دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذا هو المجلس الثامن من مجالس شرح متن الركيزة في أصول التفسير. نسأل الله أن ينفعنا به، وأن يرزقنا فيه السداد والإخلاص. وقد وصلنا فيه إلى قول المؤلف: فصل في أوجه الاختلاف.

يقول المؤلف: يقع الاختلاف في أقوال العلماء على وجهين: تضاد وتنوع. يعني أن الاختلاف بين العلماء إما أن يكون على وجه التضاد بحيث إذا قلنا بأحد القولين لم نقل بالآخر، وإما أن يكون على وجه التنوع؛ بمعنى أنه يمكن اجتماع هذه الأقوال في تفسير الآية. يقول المؤلف: والتنوع في التفسير أكثر من التضاد. يعني اختلاف التنوع في باب التفسير أكثر بكثير جداً من اختلافهم الذي يحمل على التضاد. بخلاف الأحكام؛ فإن الأصل في اختلاف العلماء في باب الأحكام أنه من باب التضاد.

يقول المؤلف: فالوجه الأول اختلاف التضاد، وهي الأقوال التي لا يمكن اجتماعها، بحيث إذا قيل بأحداها امتنع القول بغيرها. إذا قيل بأحداها امتنع القول بغيرها؛ يعني إما أن نقول بهذا أو نقول بهذا، ولا يصح أن نفسر الآية بالقولين لأنهما متضادان. ومن أمثلة الخلاف في قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾؛ يعني أن تعفو المرأة، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح. اختلف العلماء في الذي بيده عقدة النكاح: هل هو الزوج أو ولي المرأة؟ فهذا الخلاف يعتبر باب اختلاف التضاد؛ لأن الزوج يختلف تماماً عن ولي المرأة، وينبني على ذلك: هل للزوج حق في العفو أو ليس له حق في العفو؟

والوجه الثاني من أنواع اختلاف التنوع، وهو ما أمكن اجتماع الاقوال فيه؛ يعني في معنى الآية أو في تفسيرها. قال: وهو أضرب.

الضرب الأول: أن تختلف العبارات مع اتفاق المعنى، وهذا كثير جداً، بل لا تكاد تجد تفسير اثنين لآية أو معنى يتفقان فيه من جميع الوجوه والألفاظ، بل لا بد من خلاف بين ألفاظ هذا وألفاظ هذا؛ لأن مبنى التفسير على التقريب، فكل واحد من علماء يرى أن هذه الكلمة أقرب في تفسير هذه الكلمة من تلك، فيقع الخلاف هنا، وليس خلافا في الحقيقة، وإنما ظاهره الخلاف وباطنه الاتفاق. قال: مثل قول الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾؛ قيل: قضى: حكم، وقيل: قضى: وصى، وقيل: قضى: أوجب، وقيل: قضى: أمر. هذه أقوال لكنها في حقيقة الأمر شيء واحد، لأنها اختلاف في العبارات.

وكذلك اختلافهم في قول الله عز وجل: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾؛ قيل: تحبس، وقيل: ترتهن. وكذلك تفسير قوله: ﴿لُغُوبٍ﴾؛ ما مسنا من لغوب، قيل: نصب، وقيل: عناء، وقيل: سآمَة. وإذا نظرت وجدتنا هذه المعاني متقاربة في تفسير المراد. وجمع الأقوال يعين على فهم المقصود واكتمال المعنى. إذا جمعنا الأقوال التي وردت عن السلف يعيننا على تصور المعنى من جميع وجوهه، لأنه لا تكاد توجد كلمة تنوب عن كلمة من كل وجه، بل لا بد أن يكون بينهما فرق ولو كان يسيراً.

الضرب الثاني: أن تختلف العبارات والمعاني ويتحد المراد. مثل تفسيره من الصراط المستقيم: قيل هو السنة، وقيل القرآن، وقيل الإسلام. فالعبارات هنا مختلفة، والمعاني أيضا مختلفة، لكن المراد شيء واحد وهو الدين القوي.

