إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آاله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذا هو المجلس السابع من مجالس شرح متن الركيزة في أصول التفسير. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به ويجعله خالصاً لوجهه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقد وصلنا فيه إلى النوع الثاني من أنواع التفسير، قلنا التفسير لمن يكون مجمعاً عليه وقد بينا ذلك في المجلس السادس، وأما أن يكون مختلفاً فيه.
قال المؤلف: ووقوع الاختلاف قدر محتوم. يعني لابد أن يقع الخلاف، الله قد قدر ذلك على العباد، ولا يزالون مختلفين. قال: خلاف الناس إلى صحة مقاصدهم، في كثرة العلم وقوة الفهم، والاحتمال في بعض النصوص. يعني أن الاختلاف لابد أن يقع لاختلاف الناس، هذا إذا صحت مقاصدهم، يعني كانت نيتهم طيبة في الوصول إلى الحق، فإنهم قد يختلفون في كثرة العلم؛ فهذا بلغته أحاديث نصوص وهذا لم تبلغه، تختلف أقوالهم بسبب هذه التي بلغ في أحدهما ولم تبلغ الآخر. أو قوة الفهم؛ أحدهما يعطى فهماً أقوى من فهم صاحبه فلأجل ذلك يختلفون. أو أن النص ذاته محتمل؛ يحتمل معنى وضده، فهنا ترث العلماء في المعنى المراد.
قال المؤلف: والمذموم منه، أي من الاختلاف، ما كان في الأصول؛ أي ما كان في العقائد والأمور العظيمة التي هي قواعد الملة، أو التشكيك فيها، ما كان للتشكيك في اصول الملة فهذا مذموم. أو أدى إلى العداوة؛ أي حتى ولو كان على أمر قليل أو صغير أو من الفروع، لكن أدى إلى العداوة، فإنه يكون مذموماً، أو أدى إلى التفرق مادة للعداوة وإنما التشرذم بين المسلمين فيكون مذموماً. أو كان بغير علم؛ كان الاختلاف أساسه على غير علم، يعني أحدهما يحتج أو يخالف بغير بينة ولا دليل ولا كتاب منير. أو كان للمماراة والجدل بالباطل؛ يعني كان المراد من الاختلاف هو المجادلة من أجل إظهار ضعف الطرف الآخر أو قوة أحد الطرفين على صاحبه، أو كان ذلك للهوى؛ أحدهما استمسك بقول ليس لأنه الحق أو دل عليه الدليل، وإنما لأنه يوافق هوى قد استبطله في نفسه، وهذا كثير في المختلفين.
قال: وقد تمارى الصحابة مرة في آية حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه يرمي بالتراب ويقول: «مهلاً يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض». إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. فالصحابة تماروا مرة في آية من الآيات فارتفعت أصواتهم، فغضب عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن ذلك، وبين لهم أنه متى حصل ذلك ينبغي لهم أن يعودوا فتجتمع قلوبهم على كلام الله عز وجل، وذهب عنهم المراء والشقاق والعداوة التي لا ينبغي للمسلمين أن يكونوا على شيء منها.
