا قالوا: فعلاً الفاضل الموصوف بأفعل التفضيل ليس مفضلاً على المضاف إليه وحده، بل هو مفضل على ما هو أعم من ذلك. في هذه الحالة يقولون: أفعل التفضيل ليست بمعنى (من) أيضاً، ويجب المطابقة، ويجب المطابقة. لذلك قال: وإضافة هذين النوعين؛ أي أفعل التفضيل التي إذا لم يُنوَ بها المفاضلة، وأفعل التفضيل التي لم يُقصد بها التفضيل على المضاف إليه وحده بل على ما هو أعم من ذلك، الإضافة في هذين النوعين لمجرد التخصيص وليس لإفادة أن الموصوف أفضل من المضاف إليه.

أها، إنه احنا في العادة الأمثلة السابقة التي ذكرناها قبل شوي لما الهندات أفضل النساء والزيدون أفضل القوم، هنا الإضافة تفيد المراد بها أن يُبيَّن من هو الفاضل ومن هو المفضول، لكن هنا في هذين المثالين الإضافة ليست لبيان الفاضل من المفضول، بل الإضافة لمجرد التخصيص فقط. قال: ولذلك جازت إضافة أفعل فيهما إلى ما ليس هو بعضه بخلاف منوي فيه (من) فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه. يعني في هذين النوعين في هذين النوعين الموصوف الذي هو قبل أفعال التفضيل يجوز ألا يكون فرداً من أفراد المضاف إليه.

ها قال: ولذلك جازت إضافة أفعل التفضيل في هاتين الصورتين إلى ما ليس هو بعضه، يعني إلى ما ليس الموصوف بأفعال التفضيل أحد أفراده، بخلاف المنوي به معنى (من) وهي الحالة السابقة، فإنه لا يكون الموصوف إلا بعض ما أضيف إليه، فلذلك يجوز هنا مثلاً خلينا نشوف أنه النوع السابق الذي هو بمعنى (من)؟ لما كنا نقول في الأمثلة السابقة: الزيدان أفضل القوم؛ الزيدان وهو الموصوف هما فردان من أفراد القوم. وعندما كنا نقول: الزيدون أفضل القوم؛ الزيدون هم فرد من أفراد القوم. وعندما نقول: هند أفضل النساء؛ هند هي كانت فرد من أفراد النساء المضاف إليه.

ففي كل الأمثلة السابقة التي هي الحالة الأولى، وهي الحالة التي يكون فيها المضاف إلى معرفة بمعنى (من)، يكون الموصوف بأفعال التفضيل فرداً من أفراد المضاف إليه، ولا بد لازم يكون الموصوف فرداً من أفراد المضاف إليه وهو أفضل عليهم، أفضل على جنسه نقول. لكن في هاي الحالة التي تكون فيها الإضافة ليست بمعنى (من)، وهي صورتان كما عرفنا، يجوز أن يكون الموصوف بأفعال التفضيل ليس فرداً من أفراد المضاف إليه.

كيف يعني يا شيخ؟ شوفوا هنا لما قال: يوسف أحسن إخوته؛ بالهاء ركزوا: يوسف أحسن إخوته. الآن هنا ليس المراد -طبعا هنا يوسف وأحسن إخوتي- هل الإضافة بمعنى (من)؟ قالوا: ليست بمعنى (من)؛ ليه؟ لأنه هنا ليس المراد تفضيل يوسف على إخوته فحسب، بل المراد تفضيل يوسف على ما هو أعم من ذلك، على ما هو أعم من ذلك، فيكون المقصود أن يوسف الأحسن من بين إخوته.

نفس الشيء: محمد أفضل قريش، مش قلناها: محمد أفضل الناس؟ يعني هو الأفضل من بين قريش، أفضل من الناس. نفس الشيء: يوسف أحسن إخوته، تريد أن تقول بهذا التركيب: يوسف الأحسن من بين إخوته. طب أحسن من مين؟ أحسن مما هو أعم من إخوته، أحسن مما هو أعم من إخوته، أحسن من الناس. فلما نقول: يوسف أحسن إخوته، المراد بهذا التركيب -كما قلنا: محمد أفضل قريش- ليس المراد تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على قريش، وليس المراد تفضيل يوسف على إخوته؛ لأ، محمد أفضل قريش هذا معناه عند العرب: الأفضل من بين قريش. طب الأفضل على مستوى ايش؟ على مستوى العالم، أكثر من قريش.

