بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملاً كريم، أما بعد.
في صباح هذا اليوم، يوم الجمعة العشرين من شهر ذي القعدة من عام أربعين وأربعمائة والألف، نستفتح التعليق على كتاب بغية الناسك في أحكام المناسك للشيخ محمد بن أحمد الباغوتي المشهور بالخلوة رحمه الله تعالى. وذلك لقرب منسك أو قرب زمن الحج بلغنا الله وإياكم هذا الزمن وهذا الموسم ونحن في أتم صحة وعافية، ووفقنا لاستغلاله بما ينفعنا في ديننا ودنيانا.
وحقيقة أن هذا المنسك يعتبر رحلة متكاملة للحج؛ ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى من حين سفر الإنسان إلى مكة حتى رجوعه منها، فتكلم عن شيء من آداب السفر والأحكام الفقهية المتعلقة أو التي تمس حاجة المسافر إليها من مكان قصر الصلاة والجمع بين الصلاتين، وأيضا مسح الخفين والتيمم ونحوها. ثم تكلم عن أحكام المناسك؛ بدأ من شروط الحج وشروط العمرة إلى أن انتهى من أعمال الحج، ثم ختم ذلك بالرجوع من مكة إلى المدينة وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقبره، وهم يتكلمون عنها في أحكام الحج لأنهم كانوا قديماً الرحلة إلى الحج مكلفة، رحلة أهل الآفاق الحج مكلفة، فقد لا يتيسر للإنسان في عمره كله إلا قدوماً واحدا إلى مكة، وإذا قدم إلى مكة فيقدم إلى المدينة بقربها منها نسبياً، فيتكلمون عنها هنالك.
زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا علاقة لها بالحج، لا علاقة لها بالحج فهي زيارة مستقلة. وتكلم عن حكم المجاورة في مكة وآداب العودة إلى بلد الإنسان، وهذا كله يعني برحلة كامله متكاملة عن هذه العبادة والشعيرة العظيمة. وسيكون التعليق عليها تعليقاً على ما يشكل، لن نقف على كل جملة، الحمد يعني تعليق على كتاب الحج من كتب الحنابلة في منتهى الإرادات، وفي الروض المربع، وفي زاد المستقنع قبلهما، فمن أراد الاستزاده يرجع إلى ما هنالك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا لشيخنا ولجميع المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، حمدا لمن نطق اللسان بذكره تسبيحه وتهليلا، وصلاة وسلاما على سيدنا محمد المنزل عليه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وعلى آله الذين مهدوا قواعد الشرع وبينوه تعريفا وتاصيلا، صلاه وسلاما دائمين متلازمين بكره وأصيلا.
وبعد، فيقول أفقر الوراء ربي علي محمد بن أحمد بن علي باهو حنبلي: هذا ما اشتدت إليه رحال السالكين، وامتدت إليه أعناق الناس فضل السفر وإعداده، وكيفية الترخص واستحبابه، وشرف النسك وطلابه، ودمر راغبين عن قصده وطلابه، وبيان كيفية النسك وأماكنه وأوقاته وشروطه وأركانه واجباته ومسنوناته. قصدت جمع ذلك حين يسر الله المسير إلى حج بيته الحرام وزياره قبر نبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك عام أربع وخمسين وألف من الهجره النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، ساركا في سبيل الاختصار، غاضبا في ثواب الملك نوفا، ورتبت ما قصدت جمعه على مقدمه وخمسه ابواب وخاتمه بايه ملكيه يتم الكتاب، وسميتهم بغيه الناسك في احكام المناسك، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
هنا نتكلم المؤلف رحمه الله في هذه المقدمة عن ذكر أولا اسمه، فيقول: أفقر الوراء إلى عوف رب العالمين، وهذا مما يستفاد منه اسم مؤلف الكتاب ونسبة الكتاب إلى مؤلفه. وذكر أيضا متى ألف هذا الكتاب، وأنه ألفه عام 54 وألف من الهجرة، وذلك بعد وفاة شيخه الباروتين رحمه الله في ثلاث سنوات. الشيخ منصور توفي عنه واحد وخمسين وألف من الهجرة.
وقال في سبيل الاختصار؛ ليس فيه تفصيلات ومناقشات واستدلالات، وإنما يذكر الأحكام، وقد يذكر أدلة بعض الأحكام، وأنه يذكر الأحكام، ويسمى أيضا وذكر اسم كتابي في أحكام المناسك، أي ما يبتغيه ما يطلبه الناسك من أحكام المناسك. وهذا أحد المناسك الحنبلية التي ألفت في فقه الحنابلة رحمهم الله تعالى، ولهم كتب كثيرة في ذلك، ومن أولهم إمامهم هذا المذهب فله كتابا منسك كبير لم يطبع لكن يعني ينقل عنه الأصحاب رحمهم الله تعالى، وتتابع الحنابلة وعمام الله تعالى في تاريخ المناسك، وقد ذكر الشيخ بكر رحمه الله تعالى بكر زيد رحمه الله في المدخل المفصل جملة من كتب المناسك المؤلفة على مذهب الحنابلة.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان