دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مقدّمات في علم النَّحو«المبادئ العشرة»

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نسعى إلى طلب العلوم وفهمها حتى تضيء بشمسها أرواحنا للدين والدنيا، جمعنا أمرنا كي لا يضل عن الحضارة.

الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، فأرسل إلينا الرسل والرسالات بالحجج والبينات، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

وبعد أيها الأحبة، فإن من علامة سعادة العبد وتوفيقه أن يشغله سبحانه وتعالى بطلب العلم وتحصيله، فليس شيء تصرف فيه الساعات واللحظات والأنفاس والأعمار أشرف ولا أجل من طلب العلوم الشرعية، فكم هدى من ضلال، وكم أنار من ظلمة، وكم عصم من فتنة، وكم أنقذ من هلاك!

ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومن لم يرد الله به خيراً يشغله بدنياه ويجعله مقبلا عليها مشتغلاً بها، فنسأل الله السلامة والعافية.

وإن طلب العلم من دأب أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية التي آنست بمولاها سبحانه وتعالى وأعرضت عن الدنيا وعن ملذاتها وشهواتها وأهوائها، فالنفس كلما كانت أقرب إلى الله سبحانه وتعالى كلما ازداد شوقها إلى طلب العلم الشرعي وإلى طلب كل ما يقربها من مولاها سبحانه وتعالى.

لذلك تجد أصحاب النفوس الشريفة كلما سمعوا بعلم يقربهم إلى الله عز وجل طارت قلوبهم أشواقاً إليه وتعلقوا به وتشبثوا به وأخذوا منه حظاً وافراً، لأنهم يعلمون أن هذا العلم مقرب من الله سبحانه وتعالى وموصل إليه.

وطلبة العلم أيها الأحبة هم صمام الأمان للمجتمعات، فبصلاحهم صلاح المجتمعات، وبفسادهم فسادها، وبفقددهم ضياعها، فهم الذين يبينون للناس مواضع الحلال والحرام وما يصح أن يكون ديناً لله عز وجل يتعبد به وما لا يصح أن يكون كذلك، وهم الذين يحفظون المجتمعات ما بين الإفراط والتفريط، وبهم الله عز وجل يحفظ بيضة الإسلام والمسلمين.

فحاجة الناس إليهم أيها الأحبة أحوج من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بفوات الطعام والشراب فوات الدنيا، ولكن بفوات العلم وأهله فوات الدين والدنيا والآخرة، فنسأل الله العظيم أن يعيننا على حمل هذه الأمانة وأن يجعلنا ممن يحسن أدائها.

ولا يخفى عليكم أيها الأحبة أن العلوم الشرعية تنقسم إلى علوم وسائل وإلى علوم مقاصد، أما علوم المقاصد فهي ثلاث: العقيدة والفقه والتفسير، وأما علوم الوسائل فهي سائر العلوم الشرعية الأخرى، فالنحو والصرف والبلاغة والمنطق وأصول الفقه وأصول التفسير ومصطلح الحديث وسائر العلوم التي تدرس، هذه كلها وسائل ومفاتيح للوصول إلى تلك المقاصد الثلاث التي هي العقيدة والفقه والتفسير.

والتفسير بعضهم يجعله من المقاصد وبعضهم يجعله من الوسائل، ولكن فيما يظهر أن تدبر القرآن هو مقصد بذاته، إذ به غذاء الروح، والوصول إلى معاني كلام الله سبحانه وتعالى هو مقصد بذاته يقرب العبد من ربه عز وجل، لذلك كما قلنا فالعلوم الشرعية تنقسم إلى هذين العلمين: علوم المقاصد وعلوم الوسائل.

فلا يصلح لطالب العلم أن يشرع في علوم المقاصد -طبعا نقول: أن يشرع في علوم المقاصد أي أن يتعمق فيها ويتوسع-، أما ما يصحح دين الإنسان في العقيدة وما يصحح به معاملاته مع الله سبحانه وتعالى ومع المجتمع، فهذا لابد لكل عامي وليس لطالب علم أن يحيط به علماً.

أما الكلام على رأس التأصيل لعلوم العقيدة والفقه والتفسير، فهذه لا يصح للطالب ولا ينبغي أن يتعمق فيها قبل أن يكون ضبط جانباً كبيراً من علوم الوسائل، ومن أجل علوم الوسائل ومن أهمها التي يبدأ بها طلبة العلم هو علم النحو، لأن الله عز وجل أيها الأحبة أنزل هذه الشريعة باللغة العربية، فكلام الله عز وجل باللغة العربية وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية.

إذاً طريق فهم الكتاب والسنة لا يكون إلا بفهم اللغة العربية، بل اللغة العربية والنحو خاصة بها تفهم كل كتب التراث الإسلامي التي كتبت بهذه اللغة، الآن كثير من طلبه العلم ربما يجلس الساعة والساعتين والثلاث يحاول أن يفهم نصاً من نصوص الأئمة، ولكن لماذا يغلق هذا النص عليه؟ لأنه لا يعرف الفاعل من المفعول ولا المستثنى من المفعول معه ولا يعرف المخفوض من غيره.

وهذا هو الإشكال الذي يبعد طلبة العلم عن كتب التراث ويجعلهم يقبلون على الكتب المعاصرة التي ربما تكون سهلة في العبارة، لكنها في أكثرها وفي أغلبها بعيدة عن التحقيق، إذاً طالب العلم في ابتداء مسيره وفي مشواره في طلب العلم عليه أن يبدأ بعلم النحو.

وهذا دأب العلماء المحققين، كانوا يبدأون مع طلبتهم بتعليمهموبتصحيح ألسنتهم حتى يستطيع الطالب أن يفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أولاً، ثانياً: حتى يفهم الطالب كتب الشريعة ويعرف المرفوع من المنصوب من المجزوم من المخفوض، وهذا هو أساس فهم الكلام.

وانطلاقا من تحقيق هذا المقصد فقد قرر إخوانكم في اللجنة العلمية لهذا المركز إقامة هذه المدارس المباركة نتذاكر فيها كتاباً علمياً من كتب النحو، وهو كتاب للمبتدئين: المقدمة الآجرومية لمحمد بن محمد بن محمد الصنهاجي رحمه الله تعالى.

وهذا الكتاب أيها الأحبة من الكتب التي كتب الله لها القبول خاصة للمبتدئين، لذلك أكب أهل العلم على شرحه والتحشية عليه وتوضيحه وشرحه للطلاب لما فيه من البركة، فينبغي لطالب العلم ألا يعجل عنه في ابتداء الطلب، الكتب التي عليها القبول وععليها المدار الطالب لا يحاول أن يجتهد في طرق جديدة حتى لا تضيع الأزمان عليك، اشتغل في الكتب التي اهتم بها العلماء المحققون لأنها قطعا موصله.

هناك كتب أخرى قد تجتهد قد توصل، لكن ستبقى في مجال الشك: هل هو نافع؟ هل يعطي الثمره المقصودة أم لا؟ أما هذا الكتاب بما أنه جرب ووجد العلماء أنه يوصل للثمرة المقصودة، الطالب يختصر المسافة على نفسه وينكب بالدراسة عليه وحفظه، ولا بد من حفظ الكتاب.

والعلم أيها الأحبة حفظ وفهم، لا يمكن للانسان أن يحلق في طلب العلوم الشرعية من دون حفظ، كما أنه لا يمكن أن يحلق في العلوم الشرعية من غير فهم، فهما جناحان لا يجوز لطالب العلم أن يستغني بأحدهما عن الآخر.

وقبل الولوج في علم النحو وقبل الولوج في هذا الكتاب ومذاكرته، ينبغي على طالب العلم -وهذه مقدمة ليس فقط في هذا العلم بل في كل العلوم- عليه أن يبدأ بدراسة مقدمة تسمى عند أهل العلم المبادئ العشرة، هذه المبادئ العشرة أيها الطلبة وأيها طلبة العلم هي عليها تصور العلوم.

فالطالب قبل أن يجلس في العلم ينبغي عليه أن يتصور العلم الذي يريد دراسته، نوع تصور، الطالب لا يدخل في العلم مباشرة، لا ينكب فيه مباشرة من غير إحاطة: ما هو العلم الذي أدرسه؟ ما تعريفه وما حده؟ وما موضوعه؟ وما الثمره المرجوه من دراسة هذا العلم؟

هل يعقل للطالب أن يدخل في علم وهو لا يعرف الثمرة التي يريد أن يحصلها؟ هذا عيب في طلبة العلم، الإنسان قبل أن يدخل في الشيء يريد أن يعرف غايته، إذا عرف الغاية وكانت هذه الغاية شريفة انتدبت همته وترقت همته لطلبها، وإذا عرف أن الثمرة المرجوة من هذا الشيء محدودة أو لا ثمرة له مقصودة تنفع في دينه ودنياه، فانه يعرض عنه.

فمعرفتنا للعلوم من أهم الأمور التي ينبغي على الطالب أن يعرفها في بداية الطلب، وكذلك سائر المبادئ العشرة، لذلك نحن سنتعلم قبل الولوج في هذا الكتاب سنعرف المبادئ العشرة لعلم النحو وناخذ دراسة سريعة كيف نشا هذا العلم وما هي الظروف التي طرأ فيها، ثم بعد ذلك نرد في دراسة هذا الكتاب مستعينين بالله عز وجل.

المبادئ العشرة أيها الأحبة نظمها العلامة الصبان رحمه الله تعالى في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبه وفضله والواضع ... الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرف

هذه هي المبادئ العشرة، ماذا قال؟ إن مبادئ كل فن، كل فن من الفنون له عشرة مبادئ، ما هي هذه المبادئ؟ قال: عشرة مبادئ قال: الحد أي تعريف العلم، ثم قال: الموضوع وهو الموضوع الذي يحوم حوله العلم أو المحور الذي يدور حوله العلم.

