دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فأدعوه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، نسأل الله الإعانة والقبول.

في المحاضرة السابقة أحبابي الكرام شرعنا في باب جديد من أبواب هذه الألفية، ألا وهو باب التمييز. فقال ابن مالك رحمه الله تعالى عليه: اسمٌ بِمَعْنَى "مِنْ" مُبَيِّنٌ نَكِرَة ... يَنْصِبُ تَمْيِيزاً بِمَا قَدْ فَسَّرَهُ كَشِبْرِ أَرْضٍ وَقَفِيزِ بُرَّا ... وَمَنَاوَيْنِ عَسَلاً وَتَمْرَا وبعدُ ثم قال: وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ إِذَا ... أَضَفْتَهَا كَمَدُّ حِنْطَةٍ غِذَا

اليوم أحبابي الكرام، بعد أن عرفنا تعريف التمييز وأنه اسم نكرة، وظيفته أن يفسر وأن يميز وأن يبين الذوات، وأنه متضمن معنى "من" البيانية، وعرفنا مجموعة من الأحكام المتعلقة به في المحاضرة السابقة، اليوم نكمل ما بقي من الأحكام علينا. ودعونا نتذكر تقسيماً مهماً للتمييز وهو التقسيم الأساسي الذي يقوم عليه هذا الباب، ألا وهو تقسيم التمييز أحبابي الكرام إلى نوعين: تمييز مفرد وتمييز جملة. وتمييز الجملة أحبابي ينقسم إلى محول وإلى غير محول. هذه القسمة الثنائية هنا لعلنا لم نذكرها في المحاضرة السابقة، نذكرها اليوم لأنه عليها سيذكر ابن مالك بعض القضايا.

وعرفنا أن التمييز المحول عندنا: محول عن فاعل، ومحول عن مفعول به، وثالثاً ما يسمونه محول عن غيرهما. وغير المحول كما سيأتي معنا: لله دره فارساً، ونحوها من صيغ التعجب؛ فإنها تعتبر من تمييز الجملة لكنها ليست محولة. وأما تمييز المفرد فقد أشرنا إليه في المحاضرة السابقة عن المكاييل والمساحات والأعداد ومثل والغير، وتكلمنا أيضاً ما كان فرعاً لصاحبه؛ فهذه كلياتها المساحات والمكاييل والأوزان والمثلية والغيرية والأعداد وما كان فرعاً لصاحبه، كلها أنواع لتمييز المفرد. جميل، يعني هذا ركن أساسي أو هذا هو الهيكل الأساسي لباب التمييز، أن تفهم انقسامه إلى تمييز مفرد وما هي المفردات التي تميز، وتمييز جملة، وتمييز الجملة ينقسم إلى محول وغير محول. هذه أساسيات باب التمييز يجب أن تكون مستحضرة عند طالب الألفية.

ممتاز، الآن أحبابي الكرام ننتقل إلى البيت ثلاثمئة وستين، وننظر فيه ونحاول أن نصنفه؛ فالبيت ثلاثمئة وستين هو يتحدث عن أي شكل من أشكال التمييز؟ هل يتكلم عن تمييز مفرد أم تمييز جملة؟ وإذا كان يتكلم عن تمييز جملة، هل هو يتكلم عن تمييز محول أو غير محول؟ هذا ما نريد أن ننتفع به في هذا البيت. قال ابن مالك: وَالفَاعِلَ المَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلِ ... مُفَضَّلاً كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاً

يقول: والفاعل في المعنى انصباً بأفعل، أفعل التفضيل، مفضلاً بها، كأنت أعلى منزلاً. مصطلح "الفاعل في المعنى" إذا بتذكروا أحبابي الكرام مر معنا في باب سابق من أبواب الألفية، مر معنا في باب الفعل اللازم والمتعدي، وهناك عبرنا عن الفاعل في المعنى بأنه المفعول الأول لأفعال المنح والعطاء. إذا كنتم تذكرون ذلك كقولنا: أعطيت زيداً درهماً، فقلنا نقول المفعول به الأول في أفعال المنح والعطاء يسمى فاعلاً من حيث المعنى. وقال ابن مالك: وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ مَعْنًى كَمَنْ ... أُلْبِسَ مَنْ زَارَكُمُ نَسْجَ اليَمَنْ

هناك كان الفاعل في المعنى يعبر به عن المفعول به الأول في أفعال المنح والعطاء. وعرفنا عندما نقول: أعطيت زيداً درهماً، فزيد المفعول به الأول هو فاعل؛ لأنه أخذ، فهو قام بفعل الأخذ، والدرهم هو المأخوذ، فمن هذه الجهة اعتبر المفعول به الأول فاعلاً من جهة المعنى. هنا أطلق مصطلح الفاعل في المعنى على التمييز الذي يأتي بعد أفعال التفضيل. هنا أطلق مصطلح الفاعل في المعنى إطلاقاً آخر، أطلق على التمييز الذي يأتي بعد أفعال التفضيل. التمييز الذي يأتي بعد أفعل التفضيل هو فاعل من جهة المعنى. لكن طبعاً هل دائماً بعد أفعل التفضيل يوجد تمييز منصوب؟ لا، في الحقيقة، لذلك سيفصل الأشموني رحمه الله عليه سيفصل متى أفعل التفضيل تنصب تمييزاً ومتى لا تنصب تمييزاً.

دعونا ننظر ماذا قال، يقول: والفاعل في المعنى انصبا على التمييز بأفعل مفضلاً له على غيره، لأنه قال: والفاعل معنى انصبا بأفعل مفضلاً، أي الفاعل من جهة المعنى ينصب على التمييز بعد أفعال التفضيل مفضلاً له أي لهذا الفاعل في المعنى على غيره. قال: والفاعل في المعنى هو ماذا؟ هو السببي، وعلامته أن يصلح للفاعلية عند جعل أفعل التفضيل فعلاً طبيعياً. يعني لو حولنا أفعل التفضيل إلى فعل طبيعي، فإن هذا التمييز المنصوب يتحول إلى فاعل ويصح جعله فاعلاً. مثال ذلك ما ذكره ابن مالك: أنت أعلى منزلاً، أو محمد أعلى منزلاً من بكر، عندما نقول: أنت أعلى منزلاً، كلمة "منزلاً" منصوبة على التمييز. ممتاز، وهي فاعل من جهة المعنى. لماذا هي فاعل من جهة المعنى؟ لأننا لو أزلنا أفعل التفضيل ووضعنا مكانها الفعل، فقلت: أنت علا منزلك، فإننا سنجد أنه "منزلاً" التي كانت منصوبة، هذا التمييز بعد أفعال التفضيل أصبحت هي الفاعل للفعل "علا". فأنت عندما قلت: أنت أعلى منزلة، بدل "أعلى" حط "علا"، ارجع للفعل الأصلي، فتقول: أنت علا منزلك، فبالتالي "منزلك" ماذا أصلها؟ أصلها فاعل للفعل الذي أخذ منه أفعل التفضيل.

مثلاً: أنت أكثر مالاً، الآن لو أنني بدل أكثر وضعت الفعل الأصلي، فقلت: أنت كثر، ماذا تقول؟ أنت كثر مالك. طبعاً لماذا هو سماه السببي؟ لأن الذي كثر والذي علا شيء متعلق بك، الذي كثر في قوله: "أنت كثر مالك"، ليست الكثرة في ذاتك وإنما في شيء متعلق بك، فهذا شبيه بالنعت السببي وما شابه ذلك، فلذلك سماه تمييزاً سببياً، الذي كثر مالك والذي علا منزلك. ممتاز، لذلك قال: إذ يصح أن يقال: أنت علا منزلك، وكثر مالك. وبالتالي أحبابي الكرام كثير من النحاة يصنف هذا النوع من التمييز على أنه تمييز جملة محول عن فاعل أيضاً. البعض بل كثير من النحاة يصنف هذا النوع من التمييز أنه تمييز جملة محول عن فاعل؛ لأنهم يقولون: كما أنك عندما تقول "طاب محمد نفساً" أصل الجملة "طابت نفس محمد"، فالتمييز محول عن فاعل، كذلك هنا أنت عندما تقول "أنت أعلى منزلة" أصلها "أنت علا منزلك"، فهي محولة عن الفاعل.

البعض، كابن هشام رحمه الله عليه، يرى أن لا هنا ليس التمييز محولاً عن فاعل، بل يرى أن التمييز محول عن مبتدأ. ويقول: جملة "أنت أعلى منزلة" أصلها "منزلك أعلى من منزل غيرك". وفي الحقيقة كلام ابن مالك أيضاً له وجاهة، لماذا؟ لأننا عندما نقول "أنت أعلى منزلة" هذا محول عن الفاعل، كيف يكون محولاً عن الفاعل؟ قالوا بأنه أصل الجملة "أنت علا منزلك"، نقول ممتاز، لكن لما تقول "أنت علا منزلك" هنا أنت استعملت فعل "علا" وتخليت عن أفعل التفضيل، عدت من "أعلى" التي هي أفعل تفضيل إلى "علا"، "أنت علا منزلك"، وجملة "أنت علا منزلك" لا تدل على التفضيل بين شيئين، فانت حتى تزعم أنه محول عن الفاعل اضطررت أن تستغني عن صيغة أفعل التفضيل وعدت إلى الفعل الأصلي "أنت علا منزلك"، وصيغة الفعل الأصلي لا تدل على التفضيل. لذلك ابن هشام رحمه الله عليه اتخذ رأياً آخر، فقال: لا هو ليس عن الفاعل، بل نقول هو محول عن مبتدأ، وتقدير "أنت أعلى منزلة" أصلها "منزلك أعلى من منزل غيرك". فابن هشام قال هكذا نحن نحافظ على أفعل التفضيل موجودة ونجعل التمييز كان أصله مبتدأ "منزلك أعلى من منزل غيرك". فيقول التمييز كان أصله مبتدأ ثم تم تحويله إلى ماذا؟ تم تحويله إلى تمييز.

فعلى رأي ابن هشام رحمه الله عليه يكون هنا تمييز الجملة من تمييز الجملة المحول عن غير الفاعل وعن غير المفعول به، بل محول عن مبتدأ، لذلك أنا قلت "محول عن غيرهما" ويشمل هذه الصورة عند ابن هشام؛ لأنه جعل التمييز محولاً عن المبتدأ. فبالتالي هذه المسألة فيها أخذ وعطاء عند النحويين. هل نعتبر التمييز بعد أفعل التفضيل محولاً عن الفاعل والتقدير "أنت أعلى منزلاً" أي "أنت علا منزلك"؟ لكن هنا اضطررنا أن نستغني عن "أعلى" ونأتي بـ"علا". أم نقول هو محول عن المبتدأ والتقدير "أنت أعلى منزلة" أي "منزلك أعلى من منزل غيرك"؟ وهنا سنحافظ على أفعل التفضيل مكانها. يعني هذه مسألة من مسائل الاجتهاد النحوي.

