إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَهَذَا هُوَ الْمَجْلِسُ التَّاسِعُ مِنْ مَجَالِسِ شَرْحِ مَتْنِ الرَّكِيزَةِ فِي أُصُولِ التَّفْسِيرِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْإِعَانَةَ وَالتَّوْفِيقَ وَالْإِخْلَاصَ وَالتَّسْدِيدَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ وَصَلْنَا إِلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: فَصْلٌ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ. يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: وَإِذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فَلَا تَخْلُو الْأَقْوَالُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ؛ النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْأَقْوَالُ مُتَضَادَّةً، فَهُنَا يَلْزَمُنَا أَنْ نُرَجِّحَ، يَعْنِي لَا بُدَّ أَنْ نَأْخُذَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّنَا حَتَّى نَفْهَمَ الْمَعْنَى إِمَّا أَنْ نَأْخُذَ بِهَذَا، أَوْ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُطَبِّقَ مَعْنَى الْآيَةِ نَفْهَمُ مَعْنَاهَا عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وَنَعْمَلُ بِهِ.
مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. هَلِ الْقُرُوءُ هِيَ الْأَطْهَارُ أَوِ الْحَيْضُ؟ وَنَعْلَمُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا قَدْ تَصِلُ إِلَى سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَبِأَيِّهَا تَنْتَهِي الْعِدَّةُ؛ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ أَوْ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ؟ وَهَلُمَّ جَرَّا. وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] هَلْ هُوَ الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ كَمَا أَسْلَفْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَاضِي.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الْأَقْوَالِ مَا تَشْهَدُ النُّصُوصُ أَوِ الْإِجْمَاعُ بِبُطْلَانِهِ، فَيَلْزَمُ رَدُّهُ. يَعْنِي أَحْيَانًا يَكُونُ عِنْدَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَاحِدٌ مِنْهَا قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى بُطْلَانِهِ، أَوْ دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهِ، فَهَذَا نَجَنِّبُهُ وَيَبْقَى الْخِلَافُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ.
قَالَ: مِثْلُ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ، وَلَكِنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ. يَعْنِي كَأَنَّهُ يَرَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ آدَمَ قَدْ سَكِرَ يَعْنِي أَصَابَهُ الثَّمَلُ، مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ سَعِيدٍ مُعَارِضٌ لِوَصْفِ خَمْرِ الْجَنَّةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: 47].
وَكَذَلِكَ مِثْلُهُ مَنِ ادَّعَى جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَ تِسْعِ نِسْوَةٍ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، فَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ حَرَائِرَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ إِنَّمَا أُوتِيَ مِنْ ضَعْفِ عِلْمِهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، لِأَنَّ مَثْنَى مَعْنَاهَا ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وَثُلَاثَ مَعْنَاهَا ثَلَاثَ ثَلَاثَ، وَرُبَاعَ مَعْنَاهَا أَرْبَعَ أَرْبَعَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا لَا يُمْكِنُ هَذَا.
الثَّالِثُ مِنَ الْأَنْوَاعِ: أَنْ تَكُونَ أَقْوَالٌ مُحْتَمَلَةً فِي الْآيَةِ بِشَكْلٍ مُتَسَاوٍ أَوْ مُتَقَارِبٍ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ لِكَوْنِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا صَحِيحَةً. مِثْلُ خِلَافِهِمْ فِي مَعْنَى مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: 7]. مَا هُنَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً؛ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا نَافِيَةٌ صَارَ الْمَعْنَى: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَتَزَكَّ هَذَا الْأَعْمَى، وَإِذَا كَانَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً فَيَكُونُ الْمَعْنَى: هَلْ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَتَزَكَّ؟ الْجَوَابُ: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِذَا لَمْ تَزُكَّ. الِاسْتِفْهَامُ هُنَا دَالٌّ عَلَى النَّفْيِ، فَهُنَا اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هِيَ نَافِيَةٌ أَوْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ؟ لَكِنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَقَارِبَانِ وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُنَا أَنْ نُرَجِّحَ فِيهِمَا.
وَتَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي مَسَائِلَ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي مَعَانِي آيَاتٍ، أَطْوِي صَفْحَةً عَنِ التَّرْجِيحِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَسَعُ لَهُ الْحَيَاةُ. قَالَ: وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي السَّائِلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]، هَلْ هُوَ سَائِلُ الْمَالِ أَوْ سَائِلُ الْعِلْمِ؟ قِيلَ هَذَا وَقِيلَ هَذَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ بِكَلِمَةِ السَّائِلِ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ فَتَشْمَلُ هَذَا وَتَشْمَلُ هَذَا، فِي السُّورَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ سَائِلُ الْمَالِ وَسَائِلُ الْعِلْمِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْأَقْوَالُ مُحْتَمَلَةً وَبَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، يَعْنِي أَحَدُ الْأَقْوَالِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَالتَّرْجِيحُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ إِلْغَاءُ غَيْرِ الرَّاجِحِ بَلْ يُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى مِنْ ذَاكَ الْقَوْلِ. وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي تَفْسِيرِ فَتْحِ الْقَدِيرِ لِلشَّوْكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِاعْتِبَارِ كَذَا، إِمَّا لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ، أَوْ لِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي اللُّغَةِ، أَوْ لِاعْتِبَارِ السِّيَاقِ، أَوْ لِأَنَّ أَكْثَرَ السَّلَفِ سَارُوا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَسْبَابٍ أُخْرَى، لَكِنْ لَيْسَ إِبْطَالًا لِلْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَنَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ مِثَالًا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: 15-16]، اخْتُلِفَ هَلِ الْمُرَادُ بِهَذِهِ بَقَرُ الْوَحْشِ أَوْ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ تَصِحُّ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ فَهِيَ تَخْنُسُ وَتَأْوِي إِلَى كِنَاسِهَا وَتَجْرِي إِذَا طُرِدَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا النُّجُومُ.
هَذَانِ قَوْلَانِ وَهُمَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ، لَكِنْ عِنْدَمَا تُدَقِّقُ وَتَرَى ذِكْرَ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ بَعْدَهَا يَمِيلُ الْقَلْبُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النُّجُومُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ يَعْنِي النُّجُومَ إِذَا اخْتَفَتْ، الْجَوَارِي الَّتِي تَجْرِي فِي مَدَارِهَا، الْكُنَّسِ الَّتِي تَأْوِي إِلَى كِنَاسِهَا أَوْ بَيْتِهَا أَوْ مَأْوَاهَا إِذَا غَابَتْ فِيهِ أَوْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ، فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 17-18]، فَإِنَّ الصُّبْحَ هُوَ الْمَجَالُ الَّذِي تَخْتَفِي فِيهِ النُّجُومُ وَتَظْهَرُ وَتَجْرِي، فَهُوَ أَقْرَبُ.
إِضَافَةً إِلَى أَنَّ النُّجُومَ قَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ لِأَنَّهَا آيَةٌ ظَاهِرَةٌ يَرَاهَا كُلُّ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 20]، قِيلَ ثُمَّ خُرُوجَ بَطْنِ، ثُمَّ طَرِيقَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَسَّرَهُ، وَقِيلَ ثُمَّ السَّبِيلَ أَيْ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. هَذَانِ قَوْلَانِ، لَكِنْ تَجِدُ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ يَمِيلُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، قَالَ: لِأَنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ فِي بَيَانِ مَرَاحِلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ مَرْحَلَةٍ إِلَى مَرْحَلَةٍ، فَهُوَ يَقُولُ: ﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: 19-22]، قَالَ: فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِ الْقَوْلِ الثَّانِي لِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3].
