الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح متن الركيزة في أصول التفسير، وقد وصلنا فيه إلى الطريق الثالثة من طرق التفسير، وهو تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
لماذا نفسر القرآن بأقوال الصحابة؟ قال لأن الله سبحانه وتعالى زكاهم حيث مدحهم في القرآن، ولأنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن فهم أصحاب اللغة العربية، فهم اعلم الناس بما ينزله الله عز وجل من كلامه، حيث أن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فأهل هذا اللسان هم أعلم الناس بالقران، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهدوا التنزيل.
يعني رأوا كيف تنزل الآيات وتنزل على من، وماذا يحصل، وما هي الأحداث التي حصلت عندما نزلت الآيات، وأيضاً عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن؛ عرفوا أحوال اليهود والمنافقين والعرب والمشركين والنصارى وأيضاً الأمم المجاورة. هذه الأحوال كلها جعلت لهم مكانة ومزية في تفسير القرآن ليست لغيرهم، وأيضاً لسلامتهم من البدعة، فلا يعرف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتدع واحد، وهذا يجعل لهم مزية ليست لغيرهم حيث لم يتلبسوا بهذه البدع إلا في قليل ولا كثير ولا قبيل ولا دبير.
وأيضاً لحسن إفهامهم؛ فإن من يتأمل في تفسيرهم وهو يفهم معاني كلامهم ومراميه يعلم أن الله قد أعطاهم من الفهم في تفسير القرآن ما لم يعط أحداً جاء بعدهم، ولذلك سلم العلماء لهم وجعلوا لتفسيرهم مزية ليست لمن جاء بعدهم، ولذلك يقدم تفسيرهم على تفسير من سواهم.
فنحن نبدأ بتفسير القرآن بالقرآن، ثم القرآن بالسنة، ثم القرآن بأقوال الصحابة، وعلى هذا سار العلماء من أول الدهر ينقلون تفاسير الصحابة ويجعلون لها المزية ويحكمون إليها ويتوارثونها ويروون ويؤكدون على فهوم الصحابة.
لأن معنى الكلام يؤخذ ممن حضره، نحن الآن يا إخواني لو حضرنا حدثاً في بلادنا هذه، وهذا الحدث عشناه من أول لحظة إلى آخر لحظة -نفترض أنه استمر سنة كاملة ونحن نتابعه يوماً بيوم بل ساعة بساعة- ونستمع نشرات الأخبار ونرى الأحداث كيف وقعت وكيف بدات وتحدثنا في ذلك في مجالسنا، ألست أنا مؤهلين لأن نكون مرجعاً يرجع إلينا في فهم هذا الحدث وما جرى فيه من أوله إلى آخره؟ بلى، ألسنا أولى ممن يأتون بعدنا بمائة سنة ويتحدثون عن ذلك الحدث؟ بلى، نحن أولى بأن نكون مرجعاً لأننا عشنا هذا الحدث لحظة بلحظة.
ولذلك الصحابة عاشوا القرآن من أول لحظات نزوله إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وحياتهم صبغوا بالقران، كانوا يتدارسونه، كانوا يحفظونه، كانوا يتلونه، كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عنه، كانوا يعرفون كل كلمة وحرف وآية وسورة فيه، فكيف لا يكون لهم منزلة ومزية في تفسير القرآن الكريم؟
قال: كانوا يفسرون القرآن بالقران، كان هذا من طرائقهم في التفسير أنهم يفسرون الآية بالآية، ويفسرون القرآن بالسنة، ويفسرون القرآن باللغة عندما لا يجدون تفسيراً له لا بالقران ولا بالسنة يفسرونه بما يفهمونه من لغتهم، ويروون أيضاً عن أهل الكتاب ما يرونه مناسباً، كما أنهم كانوا يجتهدون أيضاً؛ يجتهدون في فهم المعنى واجتهادهم خير من اجتهاد من جاء بعدهم.
يقول المؤلف: ويجب قبول تفسيرهم إذا أجمعوا عليه، إذا أجمع الصحابة على تفسير آية بشيء وجب قبول ذلك التفسير لأنه مجمع عليه، وله أي لتفسيرهم حكم الرفع أي حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا لم يكن للرأي فيه مجال كصريح أسباب النزول والأخبار عن الغيبيات.