مثل لو قلت لك صف لي فلاناً، فقلت: هو الرجل الطويل، وقلت لفلان: صف لي فلاناً، فقال: هو الرجل الأبيض، وقلت لثالث: صف لي فلاناً، فقال: هو الرجل البدين. الحقيقة أن الطويل والأبيض والبدين كل واحدة منها لفظ مختلف عن الآخر في اللفظ وفي المعنى، لكن المراد شخص واحد اجتمعت فيه هذه الأوصاف الثلاثة. فهذا أيضا كثير في تفسير السلف؛ أن يعبر كل واحد منهم عن المعنى من جهة غير الجهة التي عبر عنها صاحبه. مختلفة تماماً في اللفظ وفي المعنى، ولكن المراد شيء واحد، وهذا مثل أسماء الله عز وجل؛ اسم الرحمن غير اسم الجبار، بل هما مختلفان تماماً في المعنى، ومع ذلك يتفقان في أن المراد بهما هو الله سبحانه وتعالى.

قال المؤلف: ومن هذا الضرب ما جاءت أو ما جرت به عادة السلف أنهم يتوسعون في تفسير الآية بذكر معاني لم تدل عليها الآية، لكن دلت عليها نصوص أخرى؛ مثل قوله عز وجل: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾؛ قيل: صافيه. ومعنى الدهوق في اللغة الامتلاء والتتابع، فأما الصفاء فهو معنى إضافي مذكور في بعض الروايات أو الآيات والأحاديث.

الضرب الثالث: التفسير بالمثال، وهذا من اختلاف التنوع، وهو أن يذكر كل واحد منهم مثالاً لما يندرج في معنى اللفظ، ولا يذكر معنى اللفظ، وإنما مثال يتضح به المراد؛ مثل قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أو ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. يقولون في الأول؛ قيل في النعيم هو الأمن والصحة، وقيل تخفيف الشرائع، وقيل الإدراك بحواسي السمع والبصر، وقيل الماء البارد. هذه كلها أمثله للنعيم، ولكنها ليست تفسيراً بحقيقة النعيم. ويدخل ضمنه ما يذكره المفسرون من القصص أو أسباب النزول؛ يعني عندما يذكر المفسرون أسباب النزول فإنهم في الغالب لا يريدون أن هذا السبب هو الذي انفرد بالآية، وإنما يذكرون هذا السبب على أنه مما يندرج كمثال تحت الآية. فاذا قيل نزلت هذه الآية في كذا، فإن المراد غالبا المثال.

وهذا الضرب والذي قبله هما الغالبان على تفسير السلف وهما كفيران فيه. وإذا فهم الإنسان هذا الأمر هان عليه ما يقرأه من كثرة اختلاف السلف في التفسير، فإنه من هذا الضرب أو من هذين الضربين، وهما من باب اختلاف التنوع الذي لا يضر معه كثرة الأقوال.

الضرب الرابع: أن يكون اللفظ مشتركاً. وقد مر بنا في أسباب اختلاف المفسرين أن من أسباب اختلافهم الاشتراك في الألفاظ، فاذا كان اللفظ مشتركاً فإنه يعني يفسره بعض السلف بهذا، وبعضهم يفسره بمعناه الآخر. وكلاهما من معانيه في اللغة.

قال: ويضاف إليه المتواطئ. هذا مصطلح عند الاصوليين أو عند المناطقة. قال: المتواطئ هو نسبة وجود معنى كلي في أفراده وجودا متوافقاً غير متفاوت؛ كالإنسانية لزيد وعمرو، فهذا التواطئ يكون يعني يعبر به عن الأشياء التي تتفق في معنى واحد بدرجه واحدة. الإنسانية في زيد وعمرو واحدة ما تختلف، الإنسانية بمعنى هذه الجنسية جنس الإنسان في زيد وعمر واحد، وليست الإنسانية بمعنى الأخلاق التي يقصدها المتأخرون، فإن هذا المعنى لا يعرف عند المتقدمين.

قال: يقع هذا التواطئ في أسماء الاجناس، ويقع أيضا في الاوصاف، ويقع أيضا في الضمائر. فمثلاً قول الله عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ﴾؛ قيل هو عام في كل فجر من السنة، وقيل هو يقصد به أول فجر من ذي الحجة، وقيل أول فجر في أيام العالم. فكلمة والفجر يصدق على هذا وعلى هذا وعلى هذا بدرجة واحدة، وهذا الخلاف يعتبر من اختلاف التنوع.

