دخولتسجيل الدخول

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ تنزيل مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع من مجالس شرح كتاب الركيزة في أصول التفسير. وقد وصلنا فيها إلى الطريق الثالثة من طرق تفسير القرآن بالقرآن، وهو تفسير القرآن بأقوال الصحابة، وبينا كثيرا من المسائل المتعلقة بهذا الطريق فيما مضى.

وصلنا إلى قول المؤلف: والعلماء يسامحون فيها، أي في النسخ. نحن قلنا قبل ذلك: غالب هذه الاسانيد التي ذكرها المؤلف في كتابه الركيزة غالبها نسخ. ما معنى النسخة؟ النسخة مجموعة من الاقوال في التفسير مروية باسناد واحد؛ يعني عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم يذكر تفسيرا كثيرا في آيات متنوعة إلى آخر القرآن.

فتجد أن بعض العلماء، كالطبري رحمه الله، يأخذ كل تفسير لآية أو لكلمة من القرآن، ويأتي بالاسناد ويعيده مع تلك الكلمة، فالناس يظنون أن هذه روايات مفردة، لا، هي في الغالب نسخة واحدة رويت باسناد واحد، وجاء الطبري رحمه الله وقطع هذا التفسير وأعاد الاسناد مع كل قطعة. ولذلك يقول هنا العلماء رحمهم الله: يسامحون فيها، أي يسامحون في النسخ أكثر من المرويات بمشافهة. لماذا؟ لأن الخطأ في النسخة قليل بخلاف الخطأ في الرواية، ولذا تقدم النسخة على الرواية عند التعارض؛ يعني إذا كان عندنا روايتان أحدهما من نسخة والثاني رواية، إذا تعارضتا قدم ما كان نسخة.

يقول المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: وغالب هذه النسخ مفقود أو في حكمه. غالب هذه النسخ المروية مفقودة؛ يعني لم تصل الينا كنسخ، ولكنها فقدت أو في حكم المفقود. كيف نستدل عليها؟ كيف نعرف أنه كان هناك نسخة يرويها فلان عن فلان؟ أما بالنص عليها؛ كما يذكرون ذلك في تراجم بعض المفسرين، كالنسخة التي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أو الضحاك عن ابن عباس، أو مجاهد بن أبي نجيح عن مجاهد، ونحو ذلك، فينصون على وجود نسخة. يقول الإمام أحمد: إن بمصر نسخة يرويها علي بن أبي طلحة، أو قال: لو سافر إليها انسان ما كان كثيرا، أو كما قال رحمه الله.

فنعرف هنا أن جميع ما يروى عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إنما هو من طريق هذه النسخة التي لم تصل الينا كاملة، وإنما تفرقت في كتب التفسير، فروى الطبري كثيرا منها، ورواه ابن أبي حاتم كثيرا منها، وروى البخاري حتى في صحيحه كثيرا منها في تفسيره. قال: أو باستقراء الاسانيد التي تتكرر، إذا رأينا اسنادا يتكرر وهو اسناد واحد لا يتغير، عرفنا أن هذه كانت نسخة، وأن العلماء رحمهم الله قطعوا هذه النسخة وأعادوا الاسناد مع كل قطعة. أو بالاشارة لذلك في ترجمة المفسر أن يقال له تفسير، فنعرف بذلك أن هذا التفسير قد فقد وبقيت مروياته.

ما هي الطريق الرابعة من طرق التفسير؟ الطريق الرابعة واضحة، وهي تفسير القرآن بأقوال التابعين. لماذا جعل الناس لأقوال التابعين حظا في تفسير القرآن؟ قال: لأنهم تلقوا عن أعلم الناس بالتفسير، وهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولكونهم في القرون المفضلة؛ يعني كون التابعين أدركوا القرون المفضلة التي كانت البدع فيها قليلة والاحتجاج باللغة فيها قائم، ولكونهم أدركوا عصر الاحتجاج باللغة ولقلة البدع في عهدهم. لاحظوا أننا قلنا فيما مضى في أقوال الصحابة إن عهدهم لا يوجد فيه مبتدعة، أما هنا فوجدت البدع لكنها كانت قليلة في التابعين وكثرت في من بعدهم.

وقد احتج بتفسيرهم الأئمة؛ فقد كان الأئمة الكبار، كالطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد، وعبد الرزاق وغيرهم من الأئمة، يحتجون بتفاسيرهم وينقلونها. لماذا؟ لأنهم تتلمذوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لهم من المميزات ما جعل لتفسيرهم حظا وقَدرا ليس لمن جاء بعده.

قال: وقد كان التابعون في ثلاث مدن؛ مكة والمدينة والعراق. يعني هذه حواضر العلم في عهد التابعين. مكة والمدينة؛ طبعا ظاهر هذا، فهذه مكة التي هي محل قبلة المسلمين وهي مكان قريش التي هي لب العرب، والمدينة مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعراق التي انتقل اليها كثير من الصحابة وفتحت أولا فجلسوا فيها ونشروا فيها العلم.