يقول المؤلف: ولوقوع الاختلاف أسباب كثيرة أفردها الناس بالتصنيف؛ يعني في سائل والعلم في الفقه أسباب اختلاف الفقهاء، أسباب اختلاف المحدثين وغيرها. ومن أسبابها عند المفسرين أولاً الاشتراك، وهو أن يكون اللفظ مشتركاً بين أكثر من معنى في كلام العرب، وبهذا يقول بعضهم بهذا المعنى وبعضهم يقول بهذا المعنى. يقول المؤلف: والمشترك نوعان؛ الأول متضاد، يعني يأتي للمعنى ولضده، مثل عسعس بمعنى أقبل وبمعنى أدبر، والليل إذا عسعس أي أقبل، وقيل أدبر. لماذا اختلفوا؟ لأنه في اللغة أصلاً قد جاء في اللغة يستعمل مشتركاً للمعنى ولضده. والقروء بمعنى الطهر والحيض، اختلف العلماء في قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]؛ هل هي ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار؟
النوع الثاني غير متضاد، مثل قوله بالبيت العتيق، فقيل العتيق هو القديم، وقيل المعتق من الجبابرة. وكذلك كلمة فرت من قسورة، قيل القسورة هو الأسد، وقيل القسورة الصائد أو الرامي. فهذا مشترك بين لفظين لكن معانيهما غير متضادة. يقول المؤلف في قاعدة مهمة ونفيسة جداً: وحمل المشترك على معانيه جائز ما لم يمنع منه مانع. كما في القرآن إذا ورد للفظ أكثر من معنى وقال بها السلف، جاز لنا أن نحمل اللفظ على المعاني كلها التي ذكرها السلف من الألفاظ المشتركة. طيب، هل هذا سليم؟ ما دامت الآية تحتمل هذه المعاني كلها فلا مانع من ذلك؛ مثلاً: والليل إذا عسعس، يعني أقبل، يقسم الله بالليل حين اقباله. والليل إذا عسعس، يقسم الله بالليل حين ادباره. هل هناك مشكلة أن يقسم الله بالليل حين اقباله أو حين ادباره؟ لا مشكلة في ذلك، ولله أن يقسم بالليل حين اقباله وبالليل حين ادباره. وكذلك بالبيت العتيق، أن يققال: البيت العتيق هو البيت القديم وهو البيت المعتق من الجبابرة، فلا إشكال في ذلك، قال: ما لم يمنع منه مانع، مثل القروء؛ لأنك إن قلت الطهر أو الحيض هناك مدة تختلف بها العدة، فاما أن نقول بهذا أو نقول بهذا، ولا بد لنا في هذه الحال من الترجيح.
يقول المؤلف: والاختلاف في الضمير؛ يعني أن يختلف العلماء رحمهم الله، النوع الثاني أو السبب الثاني من أسباب اختلاف المفسرين، اختلافهم في مرجع الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. الهاء هنا تعود إلى الإنسان أو تعود إلى الرب أو تعود إلى الكدح؟ منهم من قال بهذا ومنهم من قال بهذا، ولا مانع أن يكون الضمير عاد إليهما جميعاً، يعني فملاق ربك بكدحك، لا مانع من ذلك.
النوع الثالث أو السبب الثالث من أسباب اختلاف المفسرين: الاختلاف في تقدير المحذوف؛ يعني ما هو المحذوف في الآية؟ كما في قول الله عز وجل في سورة النساء: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]، فقوله وترغبون أن تنكحوهن في الآية السابعة والعشرين بعد المئة من سورة النساء، هل المقصود ترغبون عن أن تنكحوهن أو في أن تنكحوهن؟ اختلف العلماء في هذا المحذوف أو المقدر هل هو فيه أو عنه؟ فهذا من أسباب الخلاف.
الرابع: الاختلاف في التصريف؛ ولا يضار كاتب ولا شهيد، هل معناها ولا يضارر كاتب ولا شهيد، هل هي بالنسبة لفاعل أو اسم هل هي للفاعل أو للمفعول؟ ولا يضار كاتب ولا شهيد، نهي للكاتب والشهيد عن المضارة، أو ولا يضار أي لا يضر الناس الكاتب والشهيد. فسبب الخلاف هو اختلافهم في التصريف، هل هي بمعنى لا يضر الناس الكاتب والشهيد، أو لا يضار الكاتب والشهيد الناس؟ فيضار تصلح لأنها قد أُدغمت الراء في الراء، تصلح أن يكون أصلها ولا يضارر.
أيضاً من الأسباب: الاختلاف في إرادة الحقيقة والمجاز، فبعض المفسرين يحمل المعنى على الحقيقة وبعضهم يحمله على المجاز؛ الحقيقة هي استعمال الكلمة فيما وضعت له، والمجاز هو استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، فمنهم من حمل المعنى على الثياب المعروفة، يعني طهر ثيابك من النجاسات. ومنهم من حمل هذا على المعنى المجازي، أي ونفسك وقلبك طهرها من الشرك والغل والحسد والكبر ونحو ذلك، وهذا مروي عن مجاهد وقتادة.
