دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مقدّمات في علم أصول الفقه«المبادئ العشرة»

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

سر بنا نحو العلا والمجد أنا أمة العلم. وسل إن شئت عنا بلاد نحو العلا والمجد أنا أمة العلم.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم رزقنا، إنما الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. حياكم الله معاشر طلبة العلم، فبرؤيتكم تنشرح الصدور وتزول الهموم، فأنتم حصن هذه الأمة الحصين، وحماة بيضتها، وحملة لوائها. بكم يباهي الله أولياءه ويغيظ أعداءه.

معاشر طلبة العلم، حياكم الله؛ فأنتم تسلكون بهذا العلم طريقاً إلى الجنة، كما قال الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وما أحوجنا أيها الأحبة لأن نفتح طرقاً، ولأن نطرق طرقاً إلى جنان الله سبحانه وتعالى! ولو لم يكن للعلم شرف إلا أنه يقودك إلى جنة الخلد إلى جوار الله سبحانه وتعالى لكفى به، فكيف وهذا العلم أيها الأحبة به شرف الدنيا والآخرة؟ هذا العلم به شرف الدنيا والآخرة، فهو الذي يعطي معنى، وهو الذي يضفي على وجودنا قيمة، فلا معنى للحياة إلا بالعلم والمعرفة والتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى.

والموت الحقيقي أيها الأحبة أن تحيا بلا فائدة، هذا هو الموت الحقيقي، ليس موت الأبدان. الموت الحقيقي أن يحيا الانسان في هذه الحياة الدنيا بلا فائدة، أن يحيا من دون علم يبصره ويهديه في معامع الحياة. وعندما تمور الفتن أيها الأحبة وتشرئب أعناقها، فإن من يريد درب السلامة عليه أن يلجأ إلى العلم، عليه أن يلجأ إلى العلم الشرعي الذي يبصره أين الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

والله أيها الأحبة إن مجلساً من مجالس العلم تتعلم فيه دين الله سبحانه وتعالى، وتتبصر به من الفتن، به منهج الاستقامة والصلاح الذي يريده الله سبحانه وتعالى، خير من الدنيا وما فيها. هذا المجلس الذي عرفت فيه الطريق والدرب إلى الله سبحانه وتعالى يوزن بالدنيا وما فيها؛ أنقذك من النار، أنقذك من عذاب دائم في عذاب الخلد والعياذ بالله. فالإنسان أيها الأحبة لا يستهين بمجالس العلم. ما معنى أن يكون الانسان في هذه الحياة الدنيا إمعة يقوده الأفراد والطوائف يميناً وشمالاً من دون أن يعرف الحق من الباطل، ومن دون أن يعرف الهدى من الضلال، يجد نفسه في انحرافات وفي مستنقعات من الضلال والزيغ والبعد عن منهج الله سبحانه وتعالى؟

لذلك العاقل أيها الأحبة في هذا الزمن عليه أن ينفض غبار العجز، وعليه أن يشمر ساعد الجد، ولئن يلتحق بطلبة العلم، عليه أن يطلب العلم وأن يتبصر بدينه إذا أراد أن يتحرر من رفقة التقليد، وأن يرى النور. هذا العلم أيها الأحبة نور من الله سبحانه وتعالى ترى به الحق في معامع الضلال وفي أمواج الفتن، لذلك على الإنسان ألا يزهد. لا تظن أيها الحبيب أنك تضيع الوقت، أنت هنا تبني نفسك تحصن نفسك، وككما قال الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: استعد بالعلم لوقوع الفتن، استعد بالعلم لوقوع الفتن لا تدري أين القاصمة.

فالإنسان الذي يكون محصناً من الناحية العلمية، يعرف الفقه، ويعرف العقيدة، ويعرف أصول الفقه، وما هي الأدلة وكيفية الاستدلال، ومن هو المحق ومن هو المبطل، ومن هو المدعي ومن هو العالم؟ من كانت عنده هذه الأمور واضحة بإذن الله ينجو في الفتن. أما من كانت الأمور عنده ضايع، كلما خرج له داعٍ، كلما خرج له رجل جديد فإنه يلحقه يميناً وشمالاً، فهذا يضيع في مستنقعات الانحرافات، نسأل الله السلامة والعافية.

المقام الثاني، كما تعلمون أيها الأحبة، أن هذه الدورة هي في علم من علوم الوسائل والغايات، وهو من أجل العلوم وأشرفها في الحقيقة، ألا وهو علم أصول الفقه. وهذه الدورة أيها الأحبة تأتي ضمن دورات غراس العلم، دراسة العلوم الشرعية ضمن مواد المستوى الأول. وهذه المستوى الأول من هذا المشروع على تقوية الملكات اللغوية والعقلية لطالب العلم قبل أن يلج في بحار العلم وقبل أن يدخل في هذه البحار والامواج المتلاطمة.

دون أن يحكم الطالب شيئاً من الملكات اللغوية والعقلية يكاد يتيه في كلام العلماء، ويضيع في فهم تقريراتهم، ونخشى على أن يحمل كلامهم على غير المراد. وهذا ما حدث مع ارباب البدع على مدار الأزمان؛ عندما ضعفت الملكات اللغوية فلم يفهم باللغة العربية، وعندما ضعفت الملكات العقلية فاختل عنده الميزان في الحكم على الأمور، ضاعت كثير من المسائل وفهم كلام السلف رضوان الله عليهم على غير الوجه الصحيح.

لذلك دائماً أنا أنصح طالب العلم في بداية مشواره في الطريق أن يقوي ملكاته اللغوية والعقلية. لا تكب نفسك على علوم التفسير وعلى علوم العقائد الدقيقة؛ نعم نحن دائماً نقول ونكرر على طالب العلم ابتداءً أن يعرف العقيدة مجملة، أن يعرف ما تصحح عبادته ومعاملته، أن يقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى. هذه الخطوات دائماً نكررها تجاوزناها، نحن الآن نتكلم عن طالب يريد أن ينطلق في المسير، نقول له ابتداءً: قوي الملكات اللغوية والملكات العقلية.

لذلك كثير من الطلبة إن لاحظتم من اخذوا معنا السلم المنورق في علم المنطق، الآن ربما هو لم يفهم كثيراً من المسائل، ولكنه أعمل عقله كثيراً، ومع كثرة إعمال العقل الآن عندما يأتي إلى علوم أسهل من المنطق يجد عنده الفهم أسرع، لأن هنا العقل بدأ يشحن، العقل ما عدا صديقاً بسبب قلة الاستعمال، هناك استعمال للعقل، فهذا الذي نسعى إليه في دراسة العلوم العقلية واللغوية أن يستعمل الإنسان عقله وأن يستعمل لسانه.

كيف أنت تقرأ كتاباً في التفسير، أو كتاباً في أصول الفقه، أو كتاباً في العقيدة مثلاً، وأنت لا تحسن اللغة العربية؟ كيف تعرف الفاعل من المفعول به؟ يستحيل ذلك، ستفهم الكلام على غير ما هو عليه. كذلك كيف تدخل في كتب الاستنباط الفقهي؟ كيف تفهم الفقه وأنت لا تعرف أصوله؟ وما معنى الأمر يقتضي الوجوب؟ وما معنى أنه يقتضي التحريم؟ وما معنى أن العام يبقى على عمومه حتى يأتي المخصص؟ وما معنى قول الصحابي؟ وما معنى المصالح المرسلة؟ وما معنى قياس الشبه، ومعنى قياس الدلالة، ومعنى قياس العلة؟

هذه أمور كلها نجدها في كلام أئمتنا الفقهاء. كيف تدخل في كتب الفقه وتزعم أنك فقيه وتفتي وتتصدر وأنت لم تتقن هذه الأمور؟ هذا يستحيل أيها الحبيب. لذلك لابد إذاً من تقوية الملكات اللغوية والعقلية هذا عموماً.

ثم ندخل في المقام الثالث، وهو لماذا علم أصول الفقه؟ أصول الفقه أيها الأحبة هو معيار الشريعة وميزانها الذي يضبطها، ولو سمي اصول الشريعة بدل اصول الفقه، سميناه اصول الشريعة، لم يكن هذا ببعيد، لأن القواعد التي نتعلمها في اصول الفقه لا تطبق فقط على الفقه، تطبق كذلك على أحكام العقائد، وتطبق كذلك في أحكام الأخلاق والسلوك. فعلم أصول الفقه بالقواعد التي تأتي معنا في الحقيقة هو ينطبق على العقيدة، تدرس في مسائل الاعتقاد وتدرس فيه مسائل الفقه وتدرس فيه مسائل الأخلاق والسلوك.

فهو إذاً يشمل الشريعة المحمدية من جميع جوانبها، فتسميته أصول الشرائع هذا أيضاً تسمية قوية لو ذكرها طائفة من أهل العلم. كذلك أصول الفقه أيها الأحبة يبين عظمة هذه الشريعة وإتقانها، فليس الأمر خبط عشواء؛ هذه الشريعة أيها الأحبة شريعة متقنة بنظام دقيق يحكم حياة هذه الأمة، يفصل بين الحلال والحرام بدقة، يفصل بين المصلحة والمفسدة بدقة، يفصل بينما يصح أن يكون ديناً يتعبد به لله سبحانه وتعالى وما لا يصح أن يكون ديناً له.

وبعبارة أدق أيها الأحبة، أصول الفقه يبين منهج استنباط الأحكام الشرعية التي تحكم حياة الأمة أفراداً وجماعات. أصول الفقه يبين لنا كيف نستنبط الأحكام الشرعية التي تحكم حياة هذه الأمة أفراداً وجماعات، لأن الأمة المحمدية التي اختارت الإسلام ديناً لا تمشي هكذا على هواها خبط عشواء، هناك أحكام شرعية تضبط تحركاتها في كل حركة، في كل فعل، في كل خطوة تخطوها في هذه الحياة، ما الذي يبين لنا المنهج المقياس الذي به نستنبط الأحكام بالشكل الصحيح؟ أصول الفقه.

كذلك أصول الفقه أيها الأحبة يحفظ هذا الدين من التبديل والتحريف، ومن الزيادة والنقصان؛ لأن كل مدع لقول وألصقه بالشريعة سنطالبه بماذا؟ سنطالبه بالدليل وبوجه دلالته على الكلام الذي قاله. لذلك لا يوجد عندنا في الشريعة هوى، الشريعة وأصول الفقه خاصة تضع حدا وحاجزا منيعا امام اصحاب الهوى، هؤلاء الذين يفتون بغير ضبط وبغير علم. كل يوم تسمع فتوى جديدة، كل يوم يخرج لنا رجل جديد يتكلم باسم الشريعة وباسم الدين. كيف نعرف أن هذا الرجل كلامه موافق لمنهج الله أو ليس موافقاً؟ بأصول الفقه تعرف.

هل هذا الرجل أتى بالدليل؟ هل الدليل الذي أتى به يسعفه ويساعده على الحكم أو على الرأي الذي يقوله؟ كل هذا من خلال أصول الفقه بإذن الله تعرفه. كذلك أيها الأحبة، أصول الفقه يضبط لنا مقاصد الشريعة. ومقاصد الشريعة في الوقت المعاصر أصبحت سلاحاً ذا حدين للأسف، كثير من الأفراد والطوائف إذا أراد أن يعني يؤيد قولا أو طريقة يسير عليها ماذا يقول؟ يقول: وهذا يتوافق مع مقاصد الشريعة.

الآن هذه كلمة واسعة، هذه كلمة مطاطة كما يقولون، هذا يتوافق مع مقاصد الشريعة، من الذي يحدد مقصد الشارع؟ وما هي ضوابط هذا المقصد؟ ما هي المجالات التي يفتحها؟ لابد من هناك شيء يضبط كلمة مقاصد الشريعة. فأنت عندما تقول مقصد الشريعة هذه عبارة كما قلنا، قبل أن يطلقها الإنسان ويلصق بها أي رأي أو توجه يريد أن يتوجه إليه، الكلام سهل خاصة في هذه الأمور التي لا يمكن أن تحتكم فيها إلى معين أغلبها على الاجتهاد العقلي.

فيأتي دور علم أصول الفقه ليضبط علم مقاصد الشريعة، فأصول الفقه مهمة جداً لضبط المقاصد الشرعية ولتبين ما هي المجالات التي يمكن أن نطبق فيها هذا المقصد؟ متى نتقدم؟ متى نحجم؟ ما هي الحدود؟ ولا هكذا يقول الإنسان مقاصد الشريعة نترك الناس كلهم يتكلمون بهذه الطريقة؟ هذا في الحقيقة فتح باب لأصحاب الهوى، وفتح باب أيها الأحبة لأن يتكلم في دين الله أنصاف المتعلمين والذين لم يطلعوا، ويلصقوا بالشريعة ما ليس منها تحت هذا الشعار، شعار ماذا؟ مقاصد الشريعة.

لذلك أصول الفقه يضبط لنا المقام، ويبين لنا المجالات والحدود، وكيف يحمل العام على الخاص، وليست النصوص كلها على عمومها؛ هناك عام، هناك خاص، هناك مطلق، هناك مقيد، كل هذا من دولة في علم أصول الفقه. كذلك من عظمة هذا العلم أيها الأحبة أنه يبين لنا نشأة المذاهب الفقهية. كيف نشأت المدارس الفقهية المختلفة؟ الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية. كيف برزت هذه العقول؟ كيف كان علماؤنا رحمهم الله يفكرون؟ ما هو المنهج العقلي الاستنباطي؟

لماذا أبو حنيفة أو ما الذي كان يميز منهجية أبي حنيفة في الاستنباط عن منهجية مالك؟ وما الذي كان يميز منهجية مالك رحمه الله عن منهجية الشافعي؟ ما هي المساحات المشتركة بين المذاهب؟ وما هي المساحات الضيقة التي اختص بها كل مذهب؟ لماذا هذا الاختلاف في الفروع؟ هل هو اختلاف محمود قائم على قواعد، أم هو اختلاف مذموم؟ كل هذا نتعرفه من خلال علم أصول الفقه.

عندما يدرس الطالب أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وعلى مذهب مالك، وعلى مذهب الشافعي، يعلم أيها الأحبة أن أئمتنا تركوا لنا تراثاً عظيماً، حسابات دقيقة، كل شيء بميزان ومعيار، لا يوجد هوى، لا يوجد عالم من السلف رحمهم الله والله يتكلم بهوى، الكل يعود إلى كتاب الله وإلى منهج محمد صلى الله عليه وسلم، ويحاول أن يتفهم ما هي الطريق المحمدية في التشريع، فهوم وهذا اختلاف رحمة ووساع على هذه الأمة بإذن الله.

إذاً هناك فوائد جليلة ومقاصد عظيمة نستفيدها من علم أصول الفقه. ذكرنا شيئاً منها، ولكننا للاسف أيها الأحبة نجد عزوفاً من طلبة العلم عن دراسة أصول الفقه، وهذا في الحقيقة يعني لماذا يصف كثير من الطلبة عن دراسة أصول الفقه؟ هذا له عدة امور، عدة أسباب سببت هذه النتيجة.

السبب الأول هو الضعف العام في همة طلبة العلم بشكل عام في جميع العلوم. هناك ضعف همم وفتور في الهمم، ليس فقط في علم أصول الفقه بل في سائر العلوم، وعلم أصول الفقه يمتاز بضعف أكثر لأنه علم عقلي يحتاج إلى أن يعمل الطالب ذهنه، الطالب بشكل عام يحب أن يبحث عن العلوم السهلة التي لا تحتاج إلى كثرة تفكير، يفهمها بسهولة، وهذا سبب عزوف كثير من الطلبة عن هذه القضية.

إذاً الضعف العام، هناك سبب آخر يعود إلى نفس العلم في الحقيقة، وهو أن هذا العلم للأسف بعد عصر الشافعي وبعد عصر السلف الذين عاصروا الشافعي وتكلموا في هذا العلم، انحرف قليلاً عن الجادة في التأليف، وهذا حقيقة ينبغي أن نقر بها. من جاء بعد الشافعي رحمه الله تعالى ممن صنف هذا العلم، أولعوا بإشكالات العقدية، في إرادة تعني أصول الفقه، أولعوا بإيراد الإشكالات العقدية والخلافات العقدية في أصول الفقه.

لذلك دائماً تجد اصطداماً على أوجُهِهِ بين الأشاعرة والمعتزلة في داخل كتب أصول الفقه. يعني لو في كتب الاعتقاد فهمنا لماذا ندخل هذا الخلاف العقدي وهذا السجال، داخل كتب أصول الفقه ويمل الطالب من ذكر هذه السجالات العقدية. كذلك هناك إيلاء بعلم الكلام وبطريقته في التصنيف، وهذا في الحقيقة يبعد الفائدة المرجوة من العلم عن طالب العلم، ويجعل طالب العلم يعزف عن دراسته.

من كتب الأصول: حقيقة بعض كتب أصول الفقه أصبحت ألغازاً. أصبحت ألغازاً تحتاج إلى فك، وليس هذا هو المقصد الذي من أجله وضع العلم. لذلك نحن نقر أن هناك انحرافاً في المسيرة عما أراده الشافعي -رحمه الله- والأئمة الأوائل في تصنيف هذا العلم.