يعني هذا الذي تكلموا به من التفسير إذا لم يكن للرأي فيه مجال، كأن يخبروا عن أمر لا يستنبط بالعقل ولا يعرف بالتفكير والنظر، وإنما مصدره شيء غيبي ليس للرأي فيه مجال، فانه في هذه الحالة يكون قبول تفسيرهم كقبول تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذا الذي قالوه له حكم الشيء المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
مثل صريح أسباب النزول؛ حدث كذا فنزل قول الله كذا، فهذا يعطيه العلماء حكم المرفوع، هذا يسمى صريح أسباب النزول. والاخبار عن الغيبيات؛ لو أخبر أحد الصحابة عن أمر غيبي فإننا نجعل لكلامه أو نجعل كلامه كالمرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأننا نعلم أن الصحابة لا يمكن أن يخبروا عن أمر غيبي إلا بسند من رسول الله.
مثل حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما قال: قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين». فهذا المقصود به أنه لا يمكن يؤخذ بالرأي ولا يمكن أن يعرف بالعقل، ولذلك نجعل له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: إلا إذا كان في المروي شبهة الخبر الإسرائيلي، إذا توقعنا أن هذا مما أخذ من بني إسرائيل فإننا نجعل له حكم المرفوع؟ وكان الراوي أيضاً مشهوراً بالأخذ عن بني إسرائيل، يعني إذا اجتمع شرطان في الغيبي فإننا في هذه الحالة لا ننسب هذا الأمر الغيبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونجعل له حكم المرفوع.
الأول: أن يكون الخبر فيه شبهة الخبر الإسرائيلي، والثاني: أن يكون الراوي ممن اشتهر بالأخذ عن بني إسرائيل كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما وغيره.
قال: وإذا اختلفوا، أي اختلف الصحابة في تفسير القرآن، فيرجح بين أقوالهم بالمرجحات؛ كشهرعة الصحابي، وصحة السند، وموافقة السياق، والمشهور من اللغة.
من الأشياء التي ترجح قولا على آخر أن يكون الصحابي مشهوراً بالتفسير، فإن من اشتهر بالتفسير يكون أحضى بالقبول وأقرب إلى موافقة التفسير الصحيح ممن لم يشتهر بشيء من ذلك. كذلك صحة السند؛ يعني كأن يكون السند صحيحاً إلى أحدهما وغير صحيح إلى الآخر، فإننا نقبل ونرجح من كان السند صحيحاً إليه.
كذلك موافقة السياق؛ يعني ما وافق السياق، القول الذي يوافق سياق الآيات مقدم على القول الذي يقطع الآية عن سياقها أو يقطع المعنى عن سياق الكلام. كذلك من كان يفسر بالمشهور من اللغة؛ من فسر الآية بما هو مشتهر ومعروف من كلام العرب مقدم كلامه على من فسر اللفظ بغير المشهور.
قال المؤلف: ولا يجوز الخروج عن أقوالهم، ولا يجوز الخروج عن أقوالهم إذا نصوا على فساد ما عداها، يعني لا يجوز لنا أن نخرج عن أقوالهم إذا قالوا إن الاقوال الاخرى فاسدة، هنا يلزمنا أن نلتزم أقوالهم. وإذا لم ينصوا ففي هذه الحالة عندنا قولان لأهل العلم، بمعنى أنهم إذا لم ينصوا على فساد ما عدا قولهم فإننا أمام قولين؛ منهم من يقول يجوز لنا أن نخرج عن أقوالهم وأن ناخذ بما يستجد ويستحدث من أقوال، ومنهم من يقول لا، خلافهم في تفسير الآية على قولين أو أكثر هو اجماع منهم على دفع ورد ما سواها، وبهذا تكون الاقوال محصوره في الخلاف الذي ورد بينهم، ولهذا القول من يؤيده من العلماء رحمهم الله ويرون أنه لا يجوز لنا أن نحذف قولا زائدا على الاقوال التي جاؤوا بها، لأن ما ذكروه اجماع منهم على عدم الزيادة على أقوالهم.