ومثال الأوصاف مثلاً قول الله عز وجل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾؛ الجواري الخنس. الخنس ما هن؟ قيل: بقر الوحش التي تخنس عندما ترى الصائد، وقيل: النجوم تخنس أي تختفي إذا جاء النهار. فكلمة الخنس وصف يصدق على هذه اللي هي بقر الوحش، ويصدق على النجوم، ولذلك من السلف من فسرها بهذا ومنهم من فسرها بهذا.

الثالث: قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ هذه قوله إنه هذا ضمير يعود على ماذا؟ هل يعود على الله أو على الإنسان؟ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ﴾ أي الإنسان أو ربه، أنه يصح أن تكون لهذا ويصح أن تكون لهذا بدرجة واحدة، لأنه ضمير يعود إلى هذا ويعود إلى هذا، فالضمائر كثير منها تكون من هذا النوع وهو المتواطئ أو المشترك.

ثم قال المؤلف: فصل فيما لا يعتد به من الخلاف؛ يعني ما هي الأشياء التي لا يعتد بها العلماء في الخلاف؟ قال: اعلم أن من الخلاف ما لا يعتد به أصلاً، وهو نوعان:

الأول: ما كان من الأقوال خطأ مخالفاً لمقطوع به في الشريعة. وذلك أنه قد يقول أحد العلماء قولا، يقول العلماء عنه إنه شاذ، وانه يعني خارج عن المعاني المرادة تماماً، وإن العالم الذي قال به قد أخطأ وأبعد النجعة. هذا معروف وتسمى هذه الاقوال الشاذة؛ مثل ما نسب لبعضهم أنه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ قال المحرم لحم الخنزير دون شحمه، لأن الله نص على اللحم، فنقول إنما نص على اللحم لأنه هو المقصود غالباً، فالشحم وتوابع ذلك داخل في المقصود، وإنما نص على اللحم لأنه هو المقصود غالباً، مثل ما نهانا الله عن أكل أموال اليتامى، هل معنى ذلك أننا لو لبسنا من أموال اليتامى أو سرقنا لكي نتاجر أو غير ذلك أن ذلك ليس محرماً لأن المحرم هو الأكل؟ نقول: لأن غالباً الانتفاع إنما يكون عن طريق الأكل فنص عليه، ليس لأن ما سواه حلال، ولكن لأنه هو الذي يكثر فعله. وكذلك: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن المقصود في الغالب هو اللحم، لكن الشحم داخل أيضاً بالإجماع. ومن قال بأن الشحم خارج لأجل هذه الآية فقد شذ في قوله.

فهذه الأقوال تسمى الأقوال الشاذة، والقول الشاذ إذا صدر من العالم من علماء المسلمين وكبير من كبرائهم يتخذ العلماء معه موقفاً معروفاً: أولاً لا يعدون هذا القول ضمن الأقوال المعتبرة. ثانياً يردون هذا الخطا على صاحبه ويقولون هذا قول شاذ لا يمالئونه، ويعتبرونه قولا لا يقول هذا قول شاذ خارج عن القصد، خارج عن سائر الأقوال المعتبرة. وثالثاً لا يعيبون سائر أقوال أو يقترحون سائر أقوال ذلك الإمام لأجل هذا القول الشاذ، بل يعتبرون ذلك كله يعني يأخذون أقواله وثقة وكلامه، ولا يسقط عن درجة الاعتداد والاحتجاج به كأي إمام من أئمة المسلمين، لكن هذا القول يجنب. ورابعاً لا يشهر بهذا الإمام لأجل هذا الخطا، ويسب ويشتم وينتقص من عرضه وغير ذلك، فإن هذا ليس من طريقة القاصدين من أهل العلم. وهذا أمر ينبغي أن يتضح لطالب حتى لا يقع في يعني أعراض العلماء بسبب مثل هذه الأمور التي يشذ بها العلماء عن سائر أهل العلم. ولو أننا طرحنا كل عالم كانت له أقوال شاذة لما بقي معنا من العلماء إلا أقل القليل.