وأصبح كما قلنا سجالاً للخلاف العقدي ومحلاً لطريقة المتكلمين في تقريراتهم. كذلك من الإشكالات التي دخلت قلة الناحية التطبيقية لطالب العلم؛ في علم أصول الفقه بالذات أصبح كثير من كتب أصول الفقه تهتم بماذا؟ بايراد حد ومناقشة هذا الحد في ثلاثين في أربعين صفحة، ثم بعد ذلك الأمثلة يعني.

من يقرأ من عنده قراءة في كتب أصول الفقه يجد الأمثلة تتكرر في مئة كتاب، هو نفس المثال لا يوجد أمثلة جديدة يطبق عليها الطالب المسائل. الطالب فقط إذا عودته على هذا المثال دائماً تورد له هذا المثال، لا يوجد غير هذا المثال. إذا قرأ عند الحنفية هو هذا المثال، إذا عند الشافعية نفس المثال، قرأ عند المالكية الكل أصبح ماذا يفعل في الحقيقة؟ ينقل من بعضه، فهذه آفة في الحقيقة دخلت.

لذلك على طالب العلم أن يسأل: ماذا أريد من علم أصول الفقه؟ ما هي الثمرة المرجوة منه؟ حتى لا يدخل ضمن هذه المعمعة ولا يعرف أن يخرج بعد ذلك، يظن نفسه أصولياً وهو في الحقيقة ليس أصولياً. وإنما وقف على القشور؛ يستطيع أن يناقش في حد، يستطيع أن يبين مسألة نظرية، يستطيع أن يبين الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مسألة أصولية، لكن في النهاية هل تطبق قاعدة أصولية على نصوص الشريعة؟ تعال طبق لنا هذه القاعدة الأصولية على نازلة من النوازل المعاصرة، على مستجدة من المستجدات، في علم الطب، في علم الهندسة الآن، أنت عالم، الأصل أن تطبق القواعد؛ لا يستطيع. لماذا؟ لأنه أتعب نفسه وهو في مناقشات الحدود، في مناقشات لفظية، هو فقط المثال والمثالان هما اللذان درج عليهما في الدراسة، لا يوسع فقهه.

لذلك الأصل على المعلم وهذا واجب على معلم أصول الفقه أن يمرر، لا يضيق ذهن الطالب دائماً في هذا العلم. إياك أيها الحبيب أن تذهب إلى من يدرس كتب بعض الكتب القديمة التي عبارتها محكمة وفيها نوع إغلاق، لا تدرس هذا الكتاب؛ يعني ليس طالب العلم هو الذي يقرأ الكتاب، بل هناك كتب أنا لا أنصح طالب العلم أن يقرأها، لم تكتب بالشكل الجيد وعلي الطريقة الصحيحة. لذلك على طالب العلم أن يحسن اختيار الكتاب، مقفل العبارة أنت غير مجبر على دراسته، لا تقبل عليه حتى لو جاء شيخ يريد أن يشرحه وعرفت واستشرت وعرفت من العلماء أن هذا الكتاب ليس حسناً ليس جيداً، لا تقبل على هذا الكتاب حتى لا تتعب النفس ولا تذهب الأعمار، تشغل نفسك يعني أنا حضرت وسمعت كثير من هذه الدورات التي في الحقيقة لا ينتفع منها الطالب.

لأنه يخرج فقط بمناقشات لفظية وهو لم يفهم لب القاعدة الأصولية وتطبيقها وتنزيلها على المسائل الفقهية في نصوص الكتاب والسنة. لذلك عليك أن تحسن اختيار الكتاب وأن تحسن اختيار المدرس، بعد ذلك تستطيع أن تقتحم هذا الميدان وتحب هذا العلم. في الحقيقة علم أصول الفقه علم راقي جداً، علم فيه متعة، فيه تطبيق مثل علم الرياضيات، ولكن تحتاج إلى من يحببك في هذا العلم وتحتاج إلى أن تختار الكتاب المناسب. كثير من الطلبة يعزفون عن العلوم بأنه للاسف لم يختر الكتاب المناسب لها ابتداء، ولم يختر المعلم المناسب لها ابتداء فكرهه هذا العلم، وهذا كثيراً ما يقوله الإخوة في النحو، يقولون: تعلمنا العربية على أساتذة لم يحسنوا تعليمها وتعلمنا هذا على شيء أبعدنا عن هذا العلم. لذلك كما قلنا هذا أمر مهم ينبغي على الطالب أن يحسنه حتى يبتعد عن هذه السلبيات التي ذكرناها.

بعد ذلك أيها الأحبة، ندخل: كيف يدرس الطالب علم أصول الفقه؟ يعني أنا أعطي فقط إشارات سريعة على طالب العلم، هذا الواقع أن يدرس كتاباً أصولياً على المذهب الفقهي الذي اختاره. فإن كان شافعياً مثلاً يدرس نظم الورقات، وإن كان حنبلياً يدرس مثلاً النظم الصغير الذي معنا أو كتاباً مختصراً كقواعد ابن اللحام أو مختصر ابن اللحام أو ما شابه ذلك، وإن كان مختصر ابن اللحام فيه طول.

لكن مثل هذا النظم الصغير قد يؤدي الغرض، مثلاً إن كان مالكياً مقدمة ابن القصاب. فيدرس المهم أن يدرس كتاباً مبتدأً على مذهبه، هذا هو الصحيح. لماذا؟ لأنه الطالب إذا خلط ابتداء؛ هو مالكي يدرس كتاباً حنبلياً، هو شافعي يدرس كتاباً مالكياً، تختلط عنده نوعاً ما، وإن كان في الحقيقة بالنسبة للشافعية والمالكية والحنابلة الأصول العامة مشتركة بينهم، وهناك خلاف أكبر مع الحنفية. لكن هؤلاء الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة؛ وإن الطالب في ابتداء علمه درس الورقات، وهذا نحن سلكناه في الحقيقة، نحن ندرس مذهب أحمد ولكننا في بداية تدريسنا لأصول الفقه درسنا نظم الورقات؛ لأن نظم الورقات نظم مشهور كتب له القبول، وإن كان على مذهب الشافعي لكنه يتكلم عن مبادئ علم اصول الفقه والمبادئ العامة لعلم أصول الفقه في طريقتها الحنابلة والشافعية والمالكية. ففي البداية لو درست الورقات وأنت حنبلي أو مالكي لا إشكال، أو درست متناً حنبلياً وأنت شافعي أو مالكي لا إشكال.

لكن بعد ذلك المرحلة المتوسطة والمطولة في العلم لا، عليك أن تدرس أصول الفقه على مذهبك. وهذا هو سبب اختلال -يعني أنا أذكر الشيخ محمود حفظه الله تعالى شيخنا السوداني في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم- أخبرني بهذه القضية الخاطئة والمنهجية الخاطئة عند طلبة العلم. قال لي: إن من الدارج عند طلبة العلم أنه يدرس كتاباً مثلاً يحفظ مراقي السعود، الألفية في علم أصول الفقه وهو حنبلي! وهو شافعي! لا تصلح لك ملابس غيرك، احفظ أنت شافعي احفظ الكوكب الساطع، أنت حنبلي احفظ مختصر التحرير وإن كان نثراً. المهم من المنهجيات الخاطئة كما قلنا أن يدرس علم أصول الفقه على غير المذهب الذي تتبعه.

وهذا يدل على قضية دائماً أركز عليها: لا يوجد طالب علم ليس له مذهب فقهي؛ طالب العلم يختار مذهباً، كل المذاهب على خير بإذن الله، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ولكن لابد أن تتعلم على مذهب وأن تتعلم أصول المذهب. هذا الضعف وهذا العشوائي الذي نعانيه اليوم في واقعنا بسبب عزوف الطلاب عن هذا المنهج الذي سلكه العلماء الأوائل. أيها الأحبة، من مئات السنوات العلماء يسيرون على هذه الطريقة في الدراسة؛ مذهباً يعرف أصوله ثم بعد أن يضبطه ينتقل إلى المذاهب الأخرى لا إشكال، لكن لابد أن تبدأ بالتمذهب أصولاً وفروعاً.

ثم بعد ذلك ننتقل -نحن لا نريد الجمود والتعصب للمذهب ولكن نريد أن نتعلم بالشكل الصحيح- والأمة متفقة من مئات السنوات على هذه الطريقة، وما خرج لنا هذه الطريقة طريقة ترك التمذهب هكذا نذهب إلى الأحاديث مباشرة إلا في المئة سنة الأخيرة، أما لم تكن هذه الطريقة معروفة أبدا عند العلماء الراسخين. لذلك أيها الأحبة، على الطالب إذاً كما علمنا أن يأخذ كتاباً أصولياً سهل العبارة واضح المعالم في بداية طلبه، الأفضل أن يكون على مذهبه، إن لم يكن على مذهبه ولكن كان مثلاً هو مالكي أو حنبلي أو شافعي فالأمر في ذلك الخفق في ذلك هين؛ لأن الأصول العامة في البداية مشتركة.

بعد ذلك ينتقل الطالب إلى مرحلة متوسطة في علم أصول الفقه، يدرس حينئذ كتاباً خاصاً بمذهبه؛ هنا لابد أن تدرس كتاباً خاصاً بمذهبك. يعني في المرحلة الأولى نتوسع، في المرحلة الثانية حتى يضبط الطالب يدرس كتاباً، فمثلاً من كان شافعياً فإنه يدرس اللمع للإمام الشيرازي -رحمه الله تعالى-، ومن كان حنبلياً فإنه يدرس معاقد الفصول للإمام عبد المؤمن الحنبلي -رحمه الله تعالى-، وعند المالكية والشافعية يرجع فيه إلى مذهبهم هم الذين يختارون لك الكتاب الأفضل في تلك المرحلة المتوسطة.

بعد ذلك نصل إلى مرحلة النهاية؛ هذا العلم أيها الأحبة احفظوا علم ماذا؟ علم وسيلة وآلة، ليس علم غاية ومقصد، فليس من الذكاء أن تصرف ساعات عمرك وأنت تقرأ جميع الكتب، أنت تريد أن تأخذ منه البلغة التي تحتاجها للوصول بعد ذلك ننتقل إلى الفقه، نحن نريد ثمرة هذا العلم. طالب علم درس عمره وهو يدرس أصول الفقه ولا يعرف شيئاً في الفقه؛ ماذا استفدنا منه؟ لم يستطع أن يطبق. نحن نريد إذاً أن ننطلق من هذه الآلة ومن هذه الوسيلة إلى المقصد وهو هذا الفقه وتنزيل القواعد الأصولية على الفقه. لذلك هي ثلاثة مراحل لا تزد عليها إلا التطبيق.

فالمرحلة الثالثة نحن الآن وصلنا لمرحلة النهاية، هنا لابد أن تحفظ حقيقة كتاباً موسعاً في العلم، وأنا أفضل أن يحفظ الطالب منظومة؛ إن كان مالكياً يحفظ مثلاً مراقي السعود، إن كان شافعياً فإنه يحفظ الكوكب الساطع للإمام جلال الدين السيوطي -رحمه الله تعالى-، إن كان حنبلياً الحنابلة لا يوجد عندهم منظومة، يوجد عندهم مختصر التحرير الذي هو أصل هذه المنظومة، أصل النظم الصغير. ولكن يعني إن عسر عليه حقيقة مختصر التحرير كتاب طويل ونثر طويل، فلو استطاع الطالب أن يحفظ الكوكب الساطع ويسقط مسائل الحنابلة ويعرف الفرق بين الحنابلة والشافعية يمكن أن يؤدي شيئاً من الغرض، وإن كان الكمال في الحقيقة أن يحفظ ما يتعلق بمذهبه.

الآن طيب إذا فرغنا من المرحلة الأولى من المرحلة الثانية الآن وصلنا إلى النهاية، حفظنا ألفية في هذا العلم، الآن انتهى الأمر أيها الحبيب؛ تبقى قراءات موسعة في هذا العلم. وأذكر شيخنا محمد الجيزاني -متعه الله بالصحة والعافية- قال لي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينبغي على الطالب -وهو شيخ- وعلى ما ينبغي على الطالب إذا درس فناً؛ الأصول أو غير الأصول، أن يقرأ أول كتاب صنف في هذا الفن، وأن يقرأ كتاباً متوسطاً يعني في مرحلة متوسطة من التصنيف، وأن يقرأ كتاباً معاصراً فيه؛ حتى يحوز ويعرف المسلك والطريقة التي سار عليها هذا الفن.

فمثلاً أول كتاب صنف في هذا الفن ما هو؟ الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي. الآن أنا لا أقوي طالب العلم يدرسه ابتداء خطأ، طالب العلم أنت تدرس ابتداء كما قلنا مثلاً مبتدئاً متوسظاً على مذهبك، منتهياً بعد أن تصل للنهاية عليك أن تعود فتقرأ الكتب التي وضعت في ابتداء هذا الفن، أول كتاب صنف فيه، حتى تعرف متى خرج هذا الفن وما هو المقصد من وضعه، وتقرأ كتاب الرسالة للشافعي، ثم تدرس وتقرأ كتباً متوسطة في هذا العلم.

هناك في الحقيقة كتب قيمة جداً في علم أصول الفقه: كتاب قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني -رحمه الله تعالى- الذي كان حنفياً وانتقل إلى مذهب الشافعي، كذلك كتاب شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي الحنبلي، وجمع الجوامع لتاج الدين السبكي. هذه الكتب الثلاث ينبغي لطالب علم أن يدرسها، هذه الكتب الثلاث. ما سوى ذلك يعني في الحقيقة لا يعني هناك كتاب ربما قفزت عنه؛ المستصفى للغزالي، كتاب له قيمة علمية كبيرة جداً في الفقه وله قيمة علمية في العلم، الغزالي كذلك لابد الطالب أن يقرأه.

فالمستصفى وقواطع الأدلة ومختصر الروضة للطوفي وجمع الجوامع لتاج الدين السبكي؛ هذه الكتب في الحقيقة مدار العلم عليها، ستجد آلاف مؤلفة من كتب أصول الفقه لكن أقول لك أغلبها تنقل من بعضها وأغلبها لا يوجد فيها شيء جديد، الجديد في الحقيقة عند هؤلاء، هؤلاء طبعا أنا لا أرفض حق الآخرين كذلك كل واحد عنده لمسة أخرى صفي الدين الهندي وغيرهم من الأئمة. لكن يعني أقول للطالب حتى يختصر المسافة على نفسه، يقول: إيش أدرس؟ إيش أقرأ؟

أقول: بعد أن تدرس بالطريقة التي ذكرناها كتاباً مبتدئاً متوسطاً منتهياً، عد إلى هذه الكتب التي ذكرتها، اضبطها أصبحت أصولياً بحتاً، انتهى الأمر تماماً. ولكن بقيت مرحلة بعد هذه المرحلة المرحلة الختامية، وهي دراسة كتب تخريج الفروع على الأصول، وهذه مدرسة خرجت متأخرة. هذه الكتب أيها الحقيقة أيها الأحبة في الحقيقة مهمة جداً حتى يمارس الطالب علم الأصول ومخبوطة في التدريس، يعني كثير من أهل العلم لا يدرسها.

هذه كتب ماذا يسمى؟ كتب تخريج الفروع على الأصول، مثل كتاب مفتاح الوصول لتخريج الفروع على الأصول للتلمساني -رحمه الله تعالى-. هذا ما وظيفة الكتاب؟ لا يأتي بتقعيد القاعدة ويأتي بالقاعدة جاهزة، لكن يبين لك كيف تطبق هذه القاعدة، يعلمك ممارسة عملية ويبين لك أثر الاختلاف في هذه القاعدة بين المذاهب الفقهية، وهذا هو حقيقة علم الأصول.

لذلك هذه مرحلة اجعلها في الختام بعد أن تضبط علم أصول الفقه، اذهب إلى دراسة كتب تخريج الفروع على الأصول ومن أهمها كتاب مفتاح الوصول للإمام التلمساني -رحمه الله تعالى-، لأن هذا الكتاب يعلمك كيف تطبق القواعد الأصولية على الفروع، ويبين كيف أثر الاختلاف بين العلماء في القاعدة الأصولية على المذاهب وعلى أقوالهم. هذا مرحلة مهمة كثير من طلبة العلم يغفلها، بعد ذلك تهتم بكتب شراح الحديث الذين اهتموا بتطبيق القواعد الأصولية.

وفي الحقيقة دائماً أنا أرجح أو أميل إلى شخصين: ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- هذا إمام لا يشق له غبار في تطبيق القواعد الأصولية في علم الحديث، له كتابان؛ شرح الإمام وهذا شرح الإمام خمسة مجلدات أيها الأحبة فيها أربعة وعشرون أو خمسة وعشرون حديثاً فقط في خمسة مجلدات، الحديث الواحد تجد فيه علماً جماً في أصول الفقه، تعرف ما معنى.

أصول الفقه في ذاك الكتاب، كذلك أحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام، عمدة الأحكام معروف، شرحه ابن دقيق العيد كتاب علمي دقيق جداً، يصعب على الطالب أن نقرأه قبل أن يدرس علم أصول الفقه. فهذا الإمام أنصح للطالب أن يقرأ له كثيراً بعد أن يضبط أصول الفقه. الإمام الثاني هو الإمام القرافي.

