دخولتسجيل الدخول

(المجلس الثاني والأخير) شرح الاصول الثلاثة | الشيخ عبدالله الميمان #دروس_الميمان #ثلاثة_الأصول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد؛ فنسْتفتح الدرس الثاني في أول لقاء ثاني في شرح هذه الرسالة المباركة؛ رسالة ثلاثة الأصول التي ألفها الشيخ الإسلام الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وقبل أن نبدأ في درس هذه الليلة، نسأل ونناقش عن بعض ما مضى في الدرس الماضي.

الشيخ رحمه الله تعالى قلنا إنه استفتح رسالته بثلاث مقدمات، المقدمة الأولى في المسائل الأربع التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها. ما المسائل الأربع؟ الأولى العلم، العمل به، الدعوة إليه، الصبر على الأذى فيه. طيب، الدليل على ذلك الذي ذكره الشيخ؟ سورة العصر، أحسنت.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ثلاث مسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها؛ المسألة الأولى في توحيد الربوبية، المسألة الثانية في توحيد الألوهية، المسألة الثالثة في الولاء والبراء، أحسنت بارك الله فيك. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن الحنيف من استمر من تعبد الله وحده مخلصا له الدين، وذكر الدليل على ذلك، وذكر أعظم ما أمر الله به وهو التوحيد، قال وهو... بما عرف التوحيد؟ إفراد الله بالعبادة، وقلنا إن هذا التعريف لتوحيد الألوهية.

ثم ذكر أن أعظم ما نهى الله عنه هو الشرك. ثم ذكر رحمه الله الأصول الثلاثة، فما الأصول الثلاثة؟ معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ثم استفتحنا في الدليل على هذا الأصل؛ الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه، أحسنتم بارك الله فيكم.

نقرأ أنواع العبادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]. وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة».

لما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن الله عز وجل هو الرب، وإذا كان هو الرب والخالق الرازق فهو المستحق للعبادة؛ ذكر هنا أمثلة من أنواع العبادة التي لا تصرف إلا لله تعالى. والعبادة عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛ يعني كل ما أحبه الله ورضيه؛ قول أو عمل ظاهر أو باطن فهو من العبادة.

والشيخ رحمه الله ذكر أنواعًا للعبادة؛ فإذا أردت أن تعرف هل هذا الشيء عبادة أو ليس بعبادة، انظر هل الله عز وجل يحبه ويرضاه أو لا، فإذا كان يحبه ويرضاه فهو عبادة، وإذا كان لا يحبه ولا يرضاه فليس بعبادة. علمًا أن المباحات؛ التي هي الأمور الجائزة التي يفعلها الإنسان بطبيعته وجبلته، قد تنقلب إلى عبادة، وذلك إذا فعلها ليتقوى بها على العبادة؛ مثلا الأكل، هذا أمر مباح يأكل الوجبة اليومية، لكن إذا نوى بأكله التقوي على طاعة الله، لأنه إذا لم يأكل يجوع، وإذا جاع تثاقل عن الطاعة -خاصة إذا كان الجوع شديدا- فإذا أكل ليتقوى على طاعة الله فإن أكله هنا عبادة يؤجر عليه.

وكذلك مثلا النوم؛ ينام لكي ينام مبكرا لكي يستيقظ لصلاة الفجر نشيطا، فهنا نومه يكون عبادة. فالأفعال العادية المباحات إذا نوى بها الإنسان التقوي على طاعة الله أصبحت عبادة، لأنه هنا يحبها الله ويرضاها، ولذلك قال أهل العلم: الموفقون تصير عاداتهم عبادات، بخلاف المغفلون أو الغافلون؛ الغافلون تكون عباداتهم عادات، يعني يذهب يصلي لا يستحضر أنه يقوم بالعبادة لله تعالى، يتوضأ لا يستحضر أنه يقوم بالعبادة لله تعالى، وهكذا.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله أنواعا من العبادة، قال: وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان. والإسلام والإيمان والإحسان لن نتكلم عنها الآن لأنه سيأتينا في الأصل الثاني: معرفة العبد دينه. قال: ومنه الدعاء؛ ومنه أي من أنواع العبادة الدعاء. وسيذكر الشيخ رحمه الله تعالى لكل نوع من هذه الأنواع الدليل على أنها عبادة، وهذا الدليل يتركب من شيئين؛ الشيء الأول إثبات أنها عبادة، فإذا ثبت أنها عبادة فنستدل عليها بالدليل الآخر الذي فيه أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فهو مشرك، وسيذكره الشيخ رحمه الله تعالى. فكل نوع من أنواع العبادة، إذن، نأخذ دليلًا على أنه عبادة، وإذا تبين لنا أنه عبادة نأخذ الدليل الآخر الذي فيه أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فهو مشرك كافر.

قال: ومنه الدعاء. والدعاء ذكرنا بالأمس أنه نوعان؛ دعاء مسألة ودعاء عبادة. وقلنا دعاء المسألة هو دعاء الطلب وهو المعروف، ودعاء العبادة هو أي عبادة يقوم بها الإنسان فهي دعاء عبادة. لماذا؟ لأن لسان حاله يدعو: اللهم تقبل مني، اللهم أدخلني الجنة بهذا العمل، ونحو ذلك، فهو لسان حاله يدعو.