هو نفس اشي يوسف أحسن إخوته، أي الأحسن من بين إخوته. يقول: فلان من بين إخوته هو الأحسن. طب أحسن من مين؟ أحسن مما هو أعم من إخوته، تمام؟ طيب الآن لاحظوا في تركيب: يوسف وأحسن إخوته، هل يوسف هو أحد افراد المضاف إليه؟ عندما نقول أحبابي الكرام: يوسف أحسن إخوته، هل يوسف فرد من أفراد إخوته؟ قالوا: ما ليس كذلك، الموصوف ليس فرداً من أفراد المضاف إليه.

كيف يا شيخ؟ مش هو واحد من الإخوة؟ أنتوا إخواني الكرام لاحظوا أن كلمة (إخوته) مضاف إلى الضمير، فكأن التركيب: يوسف أحسن إخوة يوسف! فلا يمكن أن يكون يوسف إذاً داخلاً تحت الإخوة؛ لأن الإخوة مضافة إلى الضمير العائد إلى يوسف، فأنت تقول: يوسف أحسن إخوة يوسف، إذاً هنا لا يمكن أن يكون يوسف فرداً من أفراد الإخوة؛ لأن إذا كان فرداً من أفراد الإخوة سيكون فيه إضافة الشيء إلى نفسه، فأنا أضفت الإخوة إليه، إذاً هو ليس بينهم، هو ليس بينهم، وإنما يوسف في المقابل إخوته، في هناك تقابل هنا.

فنلاحظ إذاً أن المضاف إليه، أو خلينا نعيدها، نلاحظ أن الموصوف ليس فرداً من أفراد المضاف إليه بسبب وجود الضمير، بسبب وجود... لكن لو قلنا: يوسف أحسن أولاد يعقوب، اه هنا المضاف، الموصوف فرد من أفراد المضاف إليه. لو قلنا: يوسف أحسن أولاد يعقوب هنا نعم، نقول المضاف -عفواً- الموصوف فرد من أفراد المضاف إليه، فرد من أفراد المضاف إليه، وإن كان معناه نفس الشيء أن يوسف هو الأحسن من بين أولاد يعقوب، أحسن من مين؟ أحسن من أهل زمانه خلينا نقول، أحسن من أهل زمانه هو الأحسن من أهل زمانه.

فهذا التركيب إذاً ليس المراد به معنى (من)، ونلاحظ أنه يجوز فيه أن يكون الموصوف ليس بعضاً، ليس فرداً من أفراد ما يُضاف إليه. طيب لكن إن كان، اه لكن إن أردت أن أفضل يوسف على إخوته بالضبط،ها لو لو أنني أري أن أفضل يوسف على إخوته، يعني ما بدي أفضل يوسف على أهل الزمان بس بدي أقدّإ مقارنة وأقول إنه يوسف أفضل من إخوته بالتحديد، هذا الذي أريده، هنا يجب أن يكون الموصوف فرداً من أفراد المضاف إليه، فما بينفع أن تقول: يوسف أحسن إخوته، إذا بدك تفضل يوسف على إخوته فقط، ما بينفع تقول: يوسف وأحسن إخوته، تقول مثلاً زي ما قلنا: يوسف أحسن أولاد يعقوب؛ اه هذا بيزبط.