ثم قال: الثمرة، الثمرة المرجوة من دراسة هذا العلم، ثم قال: ونسبه، علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى، وفضل، ما هي الفضيلة التي ترجى من تحصيل هذا العلم؟ وهذا كما سياتي معنا ستتضح هذه المبادئ عندما نطبقها على علم النحو.

ونسبه وفضله والواضع، من أول من وضع أي من أول من صنف في هذا العلم؟ ثم قال: والاسم، أي اسم هذا العلم، والاستمداد، أي مما يستمد هذا العلم هل هو آخذ من علوم أخرى؟ وحكم الشارع، ما حكم الله سبحانه وتعالى في تعلم هذا العلم؟ ثم المبدا العاشر والأخير: مسائل، أي مسائل هذا العلم وهي كل العلم.

هذا المبدأ العاشر والأخير هو يمثل كل العلم، كل المسائل التي ندرسها في هذا العلم وفي غيره: مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرف.

فنبدأ بأول مبدا من المبادئ العشرة، ماذا قال؟ إن مبادئ كل فن عشرة الحد، إذا نبدأ بتعليم ما هو علم النحو؟ هل يعقل لطالب أن يشرع في علم النحو وهو لا يعرف حده؟ وهو لا يعرف كيف يعبر عنه؟ هذا معيب به، لذلك ينبغي على الطالب في أي علم يدرسه أن يعرف بدايه تعريف هذا العلم، حتى إذا سئل عنه الآن أنت خرجت خارج المركز قيل لك: ما العلم الذي تدرسه؟ تقول: علم النحو. فقيل لك: ما هو علم النحو؟ هل يعقل انك لا تستطيع أن تعطي عنه ولو لمحة إجمالية؟ هذا لا يصلح.

فنقول: حد علم النحو دائماً في الحدود أيها الأحبة العلماء يبدؤون بالحد اللغوي ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الحد الاصطلاحي، حتى يبينوا العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، لأن هناك علاقة دائماً بين المعاني اللغوية للكلمة والمعاني الاصطلاحية التي تنقل إليها، فلا يمكن أن يكون هناك علاقة تباين، يأتي العلماء لكلمه في الشرع في اللغة العربية يصرحون على وضعها في شيء مخالف لمعناها تماماً، هذا لا يكون، بل لابد من وجود نوع علاقة كما قلنا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.

أما أن تكون مثلاً علاقة العموم والخصوص المطلق من جهة أن المعنى الاصطلاحي أخص من المعنى اللغوي، فمثلاً الصلاة في اللغة كما هو المشهور عند الناس هي الدعاء، لو أتينا إلى المعنى الشرعي لها نجد أن الصلاة هي نوع محدد من الدعاء، دعاء يفعل على هيئة مخصوصة في اوقات مخصوصة وعلى صفات مخصوصة، مثلاً بنية مخصوصة، فالآن في المعنى الاصطلاحي والشرعي خصصنا الدعاء بصفة معينة.

إذاً المعنى الاصطلاحي للصلاة هل هو مباين تماماً للمعنى اللغوي؟ لا، هناك علاقة بينه وبين المعنى اللغوي، لكنه في العادة في العادة يكون المعنى الاصطلاحي هو فرد من أفراد المعنى اللغوي أخص من المعنى اللغوي، وأحياناً يأتي العكس يكون المعنى الاصطلاحي أعم من المعنى اللغوي مثل الإيمان.

الإيمان في اللغة ما هو؟ التصديق أو الإقرار، لو أتينا إلى معناه في مفهوم الشرع وفي اصطلاح الشرع ما هو الإيمان؟ هو إقرار بالقلب والجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، نلاحظ إذاً أن المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي، فالمعنى اللغوي اقتصر فيه على مفهوم التصديق أو الإقرار، والمعنى الشرعي شمل إقرار القلب وقول اللسان وعمل الأركان.

طيب، ناتي إلى علم النحو فنقول: علم النحو في اللغة ما حده؟ نجد أهل العلم وأهل اللغة يذكرون معاني عديدة لكلمه النحو في اللغة ينظمها قولهم: قصد ومثل جهة مقدار ... قسم وبعض قاله الأخيار

هذا البيت إذا حفظته فقد عرفت المعاني التي تدور عليها كلمة النحو في المعاجم اللغوية، فكلمة النحو في المعاجم اللغوية تدور حول هذه المعاني الست.

فالمعنى الأول قالوا: القصد، ياتي النحو بمعنى القصد، يقول مثلاً: نحوت زيداً ابتغاء معروفه، بمعنى قصدته، كذلك تأتي بمعنى المثل، نقول: محمد نحو بكر، وهذا الحديث نحو ذلك الحديث أي مثله ومشابه له.

قصد ومثل وجهة، مثلاً تقول: سرت نحو المشرق، أي سرت جهة المشرق، ومقدار، نقول هذا الثوب مثلاً هذا الثوب نحو مائة ذراع، أي مقداره مائة ذراع، كذلك قسم، مثلاً مما جيء النحو بمعنى القسم ما ورد في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النكاح كان في الجاهليه على أربعة أنحاء، جمع نح، ما معنى أنحاء؟ على أربعة أقسام.

كذلك يأتي بمعنى البعض، نقول مثلاً: هذه الكسرة نحو من هذا الرغيف، أي بعض من هذا الرغيف، هذه الكسرة من الخبز نحو من هذا الرغيف أي بعض منه، إذاً هذه هي المعاني الست التي تدور عليها كلمة النحو في اللغة العربية وفي المعاجم اللغوية.

إذا أتينا الآن إلى معنى كلمة النحو في الاصطلاح، في اصطلاح النحاة وفي عرفهم يقولون: النحو هو العلم بقواعد ومسائل يعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء.

علم يعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. الآن كلمة علم التي صدر بها التعريف بماذا نفسرها؟ قال: علم النحو علم، وكلمة علم أيها الأحبة إذا صدرت بها التعاريف فنحملها أما على معنى القواعد والمسائل، وأما أن نحملها على معنى الإدراك، وأما أن نحملها على معنى الملكة، تنظر ما هو المعنى المناسب حتى نفسر به كلمة العلم؟

هنا ما هو المعنى المناسب لتفسير كلمة علم؟ نقول: القواعد والمسائل، فنقول: علم هنا بمعنى قواعد ومسائل، لو أزلنا كلمة علم ووضعنا قواعد ومسائل يكون المعنى سليماً، فعلم أي قواعد ومسائل يعرف بها، هذه القواعد والمسائل التي سندرسها: الفاعل مرفوع والمفعول به...

منصوب والمستثنى منصوب، هناك مستثنى متصل، وهناك مستثنى منقطع، هذه القواعد والمسائل كل ما سندرسه في علم النحو، فهذه القواعد والمسائل نعرف من خلالها ونتوصل من خلالها إلى معرفة أحوال أواخر الكلمات العربية.

إذا، ما المراد من معرفة هذه القواعد والمسائل؟ أن نعرف حال آخر الكلمة العربية. طيب، ايش المراد بالحال؟ هل أي حال لها؟ لا، حال محددة، هل هو معرب أم مبني؟ لذلك قال: أحوال أواخر الكلمات من حيث ايش؟ من حيث الإعراب والبناء، من هذه الحيثية، فذكر الحيثية مهم حتى نعرف الآن هل نبحث، مثلا هل علم النحو يبحث أحوال أواخر الكلمات العربية مثلا من حيث الزيادة والإعلال وما شابه ذلك؟ لا، هذا ليس مبحث علم النحو، هذا مبحث علم الصرف، لذلك لابد من ذكر الحيثية التي هي الإعراب والبناء.

لذلك قال: علم يعرف به أحوال أواخر الكلم. الآن علم الصرف لو لم نكمل: من حيث الإعراب والبناء، مثلا لو قلنا: علم النحو علم يعرف به أحوال أواخر الكلم، الآن علم الصرف ما زال داخلاً في هذا الحد؛ لأن علم الصرف أيضاً هو علم بقواعد ومسائل يعرف بها أحوال أواخر الكلم مع معرفة أوائلها وأوسطها. نعم، علم الصرف أوسع مجال، يبحث في آخر الكلمة العربية وفي بدايتها وفي منتصفها: هل هذا الحرف زائد أم حرف أصلي؟ وهل حدث إعلال في المنتصف أم لم يحدث إعلال؟ هل هناك حذف في البداية أم لم يوجد حذف؟ إذاً، علم الصرف يبحث في أول الكلمة وفي أوسطها وفي آخرها.

لذلك لو قلنا إن علم النحو علم يعرف به أحوال أواخر الكلم وسكتنا، علم الصرف سيدخل؛ لأن علم الصرف كذلك علم يعرف به أحوال أواخر الكلم مع أوائلها وأوسطها. هذا نعم لا إشكال فيه، لكن علم الصرف لم يدخل تماماً عندما أتينا بذكر الحيثية: من حيث الإعراب والبناء. نعم، هنا فصلنا تماماً بين علم النحو وعلم الصرف؛ لأن علم الصرف عندما يدرس آخر الكلمة العربية هو لا يدرسها من حيثية الإعراب والبناء، هو يدرسها من حيثيات أخرى: هل الحرف أصلي أم غير أصلي؟ حدث فيه إعلال أم لم يحدث فيه إعلال؟ أما علم النحو خاصة هو الذي يبحث في آخر الكلمة العربية من حيث: هل هي معربة أو مبنية؟ وإذا كانت معربة، ما هو نوع إعرابها؟ هل هو رفع أو نصب أو خفض أو جزم؟ وإذا كانت مبنية، هل هي مبنية على الفتح أو ما شابه ذلك؟ هذا كله مباحث علم النحو.

إذا عرفنا حد النحوي في الاصطلاح أنه علم يعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، ننتقل إلى المبدأ الثاني من المبادئ العشرة. ماذا قال الصبان؟ إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع. هذا هو المبدا الثاني من المبادئ العشرة. الأسئلة أيها الأحبة لو توضع على جهة؛ لأن ربما يخيل هذا بعملية... نعم.