جيد، قال: الآن بدنا نعرف هل أفعل التفضيل دائماً تنصب تمييزاً؟ انظروا إيش قال الأشموني، قال: أما ما ليس فاعلاً في المعنى، وهو ما أفعل التفضيل بعضه، وعلامته أن يصح أن يوضع موضع أفعل، يعني هذا علامة النوع الثاني، هناك أفعل تفضيل تنصب الفاعل في المعنى على التمييز، وعلامتها كما ذكر سابقاً أن يصلح التمييز للفاعلية عند جعل أفعل التفضيل فعلاً "أنت علا منزلك". النوع الثاني لا، أفعل التفضيل التي لا تنصب فاعلاً في المعنى، وهذه ما علامتها؟ أفعل التفضيل التي لا تنصب فاعلاً في المعنى، قال: وعلامته أن يصح أن يوضع موضع أفعل التفضيل كلمة "بعض"، ويضاف هذا البعض إلى جمع قائم مقام ما بعد أفعل التفضيل. يعني انظروا هذه الجملة "زيد أفضل فقيه"، لاحظوا في هذه الجملة لا يصح أن نقول "زيد أفضل فقيهاً"، غلط، بل أنت مضطر أن تقول "زيد أفضل فقيه"؛ لأن كلمة "فقيه" ليست فاعلاً من جهة المعنى، ليست فاعلاً من جهة المعنى، بدليل أنني لو أعدت "أفضل" إلى الفعلية، فقلت "زيد فضل فقيه" لا يصلح، أن يقول "زيد فضل فقيه" المعنى ركيك، شو "زيد فضل فقيه"؟ بخلاف "زيد كثر ماله"، "زيد علا منزله" صلحت، لكن لو قلت "زيد فضل فقيه" ما بتصلح. بينما لو وضعت مكان أفعل التفضيل، وهي "أفضل" هنا، لو وضعت كلمة "بعض" والكلمة المضاف إليها بعدها وهي كلمة "فقيه" جمعتها بدل ما هي مفردة، فقلت "زيد بعض الفقهاء"، اه والله بتصلح.

فقال: ففي هذا النوع يجب جر ما بعد أفعل التفضيل بالإضافة ولا يصح نصبه على التمييز. طيب قال: إلا في حالة واحدة في هذا النوع في حالة واحدة يصح نصب الاسم على التمييز، قال: إلا أن يكون أفعل التفضيل أصلاً هو مضاف إلى غيره، في هذه الحالة ينصب على التمييز؛ لأنه ما بقي له قدرة على أن يضاف، لأنه أفعل التفضيل أخذ المضاف إليه بعدها، فحينئذ سينصب هذا الاسم على ماذا؟ على التمييز، وإن لم يكن فاعلاً في المعنى. إذاً الحالة الثانية أن يكون ما بعد أفعل التفضيل ليس فاعلاً من جهة المعنى. وما علامة ذلك؟ كيف نعرف ذلك؟ علامة ذلك أن يصح الاستغناء عن أفعل التفضيل التي بدلها بكلمة "بعض"، وما يقع بعدها هو مفرد تحوله إلى جمع كما قلنا: "زيد أفضل فقيه"، "زيد أشجع رجل"، فإنك تستطيع أن تقول "زيد بعض الفقهاء" و"زيد بعض الرجال". فهذا مؤشر على أن ما بعد أفعل التفضيل ليس فاعلاً من جهة المعنى. فالاصل فيه أن يجر على أنه مضاف إليه. لكن هناك حالة يصح نصبه على التمييز، هذا الذي ليس فاعلاً في المعنى والذي الأصل فيه أن يكون مضافاً إليه، هناك حالة واحدة يصح فيها نصبه على التمييز، ما هي؟ هذه الحالة قالوا: إذا كان نفس أفعل التفضيل أصلاً مضافاً إلى غيره، ففي هذه الحالة ينصب هذا الاسم الذي ليس فاعلاً في المعنى على التمييز، نحو "زيد أكرم الناس رجلاً"، هي أصلها كانت "زيد أكرم رجل"، لكن لما أضفت "أكرم" إلى الناس كلمة "رجل" ما عاد يمكن إضافتها، فاضطررنا أن ننصبها على التمييز فنقول "زيد أكرم الناس رجلاً".

وفي الحقيقة يمكن أن نسمي النوع الأول وهو ما كان فاعلاً في المعنى "تمييز سببي"، والنوع الثاني وهو ما ليس فاعلاً في المعنى "تمييز حقيقي". باعتبار أنه ما الفرق بين هاتين الجملتين؟ ما الفرق بين قولنا -لاحظوا أحبابي الكرام- "أنت أعلى منزلةً" وبين "أنت أفضل فقيهٍ"؟ الفرق أحبابي الكرام هو أن المنزل هو سببي من سببيات ما قبل أفعل التفضيل، أن المنزل هو سببي من سببيات ما قبل أفعل التفضيل، "أنت أعلى منزلة"، فالمنزل سببي من سببياتك، متعلق بطاقاتك وليس ذاتك، بينما الفقيه هو ذات ما قبل أفعل التفضيل، فأنت الفقيه والفقيه هو أنت، "أنت أفضل فقيه" هو نفسه الضمير الذي قبل أفعل التفضيل "أنت"، وليس سببياً من السببيات. لذلك ابن هشام قال في "قطر الندى" عن الحالة الثانية: هي التي يكون فيها المضاف إليه هو ذات ما قبل أفعل التفضيل، الذي يكون فيه المضاف إليه وهو كلمة "فقيه" هو نفسه ما قبل أفعل التفضيل وهو "أنت"، فهذا ليس سببياً من السببيات، بل هو عين ما قبل أفعل التفضيل.

فلاحظوا الفرق: "أنت أعلى منزلاً"، "أنت أفضل فقيهٍ". المنزل هو سببي من السببيات لما قبل أفعل التفضيل، فهذا يسمى فاعلاً في المعنى. بينما في الحالة الثانية ما بعد أفعل التفضيل هو ذات ما قبلها، أنت الفقيه والفقيه أنت، فقلت "أنت أفضل فقيه".

في هذه الحالة لا يكون ما بعد أفعل التفضيل فاعلاً من جهة المعنى. لذلك تقول: الذي يُنصب على التمييز ابتداءً هو ما كان فاعلاً في المعنى، وعلامته أن يصح الاستغناء عن أفعل التفضيل بفعلها؛ فتزيل أفعل التفضيل وتأتي بفعلها، فيكون هذا التمييز هو الفاعل في الحقيقة، فتقول: أنت أعلى منزلاً، أي: أنت تعلو منزلتك. هذه علامتها.

وأما ما ليس فاعلاً في المعنى، وهي الصورة الثانية، فإنه لا يُنصب على التمييز بل يُجر على الإضافة، إلا في حالة واحدة: إذا كان أفعل التفضيل قد أخذ المضاف إليه، ففي هذه الحالة ننصب الاسم الذي ليس فاعلاً في المعنى على التمييز؛ لأنه ما عاد هناك حل آخر. هذه هي صورة هذه المسألة، وهي التمييز بعد أفعل التفضيل، وعرفنا الخلاف: هل يُعتبر محولاً عن الفاعل أم يُعتبر محولاً عن المبتدأ؟ كما قلت، هناك خلاف بين النحويين في تصوير هذه المسألة.

ثم قال: وبعد كل ما اقتضى تعجباً ميز. كأكرم بأبي بكر أبا. في هذا البيت يريد أن يخبرنا ابن مالك رحمة الله عليه أيضاً عن شكل آخر من أشكال تمييز الجملة، ألا وهو التمييز غير المحول. من صور التمييز غير المحول التمييز الذي يأتي في صيغ التعجب عموماً؛ فهو تمييز جملة غير محول.

وقلت بعد صيغ التعجب عموماً؛ لأن ابن مالك قال: وبعد كل ما اقتضى تعجباً، أي بعد كل صيغة تدل على التعجب انصب على التمييز. وسواء كانت صيغة قياسية -وستأتي معنا الصيغ القياسية وهي ما أفعله وأفعل به- أو صيغة سماعية، فبعد كل صيغ التعجب الاسم يُنصب على التمييز. كأكرم بأبي بكر أبا؛ وها هنا مَثّل بمثال على صيغة أفعل به وهي صيغة قياسية، فأباً هنا منصوبة على التمييز، وهو تمييز جملة غير محول. وأيضاً من صوره ما أفعله، فأقول: زيد ما أكرمه أباً، فلاحظ أباً هنا منصوبة على التمييز، هذه أيضاً قياسي.

نأخذ أمثلة على التمييز السماعي: لله دره فارساً، فهذا المثال مر معنا كثيراً، ففارساً منصوبة على التمييز. أيضاً حسبك به كافلاً، هذا شكل من أشكال التعجب. كفى بالله عالماً، كفى بالله شهيداً، هذه أيضاً صيغ من صيغ التعجب. ومنه أيضاً: بانت لتحزننا عفارة، يا جارة ما أنت جارة. طبعاً لاحظوا أن هذا المثال مر معنا سابقاً لكن في باب الحال على أن جارة حال، هنا استعمله الأشموني على أن جارة تمييز، وهذا يدل على أن الشاهد الواحد يمكن أن تستعمله في أكثر من باب بناءً على أنه له أكثر من وجه في الإعراب.

فلما كان في باب الحال ذكره، فكان له تخريج على أنه حال وأن جارة منصوبة على الحال. عندما تكلم عن عامل الحال المعنوي قال: من عامل الحال المعنوي ما كان استفهاماً مراداً به التعظيم، زي: ما أنت جارة، أي ما أعظمك حالة كونك جارة. هنا استشهد بهذا البيت على وجه آخر من أوجه الإعراب لكلمة جارة وهو نصبها على التمييز، وأن الاستفهام هنا هو استفهام مراد به التعجب، وكلمة جارة منصوبة بعدها على التمييز. وهذا تخريج آخر للبيت، فهذا باختصار مراده بهذا البيت أن بعد صيغ التعجب عموماً القياسية والسماعية يُنصب التمييز ويكون في هذه الحال تمييز جملة غير محول.

ثم قال: واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفساً تفد. يقول ابن مالك رحمة الله عليه في هذا البيت إن "مِن" الجارة يجوز أن ندخلها على التمييز فتجره، أي أي تمييز منصوب يجوز أن تدخل عليه "مِن" الجارة فيصبح التمييز المنصوب مجروراً بـ "مِن". هذه هي الفكرة.

قال: واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد؛ يعني التمييز، هناك مستثنيات؛ هناك بعض أنواع التمييز لا يمكن أن تُجر بـ "مِن" الجارة: وهي تمييز الأعداد، مثل: عشرون رجلاً، لا يصلح أن أقول مررت بعشرين من رجل. والتمييز الذي هو فاعل في المعنى، وهو كل تمييز محول عن فاعل، سواء ما ذكرناه قبل قليل في أفعال التفضيل أو ما كان محولاً عن فاعل من الأمثلة السابقة، زي: طاب محمد نفساً (طابت نفس محمد)، واشتعل الرأس شيباً (اشتعل شيب الرأس).

وفي الحقيقة هو ذكر هذين الأمرين، لكن أيضاً قَصُر في ذلك ابن مالك؛ لأن "مِن" تمتنع بعد الأعداد وتمتنع بعد الفاعل في المعنى، وتمتنع أيضاً بعد التمييز المحول عن المفعول به. فلماذا اقتصر ابن مالك على التمييز المحول عن الفاعل فقط؟ بل الصواب أنه أيضاً حتى التمييز عن المفعول به تمتنع بعده أو قبله "مِن" الجارة، كقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]، لا يصلح أن أقول: وفجرنا الأرض من عيون. فكلام ابن مالك فيه تقصير، لعل الأشموني هو الذي استدرك ذلك عليه. فمعنى البيت إذاً نعيده مرة أخرى: يريد أن يقول كل تمييز منصوب أنت مخير يجوز لك أن تجره بـ "مِن" الجارة، إلا في بعض الصور فإن التمييز المنصوب لا يصلح إدخال "مِن" الجارة عليه.