ليه؟ لأن هنا الموصوف فرد من أفراد المضاف إليه، يوسف أولاد يعقوب بيزبط أن يكون تفضيلاً ليوسف على إخوته فقط، وفي هذه الحالة ستكون أفعل هنا بمعنى (من) وأنت ملزم فيها، أو لست ملزم فيها؟ أنت مخير فيها بالوجهين؛ شوفوا زي: يوسف وأفضل أولاد يعقوب، إذا كنت تقصد أن يوسف هو الأحسن من بين أولاد يعقوب هنا الإضافة ليست بمعنى (من)، فلك أو يجب عليك المطابقة، يجب عليك المطابقة. لكن إذا قلت: يوسف أفضل أولاد يعقوب وقصدت أنه الأفضل من بينهم على سائر أهل زمانه، فهنا الإضافة ليست بمعنى (من)، الإضافة ليست بمعنى (من) فلا يجب المطابقة. أما إذا تفضيله على إخوته -عفواً- بالضبط، تفضيله على أولاد يعقوب بالضبط وليس على أهل الزمان، فهنا أنت مخير بين المطابقة وبين عدمها، فهذا كله من الأبحاث الدقيقة التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.

طيب أحبابي الكرام، ما زلتم معنا متحمسين؟ طيب، ورود أفعال التفضيل عارياً من معنى التفضيل؛ لما نَبّه على هذه القضية عقد لها تنبيهاً فقال: يرد أفعل التفضيل عارياً عن معنى التفضيل، نحو قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: 54]، وهنا يعني ورد أفعال التفضيل عارياً من معنى التفضيل، وإن كاد ليس مضافاً إلى معرفة، وإن كان ليس مضافاً إلى معرفة أصلاً، يعني هي أفعال التفضيل في حالتها الطبيعية يمكن أن تُسلَب دلالتها على التفضيل؛ لأنه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: 54] ليس المراد أنه أنتم عندكم علم ربنا عنده علم، لكنه رب ربكم أعلم؟ لا قالوا: المراد أن ربكم عالم بكم، ربكم عالم بكم.

ونفس الاشي: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]. هل المراد أن الأول كان هين؟ الخلق الأول كان هين والخلق الثاني كان هين، لكن الثاني أسهل على ربنا من الأول؟ هذا المعنى لا يليق بالله؛ لأنه إذا قلت هيك معناته أنه الأول كان فيه صعوبة أكثر من الثاني على رب العالمين، وهذا لا يليق بجلال الله، فكله هين على الله سبحانه وتعالى. فلذلك قالوا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] أن المعنى: وهو هين عليه، وهو هين عليه.

وإن كان البعض في الحقيقة في كلا الآيتين، في كلا الآيتين بعض المفسرين حملها على أنها على أفعل التفضيل وأن المراد بها التفضيل، لكن على وجه من الأوجه المستساغة، يعني التفسير في الحقيقة يقبل أن تبقى على أفعال التفضيل، وستجدون هذا في كتب التفسير لكن على معاني يسوغونها ويطيلون النفس فيها، فعودوا إليها. لكن هو أراد مجرد التمثيل أنه أفعل التفضيل حتى ولو لم تكن مضافة إلى معرفة يمكن أن تُسلَب معنى التفضيل، لأنه كل كلامنا السابق كان عن أفعل التفضيل المضافة إلى معرفة كيف يمكن أن تُسلَب معنى التفضيل، لكن هنا بده يعمم هو الفكرة، أنه أفعل التفضيل بجميع صورها قد تتجرد من الدلالة على التفضيل.

وذكر هاتين الآيتين، ومنه قوله أيضاً: وإن مُدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم. قال: لا يصلح هنا أن تكون (أعجل) المراد بها التفضيل. ليه؟ قال: لو كان المراد بها التفضيل، هو الشاعر بده يمدح نفسه أنه ليس مستعجلاً في مد يده إلى الزاد، فلو كان المراد بـ(أعجل) هنا التفضيل، لكان يريد أن يقول: إنه أنا عندي عندي عجل في الأمر، وقومي عندهم عجل، لكنهم أعجل مني! وهذا فيه قبح، هذا ليس مدحاً، يعني أنت تصرف نفسك أنك عندك أنك عجل وقومك عاجلون أيضاً، لكن هم أكثر يعني عجلاً منك، وهذا بالتالي ليس جيداً في المدح.