فنقول: موضوع العلم. موضوع العلم أيها الأحبة يعني أنا أحب أن أقربه بمعناه السهل، هناك مثلا ابن الجار الفتوحي رحمه الله تعالى في مختصر التحرير يقول: موضوعه هو ما يبحث فيه عن العوارض الذاتية، لكن ربما هذا يكون صعب التصور على الطالب، فنقول بالمعنى السهل: موضوع العلم هو المحور الأساس الذي يدور حوله العلم. فموضوع العلم ليس هو العلم، هذه أساس وقاعدة ننطلق منها، عندما نقول موضوع العلم هذا شيء آخر غير العلم، ما هو الموضوع؟ هو المحور الأساس الذي يدور حوله العلم في مسائله وقواعده.

فمثلا علم الطب هذا دائما المثال المتكرر، علم الطب هذا علم له تعريف وموضوعه منفصل عنه. ما موضوع علم الطب؟ موضوعه بدن الإنسان، فهذا هو المحور الذي يدور حوله كل المسائل التي تدرس في الطب، علم الطب هو علم يبحث في الصحة وفي المرض والأدوية وما شابه ذلك التي تتعلق ببدن الإنسان؛ فبدن الإنسان ليس هو علم الطب. هل لو قيل لك: عرف علم الطب؟ هل تقول: علم الطب هو بدن الإنسان؟ خطأ، علم الطب ليس بدن الإنسان، علم الطب هو المسائل والقواعد التي تدرس حول الصحة والمرض وما شابه ذلك من الأحوال التي تعرض لبدن الإنسان، فبدن الإنسان هو المحور الذي يدور حوله العلم وليس هو نفس علم الطب.

كذلك مثلاً علم النحو، لو قيل لك: ما موضوع علم النحو؟ ماذا تقول؟ لابد إذاً أن تبحث عن المحور. الآن هنا يحتاج الطالب إلى أن يعمل ذهنه، إذاً في علم النحو كما علم الطب هناك محور يدور حوله هذا العلم، ما هو المحور الذي يدور حوله علم النحو؟ نقول: علم النحو محوره هو آخر الكلمات العربية، آخر أو أواخر الكلمات العربية، ثم بعد ذلك لابد أن نزيد الحيثية حتى نبقى متصلين بالنحو فقط لا ندخل الصرف.

علم النحو موضوعه هو آخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، نبقى محافظين على هذه الحيثية، فهذا هو المحور الذي يدور حوله كل هذه المصنفات والالفية والعلوم والكتب التي صنفت في علم النحو، هدفها ماذا؟ آخر الكلمه العربية؛ لأنه آخر الكلمة العربية أيها الأحبة به يعرف الإنسان الفاعل من المفعول به، يعرف المجرور من المنصوب؛ فقيقة آخر الكلمه العربية عليه مدار فهم الكلام مطلقا، سواء كلام الله أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو كلام البشر، كله متعلق باخر الكلمه العربية.

الحركة مؤثرة رفعت أو نصبت، قد يختلف الحكم الشرعي، القضيه ليست سهله وليست هينه يا شيخ، فتحه ضمه ما هي اشكال، لا، فهم الآية قد يختلف تماماً، وقد تصل إلى معنى مخالف لمراد الله عز وجل بتغيير الحركة؛ فمثلاً ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]، لو عكست فجعلت الله مرفوعة وجعلت العلماء منصوبة، اختلف المعنى تماماً وأصبح المعنى مخالفاً للشريعة الإسلامية. إذاً، معرفة أحوال أواخر الكلمات نعم همة ينبغي أن نقصدها، لذلك جعلت موضعاً ومحوراً موضوعاً ومحوراً لعلم النحو. فلو قيل لك: ما موضوع علم النحو؟ مباشرة تجيب: أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء.

ثم ننتقل بعد ذلك إلى المبدأ أو المبدأ الثالث من المبادئ العشرة، قلنا إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع، ثم الثمره. ما ثمره علم النحو؟ الإنسان أيها الأحبة إذا عرف ثمره الشيء، كما قلنا ربما تسم الهمم للطلب، فإذا عرفت أن علم النحو ثمرته فهم مراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح، إذاً هذا مقصد عظيم، إذاً لا بد أن أتعلم علم النحو والا سيكون عندي خلل في الفهم عن الله عز وجل، أنا أُريد أن أُعرف ماذا يريد الله عز وجل مني، هناك وسائل، الله عز وجل أنزل هذه الرسائل وهذه التعاليم باللغة العربية، إذاً لابد أن أدرس اللغة العربية حتى أعرف معنى هذه الرسائل وهذه التعليمات الإالهية التي وصلت إلينا.

ففهم مراد الله كما قلنا مراد رسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بعلم النحو، والمقصد الثاني والمهم كذلك كان عند العرب هو أن يصون الإنسان لسانه عن اللحن، اللحن أيها الأحبة معيب عند الاقدمين خاصة ربما في العصور المتأخرة؛ لأن اللغة العربية ضعفت، طبعا اللغات تضعف بضعف المجتمعات التي تحملها، فكلما كانت المجتمعات التي تحمل اللغة أقوى كلما فرضت لغتها، فالمجتمعات الإسلامية عندما عادت إلى الوراء ضعفت معها اللغات وجميع الأمور التي تتعلق بها.

ففي المجتمعات القديمة عندما كان الإسلام عزيزاً وعندما كان المسلمون أقوياء كانت اللغة العربية لها موضعها، لذلك كان اللحن يعاقب عليه ويعزر الاب ولده عليه، اللحن في اللغه كان معيباً عندهم، وكم من نقول كما سياتي معنا عن العلماء وعن الصحابه وعن غيرهم وعن من سلف من سلف الأمة رحمهم الله تعالى، كانوا ينهرون فيه صبيانهم، وكانوا ينهرون المجتمعات، وكان الرجل يعرض عن علمه إذا وجد فيه لحن كثير فاحش، وكانوا يعدون السقطات، يقولون: فلان خطب ولحن في كلمة، الآن نحن نعد فلان: كم أصاب في كلمة وليس كم لحن في كلمة، فنسأل الله أن يعيننا على ضبط لساننا.

إذاً، هذه الثمرة مرجوة من دراسة علم النحو: الفهم عن الله ورسوله، وأن يصون الإنسان لسانه عن الخطا. ايش يقول الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات؟ يقول لك: العلوم المضافة إلى القرآن، الآن حتى تفهم القرآن هناك علوم ينبغي أن تحيط بها حتى تفهمه على الوجه الصحيح، طبعا هذا يعني لمن تتشوف همته إلى فهم القرآن، لمن يعرف قيمة كتاب الله عز وجل ويعرف أن به سعادة الدنيا والآخرة، فمباشرة يبحث عن الوسائل المعينة لفهم القرآن، من هذه الوسائل ماذا قال؟ قال: كعلوم اللغة العربية، هذا أول شيء ذكر، لم يذكر الناسخ والمنسوخ وأصول الفقه ابتداء، بل ذكر الأساس الذي به منطلق فهم اللغة فهم القرآن الكريم وهو اللغة العربية.

كذلك القرافي رحمه الله تعالى في أنوار البروق يذكر أهمية اللغة العربية في علم الفقه جملة، فيقول: اعلم رحمك الله أن منار الشريعة المحمدية زادها الله منارها شرفاً وعلواً اشتملت على أصول وفروع، يقول القرافي رحمه الله: الشريعة هي أصول وفروع، ثم يبين قال: وأصولها قسمان، أحدهما المسمى بأصول الفقه، أصول الفقه يعني القواعد العامة التي يستنبط منها الفقه في جميع نواحي الحياة، قال: وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة أو الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض تلك الألفاظ، فهو يقول إذاً من أصول الدين ومن أصول الشريعة علم أصول الفقه، وعلم أصول الفقه مداره في أغلبه على ماذا؟ على علوم اللغة العربية وعلى النحو خاصة.

لذلك عندما تتامل في جميع العلوم الشرعية تجد النحو سمة بارزة فيها، حتى علم المنطق ماذا يعني ابن سينا في الشفاء؟ ماذا يقول؟ قال: وعلم المنطق مرجعه إلى علم النحو، علم المنطق بهذه الكتب هذه الفلسفات يقول: مرجعه إلى علم الهو معرفة اللسان. إذاً، كل العلوم حتى العلوم العقلية تعود دائماً إلى مصادر اللغات، فإذا كانت اللغة قوية وكانت المجتمعات قوية كانت اللغة شريفة والناس مقبلون على تعلمها، وكلما ضعفت اللغات للأسف ضعفت الهمم للإقبال عليها.

بعد ذلك ننتقل إلى المبدأ الرابع من المبادئ العشرة وهو نسبة هذا العلم للعلوم الأخرى، إن مبادئ كل فن عشرة، نبقى متواصلين مع الأبيات: الحد والموضوع، ثم الثمرة، ثم قال ماذا؟ ونسبة. ماذا نقصد بالنسبة؟ يقصدون بالنسبة من المبادئ العشرة: يعني ما علاقة هذا العلم بعلوم الشريعة الأخرى أو بالعلوم عامة؟ هل هو مثلا من علوم الوسائل أو من علوم المقاصد؟ هل هو من علوم الوسائل أو من علوم المقاصد؟ يعني هذا من أهم الأمور التي يبين بها ومتى ينبغي للانسان أن يتعلمه، مثلاً ما العلوم التي تتوقف معرفتها على علم النحو؟

قد يكون أيضاً هناك علوم وسائل تتوقف على وجود وسائل قبلها، يعني ليس شرطاً فقط تكون القضية وسائل ومقاصد، نقول: الفقه والتفسير مثلاً، أصول الفقه من علوم الوسائل، لكنه يتوقف أيضاً على وسيلة قبله وهي علم النحو، لذلك ينبغي على الإنسان أن يعرف نسبة العلم وعلاقته مع العلوم الأخرى حتى يعرف الموضع الذي ينبغي عليه أن يدرس هذا العلم فيه؛ هل يصلح للطالب أن يتعمق في كتب أصول الفقه وهو مثلاً لا يعرف علم اللغة العربية ولا علم المنطق؟ لا يصلح، يضيع الوقت وستذهب عليه كثير من الثمار.