طيب، هناك من فصل من العلماء فقالوا: يجوز أن يستحدث قول زائد على أقوالهم بشرط ألا يعود على أقوالهم بالابطال، ولا يكون في القول الجديد معارضة للأقوال التي ثبتت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا القول اختاره جماعة من العلماء وهو لعله أعدل الاقوال.
قال المؤلف: وليعلم أن الاستدلال بالآية على أمر لم يستدل به السلف أو الاستنباط منها جائز وواقع وليس داخلاً في المسألة السابقة، لأن باب الاستدلال أوسع من باب بيان المعاني.
ما معنى هذا الكلام؟ يعني في باب بيان المعاني الأمر أضيق، أما الاستدلال باية على أمر لم يستدل به السلف عليها هذا متاح، لأن السلف رحمهم الله لم يلتزموا أن يذكروا لنا في كل مسألة جميع أدلتها، بل إذا بان الحق بدليل أو دليلين اكتفوا بهما، وبهذا يكون مجال الاستدلال واسع جداً.
يعني مثلاً لو قلنا إن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة، ونظرنا في أقوال السلف فلم نجد أحداً استدل بها على ذلك، لا مانع لأن الصحابة لم يلتزموا أن يخبرونا بكل الأدلة الدالة على هذه المسألة، فنحن لا نوقف باب الاستدلال، لو استدل أحد مثلاً على مشروعية حمد الله بقوله: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] في سورة الفاتحة، لا مانع من ذلك، علماً بأننا لو فتشنا في أقوال الصحابة أو أقوال التابعين لم نجد أحداً ذكر ذلك، فباب الاستدلال باب واسع، ويقاس أيضاً عليه باب الاستنباط؛ الاستنباط من الآية كان يستنبط من الآية معنى لم يستنبطه الصحابة، فإن باب الاستنباط أيضاً باب واسع.
قال: والصحابة على فضلهم جميعاً متفاوتون في العلم والفهم كتفاوتهم في الفضل، أن الصحابة ليسوا على درجة واحدة في فهم القرآن ولذلك لا نجعل لهم ذات المرتبة بل يتفاوتون في ذلك، فمنهم مثلاً ابن عباس الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له وشهد له الصحابة بالتقدم في بيان معاني القرآن وكونه ترجماناً له رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وأرضاه.
كتفاوتهم في الفضل؛ فابو بكر ليس بمنزله انس وأبي هريرة وأبي سعيد ونحوهما بل هو أفضل منهم بإجماع أهل السنة والجماعة، فهم يتفاوتون في الفهوم كما يتفاوتون في الفضل، من غير أن ينتقص من قدر أحد منهم.
قال: والصحابة عالمون بمعاني القرآن، وأما ما وصل من الرواية عنهم فمنهم مكثر كابن عباس وابن مسعود وعلي وأبي، ومنهم متوسط كعمر وعلي، ومنهم مقل كأبي بكر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وجابر وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم جميعاً.
وقد يكون الراوي مقلاً في التفسير ومكثراً في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة، يقول: إن الصحابة يعلمون معاني القرآن، أما ما وصل من الرواية عنهم فمنهم من هو مكثر كابن عباس ومن ذكرنا قبل قليل، ومنهم من هو متوسط كعمر، ومنهم من هو مقل يعني الرواية عنه قليلة في تفسير القرآن كأبي بكر رضي الله تعالى عنهم جميعاً.
وقد يكون الراوي مقلاً في التفسير مكثراً من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في سائر أبواب الدين كأبي هريرة، فالمرويات عنه في باب التفسير قليلة، لكنها في أبواب الدين عموماً كثيرة جداً، بل هو أكثر الصحابة في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: والعلم بالمكثر يفيد في الترجيح، يعني إذا علمنا من هو المكثر منهم يفيدنا في الترجيح، يعني إذا جئنا إلى الترجيح بين صحابي وآخر فالمكثر في التفسير أولى وأحظى بالقبول من الآخر، إذا لم تكن هناك مرجحات تدل على قول غير المكثر.