فقالوا: هو يريد أن يصف نفسه بأنه ليس عنده أصلاً أي عجل، فقوله: وإن مُدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم، أي أنا لا توجد عندي أي شكل من أشكال العجل في هذا الموضوع، وليس المراد أفعل تفضيل، لأنه إذا كان المراد أفعل التفضيل فسد معنى البيت، وكأنه أثبت لنفسه أنه عنده عجل لكنه أخف من العجل اللي عند قومه، لا لا؛ هو يريد أن يقول إن هذه الخصلة كلها ليست عنده، فبالتالي أفعل دي ليست على بابها.

نفس الشيء هنا: إن الذي سَمَكَ السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول. يقولون: الكمال في المدح الكمال في المدح أن تكون أعز وأطول ليست أفعال التفضيل، أن هو يريد أن يبين أنهم اختصوا بالمجد، وهذا المجد ليس لغيره، فلو كانت أعز وأعظم أو وأطول على بابها أن المراد بها التفضيل، كان يثبت الشاعر لغيره عِزّاً وطولاً، لكن ما عنده هو وعند قبيلته من العِزّ والطول أكثر.

وفي الشعر لن يراد هذا المعنى في العادة؛ لأنه يكون ضعيفًا، بل الشاعر يريد أن يخص قومه بالفضل ويمنع الفضل عن غيره، فتكون "أعز" و"أطول" هنا ليست على بابها، ليس المراد بها التفضيل بل الاختصاص بهذه الصفات.

ثم قال: «وأتهجوه ولست له بكفء، فشركما لخيركما الفداء». ليس المراد به أيضًا -كهذا بيت لحساب بن ثابت- ليس المراد به التفضيل، يعني "شركما" لأنه إذا قال شركما لخيركما، فإن كلاكم في شر وكلاكم في خير، وليس هذا هو مراده، بل مرادك أنت الشرير ومحمد ﷺ هو الخير، فافعل التفضيل أيضًا ليست على بابها.

هل هذا يعني أن يسحب معنى التفضيل من أفعل التفضيل؟ هل هذا شيء قياسي أم سماعي؟ هل يجوز أن نمارسه في اللغة؟ المبرد قال: هذا قياسي، يجوز لك قياسًا أن تأتي بأفعل التفضيل مجردة عن معنى التفضيل. وقال في التسهيل ابن مالك: "والأصح قصره على السمع".

إذن في مسائل في النحو فعلاً فيها خلاف، هل هي بطبيعتها سماعية أو قياسية؟ فيجب أن ينتبه لهذه الخلافات. وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيدة قول ورود أفعل التفضيل مؤولًا بما لا تفضيل فيه، قال: ولم يسلم له، ولم يسلم له النحويون هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل التفضيل من التفضيل، وتأولوا ما استدل به.

قال في شرح التسهيل: "والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير". ابن مالك في التسهيل ماذا قال؟ قالوا: "والأصح أنه مقتصر فيه على السماع، والذي سمع من أفعل التفضيل مجردًا عن معنى التفضيل سمع فيه التزام الإفراد والتذكير". أفعل التفضيل المجردة عن معنى التفضيل إنما سمع منها على صيغة الإفراد والتذكير فقط.

فقال: "وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعًا". هل هذا شرط؟ قال: لا. "وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعًا كقول الشاعر: إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كرامًا وأنتم ما أقام الأئمُ". يقول هنا الشاهد: الأئم لم يقصد به المفاضلة، بل الصفة المشبهة؛ إذًا: "إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كرامًا وأنتم ما أقام الأئمُ".

طبعًا هنا هذا الكلام في الحقيقة جيد، ما ذكره المحشي أنه كل مكان أو كل وصف على وزن "أفعل" سلب منه الدلالة على التفضيل، فمباشرة حوله إلى صفة مشبهة ولا تجعله أفعل التفضيل. كل مظاهر أفعل التفضيل التي سلبت منها الدلالة على التفضيل، تعود بها إلى الأصل أنها صفة مشبهة على وزن "أفعل". وهذا ما وقع في "وأنتم ما أقام الأئمُ"؛ سلب منها الدلالة على التفضيل فأصبحت صفة مشبهة على وزن "أفعل"، وإذا أصبحت صفة مشبهة على وزن "أفعل" فلا إشكال أن تُجمع جمع التذكير.

