إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فهذا هو المجلس العاشر والأخير من مجالس شرح متن الركيزة في أصول التفسير. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الدرس وبما سبقه، وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لإتمام هذه الرسالة على خير، وأن يكتب الله لنا ولكم جميعاً المثوبة والأجر.
وصلنا إلى قول المؤلف: القواعد نوعان؛ قواعد عامة، وهي ما ينتفع به المفسر لفهم كلام الله وححسن الاستنباط منه، وضربنا لذلك مثالاً. وقواعد ترجيحية، وهي ما يستعمله المفسر للترجيح بين الأقوال المختلفة وإبطال الباطل منها، وسيأتي بعض الأمثلة والنماذج بعد قليل لبيان ما يستعمل للترجيح. قال المؤلف: وبعض القواعد يصلح هذا وذاك؛ يعني يمكن أن يستعمل كقاعدة ترجيحية، ويمكن أن يستعمل قاعدة في فهم كلام المفسرين. وسنذكر جملة من القواعد مع ما يوضحها من الأمثلة.
القاعدة الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. هذه قاعدة معروفة عند الأصوليين، وهي أيضاً كذلك عند المفسرين. يقول: فإذا نزلت الآية أو السورة على سبب خاص، فإن العمل بعموم أفاظها لا بالسبب الذي نزلت من أجله. يعني ننظر إلى عموم اللفظ الذي بين أيدينا، ولا نجعل الآية نازلة على ذلك الخاص فقط، بل بما يدل عليه اللفظ.
فمثلاً قول الله عز وجل في سورة الليل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: 17-18]. المفسرون مجمعون على أنها نزلت في أبي بكر، لكن الألفاظ ليس فيها ذكر أبي بكر؛ قال: سيجنبها الأتقى. فكل من اتصف بهذه الصفات المذكورة في سورة الليل دخل في حكمها بعموم اللفظ، لا بالسبب الخاص الذي نزلت عليه الآيات.
ومثله قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. نزلت في أناس معروفين من كفار مكة، لكن هل هي خاصة بهم؟ الصحيح أنها تعم كل من أبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أبغض دينه، أو أبغض حديثه عليه الصلاة والسلام؛ فانه داخل في هذا الحكم المذكور في الآية.
القاعدة الثانية: الأصل في الآية الإحكام، فلا يقال بالنسخ إلا عند انتفاء حكمها من كل وجه ومعرفة التاريخ. بمعنى أن الأصل أن نعمل بالآية وأن نعتبرها محكمة وواجبة، واجب علينا أن نحكم بها، ولا نحكم عليها بالنسخ إلا عند مجيء النص الذي ينفي حكم النص الأول من كل وجه، بحيث لا يبقي له شيئاً، فنعرف بذلك أن النص الثاني قد أزال النص الأول تماماً؛ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها». فقوله: «فزوروها»، هذا قد أزال اللفظ الأول تماماً فازاله، فصار النهي عن زيارة القبور منسوخاً.
ومعرفة التاريخ أيضاً؛ يعني إذا أضفنا أن النص الثاني جاء بعد النص الأول، وعرفنا تاريخ النص الثاني وتاريخ النص الأول، فأما الثاني متأخر عن الأول، هنا نقول بالنسخ. أما إذا لم يوجد ذلك فإن الأصل أن يعمل بالنصوص وألا يحكم بالنسخ.
يقول: وبهذا -أي بهذه القاعدة- عرف بطلان ادعاء نسخ آيات الأمر بالصبر المكية بآية السيف. وردت آيات تأمر بالصبر، تحث على الإمهال والتروي والعفو والصفح الجميل وغير ذلك كثيراً في مكة، وجاء كل هذا -يقول العلماء- إنه قد نسخ بآية السيف. فنقول: ما هي آية السيف؟ قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَصادٍ﴾ [التوبة: 5]. يقولون هذه الآية ناسخة لكل الآيات التي جاءت في الزمن المكي وفي أول المدني بالامر بالصفح والعفو والصبر والإمهال للمشركين.
يقول هنا: نعرف بهذه القاعدة أن النسخ ليس في كل حال. لماذا؟ قال: فإن آيات الصبر محمولة على من كان حاله كحال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان بمكة من الضعف وقلة الحيلة، وآية السيف محمولة على من كان حاله كحال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح. وعليه، من كان حاله كحال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة كان من القوة والتمكن والدولة والسلطة، فاننا نقول آية السيف ناسخة لجميع الآيات السابقة التي فيها الصبر والإمهال والرفق والعفو والصفح وغير ذلك في حق المشركين. وأما من كان حاله من الضعف كحاله في مكة، فإن آية السيف لا يمكن أن تكون ناسخة؛ لأن آية السيف إنما جاءت على من حاله كحال رسول الله بعد الفتح، وليست لمن حاله كحال رسول الله وهو مستضعف بمكة.