فعرفة نسبة العلم أهميتها لطالب العلم أن يعرف ما هو الوقت المناسب لأدرس هذا العلم، لأدرس هذا الكتاب. كثير من الطلبه يمسك كتاب مجلدات كبيرة، يظن أن الأمر بكبر الكتاب والساعات التي سيقضيها، ولكنه يجلس سنوات ولم يحصل الثمره، لماذا؟ لأن هناك علم سابق على هذه الكتب هو لم يدرس، فأفن الساعات في دراسة شيء لم ينفعه الآن وهو لم يصل ولم يرتق إلى درجته بعد.

لذلك هذه نقطة مهمة جداً وخطيرة في حياة طالب العلم حتى لا تذهب الأعمار والساعات من دون أن يحصل شيئاً ينفع به نفسه وينفع مجتمعه. فنقول ابتداءً: علم النحو أيها الأحبة هو من علوم اللغة العربية، وابتداءً هل هو من علوم الشريعة بمعنى العلوم الشريعة الخالصة؟ لا، هو في النهاية من علوم اللغة العربية، لذلك حتى النصارى مثلاً العرب يدرسونه، تجد هناك شعراء منهم كذلك في الجاهلية يتكلمون في علوم اللغة العربية، فعلم اللغه العربيه ابتداء هو ليس من علوم الشريعة بمفهوم أنها نزلت مع الشريعة ونشات من الشريعة، لا، هو علم من علوم اللسان، فكل المجتمعات التي تتكلم باللغة العربية يهمها هذا العلم.

ثم هو بالنسبة إلى علوم الشريعة هو يعتبر من علوم الوسائل، يعتبر من علوم الوسائل، وعليه وعليه مدار الشريعة كلها في فهم عن الله عز وجل، والفهم من مصادر التشريع جملة عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم كلام الأئمة، لذلك عندما تسال عن نسبة علم النحو إلى العلوم الأخرى تقول: أولاً هو من علوم اللغة العربية، هذه النسبة الأولى. النسبة الثانية أنه من علوم الوسائل بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية، وهذه النسبة هي التي تهم طالب العلم.

ثم قال بعد ذلك: الفضل، ونسبة وفضله. الآن ما فضل علم النحو؟ في الحقيقة كثير من العلماء عندما يذكرون الثمرة يستغنون بذلك عن ذكر الفضل لوجود نوع من الاشتراك بينهما العام، وإن كان الفضل أقرب إلى الناحية كما يقولون في الشريعة الإسلامية، أقرب إلى الناحية الفضيلة في الآخرة والثواب عند الله عز وجل والأمور التي تتعلق بالديانات، أما الثمرة فأمرها واسع قد يتعلق بأمور من الديانات وقد تتعلق بالأشخاص وقد تتعلق بأمور في المجتمع، فالثمرة والروحانية أكثر من تعلقه بالأمور المادية.

اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً. انظر مقام اللغة في حياة المجتمعات، يؤثر في ماذا؟ يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً بيناً. لذلك أيها الأحبة، عندما تنظرون مثلاً في المجتمعات أو الدول التي تعرضت للاستعمار، تجد دائماً المستعمر يهتم بماذا؟ بمسح الهوية اللغوية؛ لأنه الهوية اللغوية هي تمثل هوية المجتمع، تمثل أخلاقه ودينه وانتماءه وأصوله، فإذا مسحت اللغة انتهى المجتمع وأصبحت ثقافته تابعة لثقافة الغرب أو ثقافة المستعمر الذي استعمر.

لذلك يقول ابن تيمية: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين؛ يعني يشعر الإنسان بالانتماء وأن هناك حلقة هو موصول معها. أما الإنسان الذي لا يتكلم باللغة العربية سيشعر بالانقطاع والإنفصام بينه وبين سلفه وبين حضارته الإسلامية، قال: ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، يعني اللغة تجعلك تتاثر بصاحبها، وهو بشكل عام يقعد: إذا تكلمت لغة غير اللغة العربية ستتاثر بأصحابها وعقولهم. وأنت كمسلم تريد أن تتاثر بمن؟ تريد أن تتاثر بسلفك الصالح من الصحابة والتابعين، فعليك أن تتقن هذه اللغة حتى تشبه حالك أحوالهم.

قال: وايضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين. انظر هذا الكلام، إذن احنا لسنا في طرف علمي، أنت تدرس شيء من الدين تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وما لا يتم الواجب إلا به (عفواً قال): وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب. الآن ابن تيمية يريد أن يؤصل: لماذا دراسة النحو خاصة ودراسة علوم اللغة العربية واجبة شرعاً، وليست طبعاً على طلبة العلم ومن يريد أن يتصدر، وفرض كفاية على الأمة أن يهيئ من يتقن اللغة العربية، وكل الأمة تأثم إذا لم يهيئوا من طلبتها من يدرس هذه العلوم ويتقنها؛ لأن بها -كما يقول ابن تيمية- فهم مراد الله ورسوله.

قال: ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: ثم منها ما هو واجب على الأعين؛ يعني من اللغة العربية ما هو واجب على الأعين. مثلاً من يعطيني شيئاً واجب على الإنسان أن يعرفه بعلم النحو؟ أن يعرف الإنسان كيف ينطق بالفاتحة بالشكل الصحيح، أما يرفع الفاتحة ويخفض وينصب، الحمدَ والحمدِ والحمدُ ولله تجدها مرفوعة ومنصوبة صلاته باطلة، صلاته باطلة وهو آثم إذا لم يعرف كيف يقرا الفاتحة بالشكل الصحيح. فمعرفتنا بالفاتحة هذا من علم النحو الذي هو واجب على ماذا؟ على الأعين. فمنها كما قال ما هو واجب على الأعين، ومنها ما هو واجب على الكفاية.

وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أما بعد، فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي. وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه الأقوال، وفقه السنة هو فقه أعماله، وفقه أعماله.

إذن ابن تيمية رحمه الله تعالى بشكل مجمل أعطاك فضل هذا العلم؛ فضله بما يتعلق بالشريعه الإسلامية: أنك تتأثر بسلفك الصالح وهذه منقبة عظيمة. ثم بين لك أن دراسته منها ما هو فرض عين، كمثل ما يصحح به الإنسان عبادته مع الله، ومنها ما هو فرض كفاية على الأمة فيما يتعلق بتهيئه العلماء الذين يفهمون عن الله ورسوله.

بعد ذلك ننتقل إلى المبدأ الخامس: أن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع ثم الثمره ونسبه وفضله والواضع. عندما نتكلم عن الواضع هنا، في الحقيقة لابد أن نتكلم قليلاً عن نشأة هذا العلم، كيف نشأ علم النحو؟ ما الذي جعل هذا العلم يدون ويصنف؟

نقول ابتداء أيها الأحبة: إن علوم اللغة العربية بشكل إجمالي نشأت أين؟ في الجزيرة العربية، وقبل مبعث الإسلام وقبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. كانت الجزيرة العربية منغلقة على نفسها، إلا التجارات التي تذهب إلى الشام وتعود وما شابه ذلك، هناك ربما احتكاك بغير العرب والذين لا يتكلمون بالعربية، أما ما سوى ذلك فالعرب منكبون على أحوالهم، مشتغلون بأحوالهم.

هذا الأمر أدى في الحقيقه إلى الحفاظ على اللسان العربي، أدى للحفاظ على اللسان العربي في تلك الفترة؛ لأن هذا الانغلاق، عدم الاحتكاك بالثقافات الأخرى -الفارسية والرومانية- جعل العرب وجعل الملكات قوية؛ لأن الملكات أيها الأحبة متى تفسد بشكل عام؟ عندما يخالط الإنسان أصحاب الملكات الفاسدة. فنقول دائماً: ضع إنساناً بين قوم -إنسان يتكلم باللغة العربية الفصحى- ضعه مع قوم لا يتكلمون بها، بعد شهر أو شهرين يبدأ اللحن يتسرب إلى لسان هذا الفصيح؛ لأن المجتمع الذي يحيا به هو مجتمع يلحن. فكذلك اللغة العربية عندما نشات في الجزيرة العربية، المجتمع كان منغلقاً، عندما كان منغلقاً هذا أدى لحفظ اللغة العربية.

الآن عندما بدأت المجتمعات العربية تتفتح على المجتمعات الأخرى، وهذا متى بدأ؟ مع الفتح الإسلامي. الآن اللغة العربية كما قلنا حافظت على كيانها، وهنا أيها الأحبة لابد أن نقول: هل العرب ابتداء كانت تعرف قواعد علم النحو التي نتكلم بها نحن الان؟ يعني هل كانت العرب تتكلم أن الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب وتعرف هذه القوانين أم كانت تتكلم بطبيعتها؟ كانت تتكلم بطبيعتها، لكن في الحقيقة هناك رأي آخر لابن فارس رحمه الله تعالى في كتابه (الصاحبي في فقه اللغه) -أعجبني هذا النقل حتى الإنسان يعرف أن هناك أمور نظنها مسلمة لكن تجد فيها خلاف، وإن كان رأي ابن فارس رحمه الله تعالى هو- ابن فارس في كتاب الصاحبي في فقه اللغة -وإن كان ابن فارس رحمه الله تعالى خالفه الجمهور- يقول ابن فارس: فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض؟ قيل له -يعني هو يقول ابن فارس: إن قيل لك ذلك فماذا نجيب؟- قيل له: نحن لا ننكر، نحن لا ننكر ذلك، بل نقول إن هذين العلمين قد كانا قديماً.