يقول الأشموني: "واجرر بِمِن" لفظاً، أي واجرره بـ "مِن" متلفظاً بها. ليه؟ لأنه يريد أن يحترز، نحن قلنا التمييز أصلاً متضمن معنى "مِن"، لكن هنا الكلام عن إدخال "مِن" الجارة لفظاً في الكلام. فيقول: واجرر بـ "مِن" لفظاً كل تمييز صالح لمباشرتها إن شئت. طب لماذا يجوز أن يُجر كل تمييز بـ "مِن"؟ قال: لأن "مِن" هي في معنى التمييز، هي متضمنة فيه. كما أن في الظروف كنا نقول كل ظرف فيه معنى "في"، وبعضه صالح لمباشرتها، في الظروف مش قلنا نقول الظرف وقت أو مكان ضمن فيه باضطراد، كهنا امكث أزمنا؟ لما كان الظرف متضمناً لمعنى "في"، جاز أن يُجر كثير من الظروف بـ "في" صراحة. ونفس الشيء في التمييز؛ لما كان التمييز متضمناً معنى "مِن"، جاز في كثير من التمييز أن يُجر بـ "مِن" صراحة، فكأنه يقيس مسألة التمييز على الظرف في هذه الفكرة.

قال: وكل تمييز فإنه صالح لمباشرة "مِن" ما عدا تمييز الأعداد، هاي واحد، مثل: مررت بعشرين رجلاً، ثلاثين بقرة، تمييز الأعداد لا يقبل أن يُجر بـ "مِن". واثنين: الفاعل في المعنى، يعني المحول عن الفاعل في الصناعة، كطِب نفساً تَفِد؛ لأنه "طِب نفساً" أصلها لِتَطِب نفسك، وهي لو أتيناها بصيغة الماضي بدل صيغة الأمر: طاب محمد نفساً (طابت نفس محمد). قال: فهذان لا يصلحان لمباشرتها، أي لمباشرة "مِن" الجارة. فلا يقال: عندي عشرون من عبد، ولا زيد من نفس. ومنه قوله، ومنه -اكتبوا تحتها: أي من التمييز المحول عن الفاعل أيضاً- ما مر معنا: أنت أعلى منزلاً، فإنه أصله أنت تعلو منزلتك، على ما ذكرناه، واختاره الأشموني وكثير من النحاة أنه أيضاً محول عن فاعل. ففي مثل هذا أيضاً لا يجوز أن يقال: أنت أعلى من منزل، ما بيزبطش، ما بيزبط أن تقول أنت أعلى من منزل. التمييز هنا لا يصلح أن يُجر بـ "مِن".

ثم قال: ويجوز فيما سواهما، أي يجوز فيما عدا الأعداد والفاعل في المعنى. لكن حقيقة قلنا قوله: يجوز فيما سواهما، سيأتي يستدرك في الأول ويقول إنه حتى التمييز المحول عن المفعول به لا يصلح أن يُجر بـ "مِن"، لذلك قوله يجوز فيما سواهما بدك تعرف أنه في استثناء أيضاً. مثال ما سواهما مثلاً: عندي قفيز بُراً، يجوز أن أقول عندي قفيز من بر، وشبر من أرض (أصلها عندي شبر أرضاً)، يجوز أن أقول عندي شبر من أرض، وعندي منوان عسلاً وتمراً، بيصير أقول وعندي منوان من عسل، وما أحسنه رجلاً، يصح أن أقول فيه ما أحسنه في أسلوب التعجب: ما أحسنه من رجل.

الآن سيأتي إلى التنبيهات للأشموني فقال: تنبيهات. الأول: هذا ركزوا عليه، كان ينبغي أن يُستثنى مع ما استثناه التمييز أيضاً عن المفعول به، نحن: غرست الأرض شجراً وفجرنا الأرض عيوناً، فهذا لا يصح أن يُجر بـ "مِن"، فلا يقال: غرست الأرض من شجر، وفجرنا الأرض من عيون، هذا نفسها نفس الحالتين السابقتين لا يصح جره بـ "مِن".

ومن أيضاً من الصور الممتنعة قولك: ما أحسن زيداً أدباً، فإنه يمتنع فيه الجر بـ "مِن"، فلا يصلح أن أقول، وإن كان تعجباً، هاي تلاحظوا هاي، وإن كانت تعجبية لكن لا يصلح فيها أن أقول: ما أحسن زيداً من أدب، هذه لا يصلح هنا.

بسم الله الحمد لله. وكأن الفرق بين الجملة السابقة "ما أحسنه من رجل" و"ما أحسن زيداً أدباً"، يعني ما الفرق مع أن هذا تعجب وهذا تعجب؟ الذي يظهر للعبد الفقير أن الفرق أنه "ما أحسنه رجلاً" هنا إن زيد هو نفسه الرجل والرجل هو نفسه زيد، فلذلك صلح الجر بـ "مِن"، فلذلك صلح الجر بـ "مِن". ولكن "ما أحسن زيداً أدباً"، الأدب هو سبب من الأسباب وليس هو نفس الشخص، ليس هو نفس الشخص. "ما أحسنه من رجل"، الرجل هو نفس الشخص المتعجب منه والمتعجب منه هو نفس الرجل، فهذا تمييز حقيقي. وأما "ما أحسن زيداً أدباً" فهذا تمييز، إذا صحت التسمية، سببي؛ لأن الأدب هو متعلق من متعلقات المتعجب منه وليس ذاته.

كان هذا فرق، يعني يصح أن يُجعل بين ما أحسنه من رجل وما أحسن زيداً أدباً فرق بينهما، جعل الحالة الأولى إذا كان التمييز حقيقياً يجوز جره بـ "مِن" في التعجب، أما إذا كان التمييز سببياً فلا يجوز جره بـ "مِن" في التعجب. أقول هذا الذي ظهر لي من هذا الكلام وإن كان الأشموني لم يشر إلى الفرق بينهما. لماذا جاز أن أقول ما أحسنه من رجل لكن لم يجوز أن يقول ما أحسن زيداً أدباً؟ فالذي ظهر لي أن الفرق هو في هاتين الجزئيتين أو في هذه القضية، قضية التمييز الحقيقي والتمييز السببي.

التنبيه الثاني: قال تقييد الفاعل في المعنى بكونه محولاً عن الفاعل في الصناعة، هو لما قال "الفاعل في المعنى" قيده الأشموني بأنه الفاعل في المعنى أي بكونه محولاً عن الفاعل من جهة الصناعة، لإخراج نحو "لله دره فارساً"، فإن فارساً يقولون فارساً هي فاعل في المعنى، هكذا يريد أن يقول الأشموني، إن فارساً هي فاعل في المعنى لكنها ليست محولة عن فاعل من حيث صناعة نحوية. الآن طاب محمد نفساً؟ نعم، نفساً هي محول عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية، وأنت أعلى منزلاً، منزلاً محول عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية. لكن لله دره فارساً، كأنه يريد أن يقول فارساً هي فاعل في المعنى لكنها من حيث الصناعة من حيث الصناعة ليست محولة عن الفاعل حقيقة لذلك هي تُصنف من غير المحول أصلاً.

فهنا الأشموني كأنه يوسع دائرة الفاعل في المعنى؛ فيقول هناك أمور من التمييز تسمى فاعلاً من حيث المعنى وإن كانت ليست محولة عن الفاعل من حيث الصناعة. ومثل بـ "لله دره فارساً"، وبقول الشاعر أيضاً: أقول لها حين جد الرحيل أبَرّحت رِباً وأبرحت جاراً، قال فإنهما وإن كانا فاعلين في المعنى لله دره فارساً وأبرحت رِباً وأبرحت جاراً. قال وإن كانا فاعلين من حيث المعنى، إذ المعنى: عَظُمت فارساً، وعَظُمت جاراً.

طبعاً هنا أنت راح تقول: كيف هما محولان، كيف هما عفواً فاعلان، كيف هما فاعلان من جهة المعنى وأنت تقول: عظمت فارساً، ففارساً ما زالت ليست فاعل وعظمت جاراً كلمة جاراً ما زالت ليست فاعل. فكيف عَدّها فاعلاً من جهة المعنى؟ قالوا لأن فارساً هي تفسير لتاء الفاعل في عَظُمتُ، وجاراً هي تفسير لتاء الفاعل في عَظُمتُ. لما كانت جاراً وفارساً تفسير لتاء الفاعل اعتبرهما فاعلاً من جهة المعنى. شفتوا كيف اللفة يعني؟ هي في الحقيقة ليست فاعلاً واضحاً من حيث المعنى، لكن لما كانت "لله دره فارساً"، أصلها هيك بيحكي لك الأشموني: عظمتُ فارساً، وكانت فارساً هي التي تفسر التاء في عظمتُ وهي تاء الفاعل، ونفس الشيء عظمتُ جاراً، لما كانت جاراً هي التي تفسر التاء في عَظُمتُ، اعتبرت فاعلاً من جهة المعنى وإن كانت ليست فاعلاً من جهة الصناعة أي ليست محولة عن الفاعل صناعة نحوية. فهذا وجه اعتباري فاعلاً في المعنى وإن لم تكن محولة عن الفاعل من جهة الصناعة النحوية، قال فإنهما وإن كانا فاعلين معنى، إذ المعنى في الأصل: عظمت فارساً وعظمت جاراً. قال.

حتى إنهما غير محولين عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية، وهذا كلام صحيح. فبالتالي يجوز دخول من عليهما؛ إذا كان عندي -وهذه فائدة جيدة من الأشموني- يريد أن يقول لك: إذا كان عندك فاعل من جهة المعنى لكنه ليس من حيث الصناعة النحوية محولاً عن الفاعل حقيقة، كما مثل لك بـ: لله دره فارساً، أو أقررت جاراً، أو أبرحت ربّاً، وأبرحت جاراً، فهنا الفاعل في المعنى يجوز جرّه بـ (من). لماذا؟ تقول: لأنه ليس محولاً عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية، هو في معنى الفاعل لكنه ليس محولاً عن الفاعل حقيقة من حيث الصناعة النحوية، فمثل هذا يجوز دخول (من) عليه، فتقول: لله دره من فارس.