السادس من أسباب الخلاف بين المفسرين: الاختلاف في تقدير الموصوف، وهذا كثير جداً وأمثلته كثيرة، يعني تأتي الصفة في القرآن ويختلف في الموصوف بها؛ مثلاً والذاريات ذرواً، ما هي الذاريات؟ فالحاملات وقراً، ما هي الحاملات؟ فالجاريات يسراً، ما هي الجاريات؟ فالمقسمات أمراً. النازعات غرقاً وناشطات نشطاً والعاديات ضبحاً، اختلف فيها على قولين معروفين في التفسير؛ قيل الإبل وقيل الخيل، لأن هذه وهذه تعدوان، لكن بعضهم يرجح هذا وبعضهم يرجح هذا. فمن أسباب الخلاف أن تذكر الصفة ويحذف الموصوف، مثل قول الله عز وجل: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: 26]، هل المراد بالخبيثات هنا النساء الخبيثات أو المراد الكلمات الخبيثات؟ قولان معروفان في التفسير.
السابع من الأسباب هو: الاختلاف في أساليب تفسير اللفظ. كيف هذا؟ هذا معنى دقيق يحتاج إلى تأمل وفهم منكم أيها المستمعون الكرام. كيف ذلك؟ يعني أحياناً السلف يفسرون اللفظ بطرق متعددة، فأحدهم يفسر اللفظ بما يطابقه، المعنى بما يطابقه معنى مطابق للفظ، وأحياناً يفسرون اللفظ ببعض معناه وليس بكل المعنى، وأحياناً يفسرون اللفظ بلازمه وليس بمعناه. طيب، نضرب بذلك مثالاً؛ لو فسر أحدهم قول الله عز وجل الخبير أو اسم الله الخبير، قال: الخبير هو العالم بدقائق الأمور، هذا تفسير اللفظ بما يطابقه، فإن الخبير هو من يعلم الأمور بدقة. لكن لو جاء أحد من السلف وقال: الخبير هو العليم، فانه فسر اللفظ بجزء من المعنى، لأن هناك فرقاً بين الخبير والعليم؛ فالخبير من يعلم الدقائق والعليم يشمل ذلك ويشمل غيره، فهذا تفسير لفظي بجزء من معناه. الثالث هو التفسير باللازم، لو قال أحدهم مثلاً: الخبير هو القدير، فانه يلزم من علمه بدقائق الأمور أن يكون عنده قدرة، يلزم من ذلك أن يكون عنده قدرة، مع العلم أنه ليس من معنى الخبرة القدرة، مثل لو قلت فلان ذهب إلى الحج ليحج، يلزم من ذلك أن يكون مسلما، ويلزم من ذلك أن يكون عاقلاً، ويلزم من ذلك أن يكون قادراً ونحو ذلك، مع أن هذه ليست ضمن معاني اللفظ لكن من لوازمه.
إذاً يأتي السلف أحياناً ويفسرون اللفظة بكل المعنى بما يطابق المعنى، وأحياناً يفسرون اللفظ بجزء المعنى، وأحياناً لا يفسرون اللفظ بالمعنى ولا بجزئه وإنما بما يلزم منه. والتفسير باللفظ اللازم هو ذكر ما يلزم من اللفظ عقلاً أو شرعاً، أو يفسرونه يقولون هو دلالة اللفظ على خارج عن مسماه لازم له، على خارج عن مسماه لازم له لزوماً ذهنياً أو خارجياً؛ يعني عندما نقول أن فلان عنده ابن، هذا يلزم منها أن تكون عنده زوجة، مع العلم أنا ما ذكرنا زوجة، فيلزم من قولك أن فلان عنده ابن أن له زوجة وأنه شخص قد عاش حتى بلغ، هذه من لوازم قولك أن فلان عنده ابن.
