دخولتسجيل الدخول

إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله واله وصحبه والولا. اما بعد فهذا هو المجلس الخامس من مجالس شرح الركيزة. نسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا فيه بما فيه الخير وقد وصلنا الى الطريق الرابعة من طرق تفسير القرآن وهي تفسير القرآن باقوال التابعين.

وتعرضنا لتفسيرهم القرآن بالاسرائيليات وبينا معنى الاسرائيليات وما يقبل منا وما يرد، ثم ذكرنا من هو المكثر من رواية الاسرائيليات من المفسرين ومن هو المقل؟ ووصلنا الى قول المؤلف: والتثريب على من يروي ما جازت روايته من اخبارهم غير سديد. كيف وقد دلت النصوص جوازه، وقد تتابع عليه الائمة، وقد كان من عادتهم رواية القصة بما فيها لاثبات اصلها الموافق للقرآن دون النظر للتفاصيل التي لا يمكن اثباتها الا عن معصوم.

يقول المؤلف ان التثريب والعيب على من يروي ما جاز روايته من اخبار بني اسرائيل هذا غير سديد؛ لان هؤلاء الائمة قدروا هذه الاشياء وهم اورع الامة، فلا ينبغي لنا ان نكون في منزلة اورع منهم ونقول لا نروي عن بني اسرائيل شيئا. والنبي صلى الله عليه وسلم قد اذن لنا ان نروي عنهم ايضا، فلا ينبغي لنا ايضا ان نقول لا يروى عنهم شيء، فما جازت روايته يروى ولا شيء فيه.

وقد كان من عادة السلف أو عادة المفسرين ان يرووا القصة بما فيها لاثبات اصلها الموافق للقرآن الكريم. بمعنى انهم قد يذكر في القرآن قصة فيأتون رواية بني اسرائيل لها وتكون فيها تفاصيل كثيرة جدا وقد يكون بعض هذه التفاصيل مستنكرا غير مقبول. فالسلف انما رووا هذه القصة عن بني اسرائيل ليس لاجل هذه التفاصيل وانما لبيان ان هذه القصة موجودة عند بني اسرائيل كما هي موجودة في القرآن، فهو لبيان ان هذه القصة مثبتة عند اهل الكتاب كما هي موجودة في القرآن الكريم.

قد قال الله عز وجل ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل اكثر الذي هم فيه يختلفون، فبه يعرف ما هو الحق وخلافه من القصص التي ذكرها بنو اسرائيل.

يقول المؤلف: وقد تسامح العلماء في اسانيد التفسير عن الصحابة والتابعين. هذه مسألة مهمة جدا وهي من المسائل التي كثر الخوض فيها في هذا العصر، وذلك من جهة هل نعامل اسانيد التفسير كمعاملتنا للاسانيد التي تروى بها احاديث النبي صلى الله عليه وسلم أو ان الامر فيه سعة؟ فالعلماء رحمهم الله المحققون الاثبات يرون ان اسانيد التفسير ليست بمنزلة الاسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث التشديد في الرواية.

ولذلك يقول المؤلف: وقد تسامح العلماء في اسانيد التفسير عن الصحابة والتابعين ولم يشددوا. لماذا؟ لانه ليس كلاما للمعصوم، يعني ليس كلاما للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو كلام للصحابة، ولان التشديد يفضي إلى الحرج بحيث لا ينقل الينا كثير من العلم ونتردد في قبول كثير من الاقاويل التي لم تحظى بها اسانيد صحيحة، وهذا يحرجنا ويلغي كثيرا من المرويات التي عندنا.

فمثلا رواية علي بن ابي طلحة عن ابن عباس منقطعة، لا يعرف من روى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس بشكل متيقن، وانما يقول العلماء ان المروي عنه هو سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد ونحوهما. فالمقصود اننا لا نشدد كثيرا. طيب لماذا؟ قال: ولان الاصل في التفسير هو المعنى، والمعنى معروف من جهة اللغة والسياق ونحوهما، انما نحن نأتي بكلام الصحابة والتابعين لنؤكد أن هذا المعنى الذي فهمناه والذي وصل الينا صحيح وانه مسند ومدعم من اقوال الصحابة والتابعين، ولانه لا يترتب على ذلك حلال ولا حرام غالبا.