والخوف؛ ذكر المؤلف رحمه الله أنه من أنواع العبادة، ولا يجوز صرفه لغير الله تعالى. لكن ما الخوف الذي لا يجوز صرفه إلا لله؟ طبعا كما قلنا إن هذا الدرس سيكون الكلام فيه مختصرًا، وإلا فلو أطلنا في كل مسألة لاستغرق دروسًا عديدة، لكن أقول الكلام سيكون مختصرا لأنكم سيمر عليكم التفصيلات في الخوف في متون أخرى. فأقول الخوف الذي هو عبادة هو خوف السر؛ بأن يخشى الإنسان المخوف هذا في السر، لأنه لا يكون عنده ويخشاه ويخافه، فهذا خوف السر.

لكي تتبين، نذكر الواقعة والقصة التي حكاها أحد المشايخ يقول يذكر عن أحد طلاب العلم ذهب إلى دولة عربية مجاورة، يقول فركب مع سائق أجرة، وسائق الأجرة عندهم تعظيم الولي البدوي، السيد البدوي، فيقول يحلف بالبدوي. قلت: يعني البدوي رجل توفي لا ينفع ولا يضر. فقال: يا ساتر، يا ساتر. قلت -وفي الطريق يردد يقول لي: اسكت- قلت: لماذا تقول؟ قال: أخشى أن البدوي الآن يلحق بنا الضرر لأنك الآن أنت انتهكت حرمته وتكلمت عليه بشيء لا يليق به. فهو يعظم البدوي ويخافه في السر، هذا خوف السر، وهذا لا يجوز أن يصرف، أن يخاف شيء لا يمكن أن يتحقق، فهذا شخص ميت فلا يمكن يتحقق. فأقول هذا خوف السر، وخوف السر هذا لا يصرف إلا لله تعالى، ومن صرفه لغير الله فهو مشرك.

والرجاء هو طلب المحبوب، فالرجاء كذلك لا يصرف إلا لله تعالى، والرجاء عبادة. لكن مرة أخرى، الرجاء الذي لا يصرف إلا لله تعالى هو أن يطمع في شيء لا يملكه إلا الله؛ كدخول الجنة مثلا والنجاة من النار وغفران الذنوب، فهذه لا يملكها إلا الله، فالرجاء هذا لا يصرف إلا لله تعالى. لكن رجاء الأمور العادية، مثلا يرجو من إنسان أن يساعده، هذا أمر عادي ويصرف للمخلوق لأنه ليس بعبادة ويستطيعه المخلوق.

والتوكل المقصود به الاعتماد على الله؛ اعتماد القلب على الله مع القيام أو مع بذل الأسباب، فهذا هو التوكل، يعني يبذل السبب لكن يفوض أمره إلى الله، لا يعتمد اعتمادا كليا على السبب بل يفوض أمره إلى الله تعالى، فهذا لا يصرف إلا لله تعالى.

والرغبة والرهبة والخشوع؛ الرغبة هي الطلب، والرهبة هي الخوف الخوف الشديد، والخشوع هو الخضوع والتطامن، فهذه كلها لا تصرف إلا لله. والخشية هي الخوف مع العلم، الخوف المقرون بالعلم، لذلك حصر الله أهل خشيته بأهل العلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فالذين يخافون الله مع علم هؤلاء هم أهل العلم.

والإنابة هي رجوع القلب إلى الله تعالى، فهذه لا تصرف إلا لله تعالى. والاستعانة هي طلب المعونة، فالاستعانة في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله هي عبادة لا تصرف إلا لله تعالى، لكن كون الإنسان مثلا يستعين بمخلوق حي حاضر في تحقيق أمر يقدر عليه، هذا لا بأس به وليس مخلا في التوحيد.

والاستعاذة هي الاعتصام بالله عز وجل من الشر، فهذا الاستعاذة التي لا يقدر عليها إلا الله هذه لا تصرف إلا لله، لكن كونك تستعيذ بمخلوق، يعني تطلبه أن يصرف عنك شر إنسان آخر، هذا يسمى استعاذة، وهذا لا بأس به إذا كان حيا حاضرا قادرا، وقد ورد في الحديث: «من وجد معاذا فليعذ به»، فالتي تصرف لله هي التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى.

والاستغاثة هي طلب التخليص من الكربة والشدة، هذه إذا كانت لا يستطيعها إلا الله تعالى فإنها لا تصرف إلا لله تعالى. لكن مثلا إنسان غريق يستغيث بالمنقذين لينقذوه، هذا لا بأس به لأنهم أحياء حاضرون وقادرون، لكن يستغيث بإنسان غائب لا يسمعه، أو بإنسان ميت كمن يستغيثون بالأولياء والمقبورين ونحوهم، فهذا مخل بالتوحيد وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى.

والذبح والنذر؛ هذه واضحة، الذبح واضح، النذر الذي هو أحياناً يكون معلقاً وأحياناً يكون غير معلق، النذر أن يلزم الإنسان نفسه بشيء لله تعالى، أحياناً يلزم نفسه يقول: لله علي أن أصوم مثلا يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، وأحياناً يقول: إن شفاني الله فلله علي أن أصوم، هذا كله نذر، وهذا لا يصرف إلا لله تعالى، فلا يجوز أن ينذر لغير الله تعالى.