قال: "وإذا صح جمعه لتجرده من معنى التفضيل جاز أن يؤنث أيضًا"، فيكون قول ابن هانئ بالتالي: «كأن صغرى وكبرى من فقاقعها». فكما قلت لكم، أبو نواس البعض قال إنه لم يلحن في هذا البيت: «كأن صغرى وكبرى من فقاقعها»؛ لأن "أصغر" و"أكبر" التي لانتها ليست "أفعل التفضيل"، سلب منها أفعل التفضيل فأصبحت تدل على الصفة المشبهة. بالتالي، هذا أفضل من تلحين أبي نواس؛ أن نقول إن بيته متأول، وأنه لم يقصد التفضيل وإنما قصد الصفة المشبهة، وينتهي الأمر.

إذن الذي يهمنا هنا أن نعرف أن أفعل التفضيل قد تُسلب الدلالة على التفضيل، بالتالي تصبح صفة مشبهة. هل هذا قياس مضطرد أم أصل قصره على السماع؟ في الحقيقة لعلي أذهب إلى رأي المبرد، أن الأصل في هذا أنه قياس مضطرد، فأنت مخير في صيغة "أفعل" بين أن تجعلها تدل على التفضيل، وبين أن تسلبها معنى التفضيل وتصيرها صفة مشبهة. فلماذا يقال إنه مقتصر فيه على السماع؟ فلعل كلام المبرد أقيس، والله تعالى أعلم.

ثم قال: «وإن تكن بتلوي من مستفهما، فلهما كن أبداً مقدما، كمثل ممن أنت خير ولا داء». هذه مسألة جديدة بعد أن انتهينا من هذه الأحكام الأربع وهي صلب الباب. سيذكر لك بعض الأحكام، فقال: «وإن تكن بتلوي من مستفهما»، إذا أردت أن تستفهم عن المفضول -وطبعًا "من" هي التي تجر المفضول باختصار- إذا أردت أن تستفهم عن المفضول فما هو الحل؟ عليك أن تقدم "من" الجارة مع المفضول على أفعل التفضيل.

قال: «فلهما كن أبداً مقدما»، يعني إذا أردت أيها المتكلم أن تستفهم عن المفضول، تسأل من هو؟ فقال: «فلهما» أي لمن وللمفضول، «كن أبداً مقدما» على ماذا؟ على أفعل التفضيل؛ كلاهما مقدما على أفعل التفضيل. ثم مثل: «كمثل ممن أنت خير».

وهذا المثال الذي مثل به ابن مالك من المواطن التي استدركها عليه الأشموني، وقال لابن مالك: أخطأت بهذا المثال. واستدركها أيضًا ابن هشام في "أوضح المسالك"، وإن كان ابن هشام لا يصرح بنقده لابن مالك لكن يظهر ذلك من تمثيلاته. قال هنا: هذا المثال ليس بصحيح الذي مثل به ابن مالك «ممن أنت خير». لماذا؟ لأنه هنا "من" الجارة والمجرور بها لم يقدم على أفعل التفضيل وحده، بل قدم حتى على المبتدأ، وفصلنا بالتالي بين "من" الجارة للمفضول وبين أفعل التفضيل.

مر معنا أن إعادة التفضيل لا يجوز أن يفصل بينها وبين "من" الجارة للمفضول إلا بمعمول أفعل التفضيل أو بلام؛ وهذه قاعدة عامة سواء كانت "من" الجارة متأخرة على أفعل التفضيل أو كانت متقدمة عليه. فابن مالك هنا جعل "من" الجارة للمستفهم عن المفضول بها لما قال: «ممن أنت خير»، لاحظوا أن الاستفهام هنا استفهام عن المفضول، من هو المفضول في «ممن أنت خير»؟ هنا ابن مالك في المثال الذي ذكره قدم "من" الجارة ليس على أفعل التفضيل فحسب، بل قدمها حتى عن الموصوف بأفعل التفضيل وهو "أنت". قال: «ممن أنت خير»، والصحيح أنه كان ينبغي أن يقول: "أنت ممن خير"، فيأتي بـ "أنت" ابتداً ثم يأتي بالمستفهم عنه "ممن خير"؛ حتى لا يفصل بين أفعل التفضيل وبين "من" الجارة للمفضول.