ما الفائدة؟ ابن دقيق العيد والقرآفي تتلمذا على شيخ واحد، من هو؟ نشاط متأخر، من هو شيخهما؟ القرافي مالكي، وابن دقيق العيد شافعي، لكنه ماتتالمذا على شيخ واحد هو الذي نَمَّا فيهما في الحقيقة ملكة تطبيق القواعد على الفروع والتميز الذي يظهر فيه مع من سواهما. شيخهما هو الإمام سلطان العلماء العز بن عبد السلام، صاحب كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام. هذا إمام عظيم أيها الأحبة، إمام عظيم جداً في فهمه، في معرفته لمقاصد الشريعة، وفي فهمه لقواعد أصول الفقه، فأخرج لنا عالمين جليلين: ابن دقيق العيد من الشافعية، والإمام القرافي من المالكية.

وتجد نفس الشيخ في تلاميذه وفي كلامهم وفي مصنفاتهم، كثيراً ما ينقل القرافي إذا عدت إلى كلام شيخي تجده أخذه منه، وتعلم أن هذا الشبر من ذاك الأسد كما يقولون. إذاً هذه هي طريقة دراسة علم أصول الفقه جملة حتى يستفيد الطالب، كيف أدرس علم؟ هو السؤال الذي يتكرر علينا، بهذا المنهج الذي ذكرناه ولا تعدوا عنه حتى لا تضيع الأعمار.

نفرغ الآن في النظم الصغير، لماذا النظم الصغير؟ هو هذا السؤال الذي أثير كثيراً، لماذا النظم الصغير وهو نظم معاصر؟ النظم الصغير والمختصر التحرير أيها الأحبة، أولاً صاحب هذا النظم شيخنا عامر بن فداء بهجت، والشيخ عامر بن فداء بهجت مدرس في معهد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وحاصل على شهادة الدكتوراه، ويدرس كذلك في المعهد العالي لإعداد الأئمة والخطباء في جامعة طيبة بالمدينة النبوية. وهو من تلمذنا على يديه ورأينا فيه خلقاً وأدباً قبل أن نرى فيه علماً وإتقاناً. وهذا مما نفتقده حقيقة في المشايخ وفي أهل العلم، أن تجد فيه العلم والأدب والورع قبل أن تجد فيه علم، هذا الذي نحتاجه، نحتاجه عالماً ورعاً تقياً يخشى الله سبحانه وتعالى، ولا نحتاج عالماً مفرطاً يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس.

إذاً الصغير المختصر التحرير للشيخ عامر بن فداء، هذا النظم شارك فيه في الحقيقة ليس الشيخ عامر فقط هو الذي نظمه، لكن صححه ونقحه خمسون من أهل العلم، نظروا ووجدوه نظماً جيداً. لماذا اخترت هذا النظم؟ في الحقيقة هذا النظم جاء تبعا لشرحي لنظم الورقات في مشروع غراس العلم، نحن شرحنا نظم الورقات بسيل الدين العمريطي، ولكن حتى أقوي الطالب أكثر في البداية، كان لابد من أن أعطيه نظماً لا يتكلم عن أي مسألة منطقية، ولا عن أي مسألة كلامية عقدية، فقط علم اصول الفقه فقط، من دون أي تداخل بينه وبين العلوم الأخرى. هذا النظم في تسعين بيتاً، ابتعد تماماً عن طرح أي مسألة منطقية، وعن طرح أي مسألة كلامية، فقط اختصر علم أصول الفقه وأراد أن يبين للطالب القواعد التي ينطلق منها، فمن فهم هذا النظم في الحقيقة أصبحت عنده كما يكون أرضية، أصبحت عنده قاعدة رؤية واضحة لهذا العلم، أنت لم تضبط علم أصول الفقه بأجمعه من أول وهلة، لكن النظم الصغير نحن الآن نضع القواعد والتأصيل والتأسيس.

هذا النظم بإذن الله مع شرح نظم الورقات لشرف الدين العمريطي، إذا أحكمهما الطالب كانت عنده أرضية جيدة متينة، يستطيع بعدها أن ينتقل لدراسة أصول الفقه على مذهبه، لذلك اخترنا هذه الميزة التي وجدتها في هذا النظم، الابتعاد تماماً عن طرح المسائل الكلامية المنطقية، لأن أكثر طلبة العلم حتى عندما شرحنا نظم الورقات لشرف الدين العمريطي، تعبوا معنا قليلاً في المقدمة المنطقية والمقدمة اللغوية، هناك مقدمة لغوية ومنطقية دائماً في بداية المصنفات، تعبوا معنا لأنهم ليس لهم خبرة كثيرة في مصطلحات المناطقة وفي مصطلحات اللغويين، فأشكل عليه، فقلنا لابد أن نأتي نشرح علم أصول الفقه مرة أخرى على طريقة سهلة هينة قريبة التناول للطالب، فوقع الاختيار على هذا الصغير واتبعناه لكم بهذه المذكرة: مسار التفكير.

في مزايا النظم الصغير ومسار التفكير أيها الأحبة، هي مقدمة عملية تطبيقية، يعني عندما تدرس المبحث معنا بإذن الله، بعد ذلك تطبق وتمارس، هذا الذي نريد أن نركز عليه، التطبيق والممارسة. تطبق من خلال مسار التفكير، وهي أيضاً من اعداد الشيخ عامر. وأما الشرح الذي سنسير عليه فهو شرح أو تعليق يسير كتبه العبد الفقير، وسميناه: الإيضاح والتقرير لمعاني النظم الصغير. كتب على عجالة لذلك ستجدون بعض الأخطاء الإملائية، وهذه القسم الأول في الحقيقة من المنظومة النهاية إلى كتاب الإجماع، وهو شرح قال لي أحد الأشخاص اسمه: التعليق اليسير. قلت والله ما يسير، لأن هذه المذكرة الأولى مائة صفحة مع مذكرة أخرى كمان مائة صفحة، يكون طويلاً ليس تعليقاً يسيراً، لذلك سميناه الإيضاح والتقرير لمعاني النظم الصغير. أسأل الله أن يتقبله كما تقبل أصله، وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم نلقاه، فهو الكتاب الذي سنشرحه.

أنا وجدت الطالب في بداية الطلب، يعني لماذا كتب فلماذا ما نأتي بالمنظومة نشرحها؟ من الإشكاليات التي وجدتها أن طلبة العلم أنه في بداية الطلب لا يحسن كتابة المعلومة ولا يتقن هذا الفن، كيف يعني يكتب المعلومة؟ كيف يكتب التعريف؟ كيف يبوب؟ لا يحسن، لذلك كان لابد من كتابة بعض التعليقات. الآن عندما تنظر أنت في هذا التعليق، هي تعليق يسير ليس الشيء العظيم، ولكن أنا اريدك أن تعرف كيف ترتب المعلومة، أنا اريدك أن تفهم كيف أصول الفقه مرتب، ما هي منهجيته؟ فكتبت لك هذا التعليق حتى أنت تقس عليه عندما تنتقل إلى دراسة الكتب المطولة فإنك ستجدها على هذا النمط بشكل عام، ربما هناك اختلاف أكيد في طريقة الكتابة وفي التوسع، ولكن اريدك أن تكون الواضحة أو الخريطة عندك واضحة ابتداءً معالم هذا العلم، ما الذي نريده؟ ما الذي سنشرع فيه واضح؟ لذلك جاء هذا التعليق اليسير، نسأل الله أن يعيننا على طاعته وأن يعيننا على إتمام شرح هذا النظم.

دعونا الآن أيها الأحبة نشرع حتى نستغل الوقت، لا نريد أن نضيع الوقت الصرف، وبما اخذنا مقدمة طويلة كانت صحيح ما حضروا معنا الصرف، كانت قيمة الصرف طويلة، ولكن هنا لأن درس أصول الفقه هو درس واحد في الأسبوع لابد وأن أشرع فيه مباشرة بإذن الله. قال الناظم حفظه الله تعالى: كيف الأمور؟ واضح؟ طيب.

قال الناظم رحمه الله وحفظه: «أحمد ربي واهب العقول * وصل يا ربي على الرسول». اللهم صل وسلم وبارك وأكرم وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إذاً هذا هو البيت الأول في هذه المنظومة الصغيرة التي معنا، افتتح الناظم حفظه الله منظومته بحمد الله سبحانه وتعالى، والأفضل في الحقيقة أن يفتتح بماذا؟ بالبسملة، وهذا دأب العلماء ولكني لم أجد في أي نسخة من منظومته أنه ابتدأ بالبسملة. وذهب العلماء أن أولاً أن يبدأ بالبسملة ليقول: بسم الله الرحمن الرحيم، اقتداءً بكتاب الله العزيز، وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية حين كان يكتب رسله إلى رسائله إلى الملوك وإلى الأمراء فإنه كان يصدرها بالبسملة، كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»، وهو حديث متكلم فيه، وإن كان حسنه ابن الصلاح رحمه الله تعالى.

إذاً الأفضل أن يبتدئ الناظم بالبسملة، ولكنه شرع في الحمدلة مباشرة فقال: «أحمد ربي». وكذلك الابتداء بالحمدلة من محاسن التصنيف، فإن كتاب الله سبحانه وتعالى ابتدأ بعد البسملة بماذا؟ بالحمدلة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. لذلك كانت السنة المتبعة عند المصنفين أن يبتدئوا بالحمدلة ابتداء بكتاب الله سبحانه وتعالى، وكذلك اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية. فعندما كان يبتدأ رسائله، وعندما كان يبتدأ خطبه، ماذا كان يعني يبتدئ الخطب والرسائل؟ بالحمد لله، الحمد لله، خطبة الحاجة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه. وكذلك اقرأ كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك ملوك الأرض أو إلى قرية من القرى فإنه يبتدأ بالحمد لله.

إذاً هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية. وما معنى الحمد أيها الأحبة؟ الحمد ذكرناه ربما في درس الصرف، نعيده في درس الأصول لمن لم يسمع. الحمد أيها الأحبة هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم. قلنا الحمد هو الثناء، والثناء يكون بماذا؟ باللسان، فآلة الثناء اللسان، الثناء لا يكون بالقلب ولا يكون بالعمل، الثناء يكون بماذا؟ باللسان، فقلنا الحمد هو الثناء.

الثناء بالجميل، لماذا قيدنا الثناء بأنه بالجميل؟ لأن هناك ثناء بالخير وهناك ثناء بالشر، كما جاء في الحديث عندما مرت الجنازة أمام النبي صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. هذا الحديث أيها الأحبة يدل على أن الثناء كما يكون بالخير يكون بالشر، والحمد هل هو ثناء بالشر؟ لا، الحمد ثناء بالخير بالجميل.

إذاً قلنا الحمد هو الثناء بالجميل، وهذا الثناء يكون بسبب ماذا؟ قال: على جميل اختياري. فانت عندما تثني بالجميل على شخص فانك تثني على جميل اختياري صدر منه. وما الفرق بين الجميل الاختياري والجميل الاضطراري؟ الجميل الاضطراري أيها الأحبة كما قلنا في الدرس الماضي، لو كان شخص له هيئة حسنة جميلة، طبعه الله عز وجل عليها، فأثنيت عليه على جماله وحسن منظره، هذا الثناء عليه بسبب حسنه وجماله لا يسمى حمداً، لماذا؟ لأن هذا الجمال ليس بفعله، ليس باختياره، ليس له فيه أي شيء فعله، هو هكذا اضطر عليه من الله سبحانه وتعالى، فثنائي على جمال شخص وحسن منظره نسميه ماذا؟ نسميه مدحاً لا نسميه حمداً.

فالحمد يتعلق بالثناء بالجميل على جميل اختياري، يعني على فعل جميل صدر باختيار الشخص المحمود وإرادته، كالكرم، كالشجاعة، كالوفاء، كالإخلاص، كالديانة. الآن هذه أمور جميلة تصدر باختيار الشخص المحمود وإرادته، فعندما أثني على شخص بسببك بسبب شجاعته، بسبب ما قلنا ديانته، بسبب إخلاصه، بسبب اجتهاده، فهذا يسمى ثناء بالجميل على جميل اختياري ليس جميلاً اضطرارياً، فهذا الفرق بين الجميل الاختياري والجميل الاضطراري.

ثم ختمنا التعريف وقلنا: على وجه المحبة والتعظيم. لأن من شرط الحمد أيها الأحبة حتى يسمى حمداً أن يكون ثناء صدر مع محبتك وتعظيمك للمحمود، هذا شرط فيه. فإذا أثنيت على شخص بسبب جميل صدر منه ولكنك تبغضه مثلاً، عدو من أعدائه، فقلت مثلاً والله هؤلاء الأعداء يعني هذا تثني عليهم يخططون ويمكرون ليل نهار، هذا شجاع جريء وأنت تكرهه وتبغضه، هذا ثناء بالجميل على جميل اختياري ولكن هل في قلبك محبة لهذا المحمود وإجلال له؟ لا، أنت تكرهه وتبغضه، فهذا كذلك يسمى مدحاً ولا يسمى حمداً.

فالحمد إذاً شرطه أيها الأحبة: ثناء بالجميل على جميل اختياري على وجه المحبة والتعظيم، هذه الأركان الثلاثة لابد أن توجد حتى يتحقق معنا الحمد. ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد اقتصر علينا شيئاً من هذا التعريف فقال: الحمد هو إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه. وهذا في الحقيقة لا يخرج عن الحد الأول، فالاخبار عن محاسن المحمود مع المحبة والإجلال هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم.

لاحظوا أيها الأحبة أنا دائماً أحب أن أحلل قليلاً يتعود الطالب على تحليل المنظومات، لأنه وعندما سيدرس المنظومات الكبيرة والألفيات أي شرح سترضه ستجد تحليل أعمق بكثير بكثير مما أتكلم به الآن، سيتعب رأسك، لكن القدر الذي أذكره في الحقيقة هو النافع. كثير من التفاصيل التي يدخلون فيها في مطارح المنظومات ويحققون ويدققون، أكثرها إظهار قوة المصنف وملكة العلمية القوية، يبرز قوته من خلال المقدمات، يبين أنه رجل مطلع ومشارك في الفنون، ولكن أنا لا أحب هذه الطريقة في الشرح، يعني أشحذ الذهن قليلاً في بعض المسائل.

فمثلاً من المسائل قال: أحمد ربي، أحمد هذه صيغة فعلية ولا اسمية؟ أحمد هو فعل، فعل ماذا؟ مضارع، أحسنتم. بينما في سورة الفاتحة قال: الحمد لله، وهذه صيغة اسمية، جملة اسمية مبتدأ وخبر. ما الفرق بين الإتيان بالحمد على الجملة الاسمية والإتيان بالحمد على الجملة الفعلية؟ أحسن، فالجملة إذا أثنیت على الله وحمدت الله بالجملة الاسمية زي الحمد لله فهذا يدل على استمرار وثبوت. إذا أردت أن تفيد معنى آخر، لا، أنا لا أريد أن تفيد معنى الاستمرار والثبوت، أريد أن أفيد أن حمدي لله يتجدد حيناً بعد حين، لاحظوا، أريد أن أفيد ماذا؟ أن حمدي لله وثنائي عليه يتجدد حيناً بعد حين، فالمعنى أو الصياغة التي تفيد هذا المعنى، معنى التجدد، أن تأتي بالحمد على الصيغة الفعلية، على صيغة الجملة الفعلية المضارعية بهذا التحديد، ليس أي فعل، كذلك الفعل المضارع، فالجملة الفعلية المضارعية تفيد معنى التجدد في الشيء حيناً بعد حين.

فعندما قال أحمد ربي كأنه قال يعني: أُجَدِّد حمداً لله سبحانه وتعالى حيناً بعد حين. قال: واتى الناظم بالحمد على صيغة الفعل المضارع لإفادة التجدد للحمد. هذه عدلوها أيها الأحبة، لإفادة التجدد للحمد في صفحة ثلاثة، الظاهر أن هذه الف ولام إفادة تجدده للحمد حيناً بعد حين. بعد ذلك قال: قال أحمد ربي، لم يقل أحمد الله، قال أحمد ماذا؟ ربي، فعلق الحمد بصيغة.

الرب أيها الأحبة هو المالك والمدبر والمربي. هذه هي المعاني التي يدور عليها مصطلح الرب: المالك، المدبر، والمربي. فهو عندما قال أحمَدُ ربي وأضاف الرب إلى ياء المتكلم، فكأنه يظهر افتقاره واحتياجه الدائم برعاية الله سبحانه وتعالى وتدبيره. فهو مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في كل حين. أنت عندما تقول ربي وتضيفه إلى ياء المتكلم، إلى نفسك، ماذا تريد بذلك؟ إشعار الافتقار والذلة المستمرة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا غنى لك عن الله سبحانه وتعالى طرفة عين.