قال المؤلف: فأما أهل مكة، فامامهم ابن عباس؛ يعني غالب ما يوجد في التفسير في مكة هو منسوب إلى ابن عباس أو يدور حول ابن عباس وتلاميذه. ومن تلاميذه سعيد بن جبير المتوفى عام خمسة وتسعين هجري، ومجاهد المتوفى عام مئة وأربعة، وعكرمة المتوفى عام مئة وخمسة، وطاوس المتوفى عام مئة وستة، وعطاء بن أبي رباح المتوفى عام مئة وخمسة عشر. وأهلها أخص الناس بالتفسير، لكون مدرسة ابن عباس اشتهرت بذلك وتفرغت له. وهؤلاء التلاميذ ثنوا ركبهم عند ابن عباس حتى اخذوا منه علما كثيرا؛ فمجاهد يقول: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات أوقفه عند كل آية، وكان يكتب التفسير على ابن عباس، وكان ابن عباس يقول له: أين ألواحك؟ مما يدل على أن ابن عباس اعتنى بهذا الأمر فاصحابه صار لهم الحظوة ما ليس لغيرهم.

وأما أهل المدينة، فامامهم عمر رضي الله عنه وأبي بن كعب، ويشاركهما زيد وأبو سعيد، زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري. ومن تلاميذهم أبو العالية الرياحي المتوفى عام تسعين، ومحمد بن كعب القرظي المتوفى عام مئة وثمانية، وزيد بن أسلم المدني المتوفى عام مئة وستة وثلاثين. ومن اتباع هذه المدرسة المدنية عبدالرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى عام مئة واثنين وثمانين، ومالك بن انس المتوفى عام تسعة وسبعين. وهم أعلم الناس بالمغازي، هؤلاء هذه المدرسة أعلم الناس بالمغازي، واليهم مرجع ذلك؛ لأنهم كانوا اعرف الناس بها، فهم أهل المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يتوارثونها جيلا بعد جيل، فاذا اختلف الناس في المغازي رجع الناس الى قول أهل المدينة فيها، يليهم في أمر المغازي أهل الشام ثم أهل العراق. وقد عنوا بالقراءات، أي أهل المدينة، وبقيت فيهم الى اليوم.

وأما أهل العراق، فامامهم ابن مسعود، ومن تلاميذه علقمة بن قيس المتوفى عام إحدى وستين، ومسروق المتوفى عام اثنتين وستين، ومن تلاميذ علقمة ومسروق الشعبي والنخعي، ووفد على البصرة الحسن وقتادة ونشر فيها، ومنها نشأت مدرسة الرأي.

وكان التابعون رحمة الله تعالى عليهم يفسرون القرآن بالقرآن كما هو حال الصحابة، ويفسرون القرآن بالسنة، ويفسرون القرآن بأقوال الصحابة لأنهم تلقوا عنهم، كما كانوا يجتهدون ويروون عن أهل الكتاب أكثر من الصحابة؛ يعني يروون عن أهل الكتاب أكثر من رواية الصحابة عن أهل الكتاب، لأن كتب أهل الكتاب انتشرت فيهم فصاروا يقرأون بعضها، وما يجدون ذكره مجملا في القرآن يقرأونه في كتب أهل الكتاب فينقلم تفاصيل لم تكن معروفة عند الصحابة أو من قبلهم بسبب اطلاعهم على كتب أهل الكتاب.

يقول المؤلف: ويجب قبول ما اجمع عليه، واما ما اختلفوا فيه فيرجح بينهم؛ يعني اذا اجمع التابعون على قول ما وجب قبوله بلا شك، أما اذا اختلفوا في مسألة ما على قولين أو ثلاثة فهنا لا يجب قبول قول أحد منهم، بل ننظر ونرجح بينها. وكلامهم في المغيبات وأسباب النزول ليس له حكم مرفوع، بخلاف ما ذكرناه عن الصحابة فإن كلامهم في المغيبات وفي أسباب النزول له حكم مرفوع، وقلنا: يقبل كلامهم، أي الصحابة، في المغيبات ما لم يكن في الخبر شبهة الخبر الاسرائيلي، أو يكون الراوي ممن اشتهر بالأخذ عن بني إسرائيل. قال: وكلامهم، أي التابعين، في المغيبات وأسباب النزول ليس له حكم مرفوع، بل منه ما يقبل ومنه ما يرد بحسب القرائن.