لا يحدث، قال: «وإن تكن بتلوي مني الجار مستفهماً فلهما»، أي لمن ولمجرورها المستفهم به، كن أبداً مقدماً على فعل التفضيل، لا على جملة الكلام كما فعل المصنف، وأخطأ؛ إذ يلزم على تمثيله، أي على تمثيل ابن مالك، الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي. والفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، والأجنبي هنا هو "أنت"، والعامل يقصد به أفعال التفضيل، والمعمول هو "من" الجارة مع مدخولها.

قال: «ولا قائل به»، الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، يعني الفصل بين أفعال التفضيل وبين "من" الجارة بأجنبي، ولا قائل به. قال: «كمثل ممن أنت خير». ثم هنا ذكر أمثلة على سياق كلام ابن مالك: «ممن أنت خير»، «أيهم أنت أفضل»، «من كم دراهمك أكثر»، «من غلام أيهم أنت أفضل». لكن الصحيح أنه كل هذه الأمثلة يجب أن تغير، وأن يقال: «أنت ممن أنت خير؟»، «أنت من أيهم أفضل؟»، «من كم دراهمك أكثر؟»، «من أنت من غلام أيهم أفضل؟».

لاحظوا لو فتحت "أوضح المسالك" سريعاً على الباب، لهذا قال في أوضح المسالك: «ويجب تقديم من ومجرورها عليه، أي على أفعال التفضيل، إن كان المجرور استفهاماً»، نحو سائر الأمثلة: «أنت ممن؟»، أو مضافاً إلى الاستفهام: «أنت من غلام من أفضل؟». لاحظ، فجعلها كلها بعد المبتدأ "أنت"، وليست متقدمة عليه، فهذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم. وما ذكره ابن مالك هذه من المواطن المحدودة التي استدركت عليه.

«ولد إخبار التقديم نذراً ورداً»، أي هل سمع تقديم من الجارة للمفضول على أفعل التفضيل في سياق الإخبار في غير استفهام؟ هل سمع هذا؟ قالوا: "ولد إخبار" أي في غير سياق استفهام، تقديمه من الجارة للمفضول على أفعال التفضيل نذراً وجد، كقول الشاعر: فقالت لنا أهلاً وسهلاً ... وزودت جنى النحل بل ما زودت منه أطيبُ فيقول: بل ما زودت أطيب منه. فقدم الجار والمجرور على أفعال التفضيل في سياق إخبار وليس استفهام، افهموا هذا قليلاً.

ومنه قول الشاعر: ولا عيب فيها غير أن سريعها ... قطوف وإلا شيء منهن أكسلُ أصلها: وإلا شيء أكسل منهن، لكن قدم الجار والمجرور. قال: «إذا سايرت أسماء يوماً ضعينة ... فأسماء من تلك الظعينة أملحُ»، أصلها: فأسماء أملح من تلك الظعينة. فهذا قليل أحبابي الكرام، هذا قليل؛ لذلك قال نذراً. والأصل أن تقديم الجار والمجرور إنما يضطرد ويقاس في باب ماذا؟ في باب الاستفهام.

هذه انتهينا منها، نأتي للمسألة الأخيرة فقال: «ورفعه الظاهرة نزر وما عُقب فعلاً فكثيراً»، ثبت كالن: «ترى في الناس من رفيقي ... أولى به الفضل من الصديق». الآن هذا الحكم الأخير في باب أفعال التفضيل. هذا الحكم يتعلق: هل أفعل التفضيل يرفع فاعلاً ظاهراً؟ ماذا قال لنا؟ قال لنا في الحقيقة أحبابي لو أنني سأشرح هذا الباب، أظن أنني سأتجاوز الساعتين، والمسألة دقيقة تحتاج إلى نضوج ذهني عند الطالب، فاخترت وارتحت أن أؤخر شرح هذين البيتين إلى المحاضرة القادمة، ونشرع بعد ذلك إن شاء الله في الباب الأول من أبواب التوابع، ألا وهو باب التوابع.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.