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فَصْلًا فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ التَّرْجِيحِ؛ إِذَا أَرَادَ الْمُفَسِّرُ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَهَذَا وَمَا وَافَقَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِجْمَاعَهُمْ، وَيُرَاعِي السِّيَاقَ وَهُوَ مَا يَسْبِقُ الْجُمْلَةَ أَوِ الْآيَةَ وَمَا يَلْحَقُهَا، فَمُرَاعَاةُ السِّيَاقِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي لِلْمُفَسِّرِ أَنْ يَصْطَحِبَهُ عِنْدَ التَّفْسِيرِ.
وَيُبْقِي الْأَلْفَاظَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا وَإِطْلَاقِهَا حَقِيقَتِهَا مَا لَمْ يَدُلِّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَلَّا يُفَسَّرَ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ، تَبْقَى الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْمُطْلَقُ عَلَى إِطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ. وَأَيْضًا يُفَسَّرُ اللَّفْظُ بِحَقِيقَتِهِ لَا بِمَجَازِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى أَوْ يُفَسَّرَ بِهِ اللَّفْظُ أَوَّلًا، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ إِذَا قَامَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ خَصَّصْنَا، إِذَا قَامَ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ قَيَّدْنَا الْمُطْلَقَ، إِذَا قَامَ دَلِيلُ الْمَجَازِ فَسَّرْنَا بِالْمَجَازِ وَآثَرْنَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَجَازِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قُدِّمَتِ الشَّرْعِيَّةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ؛ يَعْنِي إِذَا كَانَ عِنْدَنَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِنَّنَا نُقَدِّمُ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ لِبَيَانِ الشَّرْعِ لَا لِبَيَانِ اللُّغَةِ، يَعْنِي إِذَا جَاءَ مَعَنَا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَوْ صَلُّوا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّنَا نُفَسِّرُهَا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ بِبَيَانِ الشَّرْعِ لَا لِبَيَانِ اللُّغَةِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ تَفْصِيلٍ فِي قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ.
يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: وَيَجِبُ تَفْسِيرُ الْأَلْفَاظِ بِالْمَعْهُودِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَالْمَعْهُودِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ يَعْنِي مَا عُهِدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحْمِلَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ؛ الْيَوْمُ الْآخِرُ يُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَلَا يُقَالُ الْيَوْمُ الْآخِرُ يَعْنِي الْيَوْمَ التَّالِيَ أَوْ الْيَوْمَ الَّذِي سَيَأْتِي أَوْ يَوْمًا آخَرَ غَيْرَ الْيَوْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَا، وَإِنَّمَا مَقْصُودُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ الْمَقْصُودُ الْيَوْمُ الَّذِي يَقُومُ النَّاسُ فِيهِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ثُمَّ وَهَلُمَّ جَرَّا، فَهَذَا هُوَ مَعْهُودٌ فِي الْقُرْآنِ. الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْبَعْثِ مَعْهُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، مَثَلًا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: 8]، رَجْعِهِ أَيْ رَجْعُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ رَجْعَ الْمَاءِ الدَّافِقِ إِلَى الصُّلْبِ لَقَادِرٌ، فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى الْبَعْثِ.
قَالَ: وَالْمَعْهُودُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَاهِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ مَا سِوَاهُ، بِحَيْثُ أَنَّهُمْ لَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ إِلَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَحْدَهُ، أَوْ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الذِّهْنُ عِنْدَمَا يَسْمَعُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، لَا بِالْغَرِيبِ وَالْمُنْكَرِ يَعْنِي لَا يُفَسَّرُ اللَّفْظُ بِمَعْنًى غَرِيبٍ أَوْ بِمَعْنًى مُنْكَرٍ.
وَمَا وَافَقَ سَبَبَ النُّزُولِ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا خَالَفَهُ، أَيْ مَا وَافَقَ سَبَبَ النُّزُولِ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ، وَهُوَ الصَّرِيحُ فِي السَّبَبِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ كَذَا، أَوْ حَدَثَ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ كَذَا، فَهَذَا يُسَمَّى سَبَبًا صَرِيحًا، أَمَّا قَوْلُهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ الصَّرِيحَةِ.