الآن انظر وجهة نظر ابن فارس، يقول: هذان العلمان أو أن هذين العلمين قد كانا قديماً وأتت عليهم الأيام. ابن فارس رحمه الله تعالى يرى أن العرب كانت تعرف قواعد النحو، كان يعرف أن الفاعل مرفوع ومفعول به منصوب، لكن مع توسع الفتوحات الإسلامية واختلاط العرب بغيرهم من العجم وقلة الإيمان اندثر هذا العلم، ثم جاء بعد ذلك أبو الأسود ومن بعده من الأئمة الكبار فأعادوا إحياء هذه العلوم.

لكن كثير من الأئمة خالفوا هذه النظرة، وقد يكون فعلاً كلام ابن فارس يحتاج إلى نظر؛ لأنه لم يرد عن العرب أنهم تكلموا بمثل هذه القواعد التي اصطلح عليها العلماء. وأغلب العلوم كذلك التي دونت -أو كثير من العلوم التي دونت مثل علوم أصول الفقه وعلوم المنطق وما شابه ذلك من العلوم- هي أغلبها كانت سجية عند العرب. لذلك ماذا يقول صاحب المراقي لما تكلم عن تدوين العلوم؟ قال: أول من علم أصول الفقه قال أول من صنفه في الكتب محمد بن شافع المطلب وغيره كان له سليقه مثل الذين للعرب من خليقه.

فهذه العلوم كانت خليقة عند العرب وسليقة عندهم، سواء علم أصول الفقه وكذلك علم النحو وعلم المنطق وما شابه ذلك من العلوم التي صنف فيها بعد ظهور الفساد، أما قبل ذلك فقد كانت في الطبائع مركوزة، وكانت ملكات مرعية عندهم، لا يحتاجون فيها إلى تدوين علوم ومصطلحات واتفاق وفروع وعلل وما شابه ذلك من الأمور التي ندرسها نحن الآن.

إذن استمر الأمر كما قلنا في بداية الإسلام وفي بداية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، استمر الأمر على السلامة. لكن بعد ابتداء الفتوحات الإسلامية -خاصة في عصر عمر بن الخطاب وما بعده- بدأت ظاهرة اللحن تظهر رويداً رويداً؛ وهذه طبيعة أيها الأحبة؛ لأن المسلمون عندما ذهبوا وفتحوا العراق، وعندما ذهبوا وفتحوا الشام بدا هناك الاختلاط بالمجتمعات الأخرى، بدا الاختلاط بالفرس ومن كان في تربيتهم -حتى ولو كانوا عرباً، لكنهم كانوا تحت حكم فارس تأثروا بلغة فارس ومجتمعاتهم وإن لم يكونوا يتكلموا باللغة العربية أو تكلموا بها على لحن- كذلك من نشأ في الشام تأثر بالرومان وبالحضارة التي كانت سائدة.

لذلك يقولون دائماً -كما يقول سيبويه-: الأطراف هي محل التغيير. الأطراف هي محل التغيير، فالعراق كانت في أطراف الدولة الإسلامية في تلك الفترة، وكذلك مثلاً الأندلس والمغرب كانت في الأطراف، فظهور اللحن فيها كان أسرع من ظهوره في مثلاً المدينة وفي مكة وفي الحجاز؛ لأن هذه المناطق كانت بعيدة عن الاحتكاك بالأمم والمجتمعات الأخرى.

لذلك يقولون ظهرت عدة ظواهر من اللحن، يذكرون قصة كثيرة؛ كما يذكر ياقوت الحموي، يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر على قوم يرمون بالسهام فرآهم لا يحسنون الرمي فنهاهم عن ذلك، يعني: لماذا لا تحسنون الرمي؟ فقالوا: انا قوم متعلمين! فقال عمر بن الخطاب غضباً شديداً: خطاكم في لسانكم أشد علي من خطاكم في رميكم! الأصل أن يقولوا: انا قوم متعلمون، نعت مرفوع، هم قالوا: انا قوم متعلمين! فعمر بن الخطاب غضب. فكانت هذه مثلاً من الظواهر.

يقولون كذلك أن رجلاً -كما ذكر ابن عبد ربه في (العقد الفريد)- يقول: رجل دخل على الوليد بن عبد الملك، رجل من أشراف قريش دخل على الوليد بن عبد الملك، فالوليد بن عبد الملك يقول له: من ختنك؟ هو ماذا يريد أن يقول الوليد بن عبد الملك؟ يريد أن يقول: من ختنك؟ الختن أيها الأحبة من هو؟ هو أقارب المرأة أو أقارب الزوجه، والدها وأخوها وابن عمها، هذا يسمى ختن في اللغة العربية.

فالوليد بن عبد الملك هذا الخليفة يريد أن يسأل هذا الرجل من أشراف قريش -طبعاً رجل من أشراف قريش هذا الكلام العربي عنده متأصل- فيريد عبد الملك يسأله، يريد أن يقول: من ختنك؟ يعني من أقارب زوجتك؟ فقال له: من ختنك؟ بفتح النون. فقال له: ختني فلان اليهودي! فقال له: ويحك! يعني أنت رجل من أشراف قريش، يعقل أن يكون ختنك رجل يهودي؟! طبعاً هذا القرشي عرف الخطأ الذي تكلم به الوليد بن عبد الملك، وعرف أنه يريد أن يقول: من ختنك؟ لكنه فتح، فأراد أن يعيبه: أنت سالتني من ختن؟ قال: فختني فلان اليهودي؛ لأن الختن هنا أصبحت فعل ماضي، والمراد بها الختان المعروف للأطفال، وهو يقول: ختني فلان اليهودي! فقال له: ويحك، ماذا تقول؟ فقال له: لعلك يا أمير المؤمنين تريد من ختني؟ يعني من هو أقارب زوجي؟ فقال له: نعم. فقال: ختني فلان بن فلان.

فمثل هذه القصص بدات تظهر، لذلك يذهب البعض عن هل علم النحو وضع بسبب حادثة معينة فقط؟ عندما تقرا أحياناً تقول لك: وضعه أبو الأسود بسبب أن فلان قال كذا، هل يعقل أن علم النحو بهذه الصورة العظيمة وبهذه التصانيف العلماء أتعبوا أنفسهم بسبب فقط واحد أخطا في الطريق؟ كان يمكن حل هذه المشكلة معه وتنتحي القضية من دون وضع مصنفات.

لكن لا، الصحيح أن علم النحو لم يوضع بسبب حادثة واحدة، لا، ظهرت ظواهر كثيرة متوافقة متكاتفة هي التي جعلت العلماء ينتبهون أن هناك زللاً وخطأً بدأ يظهر في المجتمعات. فما يذكر في بعض الكتب أن وضعه أبو الأسود بسبب كذا ينبغي التروي، لا تحكم أن سبب الوضع فقط هذه الحادثة، لا، هذه حادثة من جملة حوادث تضافرت وتكاتفت جعلت العلماء بعد ذلك ينتبهون إلى وجود هذا اللحن، لذلك وضعوا علم النحو.

بداية وضع علم النحو أيها الأحبة كانت في العراق؛ لأن أبو الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى طبعاً كان مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. طيب، ما سبب وضع علم النحو ابتداءً إذا عرفنا أن كان هناك أخطاء شائعة انتشرت وبدات؟ الآن الوضع المباشر، لأن نتكلم عن الوضع المباشر: من أول من وضع ومن أول من صنف في علم النحو؟ الآن اختلف المصنفون الخلاف المعتبر على رجلين: هل هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أم أبو الأسود الدؤلي؟ فيرون مثلاً من القصص التي تروى أن أبو الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطته هذه الحمراء -يقول أمير المؤمنين: الحمراء يقصد بها الأعاجم، ويقول أمير المؤمنين لأبي الأسود: تأملت لسان العرب فوجدته قد فسد، ما سبب فساده؟ كما قلنا بسبب مخالطة الأعاجم- فأردت أن أضع شيئاً يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليه الرقعة وفيها مكتوب: الكلام اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ به، والحرف ما أفاد معنى. ثم قال لي: أنحو نحو هذا! ومن هنا -يعني أخذ المصنفون بعد ذلك كلمة النحو- لأنه في الحقيقة عندما يتامل الإنسان كلمة النحو لماذا هي اختيرت لهذا العلم؟ ربما سائر العلوم تدرك وجه المناسبة، مثل أصول.

الفقه نعم هذا الاسم مناسب للعلم، والصرف مثلا معناه التغيير نعم هذا مناسب للكلمات العربية، المنطق الفقه يعني الكلمة تجدها متناسبة مع العلم أو تشير إلى شيء في العلم. طب كلمة النحو إلى ماذا تشير في العلم؟ إلى أي قاعدة؟ إلى أي مسألة؟ في الحقيقة أنا لا أجدها تشير إلى شيء في العلم بذاته، وإنما هو فقط إبقاء لشرف هذه الكلمة التي تكلم بها علي بن أبي طالب، لذلك استخدموا هذه الكلمة ووضعوها لهذا العلم. أما هل هذه الكلمة تدل على شيء بحد ذاتها بحد موضوعها من حيث المعنى العام؟ القصد والمثل هو يقول: اتجه نحو هذا الاتجاه؛ علي بن أبي طالب يقول لأبي الأسود الدؤلي: اتجه نحو هذا الاتجاه الذي كتبته واكتب على منواله. فهذا أمر عام يشير به علي بن أبي طالب، أما الكلمة بحد ذاتها من حيث المدلول اللغوي لا نجد لها علاقة مباشرة بالاصطلاح النحوي كقواعد وما شابه ذلك، بخلاف العلوم الأخرى التي نجد نحو مناسبة بين معنى كلمة الصرف وعلمه، والمنطق وعلمه، وأصول الفقه وعلمه، والعقيدة وعلمها.