قال: وغير ذلك من أنواع العبادة. فهذا دليل على أن الشيخ رحمه الله ذكر بعض أنواع العبادة، يعني مثلاً الدعاء هذا قول؛ الدعاء إذا قلنا الدعاء دعاء مسألة هذا قول. الخوف هذا أمر قلبي، شيخ الإسلام قال: من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. الخوف عمل باطن. الرجاء عمل باطن. التوكل كذلك عمل باطن. الرغبة تكون باطناً ظاهراً، يعني تكون رغبة بالقلب وباللسان. والرهبة بالقلب. والخشوع كذلك بالقلب. والخشية بالقلب. والإنابة بالقلب وتكون كذلك باللسان. والاستعانة باللسان. والاستعاذة باللسان. والاستغاثة باللسان. والذبح عمل ظاهر. والنذر باللسان. إذن فهذه العبادات منها قول ومنها عمل باطن ومنها عمل ظاهر.

قال: وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، يعني كلها تصرف لله تعالى. قال: والدليل قوله تعالى. ذكر الدليل لأنه كما قلنا هذه الرسالة تتميز بأنها تذكر الدليل مع المسألة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. وسبق أن قلنا بالأمس أن المراد بتدعوا دعاء يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فكل هذه العبادات يشملها سواء كانت دعاء أو غيره لأنها كلها دعاء عبادة. فهذا دليل على أنه لا يجوز صرفها لغير الله تعالى.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الدليل الآخر، لأنه قال: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، سيدلل على أنه كافر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]، فدل على أنه كافر أيضًا من صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر.

وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة». طبعا هذا الحديث ضعيف، حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الترمذي وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، ويغني عنه الحديث الآخر: «الدعاء هو العبادة»، والمراد أنه إما أن يحمل على أنه دعاء عبادة، أو يحمل على أن دعاء المسألة هو العبادة، يعني أنه أهم أنواع العبادة لأن فيه تعليقًا للقلب بالله تعالى وإعراضًا عن غيره.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الأدلة على كل نوع من أنواع العبادة التي ذكرها، فذكر دليل الدعاء وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: 60]. طبعا هذا يشمل الدعاء ويشمل العبادات كلها، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم. طيب هذا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة؟ كلاهما. طيب دعاء المسألة واضح: ادعوني أستجب لكم، دعاء عبادة. طيب ما معنى أستجب لكم إذا قلنا دعاء عبادة؟ أتقبل منكم وأثيبكم عليه، أحسنت.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنزعام: 91]. وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. في هذا الدليل حث على الدعاء وترغيب به وترهيب من تركه. فعلى المسلم عموماً وعلى طالب العلم خصوصاً أن يحرص على هذه العبادة العظيمة، ويكثر من دعاء الله تعالى في الرخاء؛ فمن أكثر من دعاء الله في الرخاء كان حرياً بأن يستجيب الله له عند الشدائد.

ثم ذكر دليل الخوف أي على أنه عبادة، قال دليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. فأمر الله به هنا: وخافوني إن كنتم مؤمنين. علق الإيمان بخوفه، فدل على أنه عبادة، يعني: إن كنتم مؤمنين فخافوني، فدل على أنه عبادة. طيب، ما الدليل على أنه إذا صرفه لغير الله فهو مشرك؟ وأن المساجد أحسنت، وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله. فمن خاف غير الله خوف السر فهو مشرك، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

طيب، قال دليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. هنا أثنى الله على من رجى لقاء ربه وأمرهم بالأعمال الصالحة والاستكثار منها، فدل على أنه عبادة. والدليل على أنه إذا صرفها لغير الله فهو مشرك: الدليل السابق الذي قلناه: وأن المساجد لله.

طيب، ودليل التوكل، ذكر الشيخ رحمه الله تعالى دليلين للتوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23] هذا أمر وتعليق للإيمان، تعليق لحصول الإيمان بالتوكل. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] أي كافيه. فمن توكل على الله فوض أمره لله، علق قلبه بالله مع بذل السبب؛ فإن الله عز وجل يكفيه ما أهمه، فدل على أن التوكل عبادة لأن الله أمر به.

دليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. هذا ثناء من الله عز وجل على أنبيائه المذكورين بأنهم يسارعون في الخيرات، وأنهم يدعونه سبحانه رغباً، هذا الرغبة، ورهباً، الرهبة الخوف، وكانوا لنا خاشعين، أي خاضعين ذليلين. فكون الله عز وجل أثنى على عباده الذين قاموا بهذه الصفات دل على أن الله عز وجل يحب هذه الأعمال، والأعمال التي يحبها الله ويرضاها إذاً هي عبادة، وإذا كانت عبادة فصرفها لغير الله شرك، بدليل الآية السابقة.