فالتشديد عند العلماء يكون في أمر الحلال والحرام، أما المعاني فالامر فيهما ايسر حيث ان الانسان يستطيع الوصول إلى المعنى عبر السياق واللغة وبعض القرائن الاخرى، فيأتي كلام الصحابي والتابعي مؤكدا وداعما لما وصلني أو فهمناه من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول المؤلف في جملة مهمة أيضا: وتجريد كتب التفسير من المرويات التي لا تثبت بموازين المحدثين جناية كبيرة لم يعملها المتقدمون. حيث عمد بعض المعاصرين إلى تجريد كتب التفسير من الروايات التي عليها كلام وهي مرويات عن الصحابة أو التابعين، هذه جناية في الحقيقة؛ لان العلماء الاثبات والائمة الكبار قد نقلوها ورووها، فلا يجوز لنا نحن في هذا العصر ان نلغيها بحجة أنها لا تثبت عند النقد بميزان نقد الاحاديث النبوية، بل الامر ايسر من ذلك.

ولذلك العلماء تسامحوا في رواية السير والمغازي ورواية التفسير ورواية الفتن والملاحم، تسامحوا فيها لانه لا يترتب عليها حلال ولا حرام والامر فيها واسع، ولان الناس لا يشددون في روايتها فيقبلون من روى فيها شيئا وإن لم تكن بذلك. وهذا مثل الآن في واقعنا نستطيع أن نقول: مثل لو أن انسانا قال لنا مثلا عن الشيخ ابن باز انه كان يصلي في الليلة بمقدار ساعتين، يقوم من الليل بمقدار ساعتين، تجد اننا لا نشدد ولا نقول من حدثك بهذا ولا من قال؛ لان العادة أن مثل هذا متوقع من مثل هذا الرجل مثلا.

لكن لو قال لك أحد ان الشيخ ابن باز رحمه الله يرى أن شرب الدخان مكروه وهذا خلاف الفتوى المعمول بها مثلا في بلادنا، تقول: تعال، من حدثك بهذا؟ من أين جئت بهذا الكلام؟ فهنا تعلم، هنا تفرق أنت بذاتك بين هذا الخبر وذاك الخبر، وتطلب الاسناد في الخبر الثاني ولم تطلبه في الاول، فكذلك هذا.

قال: والتشديد معتبر في الاسانيد إذا كان التفسير مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يروى عنه إلا ما قاله عليه الصلاة والسلام، أو كان مثله لا يقال بالرأي كان يكون من المغيبات فلا يجوز لنا أن نقول على الله بغير علم، أو كان في الحلال والحرام؛ لأن أمر الحلال والحرام أمر عظيم فلا يجوز أن يقبل فيه إلا ما ثبت فعلا، أو تعارضت الروايات عن المفسر كأن يكون ابن عباس عنده رواية ورواية أخرى معارضة لهذه الرواية فهنا نبحث عن الاسانيد ونشدد، أو كان المروي منكرا الذي روي فيه نكارة أمر لا يقبله العقل أو لا يتسق مع الشرع أو مقاصد الشرع هنا نشدد في الرواية ونبحث عن الاسانيد، أو كان المروي مخالفا لنص أو اجماع فهنا نشدد في الرواية، أو كان مخالفا للمشهور عند العرب في معاني كلامهم، أو كان المروي في اثبات قراءة فهنا نشدد أيضا في الرواية. هذه الأشياء نشدد في روايتها، وأما ما سواها فاننا نتساهل، ليس بمعنى ان نقبل ما هب ودب، ولكن ألا تكون الموازين هي ذات الموازين التي نقبل فيها تفسير ونقبل فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم ننتقل بعد هذا إلى الطريق الخامسة من طرق تفسير القرآن، وهو تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد. يقول المؤلف: وهو جائز إذا كان من أهل العلم المعروفين، وافق اللغة -كان موافقا للغة العرب ومعانيها- ولم يخالف ما هو أقوى منه، لم يخالف تفسيرا للقرآن بالقرآن وللقرآن بالسنة باقوال الصحابة والتابعين، وطابق القواعد المعتبرة التي وضعها العلماء والتي سنقرأ شيئا منها في آخر هذه الرسالة التي نسأل الله أن يبارك فيها.