هذا الأمر ينبغي على طالب العلم أيها الأحبة أن يستصحبه في تعلمه، فإنه لا غنى عن الله عز وجل. ولا يلوم طالب العلم أنه بلغ في العلم شأواً، دائماً طالب العلم هو عرضة للوقوع في الأخطاء والمعاصي والذنوب. فيحتاج إلى أن يجدد توبة، وأن يظهر الافتقار والانكسار لله سبحانه وتعالى. وبقدر ما يحدث لك من الانكسار لله سبحانه وتعالى، بقدر ما يرفعك الله عز وجل في الدرجات، وبقدر ما يفتح عليك في العلوم. وبقدر ما تتكبر وتظن نفسك بلغت منزلاً عظيماً وأن لك مقاماً عند الله سبحانه وتعالى، فهو بداية الانكسار والهبوط.

فطالب العلم دائماً شأنه الافتقار والتذلل والانكسار لربه سبحانه وتعالى، وأن يستحضر أنه ما من فتح عليه إلا بتوفيق الله عز وجل ومنته. وانه لا طاقة له لفهم علم، ولا لضبطه، ولا للدخول فيه، ولا للاستمرار في هذا الميدان، إذا لم يكن هناك توفيق من الله سبحانه وتعالى وإعانة منه لعبده.

ثم قال بعد ذلك: أحْمَدُ ربي واهب العقول. قال: أحمَدُ ربي واهب العقول. وصف الله سبحانه وتعالى بأنه ماذا؟ واهب العقول. وهذه الصيغة واهب العقول أيها الأحبة هي واضحة المعنى. ما معنى واهب العقول؟ لأنه أعطى الناس العقول التي يفكرون بها، لا تحتاج إلى كثير إيضاح. ولكن لماذا أتى بهذا؟

ليس بحد ذاته واهب العقول، هذا يسمى أيها الأحبة في علم البلاغة ما نسميه براعة الاستهلال. وهذا ذكرناه في ربما المنطق. ما معنى براعة الاستهلال؟ أن يأتي الناظم في مطلع النظم بكلمة تشير وتدل على العلم الذي سيصنف فيه، صحيح؟ هذا يسمى براعة الاستهلال عند البلاغيين. أن يأتي الناظم في مطلع نظمه بكلمة قصيرة يشير بها إلى الفن الذي سيصنف فيه. لذلك ماذا قال مثلاً؟

قال الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. قال الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. عندما تسمع هذه المقدمة ماذا يدلك؟ ما هو العلم الذي سيؤلف فيه؟ لا، ليس الصرف. الحمد لله، البلاغة، لأنه قال: الحمد لله، قال الفقير عبد الحمد لله على البيان. صحيح؟ وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. فاستخدم لفظة الفصاحة، واستخدم لفظة البيان.

هكذا قال السيوطي في عقود الجمان، وهكذا دائماً في كل علم من العلوم تجدون المصنف، سواء كان منثوراً أو منظوماً، يذكر كلمة في المقدمة تشير إلى طبيعة العلم الذي سيذكر فيه. هذا من -لانه ليس واجباً عليه- ولكن من محاسن التصنيف كما يقولون. فعندما قال أحمَدُ ربي واهب العقول، يشير بهذا إلى أن العلم الذي سيصنف فيه في علم ماذا؟ علم عقلي. وهذا في الحقيقة، نعم، ممكن نقول علم أصول الفقه الناحية العقلية فيه بارزة. لكن الغزالي في المستصفى نص قال:

وعلم الأصول قال: وأشرف العلوم ما اجتمع فيه العقل والنقل. قال: وأشرف العلوم ما اجتمع فيه العقل والنقل. ويتكلم عن علم أصول الفقه. فأصول الفقه ليس علماً عقلياً فقط، بل هو علم عقلي ونقلي. والناحية النقلية قوية جداً. الناحية النقلية قوية جداً. سيأتي معنا بعد قليل نص الإام القرافي رحمه الله تعالى في الفروق عندما قال في أن بناء الشريعة المحمدية على أصلين؛ أحدهما المسمى بأصول الفقه. قال: وهذا مبناه في أغلبه على قواعد العربية.

ففي الحقيقة يعني هو القرافي ينص على أن أغلب أصول الفقه قواعد اللغة العربية، وقواعد اللغة العربية قواعد نقلية سمعية. فالقول بأن علم أصول الفقه علم عقلي فقط ليس بصحيح. هو علم عقلي نقلي، والجانب النقلي فيه بارز بقوة وليس فقط على الهامش. لا، بارز بقوة فيه الجانب النقلي، بل القرافي يقول: أغلب الأصول هي قواعد اللغة العربية، وقواعد اللغة العربية مبناها على النقل وليس على العقل. ولكن، وكما هو معلوم عندكم، المشهور عند الناس أنه من علوم العقول.

إذاً قال: أحْمَدُ ربي واهب العقول. ثم أتبع الحمد بالصلاة، قال: وصلِّ يا ربي على الرسول. وهذا كذلك من محاسن التصنيف، وأن يتبع الناظم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحمد. وما معنى الصلاة أيها الأحبة؟ الصلاة من الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة الاستغفار، والصلاة من الآدميين هي الدعاء. فقالوا: وصلِّ يا ربي على الرسول. فأراد أن يجمع بين الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأفرد الصلاة عن السلام، ولم يقل: وصلِّ يا ربي وسلم مثلاً. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يكره إفراد الصلاة عن السلام أم لا يكره ذلك؟ فذهب طائفة من أهل العلم إلى كراهة إفراد الصلاة عن السلام؛ لأن الله قرن بينهما في كتابه، فماذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. فقال كثير من أهل العلم وطائفة من أهل العلم أنه يكره إفراد الصلاة عن السلام، فمن صلى على نبي ينبغي أن يتبع ذلك بالتسليم.

ولكن الصحيح مذهب عليه أكثرهم أنه لا يكره ذلك، وأن دلالة الاقتران في ذاك المقام لا يعتمد عليها في القول بالكراهة، وهذا الذي صار عليه الناظم. نعم، اتباعاً لقول أكثر اهل العلم بعدم كراهة ذلك.

ثم قال الناظم في البيت الثاني: وأطلب قبول نظمي الصغير كأصله مختصر التحرير. إِذْ منه لخصت بلا تبويب رتبته بنمط قريب. بعد ذلك أيها الأحبة، سأل الناظم ربه سبحانه وتعالى أن يتقبل منه هذا الكتاب، أو هذا النظم الذي نظمه. فقال: وأطلب قبول نظمي الصغير. فسأل الله عز وجل القبول. القبول لماذا؟ لنظمه الصغير. وقوله: لنظمي الصغير، هذه تسمية للنظم، وهذا أيضاً من محاسن التصنيف أن يذكر الناظم أو المصنف اسم المنظومة أو اسم الكتاب في مطلع المقدمة.

فهو عندما قال: وأطلب قبول نظمي الصغير، أشار إلى اسم النظم فقال: نظمي الصغير، أي أن هذا النظم اسمه النظم الصغير، فهذا نص منه على اسم النظم. وأطلب قبول نظمي الصغير كأصله، أي كما كتبت القبول لأصل هذا النظم، وهو ماذا؟ مختصر التحرير. ومختصر التحرير أيها الأحبة للإمام محمد بن أحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي، المتوفى عام اثنتين وسبعين وتسعمائة للهجرة. وهذا كتاب اختصر من كتاب التحرير للإمام علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى، شيخ المذهب عند المتأخرين من الحنابلة رحمهم الله تعالى.

فالتحرير للإمام علاء الدين المرداوي. وهذا أيها الأحبة يعني عادة المتبعة في أصول الفقه، ستجد كثيراً من الكتب هي سلاسل؛ كتاب اختصر من كتاب، اللي فوقه شححه، وهذا أخذ من كتاب آخر. هذا كثير في علم أصول الفقه. فينبغي على الطالب أن يتقن هذا الأمر، من المهارات التي ينبغي عليه أن يتقنها أن يعرف السلاسل الأصولية كما يسمونها. أن تعرف هذا الكتاب ما أصله، وفوقه ما أصله، حتى تعود إلى رأس الهرم.

فنقول: التحرير للإمام علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى شيخ الحنابلة من المتأخرين، وهو الذي نقح المذهب، عليه مدار الفتوى الآن في المذهب. علاء الدين المرداوي صنف كتاب التحرير. جاء محمد بن أحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى اختصره في ماذا؟ في مختصر التحرير، يعني أتى إلى كتاب التحرير المرداوي اختصره في متن سماه مختصر التحرير. وجاء شيخنا عامر، ماذا فعل؟ جاء إلى مختصر التحرير، نظر في معالمه العامة، فاستخلص منه هذا النظم الصغير.

إذاً، فالنظم الصغير أخذ من مختصر التحرير. مختصر التحرير لمحمد بن أحمد بن النجار الفتوحي. ابن النجار الفتوحي من أين أخذ مختصر التحرير؟ من التحرير. التحرير لمن؟ لعلاء الدين المرداوي رحمه الله، شيخ الحنابلة من المتأخرين.

ثم بين منهجه في هذا النظم الصغير، فماذا قال: إِذْ منه لخصت بلا تبويب رتبته بنمط قريب. فيقول: إني استخلصت من كتاب مختصر التحرير المسائل والقواعد العامة ودونت هذه المباحث من دون أن أبوبها. فلم أقل: باب مباحث الأمر، باب مباحث النهي، باب مباحث العام، باب الناسخ والمنسوخ. تجدون المنظومة من أولها إلى آخرها هل فيها تبويبات؟ لا يوجد فيها. لذلك قال: إِذْ منه لخصت بلا تبويب. أنا لخصت مختصر التحرير في تسعين بيتاً، وفي الحقيقة ليس تلخيساً يعني، وإنما هو في الحقيقة ملامح عامة، أما التلخيص يكون أعمق من هذا الكلام.

فرتبته بنمط قريب، لكن قال: إني أعدت ترتيب بعض المسائل بنمط قريب، قريب التناول على طالب العلم، ييسر عليه أن يهمه. وفي الحقيقة أنا وجدت الشيخ، وإن لم ينص على ذلك ولكنه فعل ذلك، هو أخذ ترتيب الغزالي في وسيطه لمباحث أصول الفقه فطبقها في نظمه الصغير، ولكنه أخذ مذهب الحنابلة، يعني قرر مذهب الحنابلة. ولكن في طريقة الترتيب والتصنيف لم يتبع طريقة المرداوي تماماً، لم يتبع طريقة ابن النجار الفتوحي صاحب الأصل مختصر التحرير، وإنما أتبع طريقة الغزالي في المستصفى.

وهذا جيداً، الإنسان ينظر، في الحقيقة الغزالي إمام ماهر حادق، يحسن التصنيف، يحسن التبويب، لا يوجد مثله في الحقيقة، الغزالي لا يوجد مثله في التصنيف، وبالتالي قل أن يأتي مثله في هذه الطريقة. ولذلك تجدون كثيراً من أهل العلم يأخذون من الغزالي من دون أن ينصوا على أخذهم منه، كثير هذا. يأخذون من الغزالي الأخلاق والسلوك، يأخذ منه حتى في ترتيبه للمسائل العقدية وإن خالفوه في الاعتقاد، ولكن لأنه بارع فتح الله عز وجل عليه في هذا الميدان، تجدونه أهل العلم ينكبون على مصنفاته يستقون منها المعاني، ويستقون منها حسن التصنيف والترتيب.

إِذْ منه لخصت بلا تبويب رتبته بنمط قريب. الآن أيها الأحبة، هذه المقدمة هي ثلاثة أبيات. بعد ذلك ننتقل إلى صلب الموضوع، ونبدأ بذكر تعريفي علم أصول الفقه. والسنة المتبعة في بداية العلوم أيها الأحبة أن نذكر المبادئ العشرة لهذا العلم. هذا دائماً أكرره وأعيده وأزيده في جميع الدورات. طالب العلم أيها الأحبة، يعني كما يقول الغزالي رحمه الله تعالى، كما ترون عندكم في نهاية الصفحة الرابعة يقول: كل علم لا يستولي الطالب في ابتداء النظر على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه.

عبارة رشيقة جيدة من الغزالي رحمه الله تعالى. ما معنى هذه العبارة؟ الطالب المبتدئ قبل أن يدخل في العلم عليه أن يعرف مبادئه وأصوله: تعريفه، موضوعه، ثمرته. هذه المبادئ والمجامع والمباني إذا لم يدركها الطالب ابتداء وشرع في العلم مباشرة، لا هو عرف تعريف العلم، ولا هو عرف موضوعه، ولا عرف غايته، ولا أول من صنف فيه.

إذا لم يعرف هذه المجامع والمباني، ماذا قال؟ قال: فلا يطمع في أن يعرف أسرار هذا العلم ومباغيه. لأنه لا يعقل أيها الأحبة طالب يدرس علم أصول الفقه ولا يعرف تعريفه، ماذا استفدنا منه؟ يعني لا تستطيع أن تصور لي أصول الفقه بتعريف إذا أنت لا تعرف أصول الفقه، لا تستطيع أن تصور لي النحو في تعريف واضح، الصرف، الفقه. إذاً، هذا إشكال، وهذه حقيقة هذه مبهمات عند الطالب. كثيراً ما أجد من الطلاب عنده هذه الإشكال، تجده يجلس عند الشيخ أيام وسنوات، ثم تأتي تسأله في أصول العلم، يعني تسأله في تعريفه، في موضوعه، لا يحسن الإجابة.

إذاً هذا يدل أن الطالب لم يبتدئ بالشكل الصحيح. فهذه العبارة من الغزالي عبارة تعليمية، عبارة تعليمية خذها من إمام حبر عالم كبير، يقول لك هذه خبرة حياة الغزالي رحمه الله، ايش يقول لك الغزالي؟ يقول لك: كل علم... كل علم ايش قال؟ كل علم لا يستولي الطالب في ابتداء النظر على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه. هذه تجربتي مع العلوم، فعليك في بداية أي علم أن تعرف الأصول العامة.

إياك أن تذهب إلى كتاب عميق في العلم قبل أن تدرس الكتاب الذي قبله، إياك أن تشرع في صلب العلم قبل أن تعرف أصوله ومبادئه العشرة، وإلا تضيع وتذهب الأعمار والسنوات، وتجد نفسك فراغاً بعد عدة سنوات، وتقول: لماذا لم أصل؟ نعم، أقول لك: لماذا لم تصل؟ لأنك لم تسمع النصيحة، ولم تسمع لما قاله العلماء الأكابر.

طيب، ما هي المبادئ العشرة؟ عندما نقول مبادئ عشرة للعلم، هذا مصطلح يتكرر معنا كثيراً. المبادئ العشرة نظمها العلامة الصبان كما ترون أمامكم في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة * الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع * الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى * ومن درى الجميع حاز الشرف

إذاً هذه المبادئ العشرة أيها الأحبة: حد العلم، موضوعه، الثمرة منه، ثم قال: نسبة هذا العلم، فضله، الاستمداد الذي أخذ منه، واضعه، اسمه، حكم الشارع في تعلمه، ومسائله. نحن بإذن الله سنطبق هذه المبادئ العشرة على العلم الذي بين أيدينا، على علم أصول الفقه. ومن خلال التطبيق ستفهم أهمية المبادئ العشرة، ولماذا دائماً نركز عليها في ابتداء المصنفات وفي ابتداء العلوم؛ لأنها ستعطيك نظرة واضحة بإذن الله. ما هو العلم؟

تعريف العلم، فنحن الآن في بداية هذه الدورة بإذن الله سنعرف ما هو تعريف علم أصول الفقه، وهذا أمر مهم في البداية؛ أن تضبط التعريف حتى تعرف ما هو العلم الذي أنت مقبل عليه. فنقول أيها الأحبة: أصول الفقه يعرفه العلماء بطريقتين، لابد من تعريفين عندهم في الجملة هكذا اصطلحوا.

هناك تعريف يسمى التعريف الإضافي، وهناك تعريف يسمى التعريف اللقبي. التعريف الإضافي لأصول الفقه هو تعريف لأصول الفقه باعتباره مركباً من مضاف ومضاف إليه: أصول الفقه، وهنا هذا يسمى التعريف الإضافي. تعريفه باعتباره مركباً إضافياً من مضاف ومضاف إليه، مثله مثل غلام زيد، أليس غلام زيد مركباً إضافياً؟ كذلك أصول الفقه مركب إضافي. فيقولون ابتداء: لابد أن نعرف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً.

فنحلل ما معنى أصول؟ ما معنى فقه؟ ما معنى إضافة الأصول إلى الفقه؟ هذا هو التعريف ماذا؟ الإضافي. ثم بعد ذلك ينتقلون إلى التعريف اللقبي أو العلمي، يعني تعريف أصول الفقه باعتباره علماً على هذا الفن، وباعتباره علماً على علم سنشرع فيه، مثله مثل كلمة النحو على العلم المشهور، مثله مثل كلمة الصرف على العلم المشهور. فنقول: النحو لقب على علم معين، الصرف لقب لعلم معين، وأصول الفقه لقب لعلم معين.

فلذلك إذاً، تعريف أصول الفقه عادة العلماء أن يُعرف بطريقتين: تعريف أصول الفقه باعتباره إضافياً -سنقوم بتحليل هذا المركب تماماً- ثم تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً على علم معين. فنبدأ بالتعريف الأول: تعريف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً. قلنا: إذا أردنا تعريف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً، فعلينا أن نحدد الأجزاء التي يتركب منها هذا التركيب: أصول الفقه. الآن أنت تريد أن تعرفه بالاعتبار الأول، باعتباره مركباً إضافياً من مضاف ومضاف إليه، فعليك إذاً أن تحدد الأجزاء الذي يتركب منها هذا التركيب.

فنقول: أصول الفقه من كم جزء يتركب؟ هناك من يقول ثلاثة، وهناك من يقول هناك جزئان. ما هو الراجح عند العلماء؟ جزئان. ما هما؟ الأصول، طيب والذي يقول ثلاثة ايش رأيك يا شيخ؟ أحسنت، نحن سجلنا أيها الأحبة: الصحيح أنه إذا أردنا أن ننظر إلى الظاهر فقط، يعني حتى أجمع بين الآراء، إذا أردنا أن ننظر بالظاهر فقط هناك جزئان، هذا من النظرة الظاهرية: أصول وفقه. ولكن إذا أردنا أن ننظر بنظرة أعمق هناك ثلاثة أجزاء له: هناك كلمة أصول، وهناك كلمة فقه، وهناك الجزء الثالث وهو جزء معنوي: إضافة الأصول إلى الفقه، هذه أيضاً ينبغي لطالب العلم أن يتنبه إليها.

فعندما تعرف أي مركب إضافي عليك أن تنظر إلى هذه الأمور الثلاثة: تنظر إلى الجزء الأول المضاف، وتنظر إلى الجزء الثاني المضاف إليه، ثم تنظر إلى ماذا؟ إلى الإضافة، التي هي نسبة المضاف إلى المضاف إليه. فهذا جزء يغفل عنه كثير من الطلبة، لأنه في النهاية محصل المعنى الإضافي يعتمد عليه. فأنت ابتداء تعرف المضاف، ثم تعرف المضاف إليه، ثم تعرف نسبة، يعني إضافة المضاف إلى المضاف إليه، ما معنى النسبة النهائية؟

فمثلاً غلام زيد: تقول لي معنى الغلام كذا وكذا، ومعنى زيد الرجل المعروف، وغلام زيد: هذا الغلام هو ملك لزيد. فعرفت أنت من هو الغلام، ما معنى الغلام؟ عرفت ما معنى زيد؟ ثم بينت لي ما معنى نسبة الغلام إلى زيد؟ وهذا سنفعله في هذا المصطلح الذي بين أيدينا، قال: وهي ثلاثة: المضاف وهو لفظة أصول، والمضاف إليه وهو لفظة فقه، والإضافة وهي نسبة الأصول إلى الفقه. ثم قال: ولنشرع الآن في بيان هذه الأجزاء فنقول: ما معنى أصول؟

نبدأ باللفظة الأولى، وأنا دائماً أقول: تعريف العلم ينبغي أن يأخذ منك وقتاً تتعمق فيه، وهذا فعلناه في الصرف وفي المنطق، دائماً تأليف العلم يأخذ منا وقتاً لأنه هو الأهمية. بعد ذلك سائر التعاريف الأخرى التي تأتي في أنحاء العلم خلاص يكفيك أن تأخذ عنها الفكرة الإجمالية، لا تهتم بتفصيلها الدقيق والتحليل العميق. فتعريف العلم لابد أن أُحلله، وأعرف من أين أتى، ومن أين ولماذا أتى به العلماء؟ ولماذا اختاروا هذه اللفظة؟ وما هي أصح التعاريف له؟ لأنك بقدر تحليلك لتعريف العلم وبقدر تحديدك المعنى الصحيح، بقدر ما تتضح عندك الرؤية في جميع العلوم، وهذه بالتجربة أيها الأحبة كل من حدد تعريف العلم بالشكل الصحيح تتضح عنده الرؤية، وكل من كان تعريف العلم عنده غامضاً تكون الرؤية فيه نوع غباش كما يقولون.

طيب، الأصول. الأصول لغةً جمع ماذا؟ أصل. والفعل أيها الأحبة في اللغة إذا جمعناها جمع كثرة فلها جمعان: إما أن تجمع على فعال مثل حبل حبال، وإما أن تجمع على فعول ومنها أصل أصول. إذاً أصول مفردها ماذا؟ أصل. وخذ هذه الفائدة السريعة: دائماً أيها الأحبة عندما تعرف شيئاً تريد أن تبين حقيقة شيء، وكان هذا الشيء الذي تريد أن تبين حقيقته جمعاً، عليك أن تعيده إلى الأفراد. لذلك دائماً ستجد في كتب العلم أي لفظة مجموعة عندما يأتون لتعريفها يردونها إلى المفرد.

لماذا؟ لأن الحقائق إنما تؤخذ من المفردات ولا تؤخذ من الجموع. الجموع تدل على تعدد الأفراد وعلى عددهم فقط. ألفاظ الجموع ما فائدتها؟ لماذا العرب تأتي بالجموع؟ لتدل على تعدد الأفراد، واما حقائق الأشياء فإنما تؤخذ من صيغة الأفراد. لذلك دائماً السنة المتبعة عند العلماء أي مصطلح كان على صيغة الجمع وأرادوا تعريفه فإنهم يعيدونه ابتداءً إلى صيغة المفرد. لذلك يقول: الأصول جمع أصل، والأصل هو كذا وكذا. عرفنا لماذا يفعلون هذا؟ لأن الحقائق والتعاريف تكون لماذا؟ للمفردات، وأما الجموع فإنها تدل على العدد.

طيب، الآن أصل أيها الأحبة توسع الأصوليون في ذكر ما معنى كلمة الأصل، وأوصلوا المعاني إلى عشرين معنى، ومنهم من يزيد على ذلك. وأنا في الحقيقة نحن الآن نشرح منظومة مختصرة لا نريد التفصيل والإسهاب، نريد خلاصة الكلام حتى ننطلق. فسنعطي معنى واحداً أيها الأحبة هو المعنى الأشهر، يمكن إعادة باقي المعاني الأخرى إليه. معنى الأصل أيها الأحبة هو: ما ينبني عليه غيره، باختصار: ما ينبني عليه غيره. كل شيء انبنى عليه غيره فإننا نسميه أصلاً. فالآن هذا الجدار أيها الأحبة هناك قواعد بني عليها، صحيح؟ هذه القواعد نسميها أصل، هذه نسميها ماذا؟ أصل، لأنها ماذا؟ بني عليها غيرها. فكل شيء انبنى عليه غيره نسميه أصل.

وهذا البناء أيها الأحبة قد يكون بناءً حسياً، مثل كما قلنا بناء الحائط هذا على أصوله، على أساسياته. وقد يكون بناءً معنوياً، مثل ماذا؟ مثل بناء الفقه على الدليل، ومثل بناء الحكم الشرعي على الدليل، أنت تبني الحكم على ماذا؟ على الدليل، فالدليل ماذا؟ للحكم الشرعي أو للفقه أو ما شابه ذلك، صحيح؟ فالبناء ليس شرطاً أن يكون بناءً حسياً مشاهداً، قد يكون بناءً معنوياً، لذلك قلنا: كل شيء انبنى عليه غيره يسمى أصلاً. سواء كان هذا البناء حسياً كبناء البيت على الأساس، أو كان هذا البناء معنوياً كبناء الفقه على الأدلة.

وعليه، فإن إطلاقه تسمية الدليل الشرعي أصلاً هذا ليس تعريفاً -يعني ليس مصطلحاً أصولياً- هذا كذلك المعنى اللغوي. عرفتم هذا الذي أردت التنبيه عليه؟ أن يُطلق على الدليل الشرعي على نصوص الكتاب والسنة أنها أصول هي أدلة، صحيح؟ فتسميتها أصولاً هذا تسمية لغوية، لماذا؟ لأنه هذه النصوص ينبني عليها الفقه، ينبني عليها الحكم الشرعي. إذاً تسميتها أصولاً ليس فقط مصطلحاً أصولياً أحدثه الأصوليون من عندهم، بل هو كذلك ينطبق عليه المعنى اللغوي تماماً، لأن معنى الأصل في اللغة: ما بُني عليه غيره، فكل شيء بني عليه غيره، وإن كان هذا البناء حسياً كبناء الجدار على قواعده، أو كان البناء معنوياً كبناء الفقه على الدليل، فانه يسمى ماذا؟ أصله.

طيب، الآن هذه الكلمة عرفنا معناها لغةً عند علماء اللغة، كلمة الأصل ما معناها عند علماء الاصطلاح أو في اصطلاح علماء الأصول؟ ما معنى كلمة الأصل عند علماء الأصول وفي اصطلاحهم؟ الآن أيها الأحبة، في الحقيقة كلمة أصل تستخدم عند العلماء -يعني في اصطلاح علماء الأصول- باطلاقات عديدة، لها عدة اطلاقات ستجدها وستتعامل معها في كتبهم.

الإطلاق الأول: يُطلق الأصل ويراد به القاعدة المستمرة، هذا هو الإطلاق الأول. مثال ذلك يقولون ماذا؟ الأصل في الأعيان النافعة الإباحة، ويقولون الأصل في الأطباع -يعني الفروج ماذا؟- التحريم حتى يثبت خلاف ذلك. ما معنى عندما نقول الأصل في الأبضاع التحريم؟ يعني القاعدة المستمرة التي نسير عليها أنها على التحريم حتى يأتي خلاف ذلك. وعندما نقول الأصل في الأعيان النافعة الإباحة يعني القاعدة المستمرة التي نسير عليها أنها مباحة حتى يأتي دليل ناقل عن هذه الإباحة. فهذا إطلاق للأصل ويراد به القاعدة المستمرة.

الإطلاق الثاني: يُطلق الأصل على الراجح، يُطلق الأصل عند العلماء ويراد به ماذا؟ الراجح. فعندما نقول الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز، ما معناه؟ الراجح في الكلام الحقيقة لا المجاز.

الإطلاق الثالث: يُطلق الأصل في باب القياس على ماذا؟ على المقيس عليه. أنت عندما تعرف القياس، أليس هو إلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في العلة؟ هذا تعريف القياس الفقهي: أن تلحق الفرع بالأصل في الحكم لاشتراكهما في العلة. إذاً يُطلق الأصل على المقيس عليه في باب القياس، وسيأتي معنا بإذن الله أن الأصل يُطلق على ماذا؟ على المقيس عليه. فعندما نقول: النبيذ يقاس على الخمر في حرمة الشرب بجامع الإسكار، نقول: النبيذ فرع والخمر أصل، سميناه ماذا؟ أصل. ما معنى الأصل هنا؟ المقيس عليه. إذاً الأصل يُطلق بمعنى القاعدة المستمرة، الأصل يُطلق بمعنى الراجح، الأصل يُطلق بمعنى المقيس عليه.

الإطلاق الرابع والأخير: يُطلق الأصل بمعنى الدليل. وهذا كما ذكرنا قبل قليل هو إطلاق كذلك لغوي، وهو إطلاق لغوي وإطلاق كذلك اصطلاحي. فعندما نقول: الأصل في تحريم الميتة -كثير هذا تجدونه خاصة عند ابن رشد في بداية المجتهد- الأصل في تحريم كذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، ما معنى الأصل في تحريم الميتة قوله تعالى؟ الدليل على تحريم الميتة قوله تعالى، فهو هنا الأصل جاءت بمعنى الدليل.

إذاً لكلمة الأصل في اصطلاح العلماء كم إطلاق؟ أربعة: القاعدة المستمرة وذكرنا مثالها، الراجح، المقيس عليه، والدليل. الآن أيها الأحبة، ما هو المعنى الذي يناسب كلمة الأصل في المركب الإضافي الذي نحن الآن بصدد التعريف -ونحن الآن نعرف أصول الفقه، صحيح؟- عندك الآن اطلاقات اصطلاحية، ما هو المعنى المناسب الذي نفسر به كلمة أصول في المركب الإضافي أصول الفقه؟ الآن أيها الأحبة هي ممارسة -نقول- هو قول ملزم للجميع لا استطيع أن أفرض وجهته، لكن أكثر العلماء على تفسير الأصول بالدلة. نعم، تفسير الأصول في مصطلح في المركب الإضافي أصول الفقه يفسر الجزء الأول الأصول بمعنى ماذا؟ الأدلة. فاختاروا المعنى الرابع.

الآن عرفنا ما معنى الجزء الأول الأصول، ما معناها إذاً؟ الأدلة. طيب، ننطلق الآن إلى الجزء الثاني من المركب الإضافي وهو الفقه. ما معنى الفقه؟ الآن، ما هو المركب الإضافي؟ المركب الإضافي أصول الفقه. الجزء الأول أصول، الجزء الثاني الفقه، والجزء الثالث النسبة بينهم. الآن اتينا لكلمة الأصول عرفناها بالتحليل من رأسها لساسها، الآن نأتي أيها الأحبة بالمصطلح الثاني إلى الفقه، الجزء الثاني.

الفقه في اللغة ما هو أيها الأحبة؟ الفقه في اللغة هو الفهم مطلقاً، سواء كان فهماً لمسائل ظاهرة جلية، أو كان فهماً لمسائل دقيقة خفية تحتاج إلى إعمال. فمتى كان هناك فهم، سواء كان كما قلنا فهماً لشيء واضح، أو فهم مثل الصلاة واجبة فهمها هل يحتاج إلى أعمال عقل يا شيخ؟ يعني مسألة واضحة سهلة، فهمها يسمى فقهاً فهي مسألة ظاهرة. وكذلك بعض المسائل الفقهية الخفية العميقة في الفروض، في الوصايا، كذلك فهمها يسمى ماذا؟ فقهاً. إذاً فالفقه في لغة العرب يطلق على فهم المسائل، سواء كان لمسائل واضحة جلية أو دقيقة خفية، الكل يسمى فقهاً.

وعلى ذلك جاء استعمال القرآن الكريم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]. حديثاً لو نأتي نطبق بعض القواعد الأصولية، حديثاً أيها الأحبة نكرة جاءت في سياق ماذا؟ النفي. لا يكادون يفقهون حديثاً. من قواعد العموم التي ستأتي: النكرة في سياق النفي تفيد العموم. فقوله: لا يكادون يفقهون حديثاً، يعني لا يفقهون أي حديث، سواء كان حديثاً واضحاً جلياً أو دقيقاً خفياً، فهذا وجه دلالة الآية على أن معنى الفقه على العموم.

كذلك ما أخبر به سبحانه وتعالى على لسان موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27-28]. هل حدد قولي الدقيق ولا قولي العميق ولا قولي الواضح؟ الآن نطبق قاعدة أصولية أخرى، انظر لتطبيق القواعد على النصوص، قولي: قول أضيفت إلى ماذا؟ معرفة، والنكرة إذا أضيفت إلى معرفة فإنها تفيد العموم. النكرة إذا أضيفت إلى معرفة فإنها من صيغ العموم، فكأنه قال: يفقهوا كل قول لي، هذا معنى كلامه. من أين أتيت بكلمة كل؟ صيغة قولي صيغة من صيغ العموم عند الأصوليين، جيد؟ فقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ إذاً قال: يفقهوا كل قولي دقة أو ظهر.

ففي هاتين الآيتين نلاحظ أن الفقه عُلّق بعموم الحديث دقة أو ظهر، وفي الآية الثانية: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ عُلّق الفقه بعموم القول، كان واضحاً أو كان خفياً، فهذا يدل إذاً على أن الفقه هو الفهم.

الفقه هو مطلق الفهم. لماذا نحن الآن نترك هذه المعركة؟ لماذا أركز على أن الفقه هو مطلق الفهم الظاهر والخفي؟ لأن هناك رأياً آخر قوياً أيها الأحبة مقابل، دائماً اعرف متى ما نركز على مسألة وأعيدها وأكررها، اعرف أن هناك مخالِفاً شديداً يعارضني في هذه المسألة، فأحتاج أن أبسط، أو إذا كانت المسألة اتفاقية ما أحتاج إلى كثرة هذا التجديد والإيضاح. الذي خالف في هذا الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى، ووافقه في الحقيقة ابن القيم في إعلام الموقعين ومجموعة من المصريين، قالوا: الفقه ليس هو أي فهم، بل هو فهم للمسائل الدقيقة فقط، ففهم المسائل الواضحة لا يسمونه ماذا؟ فقهاً. قالوا: الفقه فهم للمسائل الدقيقة، فالصلاة واجبة هذه لا نسمي يعني إدراكها وفهمها فقهاً، لماذا؟ لأن المسألة واضحة، أما مسألة من مسائل الفرائض الدقيقة بالمناسبة تحتاج إلى جهد وذهن، نعم فهم هذه المسألة نسميه فقهاً. إذاً هؤلاء يحددون ويصرون الفقه على المسائل الدقيقة الصعبة، وأما المسائل التي فهمها لا يحتاج إلى كبير جهد ما يسمى فهمها فقهاً، وهذا هو يعني لا اريد أن أناقش الآن الأدلة وما هو الأصح ولأنه كلُّ واحدٍ منهم استدل بأدلة تحتاج إلى نظر، ولكن الأصح والأشهر والذي عليه أكثر أهل العلم أن الفقه هو الفهم مطلقاً، سواء كان فهماً للمسائل الجلية أو للمسائل الدقيقة، وليس نحن الآن في موضع بسط الخلاف.