طيب، ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] أمر الله بها، وكل ما أمر الله به فهو عبادة. دليل الإنابة: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54] أمر الله به، وكل ما أمر الله به فهو عبادة. دليل الاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. والمراد إياك نستعين، يعني لا نستعين إلا بك. كيف فسرناها بهذا؟ لماذا قلنا لا نستعين إلا بك؟ إياك نستعين أي لا نستعين إلا بك. أحسنت، قدم. أحسنت، قدم المعمول على العامل، والمعمول حقه التأخير، الأصل نعبدك ونستعينك، لما قال إياك نعبد وإياك نستعين، هذا أسلوب يفيد الحصر، أسلوب يفيد الحصر، ومعناه لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك.

طيب، وهذا فيه أن الإنسان يستعين بالله عز وجل في جميع أموره، إذا أراد أن يعمل ولو شيئاً يسيراً. الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى لما كان يتكلم عن قول الله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: يعني ضرب مثالاً بإخراج القلم من الجيب، تخرج القلم يقول تستعين بالله تعالى في إخراجه لكي يكون عملك هذا عبادة. إذا أردت أن تلبس ثوبك تستعين بالله تعالى لكي يكون عملك هذا عبادة. إذا أردت أن تخرج لعملك، تخرج للمسجد مثلاً، تستعين بالله تعالى لكي يكون عملك هذا عبادة؛ يكون كل أعمالك عبادة، وأنت تعمل الأعمال المباحة تكون عبادة إذا استعنت فيها بالله تعالى. قال: وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله». هذا دليل على أن الاستعانة عبادة تصرف لله تعالى ولا تصرف لغيره.

قال: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]، ﴿وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]. في هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكل من يصح توجيه الأمر إليه بأن يستعيذ بالله، وإذا أمر الله بشيء فإنه يكون عبادة. ودليل الاستغاثة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: 9]. هنا أثنى الله عز وجل على الذين استغاثوا به، وذكر أنه أجابهم لما استغاثوا به، فدل على أن الاستغاثة عبادة.

والذبح: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. والمراد بالنسك هو الذبح، على أن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى عممه قال: النسك المراد بها العبادة، المراد بها العبادة سواء كانت الذبحة أو غيرها. وهناك دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]. وانحر، انحر أي اذبح، فأمر الله عز وجل بالذبح له فدل على أنه عبادة. ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله». حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من ذبح لغير الله». فدل على أن الذبح لغير الله، لا، هل هذه تدل على أنها شرك؟ أقصد الحديث، يدل على أنه محرم وكبيرة من كبائر الذنوب لأن الله لعن عليه. لكن كونه شرك نستفيده من الآية: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً. لكن الحديث هذا ما نستفيد أنه شرك، من ذبح لغير الله ما نستفيد من الحديث هذا نفسه بأنه شرك؛ لأن الحديث فيه لعن، ما فيه إثبات أنه شرك، لكن نستفيد أنه شرك من الآية: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]. وهذا فيه ثناء من الله عز وجل على أهل الجنة بأن من أعمالهم أنهم يوفون بالنذر، أنهم يوفون بالنذر. طبعاً النذر قد يراد به الطاعة عموماً، وقد يراد به إلزام الإنسان نفسه بطاعة لله تعالى أو بعمل يتقرب به إلى الله تعالى. فالآية تشمل الأمرين، الآية تشمل الأمرين: يوفون بالنذر أي يقومون بما ألزمهم الله عز وجل به من الطاعات، وتشمل أنهم إذا ألزموا أنفسهم بشيء فإنهم يوفون به.

واعلموا أن أصل النذر مكروه، وبعضهم قال بتحريمه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر لا سيما النذر المعلق. النذر المنهي عنه هو النذر المعلق الذي يقول فيه الإنسان: إن شفى الله مريضي، أن يعلقه بشيء؛ لأنه، كما جاء في الحديث: «النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». يعني بخيل مثلاً يقول: إن شفى الله مريضي أو إن شفاني الله تصدقت بكذا وكذا. نعم، الآية، نعم هو مكروه، هو مكروه لكن إذا وقع فلا بد من الوفاء به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». ويجب الوفاء به إذا وقع، لكن أصل وقوعه مكروه، أصل وقوعه مكروه.

ذكرت هذا، نعم أحسنت، ذكرت هذا قبل قليل: يوفون بالنذر، بعضهم فسره بالعبادة عموماً، أن يقومون بالعبادة على وجه التمام. ومنهم من قال: لا، ومنهم من قال: إن المراد به النذر المعروف، إلزام الإنسان نفسه بطاعة الله تعالى. وعلى كلٍ، الآية تشمل الأمرين، الآية تشمل الأمرين، ويعني تفسيرها بالطاعة أعم وأشمل؛ لأنه يشمل النذر ويشمل غيره. والآية إذا اشتملت وإذا الآية إذا احتملت معنيين لا تعارض بينهما فإنها تحمل عليهما جميعاً، كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله.

طيب، نعم تفضل، الأصل الثاني. الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان.

المرتبة الأولى: فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. ومعناها لا معبود بحق إلا الله وحده، لا إله نافياً جميع ما يعبد من دون الله، إلا هو مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه. وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّسَهَيَدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

ودليل شهادة أن محمداً رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع. ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].