ومن ذلك أيضاً -أي مما يدخل تحت هذه الصورة- نعم رجلاً زيد. فرجلاً هو في الحقيقة تمييز للفاعل الضمير المستتر، فاعتبرت فاعلاً من حيث المعنى. فكلمة (رجلاً) تمييز للفاعل وهو الضمير المستتر، فاعتبرت فاعلاً من جهة المعنى، وإن كانت ليست محولة عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية، فهي تصنف من تمييز الجملة غير المحول، لكنها فاعل من جهة المعنى. فلما كانت فاعلة من جهة المعنى لكنها ليست محولة عن الفاعل من جهة الصناعة النحوية، جاز الجر بـ (من) في هذه الصور، فتقول: نعم من رجل. ومنه قول الشاعر: تخيره فلم يعدل سواه ... فنعم المرء من رجل تهامي لاحظ التصريح بالفاعل: فنعم المرء من رجل. فبالتالي هذه الفائدة إذا كان الفاعل في المعنى ليس محولاً عن الفاعل من حيث الصناعة النحوية فهذا يجوز جرّه بـ (من)، وليس هو في المعنى الممنوع جرّه بـ (من)؛ لأن كلام ابن مالك في عمومية، حيث قال: واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى. فكلمة والفاعل المعنى تشمل برضه هذه الصور، لكن في الحقيقة لا، بدنا نفصل: الفاعل في المعنى الذي يمتنع دخول (من) عليه هو الفاعل في المعنى المحول عن فاعل من حيث الصناعة النحوية. أما إذا كان عندي فاعل في المعنى لكنه ليس محولاً عن فاعل من حيث الصناعة النحوية فهذا يجوز جرّه بـ (من) وإن كان فاعلاً من جهة المعنى، فأرجو أن تكون الفكرة اتضحت لكم.

الثالث: أشار بقوله (إن شئت) إلى أن ذلك جائز لا واجب، أي أن تحول التمييز إلى مجرور بـ (من) جائز وليس بواجب. الرابع: اختلف في معنى (من) هذه التي ندخلها، فقيل: هي للتبعيض، وقال الشلوبين: يجوز أن تكون بعد المقادير وما أشبهها زائدة عند سيبويه، كما زيدت في نحو: ما جاءني من رجل. قال: إلا أن المشهور من مذاهب النحاة ما عدا الأخفش أنها لا تزاد إلا في غير الإيجاب، وهذا هو المشهور. يعني قول الشلوبين أن (من) هذه زائدة حقيقة ضعيف؛ لأن (من) الزائدة كما سيأتي معنا في باب حروف الجر إن شاء الله بعد قليل، (من) الزائدة لا تزاد إلا في سياق نفي أو شبهه، وأما في سياق الإثبات لا تأتي زائدة، فقول الشلوبين في الحقيقة ضعيف.

وقال أبو حيان في الارتشاف ويدل لذلك -أي للزيادة- العطف بالنصب على موضعها، كأن أبا حيان في الارتشاف يريد أن ينصر رأي الشلوبين في أن (من) هنا يصلح أن تكون زائدة، فيقول أبو حيان في الارتشاف ما يدل على أنها يمكن أن تكون زائدة هنا هو العطف بالنصب على موضعها، كما قال الحطيئة: طافت أمامة والركبان أونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقباً لاحظوا أصلها يا حسنه قواماً، لكن لما كان سياق تعجب قال: يا حسنه من قوام، فجرّ التمييز بـ (من) ثم عطف على هذا التمييز المجرور بـ (من) قوله: ومنتقباً، عطفه منصوباً. طيب منتقباً منصوبة، معطوفة على ماذا؟ ما هو الاسم المعطوف عليه المنصوب؟ لا يوجد اسم صريح منصوب قبلها تعطف عليه، لكن كأن أبا حيان يريد أن يقول: لما كانت (من) زائدة كانت (قواماً) في موضع النصب، فجاز العطف عليها بالنصب أيضاً. هذا تخريج أو توجيه من أبي حيان لـ (من) الزائدة، لكن كما قلت: الصواب والله تعالى أعلم أن (من) الزائدة على المشهور لا تأتي إلا في سياق النفي أو شبهه، طبعاً على طريقة الكوفيين، الكوفيون يقولون (من) الزائدة تأتي حتى في سياق الإثبات، لكن عند البصريين -وهذا ما عليه العمل- خلينا نقول إن (من) الزائدة تأتي في سياق النفي وشبهه فقط من النهي والاستفهام، ولا تأتي في سياق الإثبات، والله تعالى أعلم.

خامساً: إذا قلت عندي عشرون من الرجال، لا يكون ذلك من جر تمييز العدد بـ (من)، بل هو تركيب آخر مختلف تماماً؛ لأن تمييز أعداد العقود (عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون) شرطه الإفراد: عندي عشرون رجلاً، اشتريت عشرين بقرة. فلما قلت عندي عشرون من الرجال، الرجال أول شيء هذه جمع، هذه واحد، هذه أول مشكلة فيها، ثاني مشكلة فيها أنها معرفة، وتمييز العقود يكون مفرداً ومنكراً، فبالتالي يقول لك الأشموني: حتى ولو صحت هذه الجملة (عندي عشرون من الرجال) فاعلم أنك هنا أنت لم تأتِ إلى التمييز فتجر، لا، هذا تركيب مختلف تماماً؛ لأن الرجال ليست أصلاً هي تمييز لـ (عشرين)، طبعاً (عشرون) هذه الحكاية ولا إذا أردت أن تجرها لـ (عشرين)، ليس التمييز لها؛ لأن تمييز العقود يكون مفرداً منصوباً.

البيت الأخير أحبابي الكرام: يقول ابن مالك عليه رحمة الله: وعامل التمييز قدّم مطلقاً ... والفعل ذو التصريف نزراً سبقا الآن أحبابي التمييز الأصل فيه أنه يكون متأخراً عن عامله، سواء كان تمييز مفرد أو تمييز جملة. في تمييز المفرد العامل قلناه ونفس الكلمة المبهمة التي تم تمييزها سواء مساحة أو كيل أو ما شابه ذلك، وفي تمييز الجملة اختلفنا أو ذكرنا الخلاف، خلينا نقول: اختلفنا أو ذكرنا الخلاف: من هو العامل في التمييز؟ هل هو الفعل أو ما فيه معنى الفعل المذكور في الجملة، أم كل الجملة هي العاملة في التمييز؟ على خلاف ذكرناه في المحاضرة السابقة، عموماً مهما كان عامل التمييز فالاصل في عامل التمييز أن مقدماً على التمييز، لذلك قال: وعامل التمييز قدّم مطلقاً، قدّمه دائماً، وإذا كان فعلاً متصرفاً، والفعل ذو التصريف نزراً سبقا.

وهذا أقول: قد يكون فيه مؤشر إلى أن ابن مالك رحمة الله عليه في تمييز الجملة يرى أن العامل ما هو؟ ليست الجملة برمتها، بل نفس الفعل الموجود في الجملة هو الذي يعمل في التمييز، وهذا كأنه نوع من أنواع -يعني نرجح- أن مذهب ابن مالك في تمييز الجملة أن العامل عنده في التمييز هو الفعل الموجود في الجملة وليست الجملة برمتها. إذا بتذكر الخلاف الذي ذكرناه في المحاضرة السابقة يقول ابن مالك، ثم نقرأ كلام الأشموني: وعامل التمييز قدم مطلقاً أي حتى ولو كان هذا العامل فعلاً وفاقاً لسيبويه والفراء وأكثر البصريين والكوفيين. لماذا؟ قال: لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل المتصرف كونه فاعلاً في الأصل، أي في الغالب يكون محولاً عن الفاعل، وقد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المبالغة، مش قلنا: اشتعل الرأس شيباً؟ إيش أصلها؟ اشتعل شيب الرأس، ثم حولناها إلى اشتعل الرأس شيباً حتى يكون هناك مبالغة في المعنى أنه اشتعل الرأس بعدين قلنا شيباً، فهذه قضية المبالغة التي يهتم بها البلاغيون في هذا الأسلوب للتمييز. فهو يقول: قال لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل المتصرف كونه فاعلاً في الأصل، وقد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المبالغة، فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير لما فيه من الإخلال بالأصل، إيه الشخص اللي الأصل؟

الآن أحبابي الكرام، أنتم عم بتلاحظوا إنه عم يركز على قضية إنه على الفعل المتصرف بحد ذاته، يريد أن يخبر لماذا؟ حتى ولو كان عامل التمييز. الآن لو كان عامل التمييز ليس فعلاً متصرفاً بل كان مساحة ولا كيل من المكيلات أو الغيرية أو المثلية أو الأعداد، هنا واضح لماذا التمييز يجب أن يتأخر عن عامله؟ لأنه المساحات والمكاييس والأوزان والأعداد عوامل ضعيفة، صحيح هي العامل في التمييز لكن هي بذاتها عوامل ضعيفة لأنها ليس فيها معنى الفعل وحروفه، فلما كانت هي أصلاً عوامل ضعيفة، العامل الضعيف معموله يتأخر عنه، العامل الضعيف قاعدة عامة في اللغة العربية معموله يتأخر عنه. يقول لك قضية أن التمييز يجب أن يتأخر عن عامله بالنسبة لتمييز المفرد هذه واضحة، لأنه كما قلنا في تمييز المفرد العامل هو إما أن يكون مساحة أو كيل أو وزن أو عدد أو مثلية أو غيرية أو اسم جنس، مثل: هذا خاتم حديداً، فخاتم تكون هي، وهذه في الحقيقة عوامل ضعيفة، عوامل ضعيفة لأنها لا تتضمن معنى الفعل ولا حروف الفعل، فلما كانت عوامل ضعيفة كان شيء طبيعي أنه معموله وهو التمييز يتأخر عنها ما بدهاش يعني فلسفة كثير زي ما بيحكوا.

لكن المشكلة وين؟ المشكلة في تمييز الجملة، في تمييز الجملة إذا كان العامل فعلاً متصرفاً. الآن إذا كان عندي تمييز جملة وكان العامل فعلاً جامداً مثل (نعم) مثلاً (نعم) هو رجلاً، طبعاً أنا أبرزت الضمير وهو في العادة يكون مستتراً حتى تفهم (نعم) رجلاً، برضه إذا كان العامل فعلاً جامداً الفعل الجامد معروف معمولاته تتأخر عنه لأنه ضعيف في العمل، لكن الإشكال هو في الفعل إذا كان عامل التمييز فعلاً متصرفاً، الآن المعروف والشائع أن الفعل المتصرف قوي في العمل، بالتالي معمولاته يمكن أن تتقدم عليه، لذلك في الحال إذا بتذكروا (والحال أن ينصب بفعل صرف أو صفة أشبهت المصرفة فجائز تقديمه) كمسرع ذا راحلاً، ومخلصاً زيد دعا، كنا في باب الحال إيش نقول؟ في باب الحال كنا نقول: إذا كان العامل في الحال فعلاً متصرفاً أو صفة متصرفة فإنه يجوز تقديم الحال على عاملها. طب تعالوا على التمييز، ليش في التمييز إذا كان العامل فعلاً متصرفاً لا يجوز مع ذلك أن يتقدم التمييز على عامله الفعلي المتصرف إلا في النزر اليسير؟

هنا هاي الفكرة التي أراد الأشموني أنه يوضحها أو يجليها، فيقول لك السبب في ذلك أنه إذا كان العامل فعلاً متصرفاً ففي العادة والأغلب يكون التمييز محولاً عن الفاعل، كما قلنا اشتعل الرأس شيباً، أصلها كانت اشتعل شيب الرأس، فشيب كانت فاعل هي التي في الأصل، ثم حولناها إلى تمييز. قال: فلما كانت فاعلاً من جهة الأصل، هل الفاعل يتقدم على فعله حتى ولو كان متصرفاً؟ إحنا أخذنا عند البصريين والجماهير الفاعل لا يتقدم على فعله، فنظروا إلى هذا الاعتبار، قالوا: صحيح كلمة شيب أصبحت تمييزاً، لكنها في الأصل كانت فاعلاً، والفاعل لا يتقدم على فعله ولو كان متصرفاً، فكذلك التمييز المحول عن فاعل لا نسمح له أن يتقدم على فعله ولو كان متصرفاً، اعتباراً بماذا؟ بالأصل.