قال: والخلاف في قبوله أي التفسير بالرأي ورده أقرب إلى اللفظي، من قبل ومن رد تجد انك عندما تنظر نظرة ثاقبة تجد ان الخلاف اشبه ما يكون باللفظي. كيف يكون باللفظي؟ يعني الذي قال إن التفسير بالرأي حرام قصد التفسير بالرأي المبني على الهوى، والذي قال إن التفسير بالرأي جائز لم يقصد التفسير المبني على الهوى وانما قصد التفسير المنضبط بضوابط اللغة والشرع والمتسق مع تفسير القرآن ومع السياق وغيره. فالذي حرم والذي اباح لم يتوارد كلامهم على ذات واحدة بل على شيء موصوف، يعني التفسير بالرأي الموافق للهوى هذا لا يجوز، والتفسير بالرأي الذي لا يوافق الهوى الاول قد يفهم من انه يقول لا يجوز وهو لا يريد ذلك بدليل أننا نجد بعض الذين شددوا في التفسير بالرأي قد فسروا بالرأي وقبلوا تفسير من قبلهم ومن بعدهم بالرأي؛ لأن من اجازه أي اجاز التفسير بالرأي أراد الرأي الممدوح، ومن حرمه أراد الرأي المذموم.

يقول المؤلف: وقد بالغ في التورع عن القول في التفسير أقوام خشية القول على الله بغير علم والوقوع في المذموم من الرأي. يعني أن بعض السلف بالغوا في التورع عن القول في التفسير تورعا منه بدليل أن كثيرين من السلف تكلموا في التفسير ولم يحصل منهم كلا كالذي حصل من هؤلاء، ولم يعرف ذلك بالصحابة، يعني لم يعرف أن أحدا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حصل منه ذلك الشيء أي ذلك الورع، وانما ظهر هذا في طبقة التابعين، وانما ظهر في طبقة التابعين من لا يتكلف في التفسير أصلاً كعروة بن الزبير من التابعين، وبعضهم لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن كابن المسيب، يعني أن ابن المسيب لا يتكلم إلا فيما عنده فيه اسناد وأثر، وما سوى ذلك لا يتكلم فيه، وكانوا إذا سألوه في الحلال والحرام تكلم، أو في حديث رسول الله تكلم، وإذا قالوا له ما تقول في قول الله عز وجل، أو يقول أحياناً: اسألوا من يقول إنه لا يخفى عليه من تفسير القرآن شيء، أظنه يعني بذلك عكرمة رحمه الله.

والقول في التفسير بغير علم أي من دون دليل ولا مستند، أو بهوى بما يوافق الهوى، سواء كان هذا الهوى شهوة أو كانت شبهة والعياذ بالله أو بدعة، القول في التفسير بغير علم أو بهوى محرم هذا بلا شك، والعلماء تواردوا على ذلك واتفقوا عليه، ووردت في النهي عنه أي عن التفسير بالرأي أحاديث ضعيفة، أي اسانيدها ضعيفة ومعانيها حق، أي معانيها حق دلت عليها الآيات. يعني أن معاني تلك الاحاديث التي حرمت علينا أن نتحدث في تفسير القرآن بالرأي المجرد أو بمجرد الهوى حق، ولو كانت تلك الاحاديث ضعيفة إلا أن المعنى الذي دلت عليه حق؛ لأن القرآن قد دل على ذلك كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 36].

والذين فسروا القرآن بالرأي المذموم لا يخرجون عن صنفين، وهذه قاعدة مهمة جدا: كل من فسر القرآن برأي مذموم من المتقدمين أو المتأخرين لا يخرجون عن أحد صنفين.