الثالثة من القواعد: ما وافق الرسم مقدم على ما خالفه. إذا كان عندنا قولان؛ أحدهما يوافق رسم المصحف، والثاني يخالف رسم المصحف، فإن ما وافق الرسم مقدم على ما خالفه. فالقول الذي يوافق رسم المصحف مقدم على الذي يخالفه، ومثاله: سلسبيلاً. قيل هي جملة بمعنى سل سبيلاً موصلاً للجنة، وعليه تكون كأنها كلمتان: سل سبيلاً، بينما هي في رسم المصحف قد كتبت كلمة واحدة متصلة: سلسبيلاً.
هل هذه الجملة معناها سلسبيلاً موصلاً إلى الجنة؟ أو سلسبيلاً اسم أو وصف لتلك العين التي ذكرها الله عز وجل في سورة الإنسان؟ الرسم يرجح القول الثاني، وهي أن اسمها أو وصفها للعين التي ذكرها الله في سورة الإنسان؛ لأنها لم تكتب كما يكتب الفعل مع المفعول: سل سبيلاً. فضعف بذلك القول القائل بأن سلسبيل هو سل سبيلاً موصلاً إليها.
الرابعة من القواعد: تجب مراعاة السياق إلا بدليل. يعني يجب حمل الآية على ما يدل عليه السياق. ومثاله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]، هذه وردت في سورة الأنعام. فقيل إن هذه الآية في أمر اليهود، وأنهم هم الذين ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. وقيل بل هي في المشركين، وأن المراد بها هم المشركون، وهذا القول هو الموافق للسياق؛ لأن سورة الأنعام من أولها إلى آخرها مكية. ثم إنك لو تأملت الآية: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، بينما اليهود يعلمون أن هناك بشراً قد أنزل الله عليهم شيئاً من وحيه، وهم موسى وغيره من أنبياء الله إبراهيم وغيره، فالآية لا تحمل على اليهود وإنما تحمل على المشركين لموافقة السياق.
الخامسة من القواعد: الأصل إبقاء الآيات على ظاهرها إلا بدليل. هذه قاعدة مهمة جداً. نبقي الآية على ظاهرها، والمقصود بالظاهر هو المعنى المفهوم من مدلول النص بمقتضى الخطاب العربي؛ يعني ما يظهر من مفهوم الآية بمقتضى كلام العرب. فاذا قيل اليد، فالمقصود به اليد المعروفة بغض النظر عمن نسبت إليه؛ هل هي لبَعوضة أو نملة أو إنسان أو يد الرحمن جل جلاله؟ فكل واحد له يد يناسبه، ولا يمكن أن نثبت هذا المعنى ليكون شيئاً واحداً عند الجميع، بل كل واحد له ما يناسبه، فلله عز وجل يد تليق بجلاله وعظمته.
فقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: 19]، المراد بالبحرين: المالح والحلو، خلافا للرافضة قالوا البحرين هما علي وفاطمة، قالوا: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] الحسن والحسين. بل اللؤلؤ هو اللؤلؤ، والمرجان هو المرجان المعروف الذي يعرفه الناس من هذا الكلام، وهذا تفسير باطني لا تدل عليه اللغة، ولا يدل عليه القرآن، ولم يقل به أحد من السلف الصالح.
وكذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]. ما المراد بالبقرة؟ قال بعض الرافضة أو قال بعض الصوفية البقرة هي النفس. نحن نقول: البقرة هي البقر المعروفة.
وكذلك قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]؛ أي بل لله يدان تليقان بجلاله من غير تمثيل ولا تأويل، خلافا لمن قال هما نعمتاه أو قدرتاه؛ لأن الظاهر أن اليد تستعمل في معناها الظاهر من معناها، وليس في معنى آخر لا يبدو من ظاهرها.
القاعدة السادسة: الأصل مراعاة معهود القرآن؛ يعني أن نراعي ما عهد في القرآن. فإذا عهد في القرآن استعمال لفظ أو معنى على أمر معين، فإننا دائماً نفسر هذا بذلك المعنى، ولا نأتي بمعناً آخر وإن كانت تدل عليه اللغة إلا إذا دل عليه الدليل.
مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]. فإن الزينة في القرآن غلب استعمالها على ما يزين به الشيء، وهو في غير أصل الخلقة؛ يعني ليس من خلقة الإنسان، مثل قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. ليس المقصود خذوا وجوهكم وأيديكم قطعاً، وإنما خذوا ما تتزينون به عند ذهابكم إلى المساجد. وقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] المقصود بالزينة الخلخال، وهو شيء منفصل عن جسم المرأة، وغيرها كثير. فالزينة في الآية ما تزينت به المرأة خارجاً عن أصل خلقتها، وليس وجهها وكفيها.
فقوله سبحانه وتعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، لا يقصد لا يبدين وجوههن وأكفهن؛ فإن هذا مخالف لمعهود القرآن، فإن الزينة في معهود القرآن يراد به ما كان خارجاً عن الخلقة لا جزءاً منها. وهذا يدلنا على أهمية قواعد التفسير في الترجيح بين أقوال العلماء.
السابعة من القواعد: لا يجوز القطع بتفصيلات غيبية لا دليل عليها. مثل قوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40] في قصة نوح، قيل كانوا سبعة أو ثمانية أو عشرة أو ثمانين؛ كل هذا لا ندري عنه، فليس عندنا تفسير لهذا القليل، ولذلك لا يجوز لنا أن نقطع بأنهم كانوا سبعة أو ثمانية أو عشرة أو ثمانين إلا بدليل.
ومنه قوله: ﴿عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. قال مجاهد: يجلس معه على عرشه. وهذا أمر غيبي لا دليل عندنا فيه من كتاب الله ولا من سنة رسول الله، فنقول لمجاهد: من أين لك هذا؟ فلا نقبل هذا الأمر، وعندنا تفسير صحيح له، وهو أن المقام المحمود هو الشفاعة في يوم القيامة.
الثامنة من قواعد التفسير: ليس كل ما صح في اللغة صح به التفسير، فليس كل ما فسر به المعنى لغة يصح أن نفسر به الكلمة في تفسير القرآن أو عندما يكون في كتاب الله عز وجل. مثل قوله عز وجل: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]. تثبيت الأقدام في اللغة يأتي على الثبات والشجاعة، ويأتي بمعنى ثبوت القدم بحيث لا تسيخ في الأرض. طيب، أيهما المقصود في قوله عز وجل: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]؟ تثبيت الأقدام هنا المعنى الثبات ورباطة الجأش، أو هو بمعنى ثبات الأقدام في الأرض بحيث لا تسيخ؟ الثاني هو المقصود. لماذا؟ أولاً لأنه ورد به التفسير، ولأن هذا هو الذي وقع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، وثالثاً أن الثبات والشجاعة قد جاءت في الآية: وليربط على قلوبكم. هذا هو المقصود بالثبات ورباطة الجأش. إذاً، ويثبت به الأقدام المقصود به هو هذا المعنى، وهو أن يثبت القدم على ظهر الأرض فلا تغوص في الرمل أو الوحل أو نحوه.
التاسعة من قواعد التفسير: يجب حمل الآية على المشهور دون القليل؛ يعني على ما هو مشتهر عند العرب أن يستعمل فيه، دون القليل أو الشاذ أو النادر أو المنكر. يعني ما نفسر الألفاظ إلا بما هو مشهور من معانيها، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71]. فضحكت: قيل هو الضحك المعروف، وهذا هو الذي يتبادر للأذهان، وهو الذي يستعمل فيه لفظ الضحك. وقيل فضحكت أي حاضت، وهذا يوجد في العربية لكنه استعمال قليل ونادر، فلا نعول عليه في التفسير.
العاشر من قواعد التفسير: تأسيسه مقدم على التوكيد؛ يعني إذا كان تفسيره يؤسس لمعنى جديد أو يؤكد معنى سابق في الآية، فحملنا له على التأسيس أولى من حملنا له على التأكيد. انظر إلى قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: 41]. ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ هل المعنى كل قد علم الله صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون، فتكون هنا تأكيداً؟ أو كل قد علم هو صلاة نفسه كيف يصلي وتسبيح نفسه أي كيف يسبح، والله عليم بما يفعلون؟ الثاني تأسيسه لمعنى جديد، والأول فيه نوع من التوكيد والتكرار، فكوننا نحمله على المعنى الجديد أولى من أن نحمله على المعنى القديم.