ننطلق الآن المعنى الاصطلاحي للفقه، ننتقل أيها الأحبة، ننتقل إلى المعنى الاصطلاحي للفقه وهو الذي يهمنا، ما معنى الفقه في الاصطلاح؟ الفقه في الاصطلاح هو العلم، انظر للتالي، قال هو العلم يعني في اصطلاح العلماء الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. طبعاً الآن هذا التعريف، منهم من يقول بدل العملية هنا صح؟ منهم من يقول الفرعية، ومنهم من يزيد كلمة المكتسبة من أدلتها، يزيدون بعض الكلمات ويبدلونها، يعني ليس ذاك الأثر الكبير. أنا أنبه عادة أن الطالب إذا قرأ كتاباً آخر يقول الشيخ قال العملية وهذا يقول الفرعية نفس الأمر، ما في إشكال، فالأمر على السعة. إذاً الفقه أيها الأحبة هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. نمر سريعاً على المعنى التالي، العلم ما هو أيها الأحبة؟ ذكرنا قاعدة في علم الصرف قلنا: إذا وجدنا كلمة العلم في بداية أي تعريف، فإما أن نفسرها بالإدراك، وإاما أن نفسرها بالقواعد والمسائل، وإما أن نفسرها بالملكة. هنا ما أنسب تعريف لكلمة العلم؟

الإدراك لا، أنا أراه أنسب: الإدراك بالأحكام أو الإدراك للأحكام، جيد؟ فالعلم أي الإدراك، سواء لعب هنا قل: سواء كان جازماً أو كان ماذا مضنوناً. الآن العلم أيها الأحبة عند من درس النحو يعلم أن كلمة علم هي الأصل فيها أنها تطلق على اليقين، ولكنها تستخدم أيضاً بمعنى الظن كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] أي ظننتموهن. فالعلم نعلمه أصلاً أنه لليقين والجزم، ولكنه يستخدم بمعنى الظن، وهذا كثير. وهنا العلم في هذا التعريف يشمل الجزم والقطع والظن، فالعلم بالأحكام قد يكون علماً بها أنت تقطع وتجزم به، هل تشك أن الصلاة واجبة؟ هذا ايش ذنبه! وهناك علم مضنون، وهذا أغلب ما عليه المذاهب الفقهية أن ما يعني ما يخص به المذاهب هو يقول رأيي صواب ويحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ ويحتمل الصواب. فإذاً العلم بالأحكام الشرعية قد يكون على وجه القطع وقد يكون على وجه ماذا؟ الظن، وهو الأكثر. فكلمة العلم هنا تشمل الجزم والظن.

جيد، قلنا أي الإدراك، سواء كان جازماً أو مضنوناً، لماذا نصصت على هذا؟ لأن بعض العلماء يخص كلمة العلم هنا بماذا؟ بالظن فقط، قصوها بمعنى الظن فقط، وقالوا: العلم هنا ليست بمعنى الجزم، ماذا أرادوا بذلك؟ أرادوا أن يخصصوا مصطلح الفقه بالأحكام الشرعية الظنية والأحكام الشرعية القطعية الظاهرة، يعني كوجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الصيام، وجوب الحج، حل البيع، حل النكاح. قال: هذه المسائل القطعية التي الكل يقطع بها عوام الناس وعلماؤهم، هذه لا تسمى فقهاً، فيريد أن يخصص الفقه بماذا؟ بالأحكام الشرعية الظنية فقط، فقال: العلم بمعنى ماذا؟ الظن. وهذا في الحقيقة مرجوح، والصحيح أن العلم بمعنى القطع والظن، وأن الفقه يشمل الأحكام الشرعية سواء كانت أحكاماً شرعية قطعية مثل وجوب الصلاة هذا فقه، وجوب الصيام يسمى فقه، لا يستطيع أحد أن يخرجه من الفقه بهذا الاصطلاح، كذلك وجوب الزكاة، حل البيع، وإن كانت مسائل واضحة جلية معلومة من الدين بالضرورة، ولكن هذا لا يعني أنها لم تعد فقهاً. لذلك الصحيح أن كلمة العلم هنا تشمل الجزم وتشمل الظن، وأن تخصيصها بالظن بإخراج الأحكام الشرعية القطعية ولعلها تعتبر من الفقه، هذا قول مرجوح.

نأتي إلى الكلمة الثانية العلم بالأحكام، قولنا العلم بالأحكام ابتداءً احترزنا به عن ماذا؟ قال: احترز به عن العلم بالذوات. انظروا ماذا قال؟ احترز به عن العلم بالذوات. فعندما تقول علمت بمكة، الآن أنت علمت بذات الشيء، أنت لم تعرف حكماً، أنت عرفت ذات شيء، عرفت زيداً، جيد. فالعلم قد يكون علماً بذوات، وهذا قطعاً ليس من قبيل الفقه. قد يكون علماً بصفات، كالعلم بكرم حاتم الطائي مثلاً، العلم بالصفات كذلك ليس من قبيل الفقه. علمك مثلاً بصفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، صفاته الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة شعره، قدمه، منكبه، هل هذا يسمى فقهاً؟ لماذا؟ لأنه علم بماذا؟ بصفات. فإذاً إذا كان العلم يتعلق بذات، علمت زيداً، علمت مكة، علمت كتاباً معيناً، فليس فقهاً. إذا كان يتعلق بصفات، كصفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلْقِيَّة، كذلك ليس فقهاً. كذلك إذا كان العلم يتعلق بالأفعال، علمت قيام زيد، علمت مجيء بكر، كذلك هذا لا يسمى من قبيل الفقه. فالفقه علم وقيده علم بالأحكام. إذاً العلم أيها الأحبة قد يكون علماً بذوات، يقول علمت بذات، قد يكون علماً بصفات، قد يكون علماً بأفعال علمت قيام زيد ومجيء بكر، وقد يكون علماً في أحكام، فهو قيد الفقه بأنه بأي نوع من هذه الأمور؟ الرابع، قال: علم بأحكام، فقيده بالنوع الرابع، لذلك قال: علم بأحكام، هذا تقييد.

علم بأحكام. ما معنى الحكم أيها الأحبة في اللغة؟ الحكم في اللغة هو المنع، ومنه قول الشاعر: ابني حنيفة احكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب. يعني امنعوهم من التطاول حتى لا أغضب، وإذا غضبت الله أعلم عاد ايش يعطيك شيء. طيب، أما في، إذاً هذا معنى الحكم في اللغة المنع. وأما الحكم الآن الحكم أيها الأحبة له معنى في الاصطلاح العام للعلوم، وله معنى خاص بعلم أصول الفقه. الحكم في هذا التعريف الذي معنا نعرفه وينطبق عليه تعريف الحكم بالمعنى العام للعلوم، وليس الحكم بالمعنى الأصولي الخاص الذي سنعرفه. تعريف الحكم بالمعنى العام للعلوم هذا ذكرناه في علم المنطق، هو إثبات أمر لامر أو شيء لشيء أو نفي عنه، إثبات شيء لشيء أو نفي عنه. فعندما أقول أنا: النار محرقة، ماذا أثبت؟ أثبت الإحراق للنار، صحيح؟ طيب، وعندما أقول: الخشب ليس معدناً، نفيت شيئاً عن شيء، نفيت المعدنية عن ماذا؟ عن الخشب، اليس كذلك؟ فهذا يسمى حكماً، لماذا؟ في المثال الأول أثبت شيئاً لكل شيء، وفي المثال الثاني نفيت شيئاً عن شيء. فالحكم إذاً أيها الأحبة بالمعنى العام للعلوم جميعاً، سواء علم الأصول ولا علم النحو ولا علم الصرف ولا علم العقيدة، الحكم هذا يسمى التعريف العام للحكم، هو إثبات شيء لشيء أو نفي عنه، وهذا الذي سنعرف به الحكم في هذا.

فاذا قيل لك ما معنى الحكم هنا؟ تقول: إثبات شيء لشيء أو نفي عنه. طيب، علم بالأحكام. الآن هذا الإثبات للشيء لشيء أو نفي عنه قد يكون من جهة ماذا؟ العقل، صحيح مصدره العقل، أثبت شيء لشيء بالعقل، قد يكون بالتجربة، أنا عندما قلت النار محرقة كيف أثبت هذا الشيء لهذا الشيء؟ بالتجربة، وضعت شيئاً على النار احترق فأثبت هذا الشيء لهذا الشيخ، قلت النار محرقة. الخشب كيف نفيت عنه المعدنية؟ كيف أثبت له هذا الحكم أنه ليس معدناً؟ فحصته وتركته أنه ليس معدناً. إذاً هناك أحكام إثبات شيء لشيء أو نفي عنه مصدره العقل، وهناك ما مصدره التجربة، وهناك ما مصدره اللغة أحكام لغوية مصدرها اللغة العربية، وهناك أحكام مصدرها العرف العام للناس، وهناك أحكام مصدرها ماذا؟ الشرع، وهناك أحكام مصدرها الشريعة. فالفقه أي حكم من هذه الأحكام؟ أحكام مصدرها ومأخذها من الشريعة، ليس من العقل ولا من عرف الناس ولا من اللغة العربية، وإنما مصدرها من الشارع سبحانه وتعالى، قال: العلم بالأحكام الشرعية. الآن تفضل وإن كان أن ينادى على المرور لأني ما أريد أفتح الباب ها. الحكم فحتى في المعنى اللغوي يأتي بمعنى القضاء، الحكم في اللغة له معانٍ أجد منها القضاء، والمعنى الاصطلاحي إثبات شيء لشيء أو نفي وعنوي فيه معنى ماذا؟ القضاء، قضيت على هذا الشيء بأنه على هذه الصفة أو أنه ليس على هذه الصفة. فالحكم يأتي في اللغة بمعنى القضاء وهذا أيضاً مشابه للمعنى الاصطلاحي العام.

طيب، أما أيها الأحبة القيد الرابع فقلنا ماذا؟ العلم بالأحكام الشرعية العملية. إذاً هناك حكم مصدره من الشرع ولكنه لا يتعلق بأحكام الجوارح التي تسمى الأحكام العملية، أحكام الجوارح. هناك أحكام شرعية هي تتعلق بالاعتقاد صحيح؟ فعندما نقول الجنة مخلوقة، اليس هذا علماً بحكم شرعي؟ علم وهو حكم إثبات أمر لامر ومصدره من ماذا؟ من الشرع، أنا كيف عرفت أن الجنة مخلوقة؟ الشارع هو الذي. إذاً هذا الحكم مصدره من الشرع، لكن هل نسمي هذا الحكم فقهاً؟ لا، لماذا؟ لأنه ليس لا يتعلق بالعمل بالجوارح، وإنما يتعلق بمسائل الاعتقاد. وهنا أظن هناك خلل في هذه الجملة، قولنا العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية احذفوها أيها الأحبة، العلم بالأحكام الشرعية الواردة في أصول الدين وأصول الفقه، أصول الدين هي الاعتقادية، وأصول الفقه هي التي نحن الآن فيها، فكلمة الاعتقادية زائدة. طيب الآن أيها الأحبة لو قال العلم بالأحكام الشرعية العملية صحيح، وهذا قاله بعض أهل العلم، ولكن هذا من باب توضيح أكثر، صحيح. إذاً العملية احترز به كما قلنا عن العلم بالأحكام الشرعية الواردة في في أصول الدين يعني في مسائل الاعتقاد.

كذلك الأحكام الشرعية الواردة في أصول الفقه، أصول الفقه فيها أحكام شرعية نعم، عندما نقول أيها الأحبة إجماع الأمة حجة، اليس هذا حكماً؟ حكمت على أن إجماع هذه الأمة. طيب ما مصدر هذا الحكم؟ العقل ولا اللغة ولا الشرع؟ الشرع، الشرع هو الذي دلنا على أن إجماع الأمة حجة، إذاً هذا حكم شرعي، لكن هل يسمى إدراكه فقهاً؟ لا، لأنه لا يتعلق بالعمل بالجوارح، يتعلق بأصول الفقه. إذاً ليس كل حكم شرعي هو فقه، هناك حكم شرعي اعتقادي، هناك حكم شرعي أصولي، هناك أحكام شرعية متنوعة، هناك حكم شرعي مثلاً أخلاقي. الذي يتعلق بالفقه ويدخل في تعريف الفقه: الحكم الشرعي العملي الذي يتعلق بأعمال المكلفين وجوارحهم. لذلك قيدناه بماذا؟ بالعملية، فعلمنا بوجوب الصلاة والصيام. الآن الصلاة هذا يتعلق بماذا؟ بالجوارح، الصيام يتعلق بالجوارح، الزكاة، الحج، البيع، النكاح، هذه كلها أيها الأحبة تتعلق بالجوارح. فعلمنا بالأحكام الشرعية التي تتعلق بها هذا الذي يسمى فقهاً، لأنها تتعلق بأعمال المكلفين.

ثم ختمنا فقلنا من أدلتها التفصيلية. الآن من أدلتها هذا الجار والمجرور يتعلق بكلمة العلم الواردة في بداية التعريف، أي أن هذا العلم بهذه الأحكام الشرعية العملية من أين أُخذ؟ ما مصدره؟ هل هو بالتقليد عن شيخ؟ يعني أنا عندما أستفتي عالماً فاسأله عن حكمه فيخبرني يقول هذا الشيء حرام، أنا الآن أخذت حكماً شرعياً عملياً، أليس كذلك؟ لكن هل يسمى علمي بهذا الحكم الشرعي العملي بهذه الطريقة بطريقة الاستفتاء؟ هل يسمى هذا فقهاً؟ هل أُسمَى أنا فقيهاً لأني أنا لم أعلم الحكم الشرعي العملي من الدليل التفصيلي بالاستنباط وإنما أخذته من العالم الرباني بالتقليد؟ فهذا لا يسمى كذلك فقهاً. فالفقه يطلق على العلم بالأحكام الشرعية العملية بشرط أن يكون هذا العلم مأخوذاً من أين؟ من الأدلة التفصيلية، أنت نظرت في نصوص الكتاب والسنة فوصلت بنفسك إلى هذا الحكم الشرعي، حينئذ نسميه ماذا؟ فقهاً. نظرتم لهذا التحليل العميق الطويل لحد الفقه، إذاً هو علم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. طبعاً هذا أيها الأحبة على طريقة المتقدمين وهو المشهور. في اصطلاح المتأخرين يعني وسعوا محصول الفقه، قالوا: إذا أرادنا نطلق الفقه والفقيه على من يعلم الأحكام الشرعية من النصوص مباشرة يصبح كثير من علماء المذاهب الذين لم يصلوا إلى مرتبة استنباط أحكام من الأدلة، وإنما فقط هو يعلم بالمذهب، لا يسمى فقيهاً.

فقالوا: لا، عند المتأخرين وسعوا حدود الفقه، فقالوا: لا نشترط أن يكون العلم أن يكون العلم بالأحكام الشرعية مأخوذاً من الأدلة التفصيلية، حتى لو أخذها بالتقليد جملة وافرة من المسائل نسميه فقيهاً، وهذا توسعة، وأما في الحقيقة فالفقه يطلق على من أخذ العلم من الأدلة التفصيلية. وتقييدنا لاحظوا في الصفحة تسعة، قلنا وتقييدنا الأدلة ما معنى الأدلة التفصيلية؟ هو الطالب يقول لي لماذا قلت الأدلة التفصيلية يعني هذا قيد ولا ما هو قيد؟ قيد. طب إيش يقابله؟ يقابله الأدلة الإجمالية. فهنا أرادنا أن نبين أن الفقيه والفقه يتعامل لا مع الأدلة الإجمالية الكتاب السنة الاجماع القياس جملة، وإنما يتعامل مع تفاصيلها وإنما يتعامل مع تفاصيلها ومع نصوصها. الذي يتعامل مع الأدلة الإجمالية ويتكلم عنها من هو؟ الأصولي. الأصولي يأتي يتكلم يقول لك الكتاب.

والكتاب قواعده، إذا جاء فيه أمر يقبض الوجوب، وإذا جاء فيه ما يقتضي التحريم. السنة حجة ويبين قواعدها العامة. يأتي إلى الإجماع، يبين شروطه وضوابطه. فالأصولي يتعامل مع الدليل جملة، لا يتكلم، لا يأخذ تفاصيله، ليس له علاقة بالبحث في التفاصيل.