ثم قال: وما رووه عن أهل الكتاب له حكم الاسرائيلي؛ يعني يعطى حكم الخبر الاسرائيلي، والاسرائيليات هي الأخبار المنقولة عن كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغالبها من التوراة وشروحها، ولذلك سميت اسرائيليات نسبة الى اسرائيل وهو نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام. ولذا قيل: اسرائيليات، نسبة لنبي الله اسرائيل أبو اليهود. وقد فشت اخبارهم لاسلام علمائهم وانتشار كتبهم وللإذن بالتحديث عنهم؛ يعني هذا سبب فشو الأخبار الاسرائيلية؛ أولا أنه اسلم عدد من علمائهم، ككعب الأحبار ووهب بن منبه ونحوهما، وأن كتبهم كانت منتشرة، وأيضا لأنه أذن لنا بالتحديث عنهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». ولذلك اخذ الصحابة والتابعون من اخبارهم الشيء الذي رأوا أنه موافق لما في القرآن، أو أنه يفصل شيئا مما أجمِل في كتاب الله، أو يذكر الحلقات المفقودة في القصة القرآنية الموجزة التي تركز على موطن العبرة والعظة فقط، فالنفس تتشوف الى شيء من هذه التفاصيل التي لم يشير اليها القرآن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بالتحديث عن بني إسرائيل وقال: «قد كانت فيهم العجائب». فالصحابة كانوا يتلقفون هذه العجائب ويستمعون إليها وينتفعون بها ما لم تتضمن أمرا منكرا كما سيأتي.

قال المؤلف: والاسرائيليات على ثلاثة أنواع: الأول ما وافق النصوص فهو حق بلا شك؛ يعني ما وافق الكتاب والسنة فهو حق. ومنه، من أمثلة ما ورد: أن حبرا من أحبار بني إسرائيل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]. فالنبي صلى الله عليه وسلم صدق قول الحبر، وبهذا عرفنا أن هذا الذي نقله الحبر من كلام بني إسرائيل حق لأن النص جاء موافقا له، وقد جاء في القرآن وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني ما خالف النصوص فهو باطل لا تجوز روايته؛ مثل ما روى جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامع الرجل المرأة من ورائها جاء الولد أحول. يعني إذا جاء الرجل امرأة أتوا من خلفها في قبلها، وإنما جاءها من جهة الخلف، نزل قول الله عز وجل لإبطال كلام اليهود وأن هذا لا صحة لما ذكروه وادعوه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: 223]؛ أي نسائكم في موطن الحرث وهو القبل كيف شئتم، يعني سواء كان من الأمام أو على جنب أو من الخلف، الأمر فيه سيان. وهذا إبطال لما قالته اليهود وادعته من أن من جاء امرأته من دبرها في قبلها جاء ولده أحول.

والثالث ما لم يرد في النصوص خلافه ولا تحيله العقول، فهذا أولا يجب علينا التوقف في تصديقه وتكذيبه؛ فلا نقول إنه حق لأننا قد نصدق بباطل، ولا نقول إنه باطل لأننا قد نكذب حقا، فنتوقف في تصديقه وتكذيبه. واما روايته فقد جاء في الحديث ما يدل على جواز ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». يقول المؤلف: وغالب ما يروى عنه لا فائدة فيه؛ هذا غالب المرويات عن بني إسرائيل ليس مما تحته فائدة تبنى عليه.

ثم قال: ولا يجوز سؤالهم عن شيء من امور الدين؛ يعني أمور ديننا لا نسألهم عنها. لماذا؟ لحديث عمر: أَمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ أو في رواية أخرى: أفي شك منها يا ابن الخطاب؟ لو كان اخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. يعني لا يجوز لنا أن نسأل اليهود عن أمور ديننا أو نحتكم إليهم في شيء منها.

قال: وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عنهم يروون عن بني إسرائيل، والتابعون كذلك يروون عن بني إسرائيل، وإن كان التابعون أكثر رواية لكن في غير محل النهي. محل النهي أي هو الرواية عنهم في باب الأباطيل أو في أمر الدين، فإنهم لا روون عنهم، وإنما تروى في القصص والأشياء التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن نحدث عنهم فيها وهي أبواب العجائب وغيرها، ويردون أباطيلهم أحيانا؛ يروي الصحابة أو التابعون شيئا عن بني إسرائيل ويردون ذلك عليهم.

وممن روى عنهم الاسرائيليات: ابن عباس، وأبي بن كعب المتوفى عام اثنتين وثلاثين، ووهب بن منبه المتوفى عام خمسة عشر بعد المئة تقريبا، وابن جريج المتوفى عام مئة وخمسين، وابن إسحاق المتوفى أيضا عام مئة وخمسين، والسدي المتوفى عام سبعة وعشرين ومئة، وهو ممن أكثر في باب رواية الاسرائيليات.

اما المفسرون رحمهم الله فمنهم من يذكر الاسرائيليات بالاسناد ولا يعقب، كالثعلبي في الكشف والبيان، يذكر الاسرائيليات ولا يعقب عليها بشيء، وقد أكثر من الاسرائيليات في كتابه أو تفسيره الكشف والبيان، وكذلك ممن يذكر الاسرائيليات الطبري وابن أبي حاتم. ومنهم من يذكرها وينقدها أحيانا، كابن كثير والآلوسي في تفسيره روح المعاني. والأسوأ أن يذكرها

ولا يسندها كما فعل الخازن. ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا؛ كصاحب المنار وبعضهم، فإنهم ينكرون الإسرائيليات ويدفعونها تماما. وهذا المنهج فيه كلام لعلنا نوضحه إن شاء الله بشكل مفصل في الحلقة القادمة، وإلى لقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.