أحسنت بارك الله فيك. ثم تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الأصل الثاني من الأصول الثلاثة، وهي وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة، فالأصل الأول معرفة العبد ربه، والأصل الثاني معرفة العبد دينه. وكما قلنا أن المعرفة تكون بالدليل؛ فالعلم معرفة الهدى بدليله، معرفة دين الإسلام بالأدلة، ثم بين المؤلف رحمه الله تعالى معنى الإسلام. المراد بالإسلام فقال: الإسلام هو الاستسلام لثلاث أمور: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. لابد من هذه الأمور الثلاثة: أن يستسلم لله بالتوحيد ليوحد الله تعالى، أن يوحد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وينقاد له بالطاعة كل ما يأمره الله عز وجل به فإنه يطيعه فهذا من الإسلام، ويتبرأ من الشرك وأهله فلا يتم الإسلام إلا بالبراءة من الشرك وأهله. وسيأتي بيان ذلك في كلام المؤلف رحمه الله تعالى.

وهذه الأمور الثلاثة كما قلنا هي تفسير الإسلام بالمعنى العام، تفسير الإسلام بالمعنى العام أن المعنى العام للإسلام وهناك مراتب الدين ثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، هذا له معنى خاص. إذن، الإسلام بالمعنى العام هذه، مثل الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، لكن المعنى الخاص للإسلام الذي هو من مراتب هذا الدين، كما قال مراتبه ثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان، له معنىً آخر أو معنىً آخر.

قال: وهو ثلاثة مراتب، الدين ثلاثة مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، الإسلام والإيمان والإحسان، وكل كل مرتبة لها أركان. طبعاً هذه الألفاظ الثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان إذا اجتمعت تفرقت، وإذا تفرقت اجتمعت، بمعنى أنها إذا إذا جاءت في سياقٍ واحد، في حديثٍ واحد أو في آيةٍ واحدة، فكل واحدةٍ لها معنى، كل واحدةٍ لها معنى. لكن إذا جاءت في دليلٍ مستقل، يعني الإيمان جاء في دليلٍ مستقل، أو الإسلام جاء في دليلٍ مستقل: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، إيه مثلاً، والحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». فهذه جاءت في دليلٍ مستقل، يعني ما جُمِع الإيمان والإسلام والإحسان في دليلٍ واحد، فهنا الإسلام يكون له، فالإسلام يشمل المراتب الثلاثة كلها، الإيمان يشمل المراتب الثلاثة كلها.

لكن إذا جاءت في دليلٍ واحد، كما جاءت في حديث جبريل رحمك الله، الذي سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى، فإن كل واحدة لها معنى. فالإسلام يراد به الأعمال الظاهرة، والإيمان يراد به الأعمال الباطنة، والإحسان يراد به المبالغة في إتقان العمل، مبالغة في إتقان العمل ظاهراً وباطناً، مبالغة في إتقان العمل ظاهراً وباطناً، هذا إذا اجتمعت في دليل واحد.

قال: كل مرتبة لها أركان، فأركان الإسلام خمسة المعروفة لديكم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج. وهذه دل عليها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المشهور: «بني الإسلام على خمس» وذكر هذه الخمس. طيب، الشهادتان اعتبرتا ركناً واحداً ولم تعد ولم تعد كل واحدة ركناً مستقلاً، فلماذا؟ صلى الله عليه. أحسنت، بس التعبير ااا لا تذكر قولي، قل: فيه وجهان، فيه وجهان يعني لسببين، أو لاحتمالين، قولين يعني كأن كل قول مقابل للقول الثاني، لكن هنا لسببين، أحسنت، سببين صحيحين.

إذاً يقول زميلكم لسببين: السبب الأول أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إنما اعتبرتا شرطاً، نعم ركناً واحداً ولم تعد ركنين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، فالشهادة له بالرسالة من مكملات الشهادة لله عز وجل بالعبودية. والوجه الثاني لعدها ركنًا واحدًا أن كل عمل لا يقبل إلا بأمرين، وهما الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالإخلاص لله هذا تحقيق لشهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم هذا تحقيق لشهادة أن محمداً رسول الله، فلذلك عدت ركناً واحداً ولم تعد ركنين.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى الأدلة على كل ركن، قال: فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].

هنا فيه إثبات أن الله عز وجل هو المتفرد بالعبودية باستحقاق العبودية، أنه هو المتفرد باستحقاق العبودية، وهذه الآية فيها فضل عظيم لأهل العلم، فيها فضل عظيم لأهل العلم. وينبغي لكل طالب علم أن يستشعر هذا الفضل العظيم الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، فالله عز وجل قرن شهادته بشهادة ملائكته وبشهادة أولي العلم، بشهادة أولي العلم.

فشهادته استشهدهم على ماذا؟ على أعظم مشهود به، أعظم مشهود به وهو استحقاق الله للعبادة، فهو أمر عظيم، فلا يختار الله لها إلا العظماء. والمشهود عليه أمر عظيم، ولا يختار العظيم للشهادة على العظيم إلا أعظم خلقه، فاختار الملائكة وهم ليسوا من البشر، وانتقى من البشر أولي العلم، فهذا دليل على شرف العلم وشرف أهله.

لكن المراد بأهله الممدوحين هم أهله المتحققون به، بمعنى أنهم الذين تعلموا العلم النافع وعملوا به. لا يكفي العلم فقط، لا يكفي تعلم العلم فقط، إذا لم يعمل الإنسان بعلمه فإن علمه والعياذ بالله سيكون وبالًا عليه وحجة عليه يوم القيامة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك».