الذي يبحث في التفاصيل وفي النصوص التفصيلية من؟ الفقيه. لذلك العلم بالأحكام الشرعية العملية لا يكون بمجرد الأدلة الإجمالية، لا، لابد أن تأتي إلى الأدلة التفصيلية، تأخذ النص الشرعي تطبق عليه نصا نصا. لذلك فاحترزنا فقلنا العلم المأخوذ من الأدلة التفصيلية. أما الأدلة الإجمالية فهذا أصلا لا عمل للفقيه له، الفقيه لا يتعامل مع الأدلة جملة، هو يأخذ جاهزة من الأصول كما سيأتي معنا، يأخذ الأمور جاهزة من الأصول، وهذا سأبينه بإذن الله. إذا وتقييدنا الأدلة بكونها تفصيلية أريد به الاحتراز عن الأدلة الإجمالية، وهي الكتاب والسنة والإجماع ونحوها إجمالا بهذا القيد، إجمالا، لأن الفقيه إنما يأخذ العلم بالحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، لأنه أنا إذا عرفت أن كتاب حجة هكذا فقط، أعرَفُ الحكم ولا لابد آخذ النص الشرعي من الكتاب أتعامل معه؟ مجرد علمي أن الكتاب حجة لا يفيدني شيئا. أحتاج أنا كفقيه حتى أصل للعلم بالأحكام الشرعية أن أتعامل مع النصوص التفصيلية، لذلك قيدنا.

لذا فهو يعتمد، يعني أي الفقيه، يعتمد على الأصولية ابتداء بإثبات حجية الأدلة الإجمالية. إذا أثبت له الأصول الحجية، أخذ الفقيه الأدلة التفصيلية التي يتضمنها الدليل الإجمالي واعتمد عليها في استنباط الحكم الشرعي.

الآن أيها الأحبة، قبل أن ننتقل إلى تعريف أصول الفقه، هنا ختمت التعريف بفائدة. عندما قلنا العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، هذا هو الفقه، يعني هل الفقيه يجب أن يكون عالما بكل الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية؟ أنا قلت العلم بالحكم، أقول الفقه ما هو؟ أن تعلم الأحكام الشرعية. طيب، إذا كنت أععرف بعض الأحكام، أيش كلها لو سمي فقيها؟ نعم، لا، هذا ما يسمى، يعني لو كان إنسان حتى لو بيعرف مسألة واحدة، لا نقيدها، فقط يعرف مسألة واحدة، لا يعرف أي مسألة أخرى، لا يسمى بهذا المعنى فقيه مسألة.

الآن أيها الأحبة، هم عندما قالوا العلم بالأحكام الشرعية، الآن الكل مقر، لا يوجد عالم، حتى الإام أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد لم يكن يعرف كل الأحكام الشرعية العملية، لا يوجد أصلا هذا على أرض الواقع إنسان يعرف كل الحكم الشرعي. لذلك ماذا قال أحدهم نسيت اسمه، يقول: من أفتاء الناس بكل شيء فهو مجنون، مجنون! لأنه لا يوجد إنسان يفتي الناس بكل شيء، لا يوجد إنسان يعرف كل الأحكام الشرعية.

طيب، فما معنى قول الفقيه هو من يعلم الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية؟ يقولون المعنى أنه يعلمها، يعني يعلم بعضها فعلا، والبعض الآخر عنده ملكة وقوة قريبة يستطيع من خلالها لو نظر في الأدلة أن يصل إلى الحكم الشرعي. فهو الآن في هذه اللحظة لا يعرف كل الأحكام قطعا، لكنه يعرف جملة كثيرة منها، هذا جزء، والجزء الآخر الذي يجهله عنده ملكة قوية قريبة بسبب كثرة الممارسة والنظر، هذه الملكة تؤهله إلى أن ينظر في النصوص وأن يستنبط منها متى ما أراد ذلك.

فهذا معنى قولنا العلم بالأحكام. نعم، هو أن يعلم الأحكام، لكن البعض سيُعلمه والبعض الآخر كيف يعلمه؟ هل يعلمه حقيقة الآن يعلمه؟ لا، هو الآن جاهل به، ولكن عنده ملكة قوية وملكة عقلية. لذلك الغزالي رحمه الله يقول: الفقيه لا يكون فقيها أو لا يسمى فقيها حتى يتكلم في المسألة النازلة كما يتكلم في المسألة التي يعرفها. هذا هو الفقيه. إذا طرأت عليه مسألة في أي يبدأ يتكلم في هذه المسألة النازلة ويبين كيف يؤصلها وكيف تعود إلى جذورها، وما هي الأصول التي يمكن أن تعاد عليها، وما هي تقاس؟ إذا لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، لا يستطيع أن يتكلم في المسائل المستجدة كما كلامه في المسائل التي يعرفها واستهلكت وقتلت بحثا كما يقولون. فهذا ما زal عنده ضعف في الملكة الفقهية. إذا هذا تنبيه أردت التنبيهات.

النسبة بين المضاف الأصول والمضاف إليه الفقه. الآن انتهينا من الجزء الأول وهو الأصول، انتهينا الجزء الثاني وهو الفقه. بقي علينا الجزء الثالث من هذا المركب الإضافي وهو جزء معنوي. ما معنى معنوي أيها الأحبة؟ يعني هل نحن نرى نحن نرى كلمة أصول ونرى كلمة فقه؟ الإضافة شيء نحن نقدره في أن هذه الكلمة مضافة لهذه الكلمة، لذلك قلت هذا الجزء الثالث جزء معنوي وليس مرئيا.

طيب هذا ما معنى؟ قال وهو جزء معنوي لا لفظي، بخلاف الجزئين السابقين، وهو باختصار حاصل إضافة الأصول إلى الفقه. ما معنى الأصول أيها الأحبة؟ ما المعنى الذي اخترناه لها؟ قلنا الأصول الأدلة. الفقه عرفناه. إذا حاصل إضافة الأصول إلى الفقه ما معناها؟ يعني الأدلة المتعلقة بالفقه، هذا معنى المركب الإضافي أصول الفقه: الأدلة المتعلقة بالفقه. أردت أن تحلل كلمة الفقه أكثر فتقول الأدلة المتعلقة بالعلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتك ذلك، لكن أنا اقتصرت عليك الطريق حتى لا أطيل.

إذا وعليه يكون حاصل معنى المركب الإضافي الأدلة المتعلقة بالفقه. ننتقل الآن أيها الأحبة إلى التعريف الثاني، وهو تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا على فن معين.

تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا. ما معنى باعتباره لقبا أيها الأحبة، أنا أريد أن تفهمي، أنا لا أريد أن أدخل في التعريف وأتكلم هناك إشكال. قبل قليل عرفت أصول الفقه باعتباره مضاف ومضاف إليه، نظرت إليه من هذه النظرة. الآن سأعرف أصول، يعني كلمة أصول للفقه كأنها مثلها مثل كلمة نحو، مثل كلمة صرف، مثل كلمة عقيدة، كان يعني لن أنظر إليها كأنها مضاف إليه، لا، سأنظر إليها كوحدة واحدة على أنها علم على فن معين. فهذا معنى التعريف اللقبي: أن تنظر إلى هذه الكلمة ليس باعتبار أجزائها، ولكن باعتبارها كتلة واحدة علم وضعت لفن معين، مثلها مثل نحو صرف بلاغة وما شابه ذلك.

فتعريف أصول الفقه بهذا المعنى أيها الأحبة قلنا باعتباره لقب: قواعد أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. نعيد أصول الفقه، وهذا تعريف مهم أيها الأحبة، تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا على الفن الذي سنشرع فيه: هذا أهم شيء تدركه من هذه الدورة، تعرف ما تعرف أصول الفقه قواعد أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة من هذه القواعد وحال الشخص الذي يستفيد.

جيد، إذا يعني نستطيع من هذا أن نصل إلى أن هناك ثلاثة أركان: هناك قواعد أدلة إجمالية، وهناك كيفية الاستفادة واستثمار لهذه، بعد ذلك عندنا حال للمستفيد، من هو المستفيد منها؟ نشرح التعريف سريعا. قواعد أدلة الفقه الإجمالية: بدأت هذا التعريف بكلمة قواعد، القواعد أيها الأحبة جمع ماذا؟ قاعدة. لماذا رددتها إلى المفرد؟ لأن حقائق الأشياء لا تؤخذ من الجمع وإنما تؤخذ من صيغة الأفراد، هذا دائما أصلا عليك أن تتقنه.

إذا القواعد، والقاعدة في عرف الفقهاء والاصوليين هي قضية. قضية يعني جملة. ما معنى قضية؟ جملة، هذا معناته قضية، لكن هذا اصطلاحي منطقي. والقاعدة قضية، أي جملة كلية يعرف منها أحكام جزئياتها. يعني القاعدة أيها الأحبة أنت تستقرأ جملة من الأشياء تثبت من خلالها قاعدة عامة، مثل قاعدة الأمر يقتضي الوجوب، النهي يقتضي التحريم، الإجماع حجة، مثل قواعد قول الصحابي حجة، قول الصحابي إذا عرضوا قول صحابي آخر ليس بحجة. فهذه تسمى أيها الأحبة قواعد، صحيح؟ لأنها جمل كلية تدل على حكم عام، تدل على حكم عام ينطبق على جميع جزئياته.

فعندما أقول الأمر يقتضي الوجوب، هذه قاعدة، هذه قضية كلية تنطبق على جميع جزئياتها. ما معنى جزئياتها؟ يعني متى ما وجدت صيغة أمر في من نصوص الكتاب والسنة فالأصل فيه أنه يفيد ماذا؟ الوجوب. متى ما وجدت نهيا في نص من نصوص الكتاب والسنة فانه يفيد ماذا؟ التحريم. متى ما وجدت صيغة تدل على العموم في نص من نصوص الكتاب والسنة تحمل على عموم عداوة المخصص.

فإذا هذه تسمى قواعد: الأمر يقتضي الوجوب، قاعدة استطيع أن أطبقها على جميع الجزئيات التي تمر معي في نصوص الكتاب والسنة. وقل ذلك في جميع القواعد، في قواعد باب الإجماع، قواعد باب القياس، في قواعد الاستصلاح الاستحسان وما شابه ذلك. فعرفنا ما معنى قاعدة: جملة كلية نستطيع أن نطبقها على جميع الجزئيات التي تندرج تحتها. فقولنا الأمر يفيد الوجوب هذه قاعدة أصولية يعرف منها أحكام الجزئيات التي تندرج. فقوله أن العالم يبقى على عمومه حتى يأتي دليل مخصص، هذه قاعدة أصولية أخرى يعرف منها أحكام الجزئيات.

انظروا إلى الصفحة التي تليها. قلنا وإنما صدرت بلفظ القواعد خلافا لما يفعله كثير من الأصوليين. حقيقة أيها الأحبة، قليل من الأصوليين الذين يبدأون التعريف بكلمة القواعد، أكثرهم يبتدأ التعريف، وهذا يعني أعطيك إياه لأنك ستتعامل معه، تجده مباشرة يقول أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية، لا يضيف كلمة قواعد ابتداء. ابن النجار الفتوحي هو ذكر كلمة القواعد في كتابه شرح الكوكب المنير المختصر للتحرير، وذكرها مجموعة من العلماء، ولكن الأكثر لا يبتدأ بهذا.

ولكن مع هؤلاء الأكثر نصطدم في مشكلة، ما هي؟ عندما نقول أصول الفقه مباشرة هكذا أدلة الفقه الإجمالية من دون أن نضيف لفظة القواعد، سيأتي معنا بعد قليل أيها الأحبة عندما نتكلم عن ما هو موضوع علم أصول الفقه، سنقول موضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية. ودائما قاعدة نكررها في جميع الدروس والمدارس: موضوع العلم ليس العلم.

هل أنا لو قلت لك ما موضوع علم الطب؟ ما موضوع علم الطب؟ بدن الإنسان. طيب، ما هو علم الطب؟ هي المسائل والقواعد التي تدرس حول بدن الإنسان. ففرق إذا بين موضوع العلم وبين العلم، وهذا كثير من الطلبة يخلط فيه ولا يعرف الفرق بينه. موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم. هذا ذكرناه في علم الصرف. موضوع العلم المحور الذي يدور حوله العلم، عبارة أخرى الجهة التي يقصدها علماء الفن للدراسة. فالطب موضوعه الذي يتجه عليه البحث وتسلط عليه الاضواء بدن الإنسان.

أما لو سألتك عرف علم الطب تقول لي تعريف علم الطب أنه بدن الإنسان؟ تعريف خاطئ صحيح؟ هل تعريف علم الطب أنه بدن الإنسان؟ علم الطب هي القواعد والمسائل التي تدرس حول بدن الإنسان. كذلك في أصول الفقه، أصول الفقه موضوعه كما سيأتي معنا في الفقرة التي تليها أدلة الفقه الإجمالية. الأدلة الإجمالية، الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، الاستصحاب، هذه الأدلة الإجمالية هي الجهة، هي المحور الذي يدور حوله البحث في هذا العلم، فهي موضوعه.

فلا يصح أن أقول إن هذا العلم هو الأدلة الإجمالية، لأن موضوع العلم ليس هو العلم، فليس علم أصول الفقه الأدلة الإجمالية بل أصول الفقه وماذا؟ القواعد التي تدرس حول الأدلة الإجمالية. طيب، هذه قضية يعني غفل عنها كل العلماء الذين صنفوا، كيف يقولون أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية؟ الآن من أكثر العلماء الذين اصول الفقه مباشرة أدلة الفقه الإجمالية ذهبوا إلى التأويل مباشرة، قالوا نقصد بأدلة الفقه الإجمالية هناك كلمة محذوفة، هل ذكروا البناني في حاشيته على شرح جلال الدين المحلي؟ قال: نقصد أن هناك كلمة محذوفة قبل الأدلة الإجمالية هي كلمة قواعد، فعادوا إلى ما صرحت به هنا، قال: هناك كلمة محذوفة قبل الأدلة الإجمالية نقول هي ماذا؟ القواعد، لم نصرح بها. ومنهم من تأول كلمة أدلة الفقه الإجمالي، لا، قالوا نقصد بالادلة هنا طيب.

المهم صاروا التأويلات، صار القبر يحتاج إلى تأويل حتى يستقيم معه بالتعريف، فانا اختصرت عليه في المسافة كما اختصرها طائفة من العلماء المحققين، فقلت لك مباشرة الفقه ليس الأدلة الإجمالية كعلم، هي القواعد والمسائل التي تدرس عن الأدلة الإجمالية، وأما الأدلة الإجمالية فهي ماذا؟ أيوه، ليش في تردد؟ الكلمة تخرج على قوم. اصول موضوع علم أصول الفقه هي الأدلة الإجمالية، وأما علم أصول الفقه هي القواعد والمسائل التي تدرس على الأدلة الإجمالية. الأمر واضح أيها الأحبة، سهل، ولكن قد يكون سهل لي.

الان إذا قلنا الكلمة الأولى القواعد، وعرفتم لماذا بدأت بها ولم أتبع قولي الأكثر التصدير بالأدلة مباشرة، لأن من صدر بالأدلة احتاج إلى التأويل، وأنا لا أريد منك التأويلات. قواعد أدلة الفقه الإجمالية.

ما معنى أدلة الفقه الإجمالي أيها الأحبة؟ هذا من المصطلحات المهمة أن تفهمها في بداية العلم. أدلة الفقه الإجمالية هي مصادر التشريع، تساوي كلمة مصادر التشريع. فقلنا مصادر التشريع، أو قلنا أدلة الفقه الإجمالية، فلا فرق بين المصطلحين، فلا فرق بين المصطلحين، فلقلت قواعد مصادر التشريع، أو قلت قواعد الأدلة الإجمالية كلاهما صحيح، ولكن الدارج ما هو؟ الدارج أن يقال قواعد وأدلة الفقه الإجمالية.

قلنا أدلة الفقه الإجمالية هي مصادر التشريع التي إليها في تلقي الأحكام، ولاحظوا قيدتها هنا بانها ماذا؟ إجمالية. بينما في تعريف الفقه قلنا الأدلة التفصيلية. فلاحظوا حتى أبين أن الفقيه عمله وشغله في الأدلة التفصيلية، ولا يبحث الدليل الإجمالي في حجيته، في قواعده، هذا يقول هذه ليست وظيفتي، هذه وظيفة من؟ الأصولي. أنت كاصولي تأتيني بالقواعد جاهزة، وأنا كفقيه وظيفتي آتي بالادلة التفصيلية أدخلها ضمن هذه القواعد. جيد، فاذا الأصولي يتعامل مع الأدلة جملة، يتعامل مع الكتاب يتكلم عنه جملة، لا يتكلم عن نصوص الكتاب بحد ذاتها، ليس نظره فيها، هو.

في إثبات حجيته، وفي إثبات قواعده العامة. مصادر التشريع أيها الأحبة على نوعين: هناك مصادر تشريع متفق عليها بين العلماء جملة؛ في الجملة خلاف في بعض التفاصيل، لكن في الجملة أقول وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

هناك من يضع مكان القياس الاستصحاب، كون القياس خالف فيه ابن حزم الظاهري ومجموعة، والاستصحاب لم يخالف فيه أحد، لكن في الحقيقة الاستصحاب أضعف الأدلة تماما، فجعلوا من الأدلة المتفق لا يناسب، وفي بعض تفاصيله خلاف. وأما القياس فالخلاف فيه حادث؛ يعني خلاف الظاهري وابن حزم الظاهري فيه حادث، ومخالف لما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى، فلا يعتد بقولهم في هذه المسألة، وإن كنا في النهاية نناقش.