لكن طبعاً بناءً على هذا الكلام ممكن تقول له طيب هذا يضبط معك إذا كان التمييز جملة محولة عن فاعل، لكن إذا كان تمييز جملة محولاً عن مفعول به، وفجرنا الأرض عيوناً، طيب هذه ليش منعتم تقديم التمييز فيها على الفعل المتصرف؟ مش راح تقول لي لأنه محول عن فاعل، هذه محول عن مفعول به، والمفعول به بوضعه الطبيعي يجوز أن يتقدم على عامله. فكلام الأشموني رحمة الله عليه ممكن أن ينظر فيه، وكأنه اعتبر العادة والأغلب، وشوفوا إيش قال الأشموني، قال الأشموني: قال لأن الغالب -كلمة الغالب ضعوا تحتها خط- فهو اعتمد في التعليل على الغالب، أن الغالب في تمييز الجملة أن يكون ماذا؟ أن يكون محولاً عن فاعل. لكن هل الغالب هذا تستطيع أن تعممه أنت على كل الحالات؟ حتى الحالات التي يكون فيها التمييز محولاً عن المفعول به؟ أظن هذا التعليل الذي علل به الأشموني يحتاج إلى نظر، يحتاج إلى نظر لأنه اعتمد على الغالب، لكن هذا الغالب هو في النهاية اسمه غالب لكنه مش في جميع صور تمييز الجملة. ما أدري إذا توافقونني أن التعليل هذا ليس مضطرداً فيحتاج إلى نظر، والله تعالى أعلم.

فلهذا قال: لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل المتصرف قال: كونه فاعلاً في الأصل، وقد حول الإسناد عنه إلى غيره، يعني اشتعل شيب الرأس أصبح اشتعل الرأس شيباً، فحول الإسناد إلى الغير وأصبح هو منصوباً على التمييز، الفاعل حقيقة أصبح منصوباً على التمييز. قال: فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير؛ لأنه كان هو في الأصل فاعلاً، فلما كان فاعلاً كان يجب أن يؤخر عن فعله، فحتى لو صار تمييزاً نبقيه على الأصل وهو وجوب التأخير، هذا ما يريد أن يقوله، قال: فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير، قال: لما فيه من الإخلال بالأصل، وهو أن الأصل في الفاعل أن يتأخر عن فعله. قال: أما الفعل غير المتصرف فبالإجماع؛ لأن الفعل الجامد كما قلنا ضعيف العمل فلا تتقدم معمولاته عليه. طيب وأما قول الشاعر...

ونارنا لم يُرَ ناراً مثلُها. الآن أين موطن الشاهد؟ هذا من صور التمييز المفرد، وهي من صور المثلية. أصل البيت: ونارنا لم يُرَ مثلُها ناراً، فناراً تمييز للمثل؛ فهذا موضوع التمييز المفرد.

قلنا إن تمييز المفردات عواملها ضعيفة ومعمولاتها يجب أن تتأخر عنها، ومع ذلك جاء هنا عامل تمييز مفرد وهو المثلية، وتأخر العامل وتقدم المعمول؛ فالمثلية تأخرت والمميز تقدم. البيت: دارنا لم يُرَ ناراً مثلُها، لم يُرَ ناراً مثلُها. هنا يقول الأشموني: أما أن نخرج البيت على أنه للضرورة، أو نقول الرؤية هنا رؤية قلبية، فتكون ناراً ليس إعرابها تمييزاً بل يكون إعرابها مفعولاً به ثانياً. ومثلُها تكون هي نائب الفاعل؛ لأنه يُرى مبني لما لم يسمَّ فاعله، فمثلُها نائب فاعل، وناراً مفعول به ثانٍ. على هذا التخريج تكون افتككت من كل الإشكال.

ثم قال: «والفعلُ ذو التصريفِ نَزْراً سُبِقْ». أي قليلاً سبق، ونزراً إعرابها حال من الضمير المستتر فيه، النائب عن الفاعل، أي والفعل ذو التصريف سبق نزراً. هذا مجيء عامل التمييز الذي هو فعل متصرف مسبوقاً بالتمييز هذا نزر قليل، ومن ذلك قول الشاعر: أنفساً تطيب بنيل المنى؟ وداعي المنون ينادي جهاراً، أنفساً تطيب؟ وأصلها تطيب نفساً، قدم التمييز على الفعل المتصرف أنفساً تطيب. ومنه قول الشاعر: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ وما كان نفساً بالفراق تطيبُ، أصلها وما كان تطيب بالفراق نفساً. وقول الشاعر: ضيعت حزمي في إبعادي الأمل وما ارعويت، وشيباً رأسي اشتعل، أصلها اشتعل رأسي شيباً.

أجاز الكسائي والمازني والمبرد والجرمي القياس على هذه الأحوال، ولم يعتبروها أحوالاً سماعية فقط، بل أجازوا القياس عليها في تقديم التمييز على الفعل المتصرف، محتجين بما ذُكر وقياساً على غيره من الفضلات المنصوبة. ووافقهم الناظم في غير هذا الكتاب، والعبد الفقير يميل مع هذا الرأي؛ أنه يجوز تقديم التمييز على الفعل المتصرف؛ لأن الفعل المتصرف قوي، والعلة التي ذكرها الأشموني رحمه الله في وجوب تأخير التمييز عن عامله الفعلي المتصرف ليست مضطردة وليست عامة في جميع الصور، فلم يقنعنا الأشموني قناعاً تاماً بها. بالتالي الناظم في غير الألفية سلك مسلك الكسائي والمازني والمبرد. وهناك أيضاً تعليل منطقي قدمه الأشموني هنا، وهو أنهم قاسوا التمييز على غيره من الفضلات؛ فكما أن الحال يتقدم على الفعل المتصرف، وكما أن المفعول به يتقدم، وكما أن عادة الفضلات تتقدم على عواملها، فالتمييز الأصل فيه أن يجوز أن يتقدم على عامله الفعل المتصرف. فهذا الرأي أميل إليه، وأقول والله تعالى أجل وأعلم.

تنبيهان: الأول مما استدل به الناظم على الجواز في كتبه الأخرى قول الشاعر: رددتُ بمثلِ السيدِ. طبعاً السيد الذئب، نهدٍ أي ضخم، مقلص أي طويل القوائم، كميشٍ أي سريع، إذا عطفاهُ ماءً تحلَّب. الشاهد: إذا عطفاه ماءً تحلَّب، أعرب ماءً تمييزاً، وتحلب هو الفعل العامل فيها، وتقدم التمييز على الفعل؛ هكذا قال ابن مالك. وقوله في البيت الآخر: إذا المرءُ عيناً قرَّ بالعيش مثرياً ولم يُعنى بالإحسان كان مذمما، إذا المرء عيناً قرَّ بالعيش، أصلها إذا المرء قرَّ عيناً، لكنه قدم عيناً وأخر عامله وهو قرَّ.

هنا يقول الأشموني -وهو سهو منه- لأن عطفاه والمرء في كلا البيتين مرفوعان بفعل محذوف يفسره المذكور، ليش؟ لأنه عطفاه والمرء كلاهما وقعتا بعد إذا. وابن مالك رحمه الله في الألفية سيذكر أن إذا دائماً يكون بعدها جملة فعلية، والزمه إذا إضافة إلى جمل الأفعال كهن إذا اعتلى؛ ابن مالك سيذكر لنا إن شاء الله في باب الإضافة أن إذا دائماً ما بعدها جملة فعلية. بالتالي عطفاه والمرء لا يصح أن تكون مبتدأ، لازم تكون فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، فإذا كانت هي عبارة عن فواعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور هنا أصبحت ماءً وعيناً تمييزاً منصوباً للأفعال المحذوفة وليس للأفعال المذكورة، وبالتالي ليس في هذا البيت شاهد على تقديم التمييز على عامله؛ لا يكون في هذا البيت شاهد على تقديم التمييز على عامله، لماذا؟ لأن التمييز هنا منصوب بأفعال محذوفة مقدرة بعد إذا مباشرة، فهنا التمييز متأخر عن عامله، وليس في البيتين شاهد؛ هذا وجه السهو الذي أراده الأشموني.

أجمعوا على منع التقديم في نحو كفى بزيد رجلاً؛ لأنه وإن كان فعلاً متصرفاً إلا أنه في معنى غير المتصرف في هذا السياق؛ لأنه بمعنى فعل التعجب، وفعل التعجب معروف فعل جامد ليس متصرفاً. إذاً كفى وإن كانت في الأصل فعلاً متصرفاً، لكن أجمعوا أن التمييز الواقع بعد كفى لا يصح تقديمه؛ لأنه كفى وإن كانت في الأصل فعلاً متصرفاً، لكنها لما استُخدمت في سياق التعجب عُملت معاملة فعل التعجب، وفعل التعجب فعل جامد وليس فعلاً متصرفاً، كما سيأتي معنا بإذن الله.

خاتمة هذه دعونا نقرأها سريعاً، قال: يتفق الحال والتمييز في خمسة أمور، ويفترقان في سبعة أمور. فأما الأمور التي يتفقان فيها، فإنهما اسمان نكرتان فضلتان منصوبتان رافعتان للإبهام؛ هذه خمسة عناصر مشتركة بين الحال والتمييز. وأما الأمور التي يفترقان فيها:

الأول: أن الحال تجيء جملة وظرفاً ومجروراً كما مر، وأما التمييز فلا يكون إلا اسماً؛ هذه صحيحة.

الفرق الثاني: أن الحال قد يتوقف معنى الكلام عليه وليس كذلك التمييز، وهذه فيها نظر في الحقيقة، نحن نمنع هذا الكلام، بل الصحيح أيضاً أن حتى التمييز قد يتوقف معنى الكلام عليه مثل الحال؛ يعني لو قلت ما طاب زيد إلا نفساً، الآن لو قلت ما طاب زيد وسكتت، المعنى يختلف تماماً عن معنى ما طاب زيد إلا نفساً، فذكر نفساً هنا أصبحت أساساً حتى يتم المعنى، فقوله إن الحال أحياناً يتوقف معنى الكلام عليه والتمييز ليس كذلك، هذا الفرق ليس بدقيق، والله تعالى أعلم.

الفرق الثالث: أن الحال للهيئات، والتمييز مبينة للذوات أو للنسب، نعود ونقول إنه تمييز ذات، وهو تمييز المفرد، وتمييز نسبي وهو تمييز الجملة، نقول هذا الفرق صحيح.

الرابع: أن الحال تتعدد بدون حرف عطف بينها، أقول: جاء زيد ضاحكاً مبتسماً، وأما التمييز فلا يتعدد بدون حرف عطف، بل لا بد أن تأتي بحروف عطف إذا أردت أن تأتي بأكثر من مميز، اشتريتُ منوينِ عسلاً وتمرةً، صح، عسلاً وتمرةً لا بد أن آتي بالعاطف.