إذا هذا الرأي إذا ذهب قوم كما قلنا وهذا رأي ابن الأنباري رحمه الله تعالى أن من وضع علم النحو هو سيدنا علي بن أبي طالب. هناك رأي آخر وهو المشهور أن من وضع علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، ويقولون إنه كان جالسا مع فتاته فقالت له: ما أجمل السماء؟ ضمت، قالت: ما أجملُ السماء؟ فماذا قال؟ نجومها، فقالت: لم أرد هذا وإنما أردت التعجب، فقال لها: إذا افتحي فاك وقولي: ما أجملَ السماءَ. هي قالت: ما أجملُ السماء؟ هذا استفهام، يعني ما أجمل شيء في السماء؟ فأجابها: النجوم. فقالت: لم أرد هذا يا أبتي وإنما أردت التعجب يعني ما أجملَ السماءَ، فقال: افتحي، ما أجملَ السماءَ، ولا تقولي ما أجملُ السماءِ. فبطبيعة الحال هذا كما قلنا لا يصلح أن نقول إن أبا الأسود وضع علم النحو بسبب أن فتاته أخطأت، وإنما هي حوادث عديدة كما قلنا تضافرت جعلت أبا الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى يضع هذا العلم.

طبعا هناك أقوال أخرى، وهذا الرأي كما قلنا عليه جمهور أهل العلم. هناك من يرى أن ابن هرمز راوي الحديث المعروف هو من وضع علم النحو وهذا رأي ضعيف، وكذلك هناك آراء أخرى مثل نصر بن عاصم وغيرهم من الأئمة الكبار، لكن هؤلاء هم تلاميذ لأبي الأسود ولم يضعوا ابتداء علم النحو. ما أول ما دون في علم النحو؟ يعني هل علم النحو دون كما نراه الآن في الآجرومية؟ بدأ أبو الأسود قال: الكلام والكلمة فعل وحرف، ثم بعد ذلك تعريف الإعراب والبناء على الطريقة التعليمية. لا، اختلف العلماء؛ منهم من رأى أن أول شيء وضع في علم النحو هي الأمور التي ظهر فيها اللحن، مثلا يقولون إن أبا الأسود الدؤلي وضع باب التعجب؛ لماذا؟ لأن ابنته أخطأت في التعجب، فقيل إن أول ما صنف في علم النحو هو التعجب وقيل غير ذلك. يعني الرأي الأول يرى أن أول شيء كتب في النحو وصنف فيه هي المسائل التي ظهر فيها اللحن، وهناك من يرى لا، أن أول ما صنف في علم النحو هي الأبواب سهلة الاستنباط القريبة من العقل، الأبواب التي كانت واضحة لا تحتاج إلى تعمق وتدقيق هي أول ما صنف فيها، بغض النظر هل وقع فيها اللحن أو لا، ثم بعد ذلك بدأ التعمق والتقعيد أكثر فأكثر مع ازدياد العلم ومع بنائه، والأمر في ذلك واسع.

الآن ما هي أول مدرسة؟ الآن نبدأ في المدارس سريعا لأن حقيقة معرفة النحو ينبغي للطالب أن يعرف العلم، يعرف هذا العلم من أين مأخذه، ما هي الكتب التي صنفت فيه، ما أساتذته. فلو مررنا سريعا على المدارس التي ظهرت في علم النحو نقول ابتداء أيها الأحبة: علم النحو أول من اعتنى به هم البصريون، لذلك البصريون تفردوا مدة قرن كامل يكتبون ويصنفون في علم النحو، والمدرسة الكوفية أين كانت؟ كانوا منشغلين بالنوادر والأشعار والقصص والحكايات، لم يكن لديهم اهتمام كبير بعلم النحو. بعد قرن من الزمان بدأ الكوفيون يدخلون على هذا المجال وبدأوا يصنفون، وانكب عليهم كبابة واسعة وبنهم حتى يبلغوا شأو المدرسة البصرية، وبدأت هناك المناظرات بين هذه المدرسة وهذه المدرسة، استمر الأمر على نحو قرن من الزمان، طبعا هذا مرور سريع سنفصله بعد ذلك. بعد قرن من الزمان اجتمع العلماء في بغداد، علماء لهم نزعة كوفية ونزعة بصرية، اجتمعوا في بغداد ونشأت بعد ذلك المدرسة البغدادية، وبعد نشوء المدرسة البغدادية بفترة من الزمن احتل بنو بويه موطن الخلافة العباسية فأسقطت الخلافة العباسية رمزيا، ما عاد لها قيمة وانتشر العلماء، فظهرت المدارس الأخرى، ظهرت المدرسة المصرية والمدرسة الشامية، وظهرت كذلك مدارس في الأندلس وفي المغرب الإسلامي.

سريعا يمكن أن نقول الأطوار التي مر بها علم النحو هي أطوار أربعة؛ الطور الأول كان طور الوضع والتكوين النشاه لهذا العلم، ثم هناك طبعا هذا الطور كان بصريا بحتا، كان فقط لعلماء البصرة. وهذا الطور أيها الأحبة كان فيه طبقتان، الطبقة الأولى هي طبقة تلاميذ أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى، أبي الأسود الدؤلي توفي في 69 هجري رحمه الله تعالى، فهذه الطبقة الأولى هي طبقة تلاميذه ابن هرمز ومن ذكرناهم. كذلك هناك طبقة ثانية الآن، هذه الطبقة الأولى هي اشتغلت بكلام أبي الأسود الدؤلي، حققته ودققته وحاولت أن تستنبط وأن تزيد عليه، لكن لم يكن الأمر بهذا التوسع. جاءت الطبقة الثانية في علم النحو وهي طبقة تلاميذ هؤلاء وهي كذلك طبقة بصرية، ومن أشهرها من أشهر علماء هذه الطبقة ابن أبي إسحاق الحضرمي رحمه الله تعالى، وهذا الرجل هو الذي أتى بفكرة التعليل النحوي. الآن عندنا مثلا عندما ندرس علم النحو خاصة في الكتب الكبيرة نجدهم يعللون: لماذا هذه الكلمة كذا؟ ولماذا رفعت؟ ولماذا نصبت؟ ولماذا اختيرت الفتحة ولماذا لم تختر كذا؟ هذا يسمى التعليل. هذا التعليل النحوي أول من تكلم به وتوجه إليه ابن أبي إسحاق الحضرمي رحمه الله تعالى، وصنف كتبا كثيرة.

حقيقة كلمة النحو أو تسمية هذا العلم بعلم النحو لم تظهر في أيام أبي الأسود الدؤلي، يعني ليس أبو الأسود الدؤلي هو من سمى هذا العلم علم النحو، بل هذه التسمية أيها الأحبة تأخرت حتى الطبقة الثانية طبقة ابن أبي إسحاق الحضرمي، هناك ظهرت هذه التسمية، أما في عصر أبي الأسود الدؤلي وفي الطبقة الأولى طبقة التلاميذ لم يكن يسمى علم النحو، وإنما كان هناك كلام متفرق متشعب يكتبونه ومسائل عامة، أما التسمية هذه علم النحو ظهرت كما قلنا في ابتداء الطبقة الثانية أو في الطبقة الثانية، ظهرت هناك كتب سميت بعلم النحو. هذا هو مرور سريع على الطبقة أو العصر الأول، طبعا في هذا العصر أيها الأحبة هناك ميزة مهمة، أن علم النحو لم يكن يكتب وحده، كان يكتب مع علم الصرف ومع علم اللغة ومع علم الأدب، فتجد الكتاب الواحد فيه نحو وتجد فيه صرفا وتجد فيه أدبا وتجد كلمات كثيرة ومباحث كثيرة متفرقة، فلم يكن مختصا فقط بماذا بأحوال أواخر الكلمة العربية، إذا هو طور النشأة ما زالت العلوم لم تتخمر والكلام لم يستقل بعد.

الآن ننتقل إلى الطور الثاني من أطوار هذا العلم وهو طور النمو والانتشار، الطور الثاني هو طور النمو والانتشار يبتدئ هذا الطور بمن؟ يبتدئ بالخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى. الخليل طبعا عندما نتكلم عن أطوار علم النحو يعني هل هناك حد زمني معين ينتهي مثلا فيه طور النشأة ويبدأ فيه طور النمو؟ في الحقيقة يعني هذه فائدة في جميع العلوم، عندما تتكلم عن نشأة العلوم الطبقات أيها الأحبة لا تنشأ فجأة، يعني لا يوجد نقول مثلا الآن طور النمو بعد طور الوضع نشأ في يوم كذا في لحظة كذا، هذا لا يعقل، الطبقات والتطورات في العلوم تنشأ بشكل تدريجي، فهناك مثلا في العصر السابق تكون ممهدات ومؤثرات بدأت قليلا قليلا تتكاتف حتى ظهر عندنا عصر جديد بطابع جديد يختلف عن طابع العصر السابق. الآن عندما تنتهي فترة التداخل بين العصر السابق والعصر اللاحق هنا يظهر العصر اللاحق بشكل جلي، فهناك دائما بين الأطوار يسمونها مسافة للتداخل بينها مرحلة تداخل، لا يظهر فيها الطور الجديد بشكل واضح، يظهر الطور الجديد بشكل واضح عندما فعلا يندثر الطور السابق ويظهر هناك تميز ومعالم واضحة جلية في هذا الطور، لذلك لا يطالب الإنسان نفسه بالتحديد الدقيق لمتى بدأ ومتى انتهى، ولكن بالتحديد الإجمالي عندما نقول يبتدئ طور النمو بالخليل بن أحمد الفراهيدي هذا طبعا كلام عام، يعني في هذه الفترة الزمنية بشكل مجمل فهو إلى التقريب أقرب منه إلى التحقيق.