وقال بعض السلف رحمهم الله تعالى في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، قال: لا يقوم أحد من القرآن إلا وقد حصل له أحد الشيئين، إما أن يكون القرآن شفاء ورحمة له أو يزيده خسارة، فلن يخرج أحد من هذين الوصفين. فأقول هذا مما يحفز الإنسان لأن يبذل المزيد لكي يطلب العلم ويتحقق بهذه الصفة لكي ينال هذا الشرف العظيم وهو استشهاد الله له.

قال: ومعناها أي معنى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. فالشيخ رحمه الله تعالى فسر الإله بالمعبود، فسر الإله بالمعبود، وهذا هو التفسير الصحيح. ونبني على هذا نجد في تفسير بعض المخالفين لأهل الاعتقاد أنهم يفسرون الإله بالقادر أو بالخالق، لا قادر إلا الله أو لا خالق إلا الله، وهذا كله تفسير غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لما خالف المشركون فيها.

يعني المشركون لما أمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بهذه الكلمة قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، فلو كان المراد لا خالق إلا الله ما أنكروا ذلك، مقرون بأن الخالق هو الله تعالى. لكنهم يعلمون أن هذه الكلمة تقتضي أن الله هو المستحق للعبادة، وأن المخلوقات الأصنام والأوثان وغيرها لا تستحق الععبادة، فلذلك امتنعوا عن هذه الكلمة، امتنعوا عن هذه الكلمة. لذلك الشيخ رحمه الله تعالى، أقصد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قال في من الشبهات: فواعجباً من شخص كفار قريش أعلم منه بمعني لا إله إلا الله.

فأقول إن معنى لا إله إلا الله إذاً لا معبود بحق إلا الله، وبعضهم يقول لا معبود موجود إلا الله وهذا خطأ؛ لأن هناك معبودات موجودة غير الله تعالى، لكن التقدير الصحيح لا معبود بحق إلا الله تعالى. قال: ثم بدأ يفسرها على الجزئين، لا إله هذه نافية جميع ما يعبد من دون الله، إلا الله هذه مثبتة العبادة لله وحده. قال: لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه، كفار قريش مقرون بأنه لا شريك لله في الملك، أنه يملك كل شيء، لكنهم ينكرون أنه يستحق العبادة وحده. فالله عز وجل يقررهم ويستدل عليهم بإقرارهم هذا، يقول: إذا كان هو المتفرد بالملك فلا بد أن يكون هو المتفرد باستحقاق العبادة، لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه.

قال: وتفسيرها الذي وضحها تفسير كلمة التوحيد لا إله إلا الله الذي يوضحها قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26-27]، هنا هذا تفسير لا إله، تبرؤ من جميع ما يعبد من دون الله، إلا الذي فطرني هذا إثبات، إلا الله إثبات العبادة لله وحده فإنه سيهدين، وجعلها أي كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون إلى الله تعالى.

والتفسير الآخر في الآية الأخرى، والشيخ رحمه الله تعالى فسرها بالقرآن؛ لأن أعظم ما يفسر به القرآن أعظم التفسير تفسير القرآن بالقرآن. الآية الأخرى التي تفسير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64]، هذا تفسير لا إله إلا الله، ألا نعبد إلا الله، هذا فيه إثبات أن الله هو المستحق للعبادة ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله.

ثم ذكر الدليل على شهادة أن محمدًا رسول الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. هنا في إثبات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس، ثم ذكر تفسير هذه الشهادة وأنها تقتضي أربعة أمور، شهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي أربعة أمور: طاعته فيما أمر، يعني جميع ما يأمر به النبي محمد صلى الله عليه وسلم نطيعه فيه، فهذا من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله.

وتصديقه فيما أخبر، جميع ما يخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم نصدقه، لا نقول هذا لا يقبله العقل أو هذا لا يصلح لهذه الفئة من الناس. أو قال بعضهم مثلاً في حديث: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، هذا الحديث صحيح مخرج في البخاري، فيأتي بعضهم يقول هذا ليس بصحيح رده العقل، فنقول هذا لا يجوز أن تعارض النصوص الصحيحة بالعقول، فالعقول السقيمة لا تعارض النص الصحيح. أي عقل نتحاكم إليه؟ نرد النص لمجرد عقل يرى هذا الشيء؟ لا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لن يفلح قوم، والنبي صلى الله عليه وسلم صادق في قيله وفي خبره عليه الصلاة والسلام، لن يفلح قوم إذاً لن يفلحوا، ومهما رأينا من انتصار قوم تولت أمرهم امرأة فإن انتصارهم إلى زوال، فلن يستمر هذا الانتصار.

وهكذا حديث الذباب الذي رده بعضهم: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء». رده بعضهم قال هذا يناقض العقل، لا يمكن أن تكون الحشرة الصغيرة هذه فيها نفع ونحو ذلك، مع أنه أثبته الطب، لكن نحن حتى لو لم يثبته الطب، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.

وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، أي شيء ينهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم نجتنبه، فهذا من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله، أن نجتنب جميع ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. نهى صلى الله عليه وسلم عن الغش، نهى عن الظلم، نهى عن الغيبة، عن أشياء كثيرة، كل ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن نجتنبها، فهذا من مقتضيات هذه الشهادة.

الأمر الأخير: ألا يعبد الله إلا بما شرع، نبتعد عن البدع فالابتعاد عن البدع والعمل بالسنة هذا من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله. فإذا حققت هذه الأمور الأربعة فإنك حققت شهادة أن محمداً رسول الله.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى دليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد، وهي آية سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]، هذا تفسير التوحيد الإخلاص وإفراد الله بالعبادة وإخلاص الدين له بأن لا تصرف جميع أنواع العبادة إلا لله تعالى. ويقيموا الصلاة، هذا دليل على الصلاة وأنها من أركان الإسلام. ويؤتوا الزكاة، هذا دليل على الزكاة.

ثم ذكر دليل الصيام، وهو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، وكتب بمعنى فرض، هذا دليل على أنه أمر واجب. ثم ذكر دليل الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيِّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].

وهذه الأركان من تركها كلها فهو كافر، لا إشكال في كفره. وكذلك من ترك الشهادتين بأن قال: أنا أشهد أن الله هو المستحق للعبادة، لكن أشهد أن الله يعبد ويعبد ويستحق غيره العبادة معه، وهنا نقول هذا كافر كفراً أكبر.

وكذلك من قال: نعم أنا أؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن ليس هو النبي الوحيد الذي أمرت بطاعته، لكن سأطيع وأطيع غيره من الأنبياء، لو وجدت في التوراة حكم شرعي والنبي صلى الله عليه وسلم ورد فكرة أن يخالفه، أنا سآخذ بما في التوراة وأؤمن بها، فأنا أؤمن بـ أو لا أؤمن بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي يجب أن أطيعه فقط، فهذا كذلك أخل بهذه الشهادة وفيه إخلال بهذا الركن العظيم.

كذلك من ترك الصلاة تركها تركاً مطلقاً، فهذا كافر كفراً أكبر على الصحيح، وهو قول جمهور السلف رحمهم الله تعالى، حكي عليه إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنه. أما من ترك الأركان الباقية، الزكاة، الصيام، الحج، تركها مع الإتيان بالصلاة والشهادتين، فهو على خطر عظيم، وهو على خطر عظيم، بل قيل بكفره، بل قيل بكفره، لكن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى على أنه ليس بكافر، لكنه على خطر عظيم.

نقف على المرتبة الثانية التي هي مرتبة الإيمان، نكملها إن شاء الله غداً بإذن الله تعالى. هل يوجد سؤال؟

الخشية هي الخوف المقترن بالعلم، هذه كما قلنا أنها خاصة بأهل العلم؛ لأن الإنسان لا يخشى الشيء خشية تامة إلا إذا علم بها، لكن الخوف المجرد عن العلم هذا يعد خوفاً، وهو عبادة، لكنه أنقص من الخشية، مرتبته أقل من الخشية.

مثل خوف السر، هذا يعد من خوف السر، فهذا شرك أكبر صرفه لغير الله فهو شرك أكبر. أنا قلت لك مثل، لأن أحياناً يكون المثال الذي تذكره مثال عادي، مثل استعان به، مثلاً قال له أعني مثلاً في حمل هذا المتاع الثقيل، هذه استعانة لكنها لا تعد عبادة، لا تعد عبادة، لا يتصرف بها إلا الله؛ لأنها بحي حاضر قادر.

لكن استعان بشخص غائب، يا فلان أنقذني وهو غائب لا يسمعه وعلق قلبه به، فهذا صرفها لغير الله تعالى، فمن صرف الشيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى فهي شرك أكبر، إذا علق قلبه بغير الله تعالى فهو شرك أكبر.

أحسنت، يسأل عن العلم الشرعي الذي هو فرض كفاية. طبعاً فرض الكفاية المراد به لكي تفرقوا بين فرض الكفاية وفرض العين، المراد بفرض الكفاية أن يقوم بهذا الفرض من يكفي من الناس، لا يكون واجب، يعني هو واجب على الكل، لكن إذا قام به من يكفي خلاص، الباقين عليهم سنة. مثل صلاة الجنازة، صلاة الجنازة فرض كفاية على المسلمين، لكن لو صلى على الجنازة واحد خلاص، الباقين في حقهم سنة.

طلب العلم فرض كفاية، طبعاً طلب العلم الذي لا يتوقف عليه صحة العبادة وصحة التوحيد، مثل العلم بسنن الصلاة، بأحكام مثل سجود السهو إلى آخره، وتفصيلات البيوع إلى آخره، فهذا فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

لكن هل الآن قام به من يكفي؟ في عصرنا الآن هل قام به من يكفي؟ الحقيقة أنه لم يقم به من يكفي لكثرة الجهل فيها، يعني من يقرأ في كتب الفتاوى، يقرأ فتاوى بن باز، الشيخ بن باز رحمه الله، والشيخ بن عثيمين رحمه الله، أو فتاوى اللجنة الدائمة، يجد جهل كثير في المسائل، ومن يسمع الجواب الكافي أو نور على الدرب أو نحوها من برامج الإفتاء يجد جهل كثير من الناس، فالحقيقة لم يقم به من يكفي. وينبغي لطلاب العلم أن يعتنوا بهذا العلم ويسدوا حاجة الأمة، يسدوا حاجة الأمة، لذلك أحياناً يكون طلب العلم فرض عين على الشخص، طلب العلم أنا أقصد الذي هو فرض كفاية أو فرض عين على الشخص.