الفرق الخامس: أن الحال تتقدم على عاملها إذا كان فعلاً متصرفاً أو وصفاً، ولا يجوز ذلك في التمييز على الصحيح، على الصحيح الذي عند الأشموني، لكن نحن رجحنا أنه يجوز تقديم التمييز على الفعل المتصرف كما هو اختيار الكسائي وجماعة من النحويين، واختاره ابن مالك في غير هذا الكتاب، وبينا أن هذا منطقي أكثر من حيث العلة التي بني عليها.

السادس: أن حق الحال الاشتقاق وحق التمييز الجمود، وهذا نوعاً ما صحيح، لكن قد يتعاكسان، فتأتي الحال جامدة في بعض السياقات: هذا مالك ذهباً، ويأتي التمييز مشتقاً: لله دره فارساً، وقد مر معنا، كلام صحيح.

السابع: الحال تأتي مؤكدة لعاملها بخلاف التمييز، في الحقيقة ابن هشام في قطر الندى -إذا بتتذكره معنا- قال: كلا، بل حتى التمييز يأتي مؤكداً؛ فهذا الفرق السابع برضه فيه خلاف.

قال: فإما قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36]، لأن هذه الآية استدل بها من قال إن التمييز يأتي مؤكداً؛ لأنه قوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر، لو قال هكذا: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر، لكان معلوماً أن المراد بالاثني عشر الشهور؛ لأن الشهور تقدم ذكرها في أول المقطع: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر، فذكر التمييز مرة أخرى بعد اثنا عشر: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً. ابن هشام قال شهراً التمييز هنا تمييز مؤكد وليس مبيناً في الحقيقة؛ لأن البيان يقتضي وجود إبهام سابق، واثنا عشر واضح ما المراد بها من خلال ما سبق من سياق الآية، فالتمييز هنا لمجرد التأكيد. لكن الأشموني له وجهة نظر أخرى، فماذا قال؟ قال فشهراً هي نعم مؤكدة لما فهم من قوله في مطلع الآية إن عدة الشهور، لكن أما بالنسبة إلى عاملها وهو العدد اثنا عشر فهي مبينة له، شوف كيف حسبها الأشموني؟ قال شهراً هي مبينة للعدد اثنا عشر، لكنها مؤكدة لما في مطلع الآية، فهكذا هو حافظ على أنه التمييز لا يأتي مؤكداً بل دائماً يفيد البيان. أما ابن هشام في قطر الندى لم ينظر إلى هذه الزاوية، ونظر إلى العموم، أن العموم أن كلمة شهراً هنا لو لم يُؤت بها لكان مفهوماً من السياق، فذكرها هنا لمجرد التوكيد؛ هذه وجهة نظر ابن هشام.

وأما إجازة المبرد ومن وافقه: نعم الرجل رجلاً زيد، فمردودة؛ أي ستأتي معنا، هل يجوز الجمع بين الفاعل والتمييز؟ هل يجوز أن نجمع بين الفاعل مذكور صراحة مع التمييز في باب نِعْمَ؟ هذا سيأتي معنا إن شاء الله، وما اختاره الأشموني أنه مردود أن يجمع بين الفاعل اسماً ظاهراً والتمييز بعد نعم الرجل رجلاً زيد، قال هذه مردودة. وأما قوله: تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زاداً، فالصحيح أن زاداً الأخيرة التي ختم بها البيت هي معمول لإيش؟ لتزود التي في مطلع البيت، تزود زاداً، أما زاداً تُعرَب على أنها مفعول مطلق إن أُريد بالزاد التزود نفسه، مثل: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، فيكون مفعولاً مطلقاً، لكنه اسم مصدر وليس المصدر القياسي، أو مفعول به إذا أُريد به الشيء الذي يتزود به من أفعال البر؛ يعني تزود زاداً من أفعال البر، وعلى كلا التخريجين فمثل التي وقعت بعد تزودوا ستكون نعتاً له تقدم، فصار حالاً، كان أصل البيت: تزود زاداً مثل زاد أبيك فينا، فنعم الزاد زاد أبيك، هيك أصل البيت: تزود زاداً مثل زاد أبيك، هذا هو الأصل، فلما تقدمت مثل وتأخرت زاداً أصبحت مثلُ منصوبة على الحالية، وزاداً المتأخرة هي ماذا؟ هي إما مفعول مطلق أو مفعول به؛ هذا كله حتى لا يقول إن زاداً ما هي تمييز مؤكد، لأنه إذا جعلها تمييزاً والتقدير تزود مثل زاد لأبيك زاداً، صارت كلمة زاداً التمييز مجرد توكيدية؛ لأنه أنا قلت زاد ابتداءً تزود مثل زاد أبيك. فهو ابن مالك حاول أن يصرف البيت عن التمييز بالكلية ويجعل زاداً إما مفعولاً مطلقاً وإما مفعولاً به، هذا تخريجه.

وأما قول الشاعر: نِعْمَ الفتاةُ فتاةُ هندٍ، لو بذلت، الآن أنت استطعت أن ترد أيها الأشموني كلام المبرد: نعم رجلاً زيد، لكن عندك بيت، هذا إيش بدك تصنع به: نعم الفتاة فتاة هند؟ قال آه فتاة هذه الثانية لا أجعلها تمييزاً، وإنما أجعلها حالاً مؤكدة، أكدته؛ شوفوا كيف يعني حاول أن يتملص من هذه القضية فجعلها حالاً مؤكدة وليس تمييزاً. وأظن أن هذه القضية أيضاً نفس الأشموني يتعسف قليلاً في ردِّه للأمثلة والشواهد العربية، والصحيح والله أعلم أن التمييز مثله مثل الحال، كما قال ابن هشام قد يأتي مؤكداً، قد يأتي مؤسساً. جيد، هكذا نكون انتهينا من باب التمييز، دعونا ننطلق الآن إلى باب حروف الجر.

هكذا أحبابي الكرام نحن نقول انتهينا من المنصوبات، ذكرنا المرفوعات وذكرنا المنصوبات، الآن سنأتي إلى المجرورات، والمجرورات أحبابي الكرام إما مجرور بحرف الجر وإما مجرور بالإضافة، بعد ما أنهى ابن مالك كلامه عن المرفوعات والمنصوبات سينتقل الآن للكلام عن المجرورات، والمجرورات إما مجرور بحرف الجر وإما مجرور بالإضافة، فسيبدأ بحروف الجر لأنه الأصل، فماذا قال ابن مالك عليه رحمة الله؟ قال:

هاكَ حروفَ الجرِّ وهي: مِنْ، إلى، حَتَّى، خَلَا، حَاشَا، عَدَا، فِي، عَنْ، عَلَى، مُذْ، مُنْذُ، رُبَّ، اللَّامُ، كَيْ، وَاوٌ، وَتَا، وَالْكَافُ، وَالْبَاءُ، وَلَعَلَّ، وَمَتَى.

إذاً في هذين البيتين عد ابن مالك عشرين حرفاً، هي تمثل برمتها حروف الجر، منها ما هو مضطرد شائع الجر به، ومنها ما يقل الجر به أو يكون الجر به لغة قبيلة من القبائل. جيد أحبابي الكرام، قال ابن الأشموني: هاك حروف الجر وهي عشرون حرفاً، فعددها، قال وكلها مشتركة في جر الاسم على التفصيل الذي سيأتي معنا إن شاء الله؛ يعني سيأتي معنا من خلال الأبيات اللاحقة. قال وقد تقدم الكلام على خلا وحاشا وعدا في الاستثناء، فبالتالي ابن مالك في هذه الباب لن يعيد الكلام عن خلا وحاشا وعدا، لأنه تكلمنا عنها في باب الاستثناء فما في داعي نرجع نتكلم عنها مرة أخرى. قال: وقلَّ من ذكر كي ولعل ومتى في حروف الجر لماذا؟ لغرابة الجر بها، وأما كي الجارة ولعل الجارة ومتى الجارة فذكرها في حروف الجر قليل، قال لغرابة الجر بهن.

الآن الأشموني كما قلت لكم كالعادة يضفي فوائد، فأراد أن يعطيك متى تكون كي جارة ولعل جارة ومتى جارة، لأن ابن مالك لم يتطرق إلى ذلك، ابن مالك لم يشر إلى كي ولعل.

إلا فقط في أثناء التعداد، وأما في أثناء كلامه في الأبيات لم يشر إليها، فالأشموني أراد أن يفيدنا فوائد فيها، وفي الحقيقة جيد أن نقرأ هذه الفوائد لكن أن نقرأها سريعاً.

قال: نبدأ بكي. قال: أما كي فتجر ثلاثة أشياء. الأول تجر «ما» الاستفهامية المستفهم بها عن علة شيء، تقول: لم، طبعاً لما حذفت الألف؟ أحبابي الكرام ستأتي معنا أنه «ما» الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر تحذف ألفها، و«ما» في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وتضاف إليها هاء تسمى هاء السكت عند الوقف، فتقول: مه. فلذلك لما قال: كلمة، بهذه الصورة، قال: كلمة كي جارة و«ما» الاستفهامية لما جرت حذفت ألفها وعوضنا بهاء السكت بسبب الوقف عليها. فهذا احفظوه لأنه سيذكره ابن مالك رحمة الله عليه في باب الوقف بإذن الله. ما معنى كلمة؟ معناها: لِمَ؟ إذاً كي أول مكان تأتي فيه جارة إذا دخلت على «ما» الاستفهامية مراداً بها السؤال عن العلة.

الموطن الثاني: إذا دخلت كي على «ما» المصدرية مع صلتها، كقول الشاعر: إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما يراد الفتى ما يضر وينفع، كي ما يضر وينفعه. لاحظ: يضر مرفوعة مش منصوبة، كي ما يضر وينفعه. فقالوا: هذه كي الجارة دخلت على «ما» المصدرية مع صلتها، فالتقدير يراد الفتى للضر والنفع، هذا التقدير أن كي بمعنى لام التعليل، فالمراد يراد الفتى للضر والنفع، ولما كانت كي بمعنى لام التعليل فاختصاراً تقدرها باللام. قاله الأخفش، وقيل بل ما هنا ليست ما المصدرية في البيت بل هي «ما» الكافة، كفتك عن النصب، لأنه كي ستأتي معنا أنها أيضاً هي ناصبة من النواصب في نواصب الفعل المضارع إن شاء الله، فهي تستعمل حرف جر وتستعمل ناصباً من النواصب، إذا استعملت ناصباً من النواصب تكون كي المصدرية، فهنا يريد أن يقول: إن كي هنا كأنها كي المصدرية، و«ما» التي دخلت «ما» كافة كفة كي المصدرية عن نصب الفعل المضارع بعدها، هذا رأي آخر في توجيه البيت.