الآن في طور النمو أيها الأحبة ظهرت عندنا الطبقة الثالثة من البصريين، الطبقة الثالثة من البصريين هي كما قلنا بزعامة الخليل بن أحمد الفراهيدي. الآن في طور النمو دخلت المدرسة الكوفية، دخلت المدرسة الكوفية لأنه طور الوضع كما قلنا كان فقط للبصريين، هم من وضعوا وهم من دونوا وهم من صنفوا، الكوفيون كانوا مشغولين بغير ذلك. وفي طور النمو يظهر أبو جعفر الرؤاسي رحمه الله تعالى وهو أول من صنف كتابا واضحا عند المدرسة الكوفية. إذا الآن ينبغي عليك أن تنظر التناسق، عندما نتكلم الطبقة الثالثة يقابلها عند الكوفيين الأولى، يقابلها عند الكوفيين الطبقة الأولى، ثم الآن هذه الطبقة الثالثة عند البصريين وكذلك الطبقة الأولى عند الكوفيين بدأت في الحقيقة تؤسس لمدارس هنا فعلا بدأت المدارس تظهر. فالخليل بن أحمد الفراهيدي أسس وكان له أتباع وتلاميذ، وكذلك أبو جعفر الرؤاسي رحمه الله تعالى أسس لمدرسة ولها ملامح عامة، ظهر بعدها ذلك كما يقولون المرحلة التي تليها، وعلى رأسهم في المدرسة البصرية في الطبقة الرابعة كان سيبويه رحمه الله، يعني بعض طلاب العلم يظن أن سيبويه هو أول من كتب في اللغة العربية، لا، سيبويه من الطبقة الرابعة من البصريين، ويقابل الطبقة الرابعة من البصريين إذا الطبقة الثانية من الكوفيين بزعامة من؟

من كان يقابل سيبويه؟ الكسائي رحمه الله تعالى، والمناظرات بينهما مشهورة جدا كما تجدونها في كتب الأدب وفي كتب التاريخ. سيبويه رحمه الله تعالى ألف كتابه وصنف كتابه "الكتاب"، هناك كتاب في النحو يسمى ماذا؟ "الكتاب" لسيبويه، كتاب لم يؤلف على منواله، وانكب العلماء على شرحه لأنه وفق فيه توفيقا من الله سبحانه وتعالى، لكن الكسائي كما يقولون بسبب قربه من الزعماء آنذاك العصر من الخلفاء أخذ الحظوة عند السلاطين، فاستطاع فعلا أن يبرز واستطاع أن يصنف وأن يجذب الاهتمام إليه، يعني حتى أنهم يقولون سيبويه رحمه الله تعالى مات بسبب غمة من مناظرة بينه وبين الكسائي دار بعدها تائها حتى مات ولا يعرف، فالكسائي لقربه من السلاطين أخذ الحظوة عندهم.

استمر إذا في الآن ما زلنا في طور النمو، كذلك بعد الطبقة الرابعة من البصريين جاءت الطبقة الخامسة، الطبقة الخامسة بزعامة الأخفش رحمه الله تعالى الذي توفي في 215 هجري. طبعا الأخفش عندما يطلق يراد به من؟ الأخفش الأوسط، لأن هناك أخفش كبيرا، الأخفش الكبير من طبقة الخليل بن أحمد الفراهيدي هذا شيخ سيبويه، الأخفش الأوسط هذا من تلاميذ سيبويه، ففرق، إذا وجدت في كتب النحو كلمة الأخفش مطلقة كذا هذا يراد به الأخفش الأوسط، إذا أريد الأكبر أو الأصغر هناك أخفش أصغر، إذا أريد الأكبر أو الأصغر يقيد يقال الأخفش الكبير أو الأخفش الصغير، وأما الأخفش بالإطلاق فهو الأوسط تلميذ سيبويه رحمه الله تعالى. الأخفش نشأ في المدرسة البصرية، ولكن في الحقيقة الكسائي استطاع أن يغريه وكان عنده نزعة لذلك تجد عنده بعض النزعات الكوفية، ولكنه كان بصري النشأة رحمه الله تعالى. يقابل الطبقة الخامسة عند الكوفيين ماذا أي طبقة؟ الطبقة الثالثة، لأنه الطبقة الأولى الرؤاسي، الطبقة الثانية طبقة الكسائي، الطبقة الثالثة طبقة الفراء رحمه الله تعالى الذي توفي في 207 للهجرة رحمهم الله تعالى.

طبعا أبرز ملامح عصر أو طور النمو أنه علم النحو أصبح فقط يكتب مع علم الصرف، وأما اللغة والأدب والبلاغة وما شابه ذلك من الأمور أصبحت مستقلة، ظهر إذا بعض التمايز، الآن في طور الوضع والتكوين كان علم النحو والصرف والأدب والبلاغة كله في مصنفات واحدة، كانت كلها تسمى علوم اللغة العربية وقليل ما كان يسمى النحو. في طور النمو والانتشار لا بدأت المدارس تفصل، وبدأ علم النحو بشكل عام يكتب مع علم الصرف وبدأ هناك نعم من يكتب في النحو وحده، لكن المشهور أنه كان يكتب مع علم الصرف، أما سائر علوم اللغة الأخرى فإنها استقلت وأصبح لها مصنفاتها الخاصة. بعد ذلك نأتي إلى طور النضوج والكمال لهذا العلم، هنا العلم اشتد ساعده وظهرت مصنفاته وكتبت قواعده والعلماء بذلوا جهودا في المناظرات والمناقشات وما شابه ذلك. كذلك عصر النضوج والكمال كان عصرا بصريا كوفيا فقط، ما زلنا لم نأت إلى المدرسة البغدادية بعد، حتى عصر النضوج والكمال كان عصرا بصريا وكوفيا، ظهرت فيه كذلك مجموعة من الطبقات ومن الأئمة الكبار، يعني يبدأ هذا العصر يقولون من عند الإمام المازني رحمه الله تعالى الذي توفي في 249 للهجرة، وينتهي عند نهاية المدرسة البغدادية يعني ينتهي كما يقولون بالإمام المبرد، هذا بالنسبة لمن للبصريين، يبدأ من عند الإمام المازني 249 وينتهي.

بالإمام المبرد رحمه الله تعالى 285 للهجرة، أما عند الكوفيين فكان عندهم من أبرز ملامح هذا العصر الإمام ابن السكيت رحمه الله تعالى الكوفي، وينتهي عندهم هذا العصر بالإمام ثعلب رحمه الله تعالى الذي توفي في 291 للهجرة. هذا هو نهاية المدرسة الكوفية، وآخر طبقات المدرسة الكوفية الإمام ثعلب رحمه الله تعالى صاحب الفصيح في علوم اللغة أو في متن اللغة.

الآن في هذا العصر أيها الأحبة، ما زالت كذلك علوم النحو بشكل عام وعلوم الصرف تكتب مع بعضها البعض، وإن كان التمايز بدأ يظهر بشكل جلي، بدأت المصنفات والتقعيد يتضح أكثر فأكثر، وعلم النحو بشكل عام نضج في تلك المرحلة في عصر هؤلاء الأئمة الكبار.

ثم بعد ذلك جاءت المدرسة الأخيرة وهي مدرسة الترجيح، وهي المدرسة البغدادية. هناك علماء كان لهم نزعة بصرية ونزعة كوفية، من أبرزهم مثلاً ابن السراج رحمه الله تعالى توفي 316 هجري، كذلك الإمام الزجاج وتلميذه الزجاجي. الزجاج والزجاجي وابن السراج وهؤلاء الأئمة كان عندهم نزعة، أي يأخذون من هذا ومن هذا. هؤلاء الأئمة الكبار عندما نشأوا في بغداد وترعرعوا فيها، أصبح منهجهم ليس الميل إلى هذه الطائفة ولا إلى هذه الطائفة، وإنما الترجيح بين الأقوال؛ يرجحون قول البصريين تارة ويرجحون قول الكوفيين تارة.

وكذلك كانت لهم في الحقيقة معالم وملامح جديدة، ولهم إضافات وقواعد دونوه، المدرسة البغدادية لم تقتصر فقط على عملية التفضيل والترجيح، بل كان لهم ملامح وقواعد أخرى استنبطوها؛ لأن العرب ما زالت موجودة في البوادي والصحاري، يستطيعون أن يذهبوا ويلتقطوا كذلك ما بقي من العرب الأصيلة. استمرت المدرسة البغدادية كما قلنا، ومن أبرز روادها ابن السراج والزجاج والزجاجي وغيرهم من الأئمة الذين نشأوا في هذه الفترة عندما احتل كما قلنا بنو بويه الدولة العباسية وعاصمتها بغداد التي نشأت فيها المدرسة البغدادية. هنا تفرق العلماء وتناثروا في البلدان، فظهرت المدارس الأخرى رويداً رويداً.

الآن نقول بانتهاء المدرسة البغدادية ينتهي ما يسمى مدرسة المتقدمين. الآن علم النحو أيها الأحبة هناك ما يسمى فيه مدرسة المتقدمين ومدرسة المتأخرين. مدرسة المتقدمين هي التي تشمل الأطوار الأربعة التي تكلمنا عنها؛ فتشمل طور الوضع، وتشمل طور النمو، وتشمل النضوج والكمال، وتشمل كذلك الترجيح عند المدرسة البغدادية. هذا يسمى عصر المتقدمين أو طبقة المتقدمين، لذلك عندما تقرأ في شروح الألفية أو في غيرها يقول: هذا على منهج المتقدمين، على طريقة المتقدمين. الآن ينبغي عليك أن تكون محيطاً بماذا يقصد بالمتقدمين، يقصد بالمتقدمين هم كل من كان قبل 350 هجري تقريباً.

بعد ذلك بعد توسع وانتشار العلماء في الأقطار الإسلامية، سواء انتشروا في مصر والشام وفي المغرب وفي الأندلس، ظهرت هناك مدارس المتأخرين، وهي مدارس لها ملامحها ولها إنتاجها. في مدرسة المتأخرين فعلاً انفصل النحو تماماً عن علم الصرف، وأول من صنف في علم الصرف وحده هو المازني الذي تكلمنا عنه، لكن كمفهوم عام وكتأصيل عام أن النحو علم يدرس وحده والصرف علم يدرس وحده، هذا ظهر عند المتأخرين، لذلك كثير من النحاة المتأخرين تجدهم أحياناً يعرفون النحو بتعريف يشمل الصرف، فنقول هؤلاء العلماء مشوا على طريقة المتقدمين. أما طريقة المتأخرين أن علم النحو يدرس وحده وعلم الصرف يدرس وحده، وكل واحد له تعريفه المستقل، لذلك هذه الكتب التي ندرسها الآن، مثلاً ابن مالك رحمه الله تعالى متى توفي؟ 672 للهجرة، إذاً هو من المتأخرين، كذلك مثلاً ابن آجروم رحمه الله تعالى وابن هشام الأنصاري وغيرهم من من ندرس كتبهم الآن، كلها ندرسها على طريقة المتأخرين.