وأجل قدرا فيه ابن عباس؛ فأجل الصحابة قدرا في التفسير هو ابن عباس، فإذا جاءك التفسير عن ابن عباس وصح الاسناد إليه فحسبك به، لماذا؟ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
ولملازمته لكبار الصحابة رضي الله عنهم، كون النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه، وكونه أيضاً زوج لخالته ميمونة بنت الحارث، وأيضاً لملازمته لكبار أصحابه وخصوصاً عمر، فإنه لازم عمر ملازمة شديدة، وكذلك علي بن أبي طالب لتاخر وفاته ولكثير الآخذين عنه حيث اشتهر بذلك اشتهاراً عظيماً، فغالب ما ينقل من التفسير عن عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وطاووس ونحوهم هو مما اخذوه وتعلموه من ابن عباس.
قال: وقد كثر المنسوب إليه فلزم التثبت، يعني كثر ما ينسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه فلزم أن نتثبت مما ينسب إليه، لأن كثيراً ممن جاؤوا بعد ابن عباس صاروا يروجون أقوالهم بأن ينسبوها إلى ابن عباس، وهذه طريقة معروفة عند بعض المتساهلين أو الضالين، إذا أراد أن يروج قولا له جعل هناك إسناداً ينتهي إلى ابن عباس وجعل ذلك القول من أقواله.
وإذا اختلفت أقواله؛ فإن كانت من قبيل اختلاف التنوع فلا ضير، يعني إذا اختلفت أقوال ابن عباس فإن كان من قبيل اختلاف التنوع فلا اشكال أن يقبل هذا وهذا وهذا، لأن الآية تتسع لقبول كل الأقوال الواردة.
وإن كان من التضاد؛ يعني إن كانت الأقوال المذكورة من التضاد بحيث الآية إما أن تحمل على هذا القول أو على هذا التفسير أو هذا التفسير، فهنا ننظر في الأسانيد، فما كان صحيحاً قبلناه وما كان ضعيفاً رددناه، وجعلنا قول ابن عباس هو ما ثبت لدينا بالإسناد الصحيح.
ثم نفترض أنهما ثبتا جميعاً بأسانيد صحيحة، ننظر في التواريخ، إن وجدنا ما يدل على التاريخ فنجعل قول ابن عباس هو المتاخر من الأقوال المروية المنقولة إلينا، ثم إن لم نجد ما يدل على التاريخ نظرنا بالمرجحات؛ كأن يكون هذا القول مروياً عن ابن عباس وهذا القول ثابت عن ابن عباس، لكن هذا القول يدل عليه السياق وهذا القول يبتر المعنى عن السياق أو هذا القول..
قال به جمهور الصحابة، هذا القول لم يقل به أحد من الصحابة، فنرجع القول الذي فيه عدد من المرجحات ونجعله قولاً لابن عباس رضي الله تعالى عنه.
يقول المؤلف: وأهم الطرق عن علي ثلاثة. هنا ذكرنا جملة من الفوائد الإسنادية، يعني في ذكر الأسانيد، وهي موجودة في المذكرة، لا حاجة بنا إلى أن نقراها. ذكرنا ثلاث طرق عن علي بن أبي طالب، وتسعة طرق عن ابن عباس رضي الله عنها، وطريق عن أبي، وطريق عن ابن عباس.
ثم قال المؤلف بعد ذلك: وغالب هذه الأسانيد نسخ. ما معنى نسخ؟ يقول المؤلف: والنسخة مجموعة من الأقوال في التفسير مروية بإسناد واحد عن أحد أئمة التفسير. يعني يأتي مثلاً مجاهد وينقل تفسير ابن عباس الذي أخذه عنه، ثم يأتي تلميذه ابن جريج مثلاً فيرويها عن مجاهد، فتسمى هذه نسخة؛ نسخة ابن جريج عن ابن عباس، أو علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فتلك كلها إسناد واحد وهي يعني فيها خمسمائة رواية أو خمسمائة موطن من التفسير، أو ألف مثلاً رواية. علي بن أبي طلحة فيها تقريباً يعني ما يزيد في تفسير الطبري وابن أبي حاتم على ألف وثلاثمائة موطن مثلاً وهلم جرا، فهذه غالب هذه الأسانيد هي نسخ.
والنسخة مجموعة من الأقوال في التفسير مروية بإسناد واحد على أحد أئمة التفسير، والعلماء يسامحون فيها أكثر من المرويات بالمشافحة. ولعلي أوضح هذا المعنى في اللقاء القادم، والى اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد الخضيري