وذكر المؤلف أمثلة لهذا لعلنا نعرض عنها، لكن بقي شيء رابع، وهو أن السلف أيضاً قد يفسرون اللفظ بما يطابق المعنى أو بجزء من المعنى أو بلازم المعنى أو بمثال، وهذا كثير عند السلف رحمهم الله، وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر. كيف يفسرون بالمثال؟ يعني لا يذكر معنى الكلمة ولا يذكر جزءاً من معناها، وإنما يذكر مثالاً يندرج تحت معناه؛ مثلاً في قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]، أي ثم لتسألُن يومئذ عن النعيم، النعيم معروف لكن يأتي أحد السلف ويقول: أي الصحة أو الزوجة أو الولد أو الابن أو الهواء البارد أو الماء البارد، فهو لم يفسر النعيم بمعناه وإنما فسره بمثال منه. فأحياناً يرى الناس أن هذا خلافاً؛ أحدهم مثلاً في اللفظ يفسره بمعناه والآخر يفسره بلازمه، والثالث يفسره بمثال، فيظن من يقرأ أن هذا اختلاف، وهو في الحقيقة ليس اختلافاً بل هو من باب التنويع في تفسير اللفظ، وأرجو أن يكون ذلك مهماً أو معروفاً.
انظروا مثلاً في قول الله عز وجل: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]، فاسترعى بعض السلف قال: الماعون أي القدر، هذا تفسير بالمثال. قال آخرون: الماعون الفأس، هذا تفسير بالمثال. وقال بعضهم: الماعون القصعة، هذا تفسير بالمثال. وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7]، بعضهم فسر الميزان هنا بأنه الميزان المعروف الذي توزن به الفواكه والخضار وغيرها أو به الذهب والفضة، وذاك يسمى المكيال، ذاك الذي توزن به الخضار وغيرها أو تعرف به المقادير، الخضار ونحوها هذاك يسمى المكيال. طيب، هؤلاء الذين فسروا الميزان بهذا إنما فسروا بجزء من معناه وإلا المقصود بالميزان هنا أي بالعدل، ووضع الميزان أي وضع العدل. وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ورد في الحديث: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، وهذا من التفسير بالمثال أيضاً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة: «استعيذي بالله من شر هذا، الغاسق إذا وقب»، يعني الليل إذا دخل، وأشار إلى القمر، لماذا أشار إلى القمر؟ لأنه هو آية الليل، فهو كأنه من باب المثال.
وذكر المؤلف التفسير بالقياس، ولعل الحديث فيه شيء من الصعوبة والاستغلاق، إلا أنه قال: وأما التفسير بالقياس فهو أدخال المفسرين في دلالة آية معنى غير معناها الظاهر لوجود شبه بين المعنيين، وهو أقل الأساليب وجوداً في تفاسير السلف. مثال ذلك قول الله عز وجل: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]، المعنى الظاهر: لا تقربوا الصلاة في حال السكر، وهذا قبل أن يحرم الله عز وجل المسكر على المسلمين، حرمه عليهم في حال من أحوالهم وهو حال الصلاة. ابن عباس هذه الآية استدل بها فقال: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، يعني النعاس، وهذا من باب القياس، وليس ما معنى ذلك أن السكر يطلق على النعاس؟ لأن السكر معروف وظاهر معناه عند العرب، لكن ابن عباس قاس عليه النعاس بجامع عدم الوعي في كل منهما. فالذي غلبه النعاس قد يقرأ الآيات بشكل مخالف لما أنزلت عليه وقد يدعو فيدعو على نفسه، جعل ابن عباس حال الذي غلبه النعاس كحال
الذي ثمل وأصابه السكر وذهاب العقل؛ في أنه لا ينبغي لأحد منهما أن يقرب الصلاة. لهذا نأتي إلى نهاية هذا المجلس، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الشيخ محمد الخضيري