حتى قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب أضواء البيان في التفسير طبعاً، أضواء البيان يهتم بتفسير ماذا؟ القرآن بالقرآن. أحسنت، يعني ما فسر كل القرآن، يفسر الآيات التي تفسرها آيات أخرى، لكن الآيات التي لا تفسرها آيات أخرى لم يتعرض لتفسيرها. مثلاً: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]، ابحث عنها في أضواء البيان ما تجدها، ما فسرها؛ لأنها ما فسرت بآيات أخرى. لكن الآيات التي فسرت بآيات أخرى ذكرها في التفسير، طبعاً الشيخ رحمه الله تعالى لم يتم التفسير وإنما وقف عند ماذا؟ بعدها بقليل. المجادلة، أحسنت، وقف عند آخر المجادلة: ﴿أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22]، وهذا يرجى أن يكون الشيخ رحمه الله تعالى من أهل هذه الآية. طبعاً أكملها بعده الشيخ عطية سالم رحمه الله.

لكن طبعاً الشيخ عطية سالم رحمه الله تلميذ للأمين الشنقيطي رحمه الله، لكن بون شاسع بينهما، وإن كان يعني الشيخ

الشيخ عطية سالم بذل جهدًا كبيرًا، لكن بون شاسع بين الشيخين رحمهما الله تعالى. فأقول الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى يقول: إن بعض مشايخي في زمن الطلب كانوا يقولون لي لما رأوا ما عنده من الذكاء والفطنة والنباغة، كانوا يقولون له: إن طلب العلم الذي هو فرض كفاية على الناس هو فرض عين عليك. فهذا مما زاد جده وحماسه في طلب العلم.

وأنا الشيخ رحمه الله تعالى بذل مجهودًا كبيرًا في طلب العلم حتى أننا نذكر هذه القصة لعلها تحفز طلاب العلم لبذل المزيد من الجهد. كان رحمه الله في طلبه للعلم، هذه تجدونها القصة في مقدمة الأضواء، من ترجم للشيخ في مقدمة الأضواء ذكر هذه القصة. كان رحمه الله أشكلت عليه مسألة، شرحها معلمه له لكن الشيخ ما فهمها، فقال: لما رجعت إلى البيت أمر الخادم أن يصلح له الشاي، طبعًا هم يحبون الشاي الأخضر، فأصلح له الشاي.

يقول: فجلست في المكتبة أقلب الكتب من العصر حتى أذان الفجر، جلس الليل كاملاً في هذه المسألة، يقول: ما أذن الفجر إلا وقد تجلت لي هذه المسألة بتمامها. فلما جاء الصباح كان الشيخ مرهقًا، قال: خلاص أنا الحمد لله أخذت اللي أريده وزيادة. فأقول: الشيخ بذل جهدًا كبيرًا في طلب العلم، لذلك برز الشيخ رحمه الله تعالى في تفسيره. تفسيره تجدون فيه النحو، تجدون فيه البلاغة، تجدون فيه أصول الفقه، تجدون فيه الفقه.

لذلك أحكام الحج في التفسير أفردها الشيخ عبد الله الطيار هو ومن معه في ثلاث مجلدات، وأفردها بأخصر منه الشيخ سعود الشريم في مجلد واحد اسمه خالص الجمان. فأقول: أضواء البيان فيه علم غزير، أضواء البيان فيه علم غزير، لكن لا يصلح لكل أحد، اللي ما عنده أساسيات في علم النحو، في علم الأصول، في علم الفقه سيتعب، الشيخ يستطرد مسألة أصولية، يستطرد مسألة نحوية، يستطرد في أشعار كثيرة. الشيخ رحمه الله حافظة، حتى قال الشيخ عبد الله بن غنيمان مرة، طبعا أضواء البيان كان طبع بعضه في وقت الشيخ رحمه الله تعالى وكان يوزع وكان ينهى عن بيعه رحمه الله، كان أوكل توزيعه لبعض طلبته.

فالشيخ عبد الله بن غنيمان يقول: زرناه في بيته لأجل أن نطلب منه نسخ من هذا التفسير، فيقول: دخلنا المكتبة ما وجدنا إلا رف فيه كتب يسيرة، دواوين الشعر، وأين كتب الفقه؟ كتب التفسير؟ الشيخ رحمه الله تعالى حافظة، فنعم عنده الكتب هذه يمكن أنه عاد تصرف فيها، أداها للجامعة إلى آخره، لكن كان ما عنده إلا كتب يسيرة جدًا التي عنده في ذلك الوقت. فالشيخ رحمه الله تعالى حافظة ونابغة، وكان السبب من أسباب نبوغه ما حفزه بعض مشايخه بأن قالوا له: إن طلب العلم الذي هو فرض كفاية يعتبر فرض عين عليك. نعم، احنا أطلنا.