الثاني مما لا يعتد به في الخلاف أصلاً: ما كان ظاهره الخلاف وليس كذلك. فأحياناً قد يظهر أن هذا خلاف وهو ليس كذلك، فيأتي إنسان ويقول اختلف العلماء على أربعة أقوال في معنى قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾؛ أي أمر، وصى، أوجب، حكم، إلى آخره. نقول له هذا ظاهر الخلاف وحقيقته ليس خلافا، بل حقيقته اتفاق؛ لأنهم أرادوا أن يعبروا عن المعنى بعبارات مختلفة. فلابد أن نفهم هذا الأمر جيداً حتى نتقي أن نذكر الخلاف في أمر لا خلاف فيه.

ثم عقد المؤلف فصلاً بقوله: فصل في كيفية النظر في الاقوال. يعني إذا أردنا أن ننظر في الأقوال، كيف ننظر فيها؟ يقول: ينبغي على المفسر أن ينظر أول ما ينظر إلى الاجماع، يعني إن وجده لم يحتج إلى النظر إلى ما سواه؛ لأن الاجماع دال على أن العلماء أجمعوا، وهم لا يجمعون إلا على نص. هذا أولاً.

وإذا حكي الخلاف فينبغي أن يحدد محل الخلاف: أين اختلفوا؟ وهذا ما يسمى عند الأصوليين بتحرير محل النزاع؛ بأن نعرف أين المنطقة التي تنازع العلماء فيها. لأنه قد يكون عندك كلام، محل النزاع هو في لفظ معين، مثلاً في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ لا تقل اختلف العلماء في المراد على أقوال، لا. في الكتاب لم يختلفوا، اتفقوا على أن المراد به التوراة، اختلفوا في الفرقان وحده، هل المراد به التوراة أو المراد به الآيات الأخرى التي كانت بيدي موسى عليه السلام؟ قال: فينبغي أن نحدد محل الخلاف، وهو ما يسمى بتحرير محل النزاع.

ثم يجمع الأقوال ويستوعبها؛ تجمع الأقوال وتستوعب، ثم يعرف السبب الذي أوقع في الخلاف. نجمع الأقوال جميعاً عن كل من تنقل عنه أقوال المفسرين، ثم نعرف ما السبب الذي أوقع في الخلاف؛ هل هو لأجل الاشتراك؟ هل هو لأجل الخلاف في الحقيقة والمجاز؟ هل هو لأجل الضمير؟ هل هو لأجل التصريف اللغوي؟

قال: ثم يبين نوع الخلاف؛ هل هو تضاد أو تنوع. ثم يبين رجوع الأقوال إلى معنى كلي في اختلاف التنوع؛ يعني عندما نذكر خلاف التنوع نقول هذه الأقوال كلها من باب اختلاف التنوع وهي تعود إلى كذا وكذا وكذا؛ الجامع لهذه الأقوال كلها. ويبين وجهة كل مفسر في اختيار القول؛ بأن تقول إنما عبر فلان بكذا لأجل كذا، وعبر فلان بكذا لأجل كذا، فتبين لماذا اختار هذا ولماذا اختار تقول: هذا من باب التفسير بالمثال، وهذا من باب ذكر جزء المعنى، وهذا من باب ذكر المعنى المطابق، وهذا من باب ذكر لازم المعنى، وهلم جرا.

قال: ثم يجتهد في الجمع بين ما يمكن جمعه وإلا لزم الترجيح. يجتهد الناظر أو الجامع لأقوال المفسرين في الجمع بين الأقوال التي يمكن جمعها في قول جامع بينها، أو يرجحه إذا كان الخلاف خلاف تضاد.

قال المؤلف: وليعلم أن المفسر إذا ذكر أحد المعاني فلأنه أظهر عنده، قد يذكر أحد المعاني لأنه هو الأبهر أو الأليق بحال السائل. أحياناً قد يأتي رجل إلى ابن عباس فيسأله عن مسألة فيرى أن الأليق به أن يقول له كذا وكذا. يعني لو جئت الإنسان في مكان، جاء إليك إنسان وأنت في مكان بارد وعندك شيء من الفاكهة واللذائذ والطيبات والناس حولك جياع فقال لك: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، فتقول له هذا الهواء البارد وهذا الطعام الطيب.

تريد بذلك أنه الآن هو المناسب أن يفسر به المعنى، أو أراد الإيضاح بمثال كان يوضح الشيء بمثال من أمثلته، أو أنه أخبر عن الشيء بلازمه أو ثمرته.

وبهذا نصل إلى نهاية هذا المجلس، وإلى لقاء آخر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.