الحالة الثالثة التي تأتي فيها كي جارة إذا قدرنا بعدها «أن» المصدرية وصلتها، كي التي تجر «أن» المصدرية وصلتها، طبعاً كي التي تجر «أن» المصدرية وصلتها المشهور أن «أن» تكون محذوفة بعدها، والفعل المضارع هو منصوب بـ«أن» المحذوفة، نحو قولك: جئتك كي أكرم زيداً، فأكرم منصوب بـ«أن» مضمرة وكي جارة لـ«أن» المضمرة مع الفعل المضارع التي هي «أن» مع صلتها. قال: إذا قدرت «أن» بعدها فإن المضارع في تأويل مجرور بها، أي مجرور بكي، ويدل على أن «أن» تضمر بعدها، أي بعد كي، ظهورها في الضرورة، إذاً قوله: ظهورها في الضرورة يدل على ماذا؟ على أنه «أن» يجب أن تكون مضمرة بعد كي، «أن» المصدرية يجب أن تكون مضمرة بعد كي، وظهورها في بعض السياقات إنما هو للضرورة الشعرية وليس هي الحالة الطبيعية، كقول الشاعر مثلاً: فقالت: أكل الناس أصبحت مانحاً لسانك كي ما أن تغر وتخدعا. طبعاً «ما» هنا التي بعد كي هي «ما» زائدة دعوكم منها، وأصلها لسانك كي أن تغر وتخدع، فهذه من المواطن النادرة التي ذكرت فيها «أن» ظاهرة بعد كي وإلا فالأصل أن «أن» يجب أن تكون محذوفة في هذه السياقات.

لكن الأشموني ماذا يقول؟ قال: والأولى أن تقدر كي مصدرية في مثلي جئت كي أكرم زيداً، فتقدر اللام قبلها بدليل كثرة ظهورها معها، أي بدليل كثرة ظهور اللام مع كي في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: 23]. يعني إذا جاءت كي وبعد فعل مضارع منصوب الأولى أنك لا تقدر المحذوفة، الأولى أن تجعل كي هي نفسها حرف ناصب، وتكون كي في هذه الحالة هي التي قدر قبلها اللام، لأنه سيأتي معنا أنه كي لما تكون حرف مصدري ناصب يكون قبلها لام التعليل الجارة مذكورة لفظاً أو تقديراً. ما بدي أشتتك الآن في هذه الجزئية، ستأتي معنا في النواصب والفعل المضارع إن شاء الله. هي فقط نريد أن نختصر الكلام أن كي الجارة تأتي في ثلاثة مواطن عموماً: كي التي تجر «ما» الاستفهامية، كي التي تجر «ما» المصدرية مع صلتها، كي التي تجر «أن» المصدرية مع صلتها. ركز لي الآن على هذه الأفكار الثلاث: كي الجارة لـ«ما» الاستفهامية، كي الجارة لـ«ما» المصدرية، كي الجارة لـ«أن» المصدرية.

طيب هذا الكلام عن كي، نأتي لعل، قال: وأما لعل فالجر بها أصلاً هو لغة عقيل، قبيلة من القبائل، ثابتة اللام ومحذوفة اللام، أي يجوز أن تقول لعل بوجود اللام الأولى، ويجوز أن تحذف اللام الأولى فتقول: عل، بدون اللام الأولى، ومفتوحة الآخر ومكسورته، فيجوز أن تقول: لعلَّ بفتح اللام المشددة، ويجوز أن تقول: لعلِّ بكسر اللام المشددة، فهذه لغات فيها، ومن الجر بها على لغة عقيل قول الشاعر: لعل الله فضلكم علينا، بشيء أن أمكم شريم. تمام؟ لعل الله، لفظ الجلالة مجرور، ومنه قول الشاعر: لعل أبي المغوار منك قريب، لعل أبي المغوار بجر أبي بالياء طبعاً لأنه من الأسماء الستة.

وأما متى؟ فالجر بها قال هي لغة هذيل، قال وأما متى فالجر بها هي لغة قبيلة هذيل اليمنية، وهي تكون بمعنى من الابتدائية، سُمِع من كلامهم: أخرجتها متى كمه، أي أخرجتها من كمه، ومنه قول الشاعر: شربنا بماء البحر ثم ترفعت، متى لججٍ خضرٍ لهن نتيج؟ متى، أي من لججٍ خضرٍ لهن نتيج. طيب قال وأما الأربعة عشر الباقية، أي بعد أن تكلم عن كي ولعل ومتى، وقال خلا وعدا وحاشا، شوفوا ابن مالك ذكر عشرين حرفاً، خلا وعدا وحاشا مرت معنا طلعناهم، وكي ولعل ومتى استثنيناهم لأنهم قليلات، كم ظل من العشرين؟ ظل أربعة عشر بعد استثناء الستة، فقال وأما الأربعة عشر الباقية فسيأتي الكلام عليها تباعاً في هذا الباب.

تنبيه: لماذا بدأ ابن مالك بمن؟ قال: هاك حروف الجر وهي من، لماذا بدأ بمن؟ قال لأنها أقوى حروف الجر، ولذلك دخلت على ما لا يدخل، أو على ما لم يدخل عليه غيرها، نحو من عندك. لماذا؟ عند مرت معنا من الظروف التي تعتبر غير متصرفة، وعرفنا نحن أن الظروف غير المتصرفة يا إما ظروف لا تنتقل عن الظرفية أبداً، أو ظروف تنتقل عن الظرفية إلى الجر بـ«من». المهم دعونا نتكلم عن أصل الفكرة الآن، أن هناك الظروف غير المتصرفة على نوعين: ظروف غير متصرفة أبداً بتاتاً إلى أي شكل من الأشكال غير الظرفية، وظروف متصرفة إلى الجر فقط، وإذا جرت لا تجر إلا بـ«من»، وهي العند والقبل والبعد وأخواتها من الأمام والخلف والقدام والوراء. فالظروف التي تسمى شبه متصرفة، وهي في منزلة بين منزلتين بين الظروف المتصرفة وغير المتصرفة، هذه أحبابي الكرام لا تجر إلا بـ«من»، فكأنه يريد أن يقول إن «من» أقوى حروف الجر لأنها خُصَّت بجر أسماء لا تجر إلا بها، خُصَّت بجر أسماء لا تجر إلا بها، لذلك عدها أقوى حروف الجر.

طيب التنبيه الثاني، الآن هذا التنبيه الثاني سيذكر فيه الأشموني أدوات اختلف هل هي حروف جر أم ليست حروف جر، وفي الحقيقة لا يهمني هذا التنبيه كثيراً، لكن سأقرأه سريعاً، لا يهمني ولا يشغلكم، فقط من باب الفائدة نطلع على بعض الأدوات التي اختلف هل هي حروف جر أم لا.

أشار بعضهم من حروف الجر إلى هاء التنبيه وهمزة الاستفهام إذا جعلت عوضاً من حرف الجر في القسم، فتقول بدل بالله أقول: أالله، أو: هـالله، بهمزة الاستفهام، قال ابن مالك في التسهيل: وليس الجر في التعويض بالعوض في الحقيقة، أي ليس الجار هو هاء التنبيه ولا همزة الاستفهام، بل بالمعوض عنه المحذوف، خلافاً للأخفش ومن وافقه. طيب هذه مسألة هاء التنبيه وهمزة الاستفهام. وذهب الزجاج والرماني إلى أن «أيمن» في القسم هي حرف جر، هذا رأي وشذَّ في ذلك في الحقيقة، لأن «أي» هي جمع يمين على الصحيح وليست حرف جر. وعدَّ بعضهم من «هاء» من، وفي، الجر بـ«الميم» مثلثة في القسم: والله، ومالله، ومِالله. وجعله في التسهيل بقية «أيمن»، أي أن هذا اختصار لـ«أيمن»، قال وليست بدلاً من الواو على الصحيح، ولا أصلها «من»، خلافاً لمن زعم ذلك. وذكر الفراء أن «لَدُن» أيضاً تستعمل حرف جر تجر الزمان، وقرأ: ﴿وَلَا تَحِيدُ مَنَاصٍ﴾، وزعم الأخفش أن «بَلْهَ» حرف جر بمعنى من، والصحيح أنها اسم فعل كما سيأتي معنا، وتستعمل مصدراً في سياقات أخرى لكن ليست حرف جر.

وذهب سيبويه إلى أن «لولا» حرف جر إذا وليها ضمير متصل، نحو: لولاي، ولولاك، ولولاه، فالضمائر مجرورة بها عند سيبويه، وكان زعم الأخفش أنها في موضع رفع بالابتداء هذه الضمائر، ووضع ضمير الجر موضع ضمير الرفع، ولا عمل لـ«لولا» فيها كما لا تعمل لولا في الاسم الظاهر، وهذا قوي في الحقيقة، وزعم المبرد أصلاً أن هذا التركيب فاسد، لم يرد عن لسان العرب أن تقول لولاي ولولاك ولولاه، لكنه محجوج بالسماع كقوله: أتطمع فينا من أراق دماءنا، ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن. وقول الشاعر: وكم ظن لولاي طحت كما هوى، بأجرامه من قنة النيق من هو. فجاء في لسان العرب لولاي ولولاك، فكلام المبرد في نفي أصل هذا التركيب ليس بسديد. كما قلت لكم هذا لا يعنيكم لأن هذه الحروف الصواب أنها ليست حروف جر، وأن البعض اعتدها حروف جر لذلك ابن مالك لم يعدها من هذه الأقسام.

الآن سيذكر ابن مالك أو سيكمل ابن مالك كلامه عن حروف الجر بأحكامها، فقال: بالظاهر اخصص منذ، مُذ، وحتى، والكاف، والواو، ورب، والتاء. الآن حروف الجر تنقسم قسمين: قسم يجر الظاهر والمضمر، وقسم لا يجر إلا الأسماء الظاهرة، فهذه هي الفائدة التي أراد ابن مالك أن يوصلها في هذا البيت، أن هناك حروف جر لا تجر إلا اسماً ظاهراً ولا تجر ضميراً. ما هي هذه الحروف التي لا تجر إلا أسماء ظاهرة؟ قال: بالظاهر اخصص منذ، مذ، وحتى، والكاف، وواو القسم، ورب، والتاء، تاء القسم. هذه الأدوات أحبابي الكرام السبعة لا تجر إلا اسماً ظاهراً، ونزيد عليها كي ولعل ومتى التي ذكرناها في بداية هذا الباب، نزيد عليها كي ولعل وما تاب، فإنه لم يُسمع إلا جرها للأسماء الظاهرة، وما عدا ذلك من أحرف الجر فيجر الاسم الظاهر ويجر الاسم المضمر على ما سيأتي بيانه، هذه أول فكرة.

ثم قال: واخصص بمذ ومنذ وقتاً، وبرب منكراً، والتاء لله ورب، وما رووا من نحو ربه فتى نزر، كذا كهي ونحوه أتى. هذه الأدوات السبعة التي ذكرها في البيت السابق: بالظاهر اخصص منذ ومذ وحتى والكاف والواو ورب والتاء، يريد في هذا البيت أن يبين بعض الأحكام المتعلقة بها، فقال: مذ ومنذ لا تجر إلا اسماً ظاهراً، ولا تجر إلا زماناً اسم ظاهر زماني، لذلك قال: واخصص بمذ ومنذ وقتاً، ورب لا تجر إلا الأسماء الظاهرة النكرات ولا تجر المعارف، والتاء القسم لا تجر إلا الاسم الظاهر، ولا يكون هذا الاسم الظاهر إلا لفظ الجلالة أو «رب» على ما سيأتي معنا في كلام الأشموني التعليق عليه.