ولكن أن يلغى القياس تماما ولا يعتبر، أو نعتبرها مسألة خلافية، فهذا خلاف بالإجماع الذي كان على عصر السلف رحمهم الله تعالى. أما المصادر الأخرى فهناك مصادر تشريع مختلف فيها، وهذا في الحقيقة ميز في هذا النظم لم أجدها في نظم الورقات.

يعني هذا النظم أيها الأحبة من ميزته أنه تكلم عن النوعين: عن مصادر التشريع المتفق فيها والمختلف فيها، فالطالب سيأخذ جملة عن كلا النوعين. الورقات وأغلب الكتب المبتدئة تتكلم فقط عن ماذا؟ عن القسم المتفق عليه، وهذا توسع، فذكر المختلف فيه، من هذا من ميزاته.

مصادر التشريع هناك مختلف فيها، مثل الاستصلاح الذي يسمى المصالح المرسلة، وهذا مسلخ خطير أيها الأحبة، عليه اليوم مذاق كثير من الفتاوى التي تسمع، الاستحسان، قول الصحابي ونحو ذلك، سد الذرائع، وقس عليه. فهذه مصادر تشريع مختلف فيها؛ يعني ليس كل العلماء متفق على اعتمادها مصدرا من مصادر التشريع، بخلاف الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

فكما قلنا هناك اتفاق شبه كامل على ماذا؟ على أنها مصادر يرجع إليها في استقاء الأحكام الشرعية. المصالح المرسلة -وسيأتي معنا بالتفصيل بإذن الله إن كان هناك العمر بقية- سيأتي تفصيل لمعنى الاستصلاح والمصالح المرسلة، لكن أنا الآن يهمني أن تعرف العنوان.

فعلى سبيل المثال -انظروا في نصف الصفحة حداش- على سبيل المثال الأصولي ماذا يعمل؟ قال: يثبت حجية السنة، يثبت الأدلة أن سنة النبي حجة على الأحكام، ويقيم الأدلة على ذلك، ثم يوضح قواعد الاستنباط منها. إذا أثبتنا أن الحجة سنة، أن ثم حجة، كيف أستنبط منها أيها الأحبة؟ ما هي قواعد الاستنباط؟ هذه وظيفة الأصول أن يبينها.

فيأتي بالسنة القولية كيف أستنبط منها؟ السنة الفعلية ما دلالتها؟ طيب إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم مع فعله ماذا أفعل؟ هذا كله عمل أصولي يبين هذه القواعد. طيب إذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر على وجه التشريع، صدر باعتباره قائدا للجيش، صدر بجبلته، بعادته، ليس باعتباره نبيا وشرعا عليه الصلاة والسلام، ماذا أفعل؟ هذا كله عمل الأصولي.

إذا الأصولي يثبت مصدر التشريع ابتداء، ثم يثبت القواعد التي يتعامل فيها من خلال هذا المصدر، لذلك قلنا على سبيل المثال يثبت حجية السنة، ثم يوضح قواعد الاستنباط منها، فيبين دلالة السنة القولية والفعلية، وقواعد التعارض بين القول والفعل، وهكذا. كل ذلك بالإجماع والقياس، يأتي للإجماع، يثبت هذا الإجماع مصدر تشريعي، بعد ذلك يثبت القواعد التي تتعلق، الإجماع على نوعين: إجماع صريح، إجماع سكوتي، كلاهما حجة.

طيب ما هي شروط انعقاد الإجماع؟ طيب إذا خالف شخص؟ ويأتي إلى التفاصيل، فابتداء هكذا يعمل الأصولي: يثبت حجية المصدر التشريعي، ثم يبين قواعده، هذه وظيفته التي عليها مدار علمه. إذا انتهينا، قلنا: قواعد أدلة الفقه الإجمالية. فهمنا هذا المقطع أيها الأحبة ولا في إشكال؟ هل هناك لبس في جزئية فيه؟

الجزء الثاني: قال كيفية الاستفادة منها. فالجزء الأول يثبت الحجية ويقرر قواعد الأدلة الإجمالية، هذا الجزء الأول من عمل الأصولي ذكرناه في بداية التعريف: قواعد الأدلة الإجمالية، ثم بعد ذلك علم أصول الفقه يدرس كيفية الاستفادة من هذه القواعد وكيفية توظيفها واستثمارها للوصول إلى الحكم الشرعي، صحيح؟

فهذا هو الجزء، فالجزء الأول إثبات حجية مصادر التشريع ثم إثبات القواعد، بعد ذلك يبين كيفية التعامل مع هذه القواعد، خاصة عندما تتعارض. ممكن أن تقرر قاعدة صحيحة وقاعدة صحيحة، لكن أحيانا تتعارض القواعد، أي القاعدتين تقدم؟ هذه القاعدة ولا هذه القاعدة؟ هذا كذلك من عمل الأصول، كيفية الاستفادة منها -الضمير في منها يعود إلى القواعد- أي كيفية الاستفادة من القواعد وتوظيفها للوصول للحكم الشرعي.

ثالثا: ماذا قال؟ حال المستفيد. المستفيد أيها الأحبة هو المجتهد والمقلد. طيب تقول لي المستفيد هو الذي سيستفيد من القواعد، صحيح، فهذا الظاهر أنه المجتهد، فكيف أدخلت المقلد معه؟ صحيح، أنت تقول لي من المستفيد؟ هو الذي سيستفيد من هذه القواعد، باختصار من هو الشخص المؤهل للاستفادة من القواعد ولتطبيقها على النصوص الشرعية التفصيلية للوصول إلى الحكم الشرعي؟ هذا هو المستفيد، وهو المجتهد، ماذا أدخلت المقلد؟

نقول أيها الأحبة: المجتهد يستفيد الحكم من القواعد، والمقلد يستفيد الحكم ممن؟ من المجتهد، إذا كلاهما مستفيد، صحيح؟ لذلك عندما ننظر في مباحث هذه حال المستفيد هذا آخر العادة يختم به الأصوليون، مبحث المستفيد. وعندما يبحثون فيه لا يبحثون فقط في المجتهد، هم ينصون على المجتهد ويتكلمون عن المقلد أيضا، وبينوا أنه وبضدها تتميز الأشياء؛ أنت إذا عرفت المجتهد وأردت تفصيله، وعرفت المقلد وعرفت تفاصيله، تميز لك الأمر تمييزا واضحا، لذلك الصحيح نقول تبيين حال المستفيد.

فأصول الفقه يبين لنا من هو المستفيد؟ المستفيد هو المجتهد بشروطه، ومن هو المقلد؟ وما هي شروط التقليد؟ فلذلك هو يبين الحالتين، يبين من هو المجتهد الذي تأهل للاستفادة من القواعد التي تقررت مباشرة؟ ومن هو المستفيد الآخر الذي لم يتأهل للاستفادة من القواعد، بل واجبه أن يستفيد من المجتهدين؟ لذلك هو يبين حال الأمرين. فعلم الأصول يبين من هما الشخص المؤهل للاستفادة من قواعد الأدلة الإجمالية حتى يطبقها على الأدلة التفصيلية، باختصار هذه الجملة يمكن أن نختصرها: يبين شروط الاجتهاد.

يبين شروط الاجتهاد: من هو المجتهد؟ ما هي شروطه؟ متى يتأهل الشخص حتى نقول أنه أصبح مجتهدا؟ وهذه مسألة مهمة في هذا العصر؛ لأن ما شاء الله الكل أصبح يدعي الاجتهاد والكل يفتي، كذلك ليس كل شخص مؤهل لاستنباط الأحكام الشرعية من القواعد الأصولية، فلابد من بيان الاجتهاد وما هي شروطه ومراتبه حتى يلزم كل إنسان حده، ولا يتكلم في من لم يحط به خبرا.

الآن انظروا ماذا ختمت السطر الأخير؟ ماذا قلت؟ وإن كان بيان حال المستفيد ليس من صلب هذا العلم، هذا هو الواقع؛ أن أصول الفقه كعلم -أنت لاحظ المركب الإضافي معنا- أصول يعني أدلة الفقه، إحنا نتكلم عن الأدلة وقواعدها، فبيان من هو المجتهد ومن هو المقلد هذا أمر في الحقيقة ليس من العلم، وإنما هو إلحاق وتبع، ألحق به فقط حتى نبين من هو الشخص المؤهل للاستفادة من علمنا.

جيد، لذلك نص على ذلك السبكي -تاج الدين السبكي رحمه الله- ومجموعة من العلماء، أن بيان حال المستفيد المجتهد والمقلد ليس من علم الأصول، وإنما ألحق إلحاقا، لذلك البعض لا يذكر بيان حال المستفيد في تعريف أصول الفقه، يحذفه، يقول: هذا ليس من العلم.

أنا ذكرته على طريقة أكثَر حتى تتم الفائدة وتعرف أن أصول الفقه في ثلاثة أشياء: قواعد الأدلة الإجمالية، فندرس حجية الأدلة الإجمالية مصادر للتشريع وقواعدها التفصيلية، ثم بعد ذلك نتعلم كيف نتعامل مع القواعد خاصة عند تعارضها، ثم نختم علم أصول الفقه بدراسة من؟ حال المستفيد، من هو المجتهد الذي يتأهل للتعامل مع القواعد؟ ومن هو المقلد؟

الان اريد أن أتكلم لك عن موضوع العلم وأمثلك بمثال يتضح لك أكثر ما معنى علم أصول الفقه -ربما الحركة تغير النفسيات- اذكر لك مثالا يمكن أن تتخيل أيها الحبيب علم أصول الفقه، حتى يتضح لك هذا العلم تخيل هذه آلة في مصنع، هذه الآلة لها مهندس -الآن ارسموا صور، يعني ما أحد يحتج علينا- هذه الآلة لها مهندس، هذا المهندس يضع فيها قوالب محددة: قالب أول: الأمر يقتضي الوجوب، قالب ثاني: النهي يقتضي التحريم، قالب ثالث: فعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الندب حتى يأتي ما يدل على الوجوب.

إذا المهندس صنع لنا آلة، هذه الآلة فيها ماذا؟ قواعد. من هو المهندس هذا؟ هل هو الأصولي ولا المجتهد؟ الأصولي أحسنتم. الآن بعد أن يصنع المهندس هذه الآلة ويضع فيها القوالب بشكل صحيح، يأتي دور شخص آخر، هو المجتهد؛ يأتي هذا الشخص عنده مواد خام، ما هي المواد الخام؟ الأدلة التفصيلية، نصوص من الكتاب والسنة أدلة تفصيلية، يفرغ هذه الأدلة التفصيلية، هذا المجتهد جاء بالأدلة التفصيلية، فأصبح يفرغها في داخل القواعد، في داخل القوالب.

ينظر، عنده نص، ما هو القالب الصحيح الذي ينطبق عليه؟ هل هو هذا القالب ولا هذا القالب ولا هذا القالب؟ الآن إذا وضع النص في قالب خطأ، ستكون النتيجة التي خرجت من الآلة، الثمرة التي أنجتها هي الآلة أو المادة الصناعية التي خرجت، ايش ستكون؟ مدمرة، خاطئة. إذا وضع النص التفصيلي في القالب صحيح، الآلة ستخرج من الجهة المقابلة سلعة وإنتاج ماذا؟ صحيح، إنتاج الآلة ماذا سيكون؟ ما هو مخرج الحكم الشرعي؟ أحسنتم، الحكم الشرعي.

إذا أدخل المجتهد الدليل التفصيلي في القالب الصحيح سيخرج حكم شرعي صحيح، إذا أدخل المجتهد الدليل التفصيلي في القاعدة الخطأ سيخرج لحكم شرعي ماذا؟ خطأ. طب المصيبة الكبرى ما هي؟ أن يكون أحد القوالب فيها خطأ، أن يكون المهندس الأصولي ابتداء قرر قاعدة أصولية خاطئة، هنا المجتهد ليس بيده، خلص، هو الآلة جاهزة، وجد عنده قاعدة أصولية كانت خاطئة، دخل فيها نص أخرج مخرجات.

وهكذا أيها الأحبة ينشأ الخطأ والشذوذ عندما يدخل المجتهد الدليل التفصيلي في قالب خاطئ، أو يكون القالب ابتداء الذي وضعه الأصولي خطأ، هنا ينشأ عندنا الشذوذ، ينشأ عندنا شذوذ وخلاف الصواب والابتعاد عن منهج الكتاب والسنة.

أما إذا جاء مجتهد وبشروطه -لاحظوا قلنا مجتهد فيه شروط الاجتهاد التي يبينه الأصوليون- جاء هذا الشخص بهذه الشروط فاستخدم الأدلة التفصيلية في القوالب الصحيحة أفرغها، فانه سينتج لنا ماذا؟ حكما شرعيا صحيحا. فهذه علاقة الأصول بالفقيه، هذه علاقة الأصول بالفقيه، عليك دائما أن تتصور أن أصول الفقه مع الفقه بهذه الطريقة يتعامل. وضحت هذه الصورة؟

كذلك مثلا الغزالي رحمه الله تعالى في المستصفى -هذا القلم ينازع، يعني لاحظ يكمل معي- الغزالي رحمه الله تعالى مثل للعملية بقضية زراعية، إحنا مثلناه بقضية صناعية، القسم الزراعي، القسم الزراعي أيها الأحبة الغزالي رحمه الله قال: عندنا شخص يطلب الثمرة المزارع سماه المستثمر، الألف والسين والثاء يا جماعة الصرف تدل على الطلب.

طيب المزارع المستثمر هذا المزارع يزرع -ليست هي التي يزرع في الحقيقة، عنده شجرة جاهزة- هذه الشجرة هي أصول الفقه، هذه الشجرة في الحقيقة لا يزرعها المزارع المستثمر؛ لأن المزارع المستثمر يمثل عنده ماذا؟ المجتهد، والمجتهد هذا هو الفقيه، فهذا إذا كان أصوليا نتكلم عنه باعتباره أصوليا، لكن الآن سنفرض أنه مجتهد ليس أصوليا بحتا. هذه الشجرة زرعها وغرسها شخص أصولي حتى أثمرت وأخرجت، الآن المجتهد تعرض من الأصول من خلال تعلم علم الأصول، وجاء على الأصول قال: كيف استثمر هذه الشجرة لإنتاج الثمار؟ ما هي الطرق الصحيحة في التعامل مع هذه الشجرة حتى أحصل الثمار؟

ما هي الثمار؟ الأحكام الشرعية أحسن، الثمرة هي الحكم الشرعي، لذلك يقول الغزالي: والثمرة هي الحكم الشرعي. فالآن المجتهد عنده شجرة هي علم أصول الفقه، يتعلم من الأصول كيف يسقي هذه الشجرة، كيف يتعامل معها، كيف يقلمها، كيف يهذبها. هذا التعامل الذي هو عبرنا عنه في تعريف أصول كيفية الاستفادة من القواعد؛ يبين الأصولي للمجتهد كيف تتعامل مع هذه الشجرة، كيف تتقنها، تهذبها، تقلمها.

عندما تتكلمها وتتقن التعامل معها، حينئذ تؤتيك ماذا؟ الثمر. إذا لم تخرج ثمرا أبدا، فاذا هناك مشكلة في كيفية تعامل المستثمر أو المزارع أو المجتهد مع هذه الشجرة. إذا هذا تصور آخر في علم أصول الفقه، ولعلاقة أصول الفقه بالفقيه.

الآن أيها الأحبة المبدأ الثاني من المبادئ العشرة -المبدأ الأول أخذ معنا اليوم كامل- أن مبادئ كل فن عشرة الحد، خلصنا حد أصول الفقه. ما موضوع أصول الفقه؟ هذا تكلمت عنه كثيرا، ما موضوعه؟ الأدلة الإجمالية، فهذا ما معنى أن موضوع علم أصول الفقه الأدلة الإجمالية؟

ما معنى هذا الكلام؟ يعني أن المحور أيها الأحبة، المحور الذي يدور حوله بحث الأصول وكلامه، ويقرر القواعد حوله هي الأدلة الإجمالية، فهذا هو المحور، هنا محور وهنا أيها الأحبة اصول عمل الأصول، المحور الأدلة الإجمالية والأصول يبحث في القواعد التي تتعلق بالأدلة الإجمالية.

ما معنى الأدلة الإجمالية؟ أيوه هذه أحد مسلمات مصادر التشريع؛ يعني الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هذا المتفق عليه، المختلف فيه: استصلاح، استحسان، سد ذرائع، قول صحابي. فالأصولي يأتي إلى هذه الأدلة الإجمالية إلى مصادر التشريع، ماذا يفعل فيها؟ يثبت حجيتها، يثبت قواعدها، هذا من خلال التعريف عرفناه، يبين كيفية التعامل مع القواعد صحيح.

ثم بعد ذلك على سبيل التبع يبين حال المستفيد: من هو الشخص المجتهد المؤهل للاستفادة من هذه القواعد؟ ومن هو المقلد الذي يستفيد الأحكام من المجتهد وليس له أن يتعامل مع هذه القواعد؟

طيب بعد ذلك أيها الأحبة، كم بقي يا شيخ؟ ما بقي خلاص، ما بقي شيء عصرناكم عصر. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.