وينبغي على الطالب بشكل عام أن يكون عنده قراءة كذلك في كتب المتقدمين، خاصة في كتاب سيبويه والكتب المتقدمة التي كتبت في هذا العلم؛ لأن فيها أموراً في الحقيقة لا يمكن أن تتعلمها من كتب المتأخرين، بسبب سبحان الله هناك بركة في كتب المتقدمين، وكلما كان الزمن أقرب إلى زمن السلف تجد الكلام فيه نور وهالة، نسأل الله أن يعيننا على قراءتها.

إذاً هذا مرور سريع كان على علم النحو والمدارس التاريخية التي نشأت فيه. بعد ذلك ننهي المبادئ العشرة ثم نقوم المبدا السادس، ما هو اسم العلم؟ قلنا إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع، ثم الثمرة ونسبته وفضله والواضع، الاسم، ما اسمه هذا العلم؟ اسمه علم النحو، هذا أسهل المبادئ العشرة، وذكرنا أن هذا الاسم متى ظهر؟ ظهر في الطبقة الثانية من البصريين. أما هل أبو الأسود الدؤلي هو من سماه علم النحو؟ لا، وإنما كما قلنا العلماء الذين جاؤوا بعد أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى أرادوا أن يحافظوا على شرف ذلك الموقف الذي حدث بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبين أبي الأسود الدؤلي، فقالوا: نسميه علم النحو لكلمة علي بن أبي طالب: "انحُ نحو هذا".

ثم بعد ذلك الاستمداد. الاستمداد أيها الأحبة، هناك كثير من العلوم تستمد من غيرها، يعني هي لا تظهر فجأة، لا تظهر كعلوم عقلية محضة أو نقلية محضة، هناك علوم تؤثر في ظهور علوم أخرى، فمثلاً أصول الفقه، هذا اجتماع من علوم اللغة العربية وعلم الكلام وباحث الأحكام، فمنها ظهر أصول الفقه. كذلك علوم أخرى في الشريعة تجدها مثل علم التفسير ظهر الأكيد له اللغة العربية، كان لها الباع الواسع في ظهور علم التفسير، وكذلك القواعد التي دونها العلماء، وكذلك أصول الفقه. فعلم النحو من أين أخذ؟ ما استمداده؟ هل أتى به المصنفون والعلماء من بنات رؤوسهم؟ لا، هم أعادوا؛ البصريون والكوفيون كانوا يذهبون للصحاري والقفار ويذهبون إلى البوادي ويسمعون كلام العرب ويدونون.

فمن أسس هذا العلم، أو من الأمور التي استمد منها كلام العرب، ومن الشعر الجاهلي الأصيل الذي لم يختلط بكلام المولدين، لذلك يقولون عصر الاحتجاج ينتهي بماذا بـ 150 هجري، بعد ذلك أصبح كلام العرب يختلط بغيره من الكلام، أصبح كلام العرب مخلوطاً بغيره من الكلام، لذلك لا يمكن أن يحتج به، لذلك الكلام أيها الأحبة أو الشعر العربي الذي نشأ بعد 125، 150 هجري لا يدخل في عصر الاحتجاج ولا يُستدل به على القواعد النحوية، فمثلاً شعر المتنبي على عظمته لا يعتبر شاهداً، لا يعتبر دليلاً على القاعدة النحوية؛ لأن المتنبي نشأ بعد الـ 150 هجري، هو يُستأنس بقوله نعم، أما أن يعتبر دليلاً أن العرب تقول كذا، لا يعتبر المتنبي وكذلك من كان في طبقته.

هناك فقط عالم واحد يقولون إنه يحتج بقوله بعد 150 هجري، من هو؟ الشافعي، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يقولون هذا يستثنى من القاعدة، الشافعي توفي 204 هجري ولكن مع ذلك عدوه من الأئمة الذين يحتج بقولهم مع أنه بعد عصر الاحتجاج، لماذا؟ قال لأنه عاش عند بني هذيل 20 عاماً، تعلم منهم كلام العرب الفصيح، لذلك يعتبر قوله شاهداً ودليلاً على قواعد اللغة العربية. لذلك مثلاً كثير من الأمور عندما تقرأون في أصول الفقه وما شابه ذلك يقول: هل هذه الكلمة مثلاً يقول كلمة دلائل؟ أصول الفقه يقولون "فعيل" لا تجمع على "فعائل" إذا كانت وصفاً، لكن يقولون لا، كيف الإمام الشافعي عبر بها؟ إذاً انظر بماذا الاحتجاج، والإمام الشافعي قال في الرسالة دلائل، إذاً هذه الكلمة مسموعة عن العرب وانتهى الموضوع، فالشافعي تجدون الأئمة الكبار في النحو وفي الفقه وأصول الفقه يحتجون بكلامه في اللغة.

المصدر الثاني من مصادر، أو هو في الحقيقة المصدر الأول من مصادر الكلام العربي الفصيح، هو القرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، وكذلك السنة النبوية، وإن كانت قضية الاستدلال بالسنة النبوية على القواعد النحوية تحتاج إلى تفصيل؛ لأن كما هو معلوم عند المحدثين يجوز رواية الحديث بالمعنى، فإذا روى المتأخر الراوي الحديث بالمعنى وكان هذا الراوي بعد 150 هجري، إذاً كلامه لا يعتبر حجة؛ رواية الحديث بالمعنى جائزة عند جمهور المحدثين، فإذا روى الرجل أو الراوي المتأخر الحديث بالمعنى، إذاً هل هناك ثقة بأن هذا الكلام هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضبط وبالتحقيق؟ هذا يحتاج إلى نظر، وهناك رسائل جامعية الآن تصنف في هذا المبحث، الاحتجاج بالسنة النبوية على القواعد اللغوية.

بعد ذلك ننتقل إلى حكم الشارع في تعلمه. فبشكل عام حكم الشارع في تعلم علم النحو أيها الأحبة أنه فرض كفاية على جميع الأمة، بحيث يجب عليهم أن يهيئوا من طلبة العلم من يدرس هذه العلوم ويضبطها، بعد أن يضبطوا هذه العلوم نعم يسقط الإثم عن جميع الأمة. ما دامت الأمة قادرة أن تنتج ولم تنتج فالجميع آثم؛ صاحب المال آثم، والمعلم آثم، والطالب آثم لأنه لم يدرس علم اللغة العربية.

أما لمن أراد أن ينصب نفسه لمرحلة الإفتاء ولأجل الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة، فهذا يحرم عليه الاجتهاد قبل أن يعرف علوم اللغة العربية، ويكون تعلم اللغة العربية في حقه فرض عين، لذلك لا يمكن، هذه قاعدة طرد، لا يمكن للإنسان أن يتكلم ويرجح بين الأحاديث والآثار وهو لا يعرف اللغة العربية، كيف تستنبط؟ كيف تصل؟ كيف ترجح بين قول الإمام وقول الإمام وتقول والله هذا الحديث نقدمه على هذا الحديث وأنت لا يوجد عندك خبرة بلسان العرب؟ لذلك لا يتجاسر الإنسان على شيء لا يحيط به.

علماء ابن فارس رحمه الله تعالى يقول في كتاب "الصاحبي في فقه اللغة"، باب القول في حاجة أهل الفقه والفتيا إلى معرفة اللغة العربية، يقول ابن فارس رحمه الله تعالى إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنة والفتيا، بسبب كل رجل متعلق بالفقه وبالفتيا ويريد أن يتكلم فيها فتعلم اللغة العربية واجب عليه، حتى لا غناء بأحد منهم عنه، وذلك أن القرآن نازل بلغة العرب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عربي، فمن أراد معرفة ما في كتاب الله عز وجل وما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من كل كلمة غريبة أو نظم عجيب، لم يجرِ من العلم باللغة بد، أي لا بد أن يتعلم، ولا يجد مناصاً من تعلم اللغة العربية.

ولسنا نقول إن الذي يلزمه من ذلك الإحاطة بكل ما قالته العرب، لأن ذلك غير مقدور عليه ولا يكون إلا لنبي، كما يقولون لا يحيط باللغة العربية إلا نبي باللسان، فالإحاطة التامة هذا أصلاً مستحيل حتى للعلماء، بل الواجب علم أصول اللغة والسنن التي نزل القرآن وجاءت السنة بها. فإما أن يكلف القارئ أو الفقيه والمحدث معرفة أوصاف الإبل، لأن عندما تقرأ في كتب المعاجم تجد الإبل لها مئة اسم ومئتي اسم، والشيء كلما زاد اهتمام العربي به يقولون ازدادت أسماؤه، والسيف يصل إلى مئة اسم، هناك كثير من الأسماء والكلمات الغريبة المستعملة منها ما هو معروف لدينا وما هو مستوحش لدينا وإن كان فصيحاً عندهم، فهل يشترط أن يعرف الفقيه أوصاف الإبل وأسماء السباع ومعرفة أسماء الأسلحة وما شابه ذلك من الكلمات التي توجد في المعاجم؟ لا.

وما قالته العرب في الفلوات والفيافي وأسماءها وأوصافها، مثل هذه الأمور لا يتعلق بها، لكن الإنسان لا بد أن يكون عنده معرفة عامة بها وإحاطة عامة مجملة وإن لم يدخل في تفاصيلها، وما جاء عنه من شواذ الأبنية وغرائب التصريف فلا.

أما المبدا الأخير أيها الأحبة فهو المسائل، لذلك قال: "ومسائل العلم هي كل ما سندرسه بإذن الله في هذا المتن، كل ما يدرس في علوم اللغة هو من هذا العلم". وانتهى المجلس الأول، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.