ثم سيبين بعض الشذوذات التي خالفت هذه القواعد فقال: وما رووا من نحو ربه، إنه جاءت ربه مجرور بها ضمير، والضمير معرفة وليس نكرة، قال: فهذا نزر، ومثل هذا أيضاً من حيث القلة أن تأتي الكاف مجرور بها ماذا؟ ضمير، لأننا عرفنا الكاف لا تجر إلا اسماً ظاهراً كما مر في البيت السابق، بالظاهر اخصص منذ وحتى والكاف، أن تأتي الكاف تجر الضمير هذا أيضاً من القليل، هذا أيضاً يعتبر من القليل، قال: ونحوه أتى، ايش يعني ونحوه أتى؟ هذه خلوا لي إياها، الأشموني سيكون لها ثلاث احتمالات ما معنى قول ابن مالك ونحوه أتى، هناك ثلاث احتمالات في تفسيرها سيذكرهما أو سيذكرها الأشموني عليه رحمة الله.

طيب دعونا نقرأ كلام الأشموني سريعاً، قال واخصص بمذ ومنذ وقتاً، وأما قولهم ما رأيته منذ أن الله خلقه، فهنا لا بد أن نقدر الوقت تقديراً، فتقديره منذ زمن أن الله خلقه، أي منذ زمن خلق الله إياه، فالزمنية مقدرة. تنبيه: قال يشترط في مجرورهما مع كونه وقتاً، يعني هذه إضافات من الأشموني، نحن عرفنا المجرور بها يكون وقتاً، ولا بد أن يكون وقتاً معيناً لا مبهماً، ويكون ماضياً وحاضراً لا مستقبلاً. إذاً في زيادات: مذ ومنذ تجر أسماء الزمان وتكون أسماء زمان محددة معينة لا اسم زمان مبهم، وتدل على زمان ماضٍ أو حاضر، لا على زمان المستقبل، لأنه سيأتي معنا أيضاً سيمر ابن مالك مرة أخرى على مذ ومنذ، ويخبرنا أنها حيث تجر زماناً ماضياً فهما بمعنى من، وإن جرا زماناً حاضراً فهما بمعنى في.

تموز ومنذ لا يجران إلا زمانًا ماضيًا فيكونان بمعنى «من»، أو يجران زمانًا حاضرًا فيكونان بمعنى «في». أما أن يجر زمان المستقبل فهذا لا يكون، لذلك قد يُشترط في مجرورهما مع كونه وقتًا أن يكون معينًا لا مبهمًا، وماضيًا أو حاضرًا لا مستقبلاً. تقول: ما رأيته منذ يوم الجمعة، أو مذ يومنا، ولا تقول: ما رأيته منذ يوم؛ لأن هذا ما فيه تعيين، ولا تقول: لا أراه منذ غد؛ لأن الغد يدل على زمان مستقبلي. ونفس الشيء منذ، إذا صار عندك الآن ضابط مذ ومنذ، تجران الأزمان المعينة الماضية أو الحاضرة. بدك تحفظ هذه الثلاث نقاط كاسمك تمامًا.

ثم قالوا: واخصص بربّ منكّرًا. تقول: ربّ رجل، ولا يجوز: ربّ الرجل. وأما التاء فهي لله وربّ. ولما تكون التاء مرتبطة بربّ، قد تكون ربّ معها الكعبة، أو ياء المتكلم، فتقول: وتالله -لاحظوا هنا ارتباط بلفظ الجلالة- وتربّ الكعبة -إضافة الربّ إلى الكعبة- وتربّي لأفعلنّ. وندرة الرحمن وحياتك، أن تجعل التاء تجر الرحمن أو تجر الحياة كحياتك، أن تقسم بحياة شخص، وهذا لا يجوز شرعًا كما تعلمون. قال: وما رووا من نحو «ربّه فتى» وقوله أيضًا مثلاً «وربّه عطِبًا أنقذت من عطبه» فهذا كله من النزر القليل أن تأتي ربّ مرتبطة بضمير المعرفة.

تنبيه، انظر هذا التنبيه: الضمير المعرفة إذا ارتبط بربّ فهو قليل، لكن يجب أن يكون متى ارتبط بها مفردًا مذكرًا، ومفسرًا بتمييز بعده مطابق للمعنى. يعني ربّ إذا جاءت مرتبطة بالضمير، يجب أن يكون هذا الضمير مفردًا وللمذكر، وبعده تمييز، هذا التمييز يكون مطابقًا للمعنى وليس مطابقًا للفظ الضمير. يعني ربّ لا تضاف إلا إلى الهاء: «ربّه». ما بيصير أقول: ربّها، ولا ربّهم، ولا ربّهما، فقط ربّه. لكن التمييز الذي يأتي بعد هو الذي يكون مطابقًا للمعنى المراد من الجملة، فأقول: ربه فتى، وربه فتاة إذا كنت بتتكلم عن واحدة، وربه فتيان إذا كنت تتكلم عن اثنين، وربه فتية إذا كنت بتتكلم عن جماعة. فهنا بعد ربه يأتي تمييز مطابق للمعنى الذي أتكلم عنه، أما الضمير الذي يتصل بربّ فلا يكون إلا مفردًا مذكرًا. تمام، هذه هي الفائدة التي يريد الأشموني أن يوصلها، فقال: يلزم هذا الضمير المتصل بربّ الإفراد والتذكير، ويُفسّر بتمييز بعده مطابق للمعنى، فيقال ربه رجلاً وربه امرأة. قال الشاعر: «ربه فتية». شوف ها، «ربه فتية». وهذه فكرة طبعًا تم التنبيه عليها مسبقًا في آخر باب الفاعل، إذا بتذكروا لما تكلمنا عن الضمير الذي يعود إلى متأخر لفظًا ورتبة، كان منصور عود الضمير على متأخر رتبة، هذه الحالة ربه فتى؛ لأن الضمير هنا يعود على التمييز الواقع بعده، وهو متأخر عنه ورتبة.

جميل، قال: كذا كهي ونحوه أتى. أي قد جرت الكاف ضمير الغيبة قليلاً أيضًا؛ لأن الكاف لا تجر إلا الأسماء الظاهرة، لكن جر ضمير الغيبة قليلاً في قول الشاعر: «أخلى الذنبات شمالاً كثبًا، وأمّ أوعال كهي أو أقربا» كهي أو أقربا. وقول الشاعر: «ولا ترى بعلاً ولا حلائلاً، كهو ولا كهنّ إلا حاضراً» كهو ولا كهنّ. دخلت الكاف على الضمائر. قال: وهذا كله مختص بالضرورة.

ثم قال تنبيه، قول ابن مالك «ونحوه أتى» يحتمل ثلاثة أوجه. الأول: أن يكون إشارة إلى بقية ضمائر الغيبة المتصلة أنها كلها تدخل على الكاف؛ لأنه قال «كذا كهي»، فذكر الهاء، فقال «ونحوه أتى» أي أن الكاف تدخل عليها جميع ضمائر الغيبة المتصلة. احتمال آخر: أن يكون قصد ابن مالك الإشارة إلى بقية الضمائر مطلقًا، أنه كلها تدخل على الكاف وليس فقط ضمائر الغيبة. قال: وقد شذ دخول الكاف على ضمير المتكلم والمخاطب، «وإذا الحرب شمرت لم تك كِي» كِي بمعنى مثلي، «حين تدعو لكماة فيها نزالي». وكقول الحسن: «أنا تكة وأنت كي». هنا الكاف دخلت على ضمير خطاب، وكي على ضمير متكلم. فيقال وأما دخولها على ضمير الرفع، كقولك: ما أنا كهو، وما أنا كأنت، وما أنا كأنا، وعلى ضمير نحو: ما أنا كإياك، وما أنت كإياي، فجعله ابن مالك في التسهيل أقل من دخوله على ضمير الغيبة المتصل. لكن قال المرادي -وهذا يدل على أن الأشموني يعتمد على المرادي في شرحه أيضًا- وفيه نظر، بل إن لم يكن أكثر فهو مساوٍ. يعني دخول الكاف على ضمائر التكلم والخطاب إذا لم يكن أكثر، طبعًا على ضمائر التكلم والخطاب المرفوعة، هو يتكلم عن المرفوعة ولا أعم من ذلك؟

أما دخوله على ضمير الرفع وعلى ضمير النصب، لا الذي يظهر أن كلامه أعم من ذلك. يريد أن يقول إن دخول الكاف على ضمائر الخطاب المرفوعة أو المنصوبة ليس بأقل من دخولها على الضمائر الغائبة؛ لأن كلام ابن مالك في التسهيل قد يُفهم منه أن دخول الكاف على ضمائر الغيبة أكثر من دخوله على ضمائر التكلم والخطاب. وإن كان كل هذا الباب أصلاً... انظر، دخول الكاف على كل الضمائر، الضمائر معارف، دخول الكاف على كل الضمائر هذا نادر، طيب، لكن سُمِع دخولها على ضمائر الغيبة، طيب، وسُمِع دخولها على ضمائر التكلم والخطاب، لكن هل دخولها على ضمائر التكلم والخطاب أقل من دخولها على ضمائر الغيبة؟ ظاهر كلام ابن مالك في التسهيل نعم أنه أقل، لكن المرادي يقول: بل فيه نظر، بل دخولها على ضمائر التكلم والخطاب إذا لم يكن أكثر من دخولها على ضمائر الغيبة فليس أقل منها. فبالتالي هناك فهم آخر لقول ابن مالك باختصار: «ونحوه أتى» أن يكون إشارة إلى بقية الضمائر مطلقًا.

وأما الفهم الثالث: فأن يكون قوله «ونحوه أتى» إشارة إلى بقية ما يختص بالظاهر، أي باقي حروف الجر التي تختص بالظاهر، يريد أن يقول: سُمِع دخولها على الضمائر، أي أن بقية ما يختص بالظاهر سُمِع دخولها على الضمائر لكن بقلة، مثل «حتى» فإنه سُمِع دخولها على الضمير، فتقول: فلا والله لا يُلفى أناس، فتنحتاك يا ابن أبي زياد، وقولك أيضًا: اتحداك تقصد كل فج. فما معنى إذاً قول ابن مالك «ونحوه أتى»؟ لما قال: «وما رووا من نحو ربه فتى نزر، كذا كهي ونحوه أتى». ونحوه أتى كلمة، إما أن تقول «ونحوه أتى» أي أن الكاف سُمِع دخولها على باقي ضمائر الغيبة المتصلة، أو «ونحوه أتى» أن الكاف سُمِع دخولها على مختلف الضمائر سواء غيبة أو تكلم أو خطاب، أو أن قوله «ونحوه أتى» أي باقي حروف الجر التي لا تجر إلا الأسماء ظاهرة سُمِع دخولها على الضمائر بقلة. سُمِع دخولها على الضمائر بقلة.

سأقف إن شاء الله أحبابي الكرام عند هذا المقدار اليوم، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله سنشرع في بيان معاني حروف الجر. سنبدأ بمين؟ نعرف معانيه ونعرف معاني اللام، إلى، وعن، وفي، والباء، إلى غير ذلك من معاني حروف الجر. وهذا الباب إن شاء الله من الأبواب الخفيفة، فالسهلة السلسة، ونستعين بالله سبحانه وتعالى دومًا وأبدًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.