الصنف الاول: من اعتقد معاني -اعتقد شيئا في نفسه- ثم أراد أن يحمل الفاظ القرآن عليها، فهو قد دخل القرآن وعنده عقيدة سابقة، عنده شيء يريد من القرآن أن يوافقه عليه، فهذا أحد اسباب الضلال بلا شك، قال: سواء سلب لفظ القرآن ما دل عليه أو حمله على ما لم يدل عليه. يعني سواء الغى معنى كلام الله عز وجل الظاهر -سلب لفظ القرآن ما دل عليه كالذي يقول مثلا وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة، ناظرة ليست إلى هنا بمعنى حرف الجر، وانما إلى جمع آآ الية أو كذا بمعنى نعم ربها ناظرة- أو حمله على ما لم يدل عليه، يعني أضاف اليه معنى لا يدل عليه القرآن سواء كان هذا أو كان هذا. وإذا كان المعنى الذي ذكروه صحيحا في نفسه كان خطؤهم في الدليل، مثل لو قال انسان الربا محرم لأن الله قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قلنا: صحيح أن الربا محرم لكن ليس دليل ذلك هو قول الله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين. وإذا كان ما ذكروه فاسدا كان الخطأ في الدليل والمدلول، لو قال انسان الربا جائز لأن الله قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قلنا: ما ذكرتموه فاسد والدليل الذي ذكرتموه لا يصح أن يكون دليلا لهذا الذي ذكرتموه، فهو خطأ في الدليل وفي المدلول. هم هؤلاء يمكن أن يحصل منهم خطأ في الدليل وحده أو في المدلول وهذا موجود عند كثير ممن أخطأوا في تفسير القرآن.

الصنف الثاني: ممن فسروا القرآن تفسيرا بالرأي المذموم، من فسر القرآن بمجرد ما تدل عليه اللغة وحدها. يقول هنا: من فسر القرآن بمجرد ما يسوغ في اللغة، ويستشهدون على ذلك ببعض تصرفات أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن وقد انكروا عليه. ما يصلح أن نفسر الآية بمجرد المدلول اللغوي؛ لأن هناك اشياء أخرى يجب مراعاتها عند تفسير اللفظ، فأحيانا تجد الكلمة الواحدة عشر معاني، اللغوية، فأيها يراد؟ ما هو المراد منها في التفسير؟ تجد أنه معنى واحد أو معنيان، فلا يجوز أن نحمل الآية.

المعاني؛ لأنها لا تتناسب مع السياق، أو لا تتناسب مع أسلوب التنزيل ومقاصده، أو كلام المفسرين، أو نحو ذلك. قال: وقد أنكروا عليه، أي على أبي عبيدة معمر بن المثنى، إذ لابد من اعتبارات أخرى يصح بها التفسير، كالتفسير بالقرآن.

قال: وبالسنة، ومراعاة السياق، وأسباب النزول، ومراعاة الأشهر ونحو ذلك. يعني أن هناك اعتبارات أخرى غير اللغة لابد من اعتبارها عند التفسير، كأسباب النزول مثلاً، أو السياق، أو تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة.

أو النظر إلى مقاصد الشريعة، أو إلى عادات القرآن ووجوهه. وكذلك مراعاة المتكلم؛ كذلك أنه ليس كل ما يقصده الأعرابي من المعاني يمكن أن يقول به الشارع الحكيم. فالأعرابي عنده سعة في هذه اللغة، يعبر باللفظ في عدد من المعاني، ويعني يمكن حملها على معان هو يريدها، لكن في نص الشارع لابد من التقيد بالمعنى الذي أراده الشارع، وهذا لابد له من عوامل أخرى ينظر في التفسير إليها؛ واحد منها اللغة، والباقي أشياء أخرى قد تقدم ذكرها.

لعلنا بهذا نكون انتهينا من هذا اللقاء الخامس، ونلتقيكم إن شاء الله على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.