قَالَ: مَا وَافَقَ سَبَبَ النُّزُولِ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا خَالَفَهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ أَوْ طَعْنٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ يَجِبُ رَدُّهُ. وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْآيَةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا بِحَيْثُ لَا نَقُولُ إِنَّ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ هُوَ كَذَا ثُمَّ عَادَ اللَّفْظُ إِلَى كَذَا، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 1-5]، فَقَوْلُهُ: فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى، بَعْضُهُمْ قَالَ مَعْنَى الْآيَةِ أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ أَحْوَى غُثَاءً، يَرَى أَنَّ أَحْوَى قَبْلُ أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي اللَّفْظِ.
نَقُولُ: بَقَاءُ تَرْتِيبِ الْأَلْفَاظِ أَوْلَى، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى جَعَلَ لَهُ هَشِيمًا مُسْوَدًّا مِنْ طُولِ يُبْسِهِ، هَذَا هُوَ مَعْنَاهُ، وَالَّذِينَ فَسَّرُوا أَحْوَى بِأَنَّهُ أَخْضَرُ شَدِيدُ الْخُضْرَةِ قَالُوا فَجَعَلَهُ أَخْضَرَ ثُمَّ غُثَاءً يَعْنِي هَشِيمًا يَابِسًا، قَالَ: وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْآيَةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا.
وَإِذَا دَارَ الْكَلَامُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ قُدِّمَ التَّأْسِيسُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ إِذَا دَارَ بَيْنَ التَّأْصِيلِ وَالزِّيَادَةِ قُدِّمَ التَّأْصِيلُ، وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ فِي بَابِ قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ وَبَسْطُهُ فِي كُتُبِ قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ وَقَوَاعِدِ التَّرْجِيحِ وَنَحْوِهَا.
نَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْبَابِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَخِيرُ مِنْ أَبْوَابِ أُصُولِ التَّفْسِيرِ وَهُوَ فِي قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ، يَقُولُ: الْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ، وَالْقَاعِدَةُ هِيَ الْأَسَاسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَهَذَا مَعْرُوفٌ، وَاصْطِلَاحًا هِيَ حُكْمٌ كُلِّيٌّ يَتَعَرَّفُ بِهِ عَلَى أَحْكَامِ جزئياته. يَعْنِي حُكْمٌ كُلِّيٌّ؛ الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ هَذَا حُكْمٌ كُلِّيٌّ، وَيَتَعَرَّفُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ عَلَى أَحْكَامِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ قَامَ مُحَمَّدٌ، مُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَرْفُوعٌ، فَمُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ.
قَالَ: وَقَوَاعِدُ التَّفْسِيرِ هِيَ الْأَحْكَامُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةِ مَنِ الْأَقْوَالِ، هِيَ أَحْكَامُ الْقَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ أَحْكَامٌ كُلِّيَّةٌ تَصْلُحُ لِأَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِنَ الْأَقْوَالِ، فَنَحْنُ نَسْتَفِيدُ مِنْهَا أَمْرَيْنِ: الْأَوْلَ أَنْ نَعْرِفَ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَفَهْمَ التَّفْسِيرِ، وَالثَّانِيَ أَنْ نَعْرِفَ الرَّاجِحَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ، فَالْقَوَاعِدُ تُؤَدِّي هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ.
يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: وَمَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ مُهِمٌّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تُرَدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتُ، لِأَنَّنَا لَوْ لَمْ تَمْلَأْ بِذَلِكَ فَصَارَ كُلُّ جُزْئِيَّةٍ لَهَا حُكْمٌ وَإِنْ كَانَتْ نَظِيرَةً لِلْأُخْرَى وَهَذَا مَا لَا يَلِيقُ، فَبَابُ الْعِلْمِ بَابٌ مُنْضَبِطٌ تَحْكُمُهُ قَوَاعِدُ عَامَّةٌ بِحَيْثُ تَجْعَلُ النَّظَائِرَ وَالْمَثِيلَاتِ ذَاتَ حُكْمٍ وَاحِدٍ. يَعْنِي لَوْ قُلْنَا قَامَ وَذَهَبَ سَعْدًا لِمَاذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، يَعْنِي هَذَا وَهَذَا كِلَاهُمَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، هَذَا فَاعِلٌ وَهَذَا فَاعِلٌ، فَكَيْفَ رَفَعْتَ هَذَا وَأَصَبْتَ هَذَا لِأَنَّهُ مَا عِنْدَكَ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عِنْدَنَا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ: الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ، خَلَاصٌ، قَامَ مُحَمَّدٌ هَذِي جُزْئِيَّةٌ، ذَهَبَ سَعْدٌ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ سَعْدٌ مَرْفُوعَةً وَإِلَّا اخْتَلَفَتِ الْأَحْكَامُ.
قَالَ لِيَكُونَ، لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تُرَدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتُ لِيَكُونَ كَلَامُهُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَلِأَنَّهَا تُنَبِّهُ عَلَى الْعِلَلِ وَمَآخِذِ الْأَحْكَامِ، هَذِهِ الْقَوَاعِدُ تُنَبِّهُكَ عَلَى الْعِلَّةِ؛ عِنْدَمَا تَقُولُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، الْعِلَّةُ هُوَ دَفْعُ ضَرَرٍ وَنَفْيُهُ، الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، فَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ يَأْخُذُ بِمَا تَيَقَّنَ وَيَدَعُ مَا هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَبِهَا يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ أَيِ الْقَوَاعِدُ، يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ وَالْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَبِهَا أَيْ بِالْقَوَاعِدِ تَجْتَمِعُ الْفُرُوعُ الْمُنْتَثِرَةُ، ثُمَّ إِنَّ حِفْظَهَا سَهْلٌ لِقِلَّةِ أَلْفَاظِهَا وَحُسْنِ سَبْكِهَا، بِهَذَا نَحْنُ نُشَجِّعُ الطَّالِبَ عَلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهَا لِأَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ لَهُ فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي أَبْوَابٍ مُنْتَثِرَةٍ بِسَبَبِ حِفْظِهِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَنْتَظِمُ جُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةً.
يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: وَالْقَوَاعِدُ نَوْعَانِ؛ قَوَاعِدُ عَامَّةٌ وَهِيَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُفَسِّرُ لِفَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ وَحُسْنِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ، مَثَلًا مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُونَ: التَّعْبِيرُ بِالْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، مَتَى عُبِّرَ عَنْ شَيْءٍ بِوَصْفِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَوِ الْحُكْمَ مُرْتَبِطٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ؛ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: 22]، لِمَاذَا عَبَّرَ بِالْأَبْرَارِ بِالْوَصْفِ؟ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي كَوْنِهِمْ فِي نَعِيمٍ، يَعْنِي أَنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ لِأَجْلِ بِرِّهِمْ، وَأَنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ لِأَجْلِ فُجُورِهِمْ، ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] إِلَى آخِرِهِ، قَالَ: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35] لِأَجْلِ مَاذَا، لِأَجْلِ كَذَا.
وأيمانهم وقنوتهم وصبرهم وخشوعهم وصيامهم؛ لأنه عبر بأوصاف. قال: والنوع الثاني قواعد ترجيحية، وهو ما يستعمله المفسر للترجيح بين الأقوال المختلفة وإبطال الباطل منها، وبعض القواعد يصلح للنوع الأول، وبعضها يصلح للنوع الأول ويصلح للنوع الثاني، أي يفهم كلام يُفهم منها التفسير، وأيضًا تكون سببًا للفصل بين المختلفين.
وسيأتي مزيد إيضاح وأمثلة لهذا النوع إن شاء الله فيما يأتي من القواعد. وإلى لقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد الخضيري