القاعدة الحادية عشرة -وبها نختم-: إذا اختلفت الحقيقة الشرعية واللغوية، قدمت الحقيقة الشرعية على اللغوية إلا بدليل؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة. مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]. هل ما المراد بقوله: ولا تصل؟ أي لا تصل صلاة الجنازة؛ لأن المعنى الشرعي هو الأصل، فالقرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة. فإن دل الدليل على أن المراد هو المعنى اللغوي، فإننا نفسر الآية به. يقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]. صل عليهم: تحتمل المعنى الشرعي اللي هو الصلاة المعروفة، وتحتمل المعنى اللغوي. فسرناها بالمعنى اللغوي لحديث عبد الله بن أبي أوفى.
عندما قال: كان الناس يأتون النبي صلى الله عليه وسلم بصدقاتهم، فكان يدعو لهم، حتى جاءه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، فعرفنا أن المراد هو المعنى اللغوي لا المعنى الشرعي. والقواعد كثيرة، ومن أراد التوسع فلينظر في كتاب قواعد التفسير للدكتور خالد السبت، وقواعد الترجيح عند المفسرين للدكتور حسين الحربي، وغيرها من الكتب التي صدرت في هذا الشأن.
ثم ختمنا هذه الرسالة الطيبة بتنبيهات مهمة لمن أراد القراءة في التفسير، أتلوها عليكم تباعاً. من أراد القراءة في كتب التفسير، فعليه أن يختار أصحها وأبعدها عن البدع، ممن عرف بالتبحر والتخصص والسلامة من المحدثات، كابن كثير والبغوي رحمهم الله جميعاً. وعليه أن ينتبه لما يلي: أولاً: قراءة مقدمة المؤلف ليعرف منهجه وطريقته. ثانياً: أن يعلم القراءة التي اختارها المؤلف للتفسير، هل هو يفسر برواية حفص عن عاصم أو ورش عن نافع؟ لأنه يختلف التفسير أحياناً بنوع القراءة.
ثالثاً: أن يعرف اعتقاد المؤلف، هل هو أشعري أو سلفي أو معتزلي أو غير ذلك رافضي؟ ليحذر من تفسيره في المواطن التي له فيها هوى. رابعاً: ومذهبه الفقهي، ليعرف كيف يرجح، هل هو على طريقة الشافعية أو الحنابلة والحنفية والمالكية؟ خامساً: أن يعرف الكتب التي اعتمدها المؤلف ليرجع إليها عند الإشكال. سادساً: أن يختار النسخة السليمة والتحقيق المتين، وقد صدرت بعض التفاسير بلا تحقيق وطبعاتها مليئة ومشحونة بالأخطاء.
سابعاً: أن يعرف مصطلحات المفسر، فإنها لا تختلف كثيراً؛ فأهل السنة عند من كان على مذهب الأشاعرة يريد بهم الأشاعرة أنفسهم، ولا يريد بهم أهل السنة والجماعة. والنسخ عند السلف يطلق على التخصيص ويطلق على رفع الحكم وإزالته، بينما هو عند المتأخرين لا يطلق إلا على رفع الحكم السابق. ثامناً: أن يعرف اتجاه المفسر، هل هو اتجاه فقهي أو نحوي أو بلاغي أو أثري أو اجتماعي؟ هذا مهم جداً؛ تعرف أين ترجع من كتب التفسير، فإذا أردت أن تعرف أقوال السلف ترجع للطبري مثلاً أو زاد المسير، وإذا أردت الفقه في الآية ترجع إلى تفسير الإمام القرطبي، وإذا أردت أن تعرف مثلاً الشأن المعاني الاجتماعية ترجع إلى تفسير المنار، وهلم جرا.
تاسعاً: أن يختار أجمع التفاسير إذا لم يستطع استيعابها، يعني تأخذ القرطبي من أجل أن تكتفي به عن اقتناء أحكام القرآن لابن العربي والمحرر الوجيز لابن عطية؛ لأن القرطبي قد جمع هذين الكتابين تقريباً في كتابه. عاشراً: أن يعرف منهج المفسر والصول التي بنى عليها كتابه ومميزات تفسيره وسلبياته قبل القراءة فيه. الحادي عشر: على الطالب أن يعتني بكتب التفسير المحررة التي تعنى بالترجيح والتعليل، كأضواء البيان للشنقيطي وتفسير ابن كثير رحمه الله ونحوها من كتب التفسير.
وهذا آخر ما أرادنا جمعه في هذه الركيزة. وقد شرحت هذا المتن هذه المرة في عشر مجالس، كل مجلس في عشرين دقيقة، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثين في مركز الموصل. أسأل الله أن يوفق القائمين عليه لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد الخضيري